Category

2011

2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأعمى / الأحد 29 أيار 2011 / العدد 22

يوحنا الإنجيلي كتب هذا الفصل الطويل عن المولود أعمى ليس فقط للحديث عن أُعجوبة صنعها يسوع ولكن ليقول من خلالها انه هو الذي يعطي النور وان عدم الاعتراف بالمسيح هو العمى بعينه. منذ مطلع الإنجيل الرابع الذي منه أُخذ هذا الفصل يقول الرسول: «النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تُدركه… كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا الى العالم». كل إنجيل يوحنا مليء بالحديث عن النور.

كان الاعتقاد السائد عند اليهود أن الانسان تصيبه مصيبة عقابًا له على خطيئة. يردّ السيد بقوله: «لا هذا أخطأ ولا أبواه». لا يرث الإنسان نتائج المعاصي التي ارتكبها والداه. يتجاوز السيد هذا النقاش بشفائه المولود أعمى. «عاد بصيرًا». في نهاية الحديث عن الشفاء يصبح هذا الرجل بصيرًا من الناحية الروحية إذ يؤمن بيسوع. الشفاء الجسدي كان طريقا للشفاء الروحي إذ قال ليسوع: «آمنتُ يا رب، وسجد له».

يُدخل الإنجيليّ بمناسبة هذه الأعجوبة نقاشًا لاهوتيا بين يسوع والفريسيين لأن الأعجوبة تمّت يوم سبت وهُم أَدخلوا على ناموس موسى أن الأعجوبة عملٌ ولا يجوز العمل يوم سبت، وكانوا قد سمعوا قول المعلّم: «ما كان الإنسانُ للسبت بل السبتُ للإنسان».

قضية السبت كما يفسّرها الفريسيون كانت من الأسباب الرئيسية لدفع الفريسيين إلى أن يحرّضوا الشعب لقتل السيد. الرب يسوع كان ضحيّة هذا التفسير الخاطئ للسبت، ضحية النظام المستبدّ الذي وضعه البشر وما جاء من موسى.

هناك جزء من النقاش، هذا الذي جرى بين أهل هذا الشاب والفريسيين. هل كان أعمى أَم لم يكن أعمى. رفضوا رفضا كليا واقعةً وهو أن الأعمى شُفي أي انهم دخلوا في الظلمة مع أنهم رأوا الحقيقة ولكنهم لم يريدوا أن يعترفوا بها لأنهم لو فعلوا هذا لأَقرّوا أن يسوع على الأقل نبيّ او هو المسيح المُرتجى. كانوا رافضين أن يُقرّوا بهذا لئلا يفقدوا نفوذهم في الشعب اليهودي ويضيع مذهب الفريسيين الذي

أدخلوه على العقيدة اليهودية الصافية. يجب ألا يكون هذا الغلام أعمى. يجب أن يُصرّوا على هذا حتى يُنقذوا أنفسهم.أمام الحقيقة ولو بدت لنا حقيقة يمكننا أحيانًا أن نهرب منها لأنها إسلام النفس الى المخلّص اي توبة كاملة عن خطايانا. أنت إمّا تكون مع يسوع اي مع كلّ ما علّمه ونادى به او تكون مع ظلام قلبك وظلام خطاياك.

إنجيل الأعمى هو الخيار بين أن نكون كليا للرب أو لا نكون. إن كنا جزئيًا له فهذا لا شيء. «لتكن مشيئتك». بهذا نخلُص لا بمشيئتنا نحن.

المسيح هو النور الكامل ولا نختار أجزاء من النور. أجزاء من النور هو العمى.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

السامرية / الأحد 22 أيار 2011 / العدد 21

لما كان يسوع ذاهبًا من اليهودية الى الجليل كان لا بدّ له أن يجتاز السامرة، فأتى الى مدينة سوخار القريبة من نابلس. هناك بئر يعقوب القائمة حتى الآن وشُيّدت الى جانبها كنيسة أرثوذكسية. وجلس السيد عند البئر.

