Category

2011

2011, نشرة رعيتي

شفاء المشلول/ الاحد 20 آذار 2011/ العدد 12

بعد تجوال للبشارة في الجليل، عاد يسوع الى كفرناحوم المدينة التي اتخذها مسكنًا له بعد الناصرة. «وسُمع انه في بيت» او في البيت. هل كان يسكن مع بطرس ام ان هذا كان بيتا استأجره. في هذا المكان أُتي إليه بمخلع، اي بمشلول كما نقول اليوم، يحمله أربعة رجال لم يتمكنوا من دخول المنزل بسبب ازدحام الناس عند الباب فصعدوا الى السطح وكشفوا السقف ونقبوه ودلّوا المحمل المُسمّى هنا سريرًا.

في فلسطين كما في جبل لبنان قبل زمن غير بعيد كان عندنا بيوت سقفها من تراب موضوع على خشب، وكنا نستعمل المحدلة لرصّ التراب منعا لتسرّب المطر.

كلام يسوع للمريض: «يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك». جعل اليهود يعتبرون هذا الكلام تجديفا لأنه يتضمن أن بشريا جعل نفسه إلها إذ في نظرهم كان يسوع فقط إنسانا. ولم يشاهد بشر في العهد القديم -نبيا كان ام معلمًا للشريعة -يقول لإنسان آخر: مغفورة لك خطاياك.

عند تعجبهم قال لهم الرب: «ما الأيسر أأن يُقال مغفورة لك خطاياك، أم أن يُقال قم واحمل سريرك وامش». غير ان السيد أراد أن يثبت صحة كلامه فقال للمخلع: «لك أقول قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك».

لماذا قال يسوع اولا: مغفورة لك خطاياك؟ الجواب لأن لغفران الخطايا أهمية أكثر من الشفاء، واليهود كانوا يعتقدون ان المرض نتيجة الخطيئة. العهد الجديد لا يقول هذا. ففي إنجيل المولود أعمى في يوحنا يقول عنه الرب: «لا هذا أخطأ ولا أبواه» ليولد أعمى.

تمّت الأعجوبة وشاهدها الجميع.

من العبر التي نقتبسها من المعجزة هذا: أن نقتنع ان الشفاء الروحي أهم من الشفاء الجسدي. فإذا اعترانا مرض، المهم اولا أن نطلب من الرب النجاة من الخطيئة وأن نتوب دائمًا أبدًا. هناك عبرة أخرى أن نذهب بكل خاطئ الى يسوع كما ذهب بالمشلول الأربعة الى السيد، وكما حملوه نحمل نحن الخاطئ بسلوكنا الجميل فيهتدي به او نهديه بالكلام الحسن ليترك خطيئته.

نحن لا نلوم الخاطئ فقط، لكن نعظه بالكلام الطيّب ونكشف له حسنات الفضيلة التي خالفها وذلك بروح الوداعة. فالخطر علينا أن نؤدبه بقسوة. القسوة فيها استعلاء. نؤدب من سقط بلطف شديد لئلا يبقى على خطيئته. نذكرُه كلَّ يوم أمام يسوع. نبكي من أجله ليتلقاه برحمته.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحدُ الأُرثوذكسيّة/ الأحد 13 آذار 2011 / العدد 11

بعد أن باشرنا الصوم الأحد الماضي ومارسنا شيئا من التقشف والإمساك، وبعد أن كثّفنا صلواتنا، رأت الكنيسة أن تُخصّص هذا الأحد لتذكيرنا بأننا نصوم ليقوى إيماننا، فسمّت هذا الأحد أحد الأرثوذكسية وهي كلمة يونانية تعني استقامة الرأي. فإن لم يكن اعتقادك بالله مستقيما يكون صومك باطلا.

وذكرت في رسالة اليوم قديسين من العهد القديم، وذكّرتنا بآلامهم (توتير الأعضاء، الضرب… الهزء، الجلد، السجن، الرجم، الموت بحد السيف). وقالت الرسالة انهم كلهم مشهود لهم بالإيمان.

الى هذا وضعت الكنيسة في الأحد الثاني من الصوم ذكرى للقديس غريغوريوس بالاماس (القرن الرابع عشر) الذي أَوضح الإيمان الأرثوذكسي بصورة قوية في تعليمه عن النعمة الإلهية غير المخلوقة.