عند الظهيرة وصلت امرأة سامرية اي غريبة الجنس ومنحرفة عن الديانة اليهودية، وجرى بينهما حوار من أروع ما جاء في الأناجيل. طلب منها المعلم أن تسقيه إذ كانت حاملة جرّة، ولكنها استغربت طلبه إذ ليس من اختلاط بين اليهود والسامريين. تخطّى يسوع ما يفصل الشعبين ووعدها بأن يعطيها ماء حيا. لم تفهم أنه شيء آخر عن الماء الذي كان في البئر. قالت: من أين لك الماء الحي؟ إذ ذاك نقلها الى صعيد آخر: «من يشرب من الماء الذي أنا أُعطيه فلن يعطش الى الأبد. بل الماء الذي أُعطيه له يصير ينبوع ماء ينبع الى حياة أبدية». هذا اذًا ماء تختلف طبيعته عن هذا الذي في البئر. ماذا يكون؟ كيف يكون؟

رغبت في هذا الماء. لم يكن بوسع يسوع أن يعطيها للحال ماء من ملكوته لأنها كانت زانية. ولا تستحق عطاء من السماء اذا كانت مُصرّة على السلوك الذي كانت تسلكه. لذلك غير السيد مجرى الحديث إليها وقال لها: اذهبي وادعِ رجُلَك. اعترفتْ أنه لا رجُل لها ثم اعترفت لقومها أن يسوع نبيّ. وأرادت أن تدخُل نقاشًا لاهوتيًا. قالت: «آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وانتم تقولون ان السجود هو في اورشليم». المسيح أَبطل عقيدة السامريين الذين كانوا يسجدون في منطقتهم وأبطل السجود في أورشليم: «تأتي ساعة وهي الآن حاضرة اذ الساجدون الحقيقيّون يسجدون للآب بالروح والحق». تسجد قلوبهم إذا عرفوا الآب وابنه وروحه. الهياكل القديمة الآتية من موسى لم يبقَ لها معنى. وهيكل أورشليم لا يسكنه الله من بعد عودة اليهود من سبي بابل. سمّى يسوعُ بعد هذا نفسَه الهيكل. وبتنا نحن بعد قيامته امتدادًا لهذا الهيكل. «ألستم تعلمون أن أجسادكم هياكل للروح القدس؟».

انتقلت هذه المرأة بعد كلام السيد الى فكره والى السلوك الذي أراده لها، وبشّرت أهل السامرة بالمعلّم. ولما سأله السامريون أن يُقيم عندهم أقام يومين، وآمن به جمع كثير لما رأوه وخاطبوه. المرأة أوصلتهم الى المعلّم وأَقرّوا «نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم». فكرة أن المسيح مخلّص العالم لم تكن معروفة عند السامريين ولا عند اليهود. نزل عليهم مضمون الإنجيل، ثمّ بعد قيامة المخلّص عرف المهتدون الى يسوع أنه مخلّص العالم كلّه متخطيًا اليهود والسامريين وكل الشعوب. الروح القدس كشف للناس أن يسوع مخلّص العالم في موته وقيامته.

اكتشاف القلب ليسوع يجعلنا متعلقين به وحده ولسنا مكبلين بشيء او بموضع او بعائلة او بذاكرتنا او بخطايانا. يسوع يرفع عنا الأثقال ويجعل كلاّ منّا تلميذًا حبيبًا مُلقى على صدره وعظيمًا في الملكوت.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

عجائب الرسل / الأحد 15 أيار 2011 / العدد 20

كلمة «قديسين» الواردة في هذا الفصل تدلّ على جميع المسيحيين. لما كتب بولس الى أهل كورنثوس رسالته الأولى، سمّاهم قديسين لأنهم مقدّسون بالحق وبالمعمودية. هذه كانت الفترة الأولى من الانتشار المسيحي. وبعد أن وصلوا بالبشارة الى أنطاكية، سُموا فيها مسيحيين. في مدينة لدّة الفلسطينية القائمة الى الآن، وجد بطرسُ مخلّعًا أي مشلولا، فقال له: قم وافترش لنفسك، فقام للحال.

ثم يحدّثنا هذا الفصل عن صبية في يافا مرضت وماتت. دُعي بطرس الى بيتها وجثا على ركبتيه وصلّى وقال: يا طابيتا (أي يا ظبية) قومي، فقامت.

كانت ثمرة إقامة الرسول لإينياس في اللد ولطابيتا أن آمن كثيرون بالرب يسوع. هذا الأمر ليس فيه عجب، فقد قال السيد لتلاميذه: «طهّروا البُرص واشفُوا المرضى» (أي انه أعطاهم السلطان الذي كان له من الآب، و نقلوه بقوة القيامة).

هذه العجائب استمرّت في الكنيسة على أيدي القديسين الذين كانوا مثل الرسل يعملون بقوة القيامة. نحن لا نقول ان كل قديس أتت عن يده معجزة. ولكن نُسمي بعض القديسين مثل مار نقولا ومار اسبيريدون صانعي عجائب.

الفكرة أن الله قادر أن يشفي المريض خارج قوانين الطبّ لأنه ليس مُقيّدًا بقانون الطبيعة. لا نعرف كيف تحصل الأعجوبة، كيف يستعيد الأعمى البصر او المشلول الحركة. الشفاء يتمّ بمشيئة الله.

ليس عندنا مكتب طبّي يقرّر إذا حصلت أعجوبة أم لم تحصل. نلحظ فقط أن شيئا يفوق قدرة الطبيعة حصل ونمجد الله. هذا لا يعني أن نكون سريعي التصديق لكل ما يتحدّث الناس عنه. فأنت حُرّ أن تُصدّق اذا رُوِي لك عن أعجوبة، وحرّ ألاّ تُصدّق، ولا ينبغي أن يُكفر أحدُنا الآخر. ما عدا العجائب التي ذُكرت في الإنجيل أنتَ حرّ أن تُصدّق او ألا تُصدّق. ولكن إن رأيتَ ثمارًا فاشكر الله أنه أتى بشيء جديد.

ما عدا الشفاء، قام ربنا بأشياء أهم من كل المعجزات التي أتت عن أيدي الناس. تجسّدُه من العذراء، تحويله الخبز والخمر الى جسد الرب ودمه، قيامته من بين الأموات، التقديس الذي يحصل بعد توبة، هذه كلها تدلّ على أن الله يعمل العجائب باستمرار ويفتقدنا دائما برحمته.

الكل ابتدأ بقيامة المخلّص. نحن ينبغي أن نعرف أننا قياميون وننتظر الأعجوبة في كل وقت ونُقدّس أنفسنا بمداخلات الله في حياتنا حتى نعرف أن العهد الجديد لا يزال فاعلا.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

السبعة / الأحد 8 أيّار 2011/ العدد 19

ما هو هذا التذمّر من اليونانيين والعبرانيين في الكنيسة الأولى في اورشليم؟ اليونانيون هم اليهود الذين تنصّروا وعاشوا مدة طويلة خارج فلسطين وتلقّوا شيئًا من الثقافة اليونانية وما كانوا قادرين أن يفهموا اللغة الآرامية التي كان يتكلّم بها سكان فلسطين بما فيهم المسيحيون الفلسطينيون. أمّا الذين يسمّيهم سفر الأعمال عبرانيين فكانوا يهودَ فلسطين الذين تنصّروا وما هاجروا فما كانوا يتحدّثون إلا باللغة القومية لأهل فلسطين أي الآرامية.

تذمّر اليونانيون على العبرانيين بأن «أَراملهم كُنّ يُهمَلن في الخدمة اليومية» اي في الإعاشة التي كانت توَزّع.

كان لكل من هاتين الجماعتين مجامع (المجمع هو ما نُسمّيه الكنيس اليوم) حتّى تستطيع كل جماعة أن تفهم الوعظ بلُغتها.

المعروف أن التوراة كانت تُقرأ فقط باللغة العبرية عند اليونانيين وعند العبرانيين، ولكنها كانت قد اندثرت. لذلك كان الوعظ يُلقى باللغة اليونانية او اللغة الآرامية حسب المعرفة اللغوية لكل شعب.

عند هذه المشكلة عَيّن الرسلُ سبعة رجال. قال معظم المفسّرين ان هذا الانتقاء كان تأسيس نظام الشمامسة، وسمّت الكنيسة القديسَ الشهيد استفانوس وهو مُسمّى بينهم شماسًا.

الرسل وضعوا عليهم الأيدي وهي عبارة تدلّ على عملية تقديس لعملٍ يتعلّق بالأسرار وليس تبريكًا بسيطًا. وتعيين إنسان يقوم بإعاشة الأرامل لا يتطلب وضع أيدٍ. واللافت في اختيارهم أن المُسمّى اوّلاً بينهم استفانوس كان «رجلا ممتلئًا من الإيمان والروح القدس» اي لم يكن أُميّا من جهة المعرفة الإيمانية، وقد دلّ على ذلك خطابه الذي ألقاه على اليهود الذين قتلوه رجمًا.