اما الفصل الإنجيلي فيتضمّن دعوة الرسل كما رواها يوحنا. المذكور أولاً بينهم هو فيليبّس الذي كان من بيت صيدا (وهي غير صيدا اللبنانية). من هذه هذه المدينة كان أندراوس وأخوه بطرس. الرسول يجد شخصا آخر يضمّه يسوع الى من صاروا اثني عشر. من آمن يبث الإيمان الى آخر. رابع المدعوّين كان نثنائيل الذي رفض أن يأتي نبي من الناصرة.

غير أن يسوع قبله. كشف السيد نفسه لهذا الذي شكّ فيه فاعترف به: «انت ابنُ الله، انت ملكُ إسرائيل». فكان تعليق السيد: «الحق الحق أقول لكم انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر».

المسيح جامع السماء والارض وهو وحده الوسيط بين الله والناس. هذا هو إيماننا. الأُرثوذكسية تُلخّص بهذا الكلام.

آباء العهد القديم نظروا الى المسيح فآمنوا بالآتي. أما نحن فقد آمنّا أنه أتى. هذا إيمان واحد. غير أن الأقدمين «لم ينالوا الموعد لأن الله سبق فنظر لنا شيئا أفضل أن لا يكمُلوا بدوننا». إذ لا يخلُص احد قبل رؤيته الصليب والقيامة. آباء العهد القديم شاهدوا المسيح عن طريق النبوءة. نحن شاهدناه بإنجيله اي بما تحقّق.

الرسل والإخوة رأوه بعيونهم. نحن لم نره بالعين. قبلناه بسبب الرسل الذين بشّرونا به بالإنجيل وآمنّا به بالكنيسة التي يحتضنها هو وتنقله هي بالبشارة والأسرار المقدسة.

أحد الأرثوذكسية يجمع بين من رأوه جسديا والذين لم يروه جسديا. نرجو أن يحفظنا الرب في الإيمان المستقيم ويمنع عنا البدعة والشذوذ والسقوط في الفكر المنحرف. وهذا يحتاج الى جهاد المحافظة على القراءة الدينية المستمرّة وعلى مشاركتنا الخدم الإلهية والصلاة ولاسيما في هذا الموسم المبارك الذي نتهيأ فيه للفصح المجيد.

اذًا دعوتُنا هي الى الصيام الطيّب والمطالعة التي تُقدّس النفس وتُجدّد فيها النباهة. يرضى الله عنا إذا صُمنا كإخوة مع كل الكنيسة لنسير معا الى القيامة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الغفران / الأحد 6 آذار 2011 / العدد 10

غدًا الاثنين نرجو الله أن يدخلنا الصيام بنعمته إذ لا يصوم الإنسان إلا بقوّتها فيذكّرنا بولس بأن «قد تناهى الليل واقترب النهار». النور في أسابيع الجهاد الآتي سينسكب علينا ونسير خطوة خطوة الى ضياء الفصح ونتجلّى بالرضاء في حضرة الله. في الرسالة يدعونا بولس الى مكافحة الشهوات المؤذية، وفي الإنجيل حديث أول عن الغفران وحديث آخر عن مكافحة شهوة المال الرهيبة.

لماذا الكلام عن الغفران؟ لأنك تصوم مع الآخر ومن أجل الآخر. ليس موضوع الصيام في حقيقته أن تأكل أو لا تأكل. الموضوع أن تحب. دائما الآخر قبلك. انت متطهّر من أجله. فإذا أنت غفرت له ما أساء إليك يندفع الى محبة الرب له فيقبل الرب وربما يقبلك ايضا في غفران مماثل. مرادك أن تشفي الذي أساء اليك وألا تنتقم.

إن أساء إليك أخوك يكون منتقما لإساءة أصابته. يحسّ أنه يدفع عن نفسه جرحا جرحه. إذا لم تغفر للآخر تكون حافظا عليه شرّه ومتمسكا بكبريائك المصدومة. اما إذا غفرت تكون قد تجاوزت هذه الصدمة. اترك كل شيء لله فهو يشفيك ويشفي الآخر.

هكذا تكون حرا من نفسك ومن وطأة البغض عليك. كذلك أنت حرّ من صومك اذ لا ينبغي أن تُحسّ أنك كسبت على الله حقا يسجله لصالحك. لذلك يقول لك السيد: «إذا صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية وأبوك الذي في الخفية يجازيك علانية». العلاقة بينك وبين الله كلها في القلب وفيه بدايات السماوات، والعالم الخارجي السطحي ليس بشيء. الإمساك مجرّد ترويض لنفس تطلب وحدتها مع الرب.

الوحدة العميقة مع الرب يرى إنجيل متى أنها الحرية من وطأة المال علينا اذ يقول: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لكن اكنزوا لكم كنوزا في السماء». لا شيء يجرّدنا من حريتنا الداخلية كما يجرّدنا المال: الطعام ايضا يملكنا حتى الاستعباد. ماذا ينفعك الصيام اذا استولت عليك شهوة الملك؟

وينتهي الفصل الإنجيلي بقول يسوع: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». سيادة الله على القلب لا تتّفق مع سيادة المال عليه. اسعَ اذًا ألاّ يكون كنزُك في المال اذ يكون عندئذ سيدا على قلبك.

ادخلْ اذًا صيامك ولا تشبع لأن الطعام ولو صياميا لا يكون حياتك. العفة هي قناعتك أنه يُستغنى عن كل شيء. التحرر من كل ما تحسبه ضروريا هو الخطوة الأولى الى صعودك سُلّم الفضائل. اذ ذاك، تكون قد قبلت سيادة الله عليك. صلِّ كثيرا حتى لا يسيطر عليك شيء. هذا أول تمرين لك في هذا الصيام العظيم.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة / الأحد 27 شباط 2011/العدد 9

قبل دخولنا الصيام يجب أن نمتحن قلوبنا فإن كانت ملوثة لا ينفعنا الصيام. ستكون دينونة علينا يتحدّث عنها إنجيل اليوم الذي يكشف فيه المسيح نفسه ديانا، وصورة الدينونة أن هناك تمييزا بين الذين عملوا الصالحات والذين عملوا السيئات، والصالحون يسمّيهم السيد مبارَكين، ولمّا عرف الرب بسابق معرفته أنهم سيعملون الصالحات أَعدّ لهم المُلك قبل إنشاء العالم أي انهم سيملكون مع المسيح. إنهم عرفوه في حياتهم هنا. كيف وهم لم يروه؟ والأشرار جهلوه في حياتهم هنا. كيف وهم لم يروه؟

يقول الرب يسوع للصالحين «جعتُ فأطعمتموني وعطشتُ فسقيتموني»، ثم يذكر احوالا أُخرى يقول انه كان فيها مع أنه لم يمرّ شخصيا في كل هذه الأحوال، فيردّون عليه «متى كنت جائعا أو عريانا أو محبوسا فلم نسعفك؟». يردّ عليهم بقوله: «بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه». المعنى أنه كان جائعا في الجائع وغريبا في الغريب ومريضا في المريض أي انه وحّد نفسه بكل محتاج. «الله لم يره أحد قط»، أنت تراه في الجائع والمحبوس والمريض.

اذا لم تحبّ أخًا محتاجا لا تكون قد أَحببت المسيح، واذا أحببته تكون قد أحببت المسيح بحب. في المبدأ اذا أَعطيتَ الجائع والمريض بزيارته والسجين بزيارته أيضا تكون قد أَعطيت المسيح.

مقابل الاهتمام بالآخر خطيئة الغفلة وهي التغاضي عن الآخر والبخل بالعاطفة. ليس البخل فقط ألاّ تعطي المحتاج مالا، ولكن ألاّ تعطيه محبة، أن تترك المريض في عزلته والمحبوس في عزلته. أنت تعرف أن المعزول أو المتروك ينتعش بقبول الآخرين، يحسّ بنفسه موجودا. المرض ليس فقط الوجع إو الحمّى، ولكنه الإحساس بفرقة الآخرين.

المسيح يسمّي كل هؤلاء المتروكين إخوته الصغار أي الذين يستصغرهم الناس. اذا أَغفلنا الشفقة والتقرّب من الضعفاء ورفْعهم بتواضعنا أمامهم الى أعلى منزلة، نكون قد أَغفلنا الرب نفسه وانعزلنا عنه. لذلك نذهب الى عذاب أبديّ.

ليس معنى هذا فقط أن جهنّم تنتظرنا من بعد القيامة، ولكنا نُرمى في عذاب الضمير في هذا العالم. نكون متروكين من المسيح. أما إذا اقتربنا من المحتاجين نشعر بأن الرب يسوع قد اقترب إلينا.