بعد هذا تقول الرسالة: «وكانت كلمةُ الله تنمو وعددُ التلاميذ (أي المسيحيين) يتكاثر في اورشليم جدا». كلمة «تلاميذ» أُبدلت بـ«مسيحيين» في ما بعد في أنطاكية. ثم تقول الرسالة: «وكان جمعٌ كثير من الكهنة يُطيعون الإيمان»، ويريد بذلك كهنة اليهود الذين أخذوا يؤمنون بيسوع، وهذا يفسّر أن الجماعة اليهودية اضطهدتهم بسبب من ذلك ما دفع أحد المسيحيين الكبار جدا أن يكتب الرسالة الى العبرانيين ليقوّي بالإيمان الكهنة المُهتَدين الى المسيح واليهود الذين كانوا تحت القمع.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

توما / الأحد أول أيار 2011 / العدد 18

أراد الإنجيليون وقبلهم بولس أن يؤكدوا القيامة ليس فقط بذكرها لقارئ العهد الجديد ولكن بالإتيان بأمور محسوسة هي ظهورات السيد وعددها أحد عشر. أولى الظهورات تمّت عند دخول السيد علي التلاميذ مساء القيامة وهم مجتمعون خوفًا من اليهود إذ كانوا معرّضين للموت والسجن والتعذيب لانتمائهم الى هذا الذي رفعه اليهود على الصليب.

فبعد أن ألقى السلام عليهم «أراهم يديه وجنبه» حتّى لا يظنّوا أنه خيال، أي حتّى يتأكدوا أن هذا الذي عرفوه وشاهدوه مصلوبًا هو نفسه الذي دخل عليهم. هناك أهمية كبيرة على أن الجسد الذي علّقه اليهود على الخشبة هو ذاته الذي قام من بين الأموات ليكون الفداء قد حصل.

توّا بعد التسليم عليهم قال: «كما أَرسلَني الآب كذلك أنا أُرسلُكم». واضح انه دعاهم في بدء البشارة، ولكنه الآن ثبّتهم في الرسالة لأن إرسالهم مرتبط بقوّة القيامة. بعد هذا بخمسين يومًا بعث اليهم بالروح القدس ليمتلئوا من قوة القيامة ويُعطوا الناس هذه القوة.

في هذا الاجتماع الأول، ما كان توما معهم، فأخبروه بما رأوا، ولكنه كان يريد تأكيدًا فقال: «إن لم أُعاين أَثر المسامير في يديه وأَضع يدي في جنبه لا أؤمن». كيف عايش توما رفقاءه بعد هذا، هل كانوا يناقشون حول القيامة؟ بالتأكيد كانوا يُصلّون معًا حتى جاء الأحد اللاحق ليوم القيامة، هذا الذي نقيم ذكراه اليوم ونُسمّيه أحد توما أو الأحد الجديد، وهو اليوم الثامن بعد الفصح.

فيه أتى يسوع والأبواب مغلقة. المعنى أن يسوع لم تمنعه الجدران من الدخول الى القاعة التي كان فيها التلاميذ. لم يقل الكتاب ان السيّد اخترقها. تراءى يسوع بقوته وحلّ بينهم. لا يفسّر الإنجيل كيف كان الحلول. سلّم عليهم وتوجّه مباشرة الى توما قائلا له: «هاتِ إصبعك الى ههنا وعاينْ يديّ، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكُنْ غير مؤمن بل مؤمنًا».

لا نعرف حقًّا اذا تغلّب توما على شكّه بتفتيش جنب يسوع وأثر المسامير أم أن كلام يسوع وحده أقنعه وأحجم عن التفتيش. المهم أنه قال له: «ربّي وإلهي». وكلمة ربّي واردة باليونانية بصيغة التعريف، والمعنى: أنت هو الرب وأنت ربّي. هي اعتراف من توما على أن يسوع هو الرب الوحيد. وحتّى لا يظنّ أحد أنه يُسمّيه ربّا بمعنى سيّد من الأسياد، أضاف توما أنت إلهي. هذا اعتراف أن يسوع الناصريّ هو الإله الحقيقيّ الكامل.

كان شكّ توما مفيدًا حتى يتكوّن عندنا اليقين بأن يسوع قام من بين الأموات وأنه بهذه القيامة تيقّن تلاميذُه أنه الرب والإله. شهادة توما هي من الشهادات القوية إن لم تكن الأقوى على أن يسوع قام حيًّا غالبًا الموت.

أعاننا توما على أن نؤمن دون أن نرى وأن نستحقّ سرور السيد بنا وهو القائل: «طوبى للذين لم يَرَوا وآمنوا». أَعطنا يا سيّد أن نكون مِن هؤلاء.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

القيامة / الأحد 24 نيسان 2011 / العدد 17

القيامة حدثٌ ومعنى. أما الحدث فهو انبعاث المسيح من الموت بذات سلطانه، وجرى يوم احد سحرا او صبحا. وهو انبعاث الجسد نفسه الذي صُلب روحانيا وممجدا، والمهم التأكيد أننا لسنا أمام هيئة جديدة ليسوع الناصري وإلا لما كان خلاص. نحن أمام استمرارية هذا الجسد وهذا العقل البشري والنفس البشرية ذاتها. ولكنه جسد سطع منه النور الذي كان مخفيّا فيه. لذلك نقول إنه جسد ممجّد.

هذا كان الحدث. وأما معناه وأثره فهو غلبة المسيح للموت فإنه «وطئ الموت بالموت» كما تقول طروبارية العيد، وقد اوضح هذا بولس الرسول في مناسبة كلامه على المعمودية اذ قال: «أَم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته (أي لنصير الى موته) فدُفنّا معه بالمعمودية للموت (اي لإماتة الخطيئة) حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن ايضا في جدّة الحياة لأننا إن كنّا قد صرنا متّحدين معه بشبه موته نصير أيضا بقيامته» (رومية 6: 3-5).

والأثر الذي تركته القيامة في المسيح أن «المسيح بعد ما أُقيم من الأموات لا يموت ايضا. لا يسود عليه الموت بعد» (رومية 6: 9).

الحدث ثابت بأمرين أوّلهما أن التلاميذ والنساء الذين ذهبوا الى القبر وجدوه فارغا ووجدوا الحجر مدحرجا عن القبر ورأوا ظهورات للسيد عدّدها الإنجيل ووصفها، والظهورات دلّت على أن الذي عرفوه قبل موته هو إياه الذي رأوه بعد موته. أما الغلبة على الموت فور حدوثه أي عدم تسلّط الموت عليه فهي تملأ كل الثلاثية الممتدّة من يوم الجمعة الى صباح الأحد بحيث لا يجوز أن نقول ان الموت غلب المسيح ثلاثة أيام وأنه في نهايتها فقط انتصر المسيح. منذ لحظة فراق روحه البشريّ لجسمه كان يسوع منتصرًا، ولذلك لا نقول في الأناشيد هذه الثلاثية مرة واحدة «جثة المسيح» أو «جثمانه» ولكن نُصرّ على استعمال عبارة «جسد المسيح».

فإذا تناولنا جسد الرب ودمه نكون متناولين لجسد حيّ، أي نكون متّحدين بهذا الذي قام من بين الأموات وجلس عن يمين الآب. فالمعمودية وسر القرابين كلاهما تعبير عن حياة المسيح فينا اي إحياء جسدنا ونفسنا.

من هنا أن الموت لا يُخيفنا بعد أن بتنا أحياء بيسوع المسيح. بهذا الانتصار الذي تمّ مرة واحدة صرنا «أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا» (رومية 6: 11)، وغدونا مدعوّين لتجديد حياتنا بالروح القدس.

عندما نجيب على التحيّة «المسيح قام» بـ«حقًّا قام» لا نقصد فقط الحدث الذي تمّ في شخص المخلّص، ولكنّا نُعلن أن قيامته معطاة لنا حياة جديدة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

دخول أورشليم/ الأحد 17 نيسان 2011 / العدد 16

إنجيل الشعانين يبدأ بغسل مريم قدمي يسوع بالطيب، ثم عن مؤامرة اليهود لقتل لعازر أخيها لأن وجوده يبيّن قدرة يسوع وهذا مؤذٍ للقضية اليهودية. فليُقتَل إذًا صديق يسوع. هذا أمر مألوف في الجرائم.

بعد هذا، السرد لدخول يسوع أورشليم آتيًا من الجليل وبائتًا في بيت عنيا قرية لعازر وأختيه، وهي ضاحية من ضواحي المدينة المقدسة. يدخل عارفًا بأنه سيموت فيها وقد تنبأ بذلك كما هو وارد في الإنجيل.