السماء مشاركة ليس فقط مع الله ولكنها مشاركة مع الذين أحببناهم هنا ورفعناهم بالمحبة الى ربهم. السماء هي شركة القديسين. في الملكوت يفنى كل حزن ونسكُن في الفرح ويُساكن أحدُنا الآخر ويرى وجهه طافحًا في الفرح. أما في جهنم فيقول آباؤنا ان أحدا لا يرى وجه أحد بل يكون كل واحد مكبّلا الى ظهر الآخر.

هذه صورة تقول ان ليس في جهنّم مشاركة، وليس أحد أَخًا لأحد. في مشاعر الإخاء نلج باب الصيام وفيه انقطاع في سبيل الفقراء وتعزيز لهم حتى يحلّ الفصح علينا جميعا بالفرح وقوة المشاركة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 20 شباط 2011/ العدد 8

حكى يسوع كثيرًا عن التوبة صراحة. هنا يؤلف حكاية تُصوّر هذا التعليم تصويرا. وتدور الحكاية او المثل هكذا: انسان كان له ابنان، الصغير أراد ان يأخذ مسبقًا حصته من الإرث وأن يفترق عن بيت الأهل، والآخر لم يرد القسمة بل أراد البقاء في البيت. الصغير أخذ كل أمتعته وعاش في بلد بعيد على هواه عائشا في الخلاعة. أنفق كل شيء إذ حدثت في الغربة مجاعة وحاول أن يعيش بمال قليل يجنيه من عمله ولكن كسبه كان قليلا.

فكر بالعودة الى بيت العائلة وأن يقول لأبيه انه ابنه أي أن يعترف بخطاياه. فيما هو غير بعيد عن البيت رآه أبوه. هل كان الرجل على شرفة او على سطح مطلّ على آخر طريق العودة؟ هل انه لم ييأس من عودة ابنه؟ هل كان يتوقّع أن يقع الشاب في خسارة اقتصادية لكونه ذهب لينفق لا ليجمع ثروة؟

«رآه أبوه فتحنّن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله». لم يوبّخه، لم يلُمه، لم يقل له ان السلوك الحَسن كان أفضل من السلوك السيء. اكتفى بأن يعانقه وان يعطيه الحلة الاولى ويلبسه فقد كان ممزَّق الثياب ككل انسان جاع وما كان عنده ان يشتري ثوبا. وذبح له العجل المُسّمن وقال للخدّام: «ان ابني كان ميتًا فعاش وكان ضالا فوُجد». سمّاه ابنه اي لم يقطع العلاقة به.

وكان في الحاشية غناء ورقص، وتعجب من هذا الابن الذي بقي حرا وغضب لكونه اعتبر ان أباه كان ظالمًا ففصل نفسه روحيا عن العائلة ولم يُرد أن يدخل، وأخذ يُمنن أباه واعتبر نفسه بارّا. كيف يُعامل الأزعر مثل الطاهر؟ كيف يفضّل الولد الساقط على الذي لم يسقط؟ هذا ما كان يدور في فكره. أيكون جزاء الزاني أن يعامل مثل الذي بقي طاهرًا؟

منطق الآب كان منطقًا آخر. البار أُعامله كصاحب البيت. يأكل ويشرب ويتنعم بكل ما في البيت. تنعّم الى الحدّ الأقصى وليس من حقّه أن يُعاقب أخاه. والمال للأب وهو حرّ به. ولم يمنع عن الكبير شيئًا. لم يحرمه شيئًا. العجل المُسمّن له والخاتم والحذاء، وله الحق أن يعطيها كلها لمَن شذّ ومرق.

كان قلب الوالد همّه أن يخلص ابنه المتمرّد وأن يقول له انه لا يزال يحبّه، وأحسّ الوالد بأن ابنه الصغير كان كالميت وسمّاه الإنجيل ميتًا.

هذا المثل الذي سُمّي «مثل الابن الشاطر» في تراثنا هو في الحقيقة، اذا اعتبرنا الولدين، «مثل الوالد الحنون» الذي غفَر للولد المُتمرّد وعامل بالعدل الولد الأكبر. عامل كل واحد بأسلوب ولكن بالمحبّة الواحدة. يسوع جاء ليخلّص الخطأة، وإذا ميّزهم فلكي يحسّوا ويتوبوا ويعودوا الى وجه الآب السماوي.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الفرّيسيّ والعشّار/ الأحد 13 شباط 2011/ العدد 7

عندما يحلّ هذا الأحد نحسّ أننا نقترب من الصيام. فهذا اليوم يدشّن موسم التريودي الذي هو كتاب يحتوي على نصوص الأناجيل التي تسبق الصيام حتى ينتهي الكتاب هذا بما يُدخلنا الى الفصح.