استقبله بعض القوم ومنهم من رأوه قد أقام لعازر من بين الأموات. هؤلاء صاروا يميلون الى الاعتقاد به. هل مالَ بعضٌ منهم الى رؤساء اليهود لمّا قالوا لبيلاطس «اصلبه اصلبه» كما يزعم بعض؟ لا نعلم. المهم أن نعتبر نحن أننا، اذا صرنا له، عيبٌ علينا أن نُنكره.

بين دخول المدينة وصَلب يسوع تمّت حوادث وتكلّم يسوع كثيرًا. حسب إنجيل يوحنا، الذي اقتطعنا منه هذه القراءة، يوم الإثنين يطهّر يسوعُ الهيكل. الثلاثاء يُعلّم في الهيكل. الأربعاء تتمّ المؤامرة على يسوع. الخميس يكون العشاء السري وبعده خطبة الوداع. وبعد ذلك إلقاء القبض على السيد ومحاكمته. والجمعة صلبه وموته ودفنه.

يقبل يسوع الموت الذي من أجله جاء. يسوع في هذا كان يصنع مشيئة الآب ويكشف محبته للبشر.

نحن في أحد الشعانين نفتح قلوبنا لتدخل اليها محبة المسيح لنتجاوب وإيّاها فنقدر أن نعيش إذا أخذناها بالروح القدس.

عند مساء أحد الشعانين نُقيم صلاة الخَتَن وكذلك الإثنين العظيم والثلاثاء العظيم بحيث تدعو كل نفس المسيح المبارك ليصير خَتَنَها اي عريسها كما هو عريس الكهنة.

وفي كل الأيام (أي الإثنين والثلاثاء والأربعاء) نتناول جسد الرب في القداس السابق تقديسه حتى نحيا بالمسيح حقا كل يوم. ويوم الخميس نُقيم ذكرى العشاء السرّي بالقداس العادي وهو ذروة في حياة الجماعة المقدسة، حتى نصل الى خدمة الآلام وقراءة أناجيلها فنلبس المسيح الذاهب الى فدائنا وحبّنا وننشد آلامه طوال يوم الجمعة العظيم متهيّئين لقيامته منذ سبت النور حتى يُطلّ علينا نورُ القيامة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

شغف السلطة/ الأحد 10 نيسان 2011 / العدد 15

يعقوب ويوحنا ابنا زبدى أَظهرا أنهما كانا محبّين للسلطة فطلبا الى يسوع أن يجعلهما وزيرين في مملكته التي ظنّا أنها مملكة سياسية. رفض السيد أن ينفّذ لهما هذه الشهوة. هو ما جاء ليُنشئ دولة على الأرض ولكن أن يغيّر كل شيء بالإنجيل. تلميذ المسيح لا يطمح أن يخدمه عن طريق السياسة. نحن لنا لغة أخرى وأساليب أخرى.

بعد سقوط التلميذين يعقوب ويوحنا، قال يسوع لتلاميذه: «أنتم تعلمون أن الذين يُحسبون رؤساء الأُمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلّطون عليهم». في الكنيسة ليس أحد يجعل نفسه سيدا، وما من أحد يتسلّط على الآخرين. السلطة بمعنى الأمر والنهي والاستعلاء والتلذّذ بإعطاء الأوامر وبأن نُطاع ليست من العهد الجديد. حياتنا في العهد الجديد كله خدمة، وانت تأخذ مكانتك من الخدمة. لذلك أَكمل السيد كلامه بقوله: «من أراد أن يصير فيكم عظيما، يكون لكم خادما». عظمتك إذًا بمقدار الخدمة. علاقتك بالناس تبدأ من دخولك في خدمتهم. بعد هذا، أَكمل يسوع هذا المعنى بقوله: «من أراد أن يصير فيكم أولاً، يكون للجميع عبدا». العبد في الحضارات القديمة ليس له إرادة بذاته. إرادته إرادة سيده. هو لا شيء أمام سيده.

في الكنيسة والمجتمع انت تلبّي رغبات الآخرين. تتحسّس حاجات الآخرين لتُلبّيها حسب استطاعتك. «كنتُ جائعا فأَطعمتموني وعطشانًا فسقيتموني وعريانا فكسوتموني».

ويختم السيد هذا المقطع بقوله: «لأن ابن الانسان أيضا لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين». هذا الكلام صدى لقوله قبل ذلك بقليل لمّا تكلم عن آلامه وموته وقيامته. تموت أنت في الخدمة. تبذل نفسك في العناية اليومية، الدقيقة بكل من جعله الله في طريق حياتك.

هذا الفصل من مرقس يُلائم فترة الصوم التي نحن فيها لأنها خدمة مخصّصة للفقراء ولرعاية أَحدنا للآخر. الصوم بعضٌ منه حمية عن طعام، ولكنه خدمة للآخرين إذ نصلّي من أجلهم.

هذا أحد يتجلّى فيه عطاءُ مريم المصرية حياتَها ليسوع. خَدَمَتْه وخدَمَتْنا جميعا لما تأمّلنا توبتها. الآخرون هم كل شيء. اذا هم أخذوا منك ما أَعطيتهم يشعرون أن المسيح هو الذي يُعطيهم، ويشعرون أنهم يعظُمون بنعمته، واذا هم كبروا بها تمتدّ منهم الى إخوتهم. تتلازم في هذا الموسم الطيّب الصلوات ومشاركة الفقراء بالعطاء والصلاة. هذه كلها اذا اجتمعت تغدو مسيرةَ تواضُعٍ وطريقا للملكوت.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء الإيمان/ الأحد 3 نيسان 2011/ العدد 14

ولدٌ مريض يقول أبوه للمعلّم سائلاً الشفاء «ابني به روحٌ أبكم» اي روح شرير سبّب له الخرس وعوارض مرضيّة تدل على داء الصرع. الوالد يطلب الشفاء «إن استطعت شيئا فتحنّنْ علينا وأَغثنا». إيمانه بيسوع غير واضح، إلا أنه سمع بأن الناصريّ صانع عجائب، فلماذا لا أطلب أعجوبة. المسيح يواجه هذه النفس المضطربة. يلاقي هذه الرجل على طريق شكّه فيقول له: «إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن». الرب يتنازل اليه علّه يتحرك، لعلّه يؤمن. يبكي هذا الرجل كأنه رأى في سؤال يسوع له دعوة الى ايمانٍ متتزعزع عنده.

عند ذاك، يقول هذا الرجل: «إني أومن يا سيد، فأَعنّي على رغم عدم ايماني»، والأفضل انها تعني: قوِّ رغبتي في الإيمان ورغبتي في شفاء ولدي.

لمّا سأل التلاميذ المعلّم: «لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟»، قال لهم «إن هذا الجنس لا يمكن أن يخرج الا بالصلاة والصوم». ربما أرادت الكنيسة قراءة هذا الفصل من مرقس في هذا الموسم الصياميّ لكون النص جمع بين الصلاة والصوم، وهما رُكنا هذه الفترة الصيامية.

الصوم يدلّ على أن تفريغ البطن من الطعام هو إرادة أن نملأ شخصيتنا الداخلية من كلمة الله، ومن هذه الزاوية هو والصلاة واحد. والصلاة هنا لا تعني مجموعة صلوات مرتّبة كل يوم طقوسا محدّدة، ولكنها الشركة مع الله، الاتحاد به بحيث إذا طلبت شفاء مريض مثلا يكون الله هو الفاعل بواسطتك هذا الشفاء، اي تكون وربك قائما بالعمل نفسه.

التلاميذ لم يكونوا، عند ذاك، أصحاب هذه القدرة. ما كان الروح القدس نازلا عليهم وما كان ملأَهم بتلك النعمة التي تراهم عليها في سفر أعمال الرسل. المرضُ غالبا ما كان هبوطا للكيان، تخلّفًا ما، أزمةً ما، والسلامة هي ما يريده الله. غالبا ما كانت نهوضا وتسهيلا لسيرنا نحو الله وعلامة للكمال الروحي. لذلك يريدها الله ويمهّد لها بواسطة المؤهلين لاستنزالها من الله. يهيء لها بإيمان من يشفى وإيمان المحتاج الى السلامة. لذلك وضع الله سرّ مسحة المرضى الذي يعبّر عن حنان الرب ودعوة الى شكره وتسبحته.