المشهد أن إنسانَين صعدا الى هيكل أورشليم ليصلّيا، أحدهما فرّيسيّ والآخر عشّار. ذكرنا هنا كثيرا الفرّيسيين الذين هم حزب دينيّ متشدد في الحفاظ على الشريعة وأضاف عليها أحكامًا لم تردْ في الشريعة. واصطدم مع هذا الحزب الرب يسوع مرات عديدة لكونهم مرائين. لم يكن المخلّص ضد مواقفهم اللاهوتية ولا سيما أنهم يُجارون المسيح لأنه هو وهم يعلمون القيامة، وغيرهم من اليهود لا يؤمنون بالقيامة. كان المعلّم ضد سلوكهم وكبريائهم.

الشخص الآخر كان عشّارا أي جابي ضرائب للرومان، والعشّارون كانوا معروفين سلوكيا أنهم يسرقون منها ولا يدفعون الأموال كلها للسلطات.

الفرّيسي يتكبّر على العشّار ويتّهمه بالفسق والظلم، ويفتخر بأنه يصوم مرتين في الأسبوع مع ان ناموس موسى لم يكن يتطلّب هذا، ويفتخر بأنه يُعشّر كل ما هو له مع أن المواد البسيطة كالخضار والفاكهة لم يكن مطلوبا تعشيرها.

إزاء هذا، يقف العشّار الخاطئ وعيناه الى الأرض، ويبستغفر إذ يقول: «أللهمّ ارحمني انا الخاطئ».

هذا مَثَل إنجيليّ أي إنه حكاية حكاها يسوع ليعطي اليهود درسا فيقول ان العشّار ترك الهيكل مبرّرا أمام الله وذاك لم يكن، حتى يصل الى القول: «من رفع نفسه اتّضع ومن وضع نفسه ارتفع».

نبدأ اذًا في هذا الأحد الممهّد للصيام بدرس في التواضع. ليس للصيام من قيمة بلا تواضع. لا يفتخر أحد بصيامه. يفتخر بالرحمة التي تنزل عليه من الله وتغفر له خطاياه. فلا يفتخرنّ أحد بأي عمل من أعماله لأننا كما يقول باسيليوس الكبير في قدّاسه «لم نصنع شيئا صالحا أمام الله».

لقد قال بولس الرسول: «من اعتبر نفسه شيئا فهو لا شيء». الله وحده يرفعنا ونحن على مستوى الأرض. يرفعنا بمحبته وغفرانه. من حسب نفسه كلا شيء يجعله ربه شيئا. وقد علّمنا المخلّص هذا بإصرار لمّا قال: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب». المطلوب سلاسة العلاقات مع الناس، لطف التعامل بحيث لا نجرح أحدًا ولا نُحزن أحدًا وبالمحبة نُفرح الآخرين وذلك في كل حين.

فلنتّخذ الصيام المقبل موسم رجوع الى الله، رجوع عميق من كل جوارح قلوبنا حتى لا يسكن هذا القلب إلا الآب والابن والروح القدس، فنشاهد الثالثوث ساكنا في قلوبنا في الأسبوع العظيم والفصح.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

المؤمن هيكل الله/ الأحد 6 شباط 2011/ العدد 6

بولس يتخطّى هيكل أورشليم الحجريّ كما تخطّاه سيّده، ويُعلّم أهل كورنثوس أنهم هُم (بالمعمودية والأسرار والإيمان وكل ما جاء به العهد الجديد) هيكل حيّ لله. وبنى كلامه ليس خروجا على العهد القديم ولكن تأسيسا عليه بواسطة ربنا يسوع المسيح (راجع مثلا حزقيال 37: 27 و إرميا 25: 11).

«سأَسكُنُ فيهم وأَسيرُ في ما بينهم» تُشير الى خروج الشعب من مصر بقيادة موسى، ولكن القائد الحقيقي هو الله الذي يجعل شعبه يعبُر بريّة سيناء الى أرض الكنعانيين (فلسطين). هذا بصيغة المستقبل. ولكن السكن الحقيقي لله فينا وسيره معنا ليس انتقالا من مكان الى مكان ولكن من حالة عبودية الخطيئة الى حالة البِرّ بيسوع المسيح.

أما قوله للعبرانيين قديما «اخرُجوا من بينهم» فإلى أين؟ لا تعني طبعا ابنوا مملكة سياسية بإخراج كل الأجانب. هذا غير ممكن عمليّا. هو الانفصال من أعمالهم. ابنوا جماعة مؤمنة هي الكنيسة التي بطبيعتها هي منتشرة في كل العالم ومدعوّة الى الانتشار بسبب قوله: «اذهبوا وتلمِذوا كل الأمم». سوف تتميّزون بمحبتكم لأبناء الكنيسة ولغير أبنائها. قلت ستتميّزون لأن المحبة هي الرُكن الوحيد للأخلاق المسيحية. أنتم في حالة تجدّد دائم.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، اذا كان المخلّص قال صراحة اننا هيكل حيّ لله، لماذا نبني نحن معابد؟ تاريخيا لم تعرف المسيحية معابد في القرنين الأولين لأن المؤمنين كانوا يجتمعون في مكان واحد في كل قرية او حيّ في المدينة ويُقيمون القداس فيه. وأوّل كنيسة مبنيّة كنيسة كانت في صور. فكرة تكريس الكنائس جاءت متأخرة. قدسيّة الكنيسة هي بالإنجيل الذي يُقرأ فيها فيصير هذا المكان مكان منبر لكلمة الله، ولهذا يصير الوعظ أساسيا لتفسير كلمة الله او نقلها الى المؤمنين. والقدسيّة ناتجة ثانية من القداس الإلهي وبقية الأسرار.

واقع كنائسنا أنها قاعات كبيرة اضطرّت اليها الجماعة لتكون معا. أن نكون معا يوم القيامة اي الأحد، هذا هو المبتغى لنكون قياميين.

بعد هذا دلّ الواقع على أن الحيّ الكبير يحتاج الى كنيسة، ويستحيل على المؤمنين أن يجتمعوا كلهم في الكاتدرائية. أحيانا تُشاد كنيسة لا لحاجة عدد من المؤمنين ولكن بسبب تقوى إنسان ميسور يريد كنيسة على اسم شفيعه. هذا معروف في هذه الأبرشية.

إنّ كنائسنا وجمالها لا ينبغي أن يُنسينا أننا نحن البشر كنيسة المسيح أولاً. في الاتحاد السوفياتي قبل انهياره، في العشرينات، كانت أربع كنائس حتى وصلت الى ما يقارب العشر على عهد خروتشوف، وبقي الأرثوذكس موجودين. من يهتم أن يكون هو عضوا حيا في جسد المسيح، حاملا الإنجيل في عقله وقلبه ومتحدثا بالإنجيل؟ إن لم نكن معا ومتحركين معا بالكلمة، تكون عندنا معابد حجرية لا كنائس.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

زكّا العشّار/ الأحد 30 كانون الثاني 2011/ العدد 5

هذا كان رئيسًا لجباة الضرائب اي كان يلتزم الضرائب التي تدفع للرومانيين: السلطة الرومانية تُعيّنه لقاء مبلغ يدفعه لها، وهو يوظّف أَعوانًا له ليجبوا من الشعب، وكانوا يقبضون من الأفراد بمقتضى الهوى فيُحقّقون لهم شخصيا أرباحًا طائلة. كان رئيس العشارين في مدينة أريحا مثلا عَيَّنت له السلطة المدنية أن يجبي عشرة آلاف دينار، فيجمع من مجموعة المواطنين عشرين ألف دينار ويترك الفرق في جيبه.

زكّا العشار كان رئيس جباة أريحا. يقول عنه الإنجيل انه كان غنيّا، ولا يقول انه كان سارقًا مثل معظم الذين كانوا يلتزمون الجباية من السلطة الرومانية.

زكّا كان عنده الفُضول أن يرى يسوع إذ عرف ان السيد كان مزمعا أن يجتاز في أريحا. ربما كان هذا عنده فُضولا ليرى شخصيةً ذاع صيتُها في البلاد، هل كان هناك عمق روحي أكثر؟

جُلّ ما نعرفه أنه قام بجُهد إذ تَسلّق جُمّيزةً ليراه لأنه كان قصير القامة. هل كان وصفُه بقصير من قبل لوقا ورواية أنه صعد الى الجميزة ليوحي لنا أن علينا أن نتخطّى كل صعوبة روحية فينا لنلقى يسوع؟

لمّا رأى يسوعُ زكّا جالسًا على غصن من الشجرة، قال له: “أَسرعِ انزلْ، فاليوم ينبغي لي أن أَمكُث في بيتك”. كان السيد اذًا مزمعًا أن يدخل في حديث طويل مع الرجل يتطلّب ساعات من الليل.