الله في المؤمن يعطيه المؤمن لمن احتاجَ الله. فكما تدفع الإنسان الى توبة بالإله الذي انت تائب اليه، تلتمس من الإله القدير فيك أن يحلّ على المريض ليقوم من كبوته ويلتصق بربه بالصحة.

المقطع الأخير هذه التلاوة الإنجيلية هو ما نسمّيه الإعلان الثاني عن الآلام، وهذا سرد في طريقنا الى القيامة التي هي غاية الصوم الذي نحن فيه. ومع أن يسوع أعلن قبل ذلك موتَه وقيامتَه، بقي التلاميذ غير فاهمين لأنهم لن يفهموا غاية آلامه إلا بعد أن تكون قد حصلت وتمّت القيامة ونزل عليهم الروح القدس. أعمال الخلاص الذي قام به السيد لا تدخل إليك وتحوّلك إلا بالصلاة والصوم.

يشفى هذا الشاب ويصير إنسانا جديدا بقوة يسوع، وأنت بدورك في الكنيسة تجعل إخوتك والناس خارج الكنيسة أحياء ومُلامسين المسيح إن صرت إنسانا جديدا، او بالحري المسيح الذي حوّلك اليه بالصلاة والصوم يجعل كل الناس خلائق جديدة، ينطقون بعظائم الله، ولا يبقى أحدٌ أَخرس كما كان الولد المصاب في هذا هذا الفصل الإنجيليّ الذي نُقيم فيه ذكرى القديس يوحنا السُلّمي مُعلّم النُسك في الصوم والصلاة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 27 آذار 2011 / العدد 13

العبارة تعني السجود للمصلوب. ينتج عن هذا العلاقةُ بين يسوع والمؤمن، والعلاقة تبدأ باتباع السيد. كيف يكون؟ من أراد أن يتبع المعلّم فليكفر بنفسه، فليخلص من حُبّه للأنا، من عبادته لنفسه، ثم يحمل صليبه، آلامه، فليتحمّل مصاعب حياته ويتبعني الى حيث أشاء. بعد هذا يشرح الرب هذا الكلام بأكثر وضوح: «من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها» إذ لا خلاص إلا بالجهد والتعب.

«ومن أَهلَكَ نفسَه (أي من جاهد وتعب) مِن أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها».

هنا نصل الى القمّة: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أَم ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه». خلاص نفسك بمحبة يسوع واكتساب فضائل الإنجيل يُساويان العالم كله (المال، التسلّط، الملذّات). كل ما يؤذي نفسك ترميه جانبا وتتسلّط على كل رغباتك.

يُلخّص يسوع هذا الكلام بقوله: «مَن يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحيي به ابنُ البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين». هذا إشارة الى الدينونة. يسوع لا يعترف بك إن لم تعترف انت به. ليس في الدينونة مزاح.

عندما تُقابل يسوع هنا وبعد موتك ينبغي أن كلامك في هذه الدنيا كان بلا عيب، وأن تصرفاتك كانت بلا عيب. اذا كنت موافقا ليسوع في كل شيء يُعطيك مجده.

في آخر هذه القراءة يقول السيد لمحبّيه: «الحق أقول لكم إن قوما من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله آتيا بقوّة». المعنى الأرجح أن ما قصده السيد أن بعض الذين كانوا يسمعونه لن يموتوا حتى يروا قيامة المخلّص. سينسكب عليهم المجد.

هذا الإنجيل الذي يقع في الأحد الثالث من الصوم، وهو الأحد الذي يفتتح منتصف الصوم، يدعونا الى التقشّف الذي نذوقه في هذا الموسم الذي يرفع مستوى النسك والتشدّد بمحبة المسيح ونُحسّ فيه ببدايات الفرح.

المصلوب تتحدث عنه رسالة اليوم اذ تُسمّي ابنَ الله رئيسَ كهنة، ورئاسة الكهنوت حقّقها في موته على الخشبة. وعليها جُرّب في كل شيء ما خلا الخطيئة.

بعد هذا يفسّر صاحب رئاسة الكهنوت «لم يُمجّد نفسه» ولكن مجّدَه الذي قال له: «انت ابني وأنا اليوم ولدتُك».

هذا يعني أن المسيح، الذي هو ابن الله في جوهره الأزلي، أعلى ايضا ابنا في بشريته لما رُفع على الصليب تأكيدا لما قاله له الآب «انت كاهن الى الأبد على رتبة ملكيصادق».

Continue reading