هنا قال الإنجيل: “فأَسرعَ ونزل”. لم يقل فقط “نزل”. نفّذ كليًا رغبة يسوع إليه. ثم يقول: “فقبِلَه فرِحًا”. زكّا يعرف أن هذا المعلّم الجديد عنده أشياء يقولها من الله، تمتمة لتوبته. فبعد أن دخل البيت، أتت من زكّا الكلمة الصاعقة: “ها أنذا يا رب أُعطي المساكين نصف أموالي، وإن كنتُ قد غبنتُ أحدًا في شيء أَرُدّ أربعة أضعاف”.

مَن يُعطي نصف أمواله للمساكين؟ لماذا أربعة أضعاف؟ أليس لأّنه خاف بألاّ يرُدّ كل شيء للذي غبنه بالجباية؟

بعد هذه الآية المخلِّصة للرب يسوع، “اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”. اليوم، بتوبة هذا الرجل تنتهي حياته السابقة. ثم يأتي الوعد: “لأن ابن البشر إنما أتى ليطلب ويُخلّص ما قد هلك”. ليس من إنسان محكومًا عليه او أنه اعتُبر من أبناء الهلاك إنْ هو أَحبَّ الرب فوق ما هو بشريّ فيه.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الخطأة الذين أنا أَوّلُهم/ الاحد 23 كانون الثاني 2011/ العدد 4

من هو تيموثاوس الذي أُرسلت اليه رسالتان؟ من أعمال الرسل نرى ان بولس لقي هذا الشاب في لسترة وجعله معاونه الأمثل. كان أبوه يونانيا اي وثنيا وكانت أمه يهودية واعتنقت الإيمان المسيحي وتعلّم الكتب المقدسة اي العهد القديم منذ نعومة أظفاره.

كانت تنتابه وعكات كثيرة واهتم بولس لصحته وختنه لتجنب المتاعب التي يثيرها المسيحيون المتهودون. ورسمه مشايخ الكنيسة. الرسالات الرعائية وهذه منها تعكس لاهوت بولس.

في الرسالة الأولى الى تيموثاوس يقول معلّمه بولس أنْ «صادقة هي الكلمة وجديرة بكل قبول» وهي كلمة التي كان يعلّمها الرسول ويسمّيها إنجيله أي ذلك الذي أخذه مباشرة من السيد منذ ظهوره له على الطريق المستقيم، وهي أن المسيح جاء ليخلّص الخطأة اي نحن جميعا، ثم يعرّف نفسه على انه أوّل الخطأة وهي الكلمة التي على كل واحد منا أن يـقولها عن نفسه، اذ ليس لأحـد مـنا أن يـقارن نـفسه بالآخرين فلا يقول عن نفسه أنا أَفضل من هذا وذاك بهذه الفضيلة او تلك، وعليه أن يرى نفسه آخر الناس لأن الرب وحده يدين سرائر الناس حسب إنجيلي (والكلمة لبولس) بيسوع المسيح.

فليس لأيّ إنسان أن يـقول عن نـفسه إلا أن الرحمة تنزل عليه وتنقذه من كل خطيئة. واذا رحمه الرب، يكون هذا بطول أناته. عند ذاك يرى الناس رحمة الرب عليه ويعرفون انها ستنزل عليهم لينالوا الحياة الأبدية التي تبدأ بالمعمودية وتبقى معنا في الأسرار المقدسة والإيمان.

«فلمَلِك الدهور الذي لا يعروه فساد ولا يُرى، الله الحكيم وحده، الكرامة والمجد الى دهر الداهرين». هذه هي حركة اختطافنا اليه في التسبيح. الحركة الاولى نحو الله هي السؤال او الطلب. واذا نلنا الطلب الذي يكون لخلاصنا، نشكره. وهذه هي الحركة الثانية نحو الله. وبعد هذا لا يبقى الا التسبيح.

هذه الحركات الثلاث هي الصلاة. نتوسل اولا لنيل ما هو للخلاص. لنا أن نطلب الصحة ووسائل العيش دون أن ننسى أنها تقودنا الى الله. الصحة والطعام والشراب ليست غاية. هي طريق الى خلاص النفس وتنقيتها. هذا وحده السُكنى مع الله في هذا العالم والعالم الآتي. مُعاشرتُنا الرب في كل يوم هي الخلاص عينه.

أن نعيش في طلب الغفران في التواضع نتيجة قول الرب: «صلّوا في كل حين». نحن لا نستطيع أن نتلو الصلاة في كل حين، ولكنّا نطلب أن يرفع الرب قلوبنا اليه في كل حين. وهذه صلاة لا كلام فيها. واذا أدركنا هذه الدرجة في العلاقة مع الآب والابن والروح نكون في السماء منذ الآن، نصبح مسكن الله، أحرارا من كل شهوة مؤذية، منجذبين الى وجه الآب الذي هو البدء والنهاية.

وهذا لا يتحقق لأحد ما لم يرَ نفسه مثل بولس «آخِر الناس»، اي اذا تواضعنا، والتواضع فضيلة ما من بعدها فضيلة. هي التي تؤهلنا أن نقول مع بولس ان المسيح جاء ليخلّص الخطأة الذين أنا أوّلهم. عند ذاك يرفعنا الله الى عرشه.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الانسان الجديد/ الأحد 16 كانون الثاني 2011 / العدد 3

ظهور المسيح المحكي عنه في مطلع الفصل المنشور من الرسالة الى اهل كولوسي هو ظهوره في اليوم الأخير. الرسول يتمنى ان نظهر مع المسيح في المجد الناتج من طهارتنا. لذلك يؤكد بولس توا بعد هذا أن نميت “أعضاءنا التي على الأرض”، ولا يقصد بذلك طبعا ان نتلف هذا العضو أو ذاك، ولكنه يستعير صورة العضو الجسدي ليتكلم على الخطايا التي يجب ان نخلعها عنا كأنها اعضاء فينا.

يذكر خمس شهوات ويخصص الطمع فيعتبره عبادة وثن، وهنا كلامه صدى للإنجيل الذي ينهانا عن عبادة الله والمال. بعد هذا يذكر خطايا من نوع آخر وأداتها هذه هي الفم (خبث، تجديف، كذب).

هذه كلها ينسبها الى الانسان العتيق فينا اي انسان الخطيئة الذي لم يتجدد بالنعمة. يقابله الانسان الجديد الذي يتجدد دائما بالنعمة ويتحرك الى معرفة الله في المحبة والطاعة وتتجدد فيه صورة الخالق وهو خُلِق على هذه الصورة.

فاذا صرنا جميعنا هكذا لا يبقى من فرق بين يوناني ويهودي اي بين مسيحي جاء من الوثنية ومسيحي جاء من اليهودي وهي فروق على أساس العنصرية ظهرت في الكنيسة الاولى. واليهودي كان مختونًا ولم يكن كذلك الوثني. لذلك رأى بولس ان يؤكد رمز الخلاف؛ نقال “لا ختان ولاقلف” (وفي ترجمات اخرى لا غرلة).

ثم يذكر تقابلا حضاريا آخر فينفي التصادم بين البربري والإسكيثي. اما البربري فهو من لم يونانيا اي من كان برأي اليونانيين غير متحضر. يقابله الاسكيثي وهذا من قوم على شيء من حضارة كانوا ساكنين في المنطقة الجنوبية من روسيا.

غير ان التعارض الكبير في ذلك الزمن هو بين العبد والحر. العبد او الرقيق لم تكن له شخصية قانونية وما كان يُسمح له بالزواج الشرعي وكان يسمح له بالمساكنة.

والمسيحية بعد بولس وعلى هذا الكلام لم تستطع ان تلغي الرق، فكان المسيحي يمكنه حسب الشرع الروماني ان يكون عبدا ولكنه في الكنيسة أخ للحر يتشاركان معا في الكأس المقدسة، وفي الرسالة الى فيلمون رفع بولس من شأن العبيد.

فاذا زالت كل هذه الفروق في التعامل ضمن الكنيسة يظهر المسيح على انه كل شيء وفي الجميع. لقد كشفت الكنيسة وحدة جديدة بدم المسيح.

من المؤسف وعلى رغم تحذير العهد الجديد من الفروق بين البشر، نرى هوة بين الرجل والمرأة واستعلاء ونرى فرقا بين المواطن وخادمه، او خادمته وظلما للخدم حتى العنف والقهر والضرب. ونرى تفضيلا في التعامل الكنسي بين الغني والفقير. الفرق بين الطبقات له أثر احيانا بين المؤمنين الذين يتناولون من الكأس الواحدة. ونرى فرقا بين المتعلم والجاهل مع انهما واحد عند الله، او نرى احتقارا للمعوقين، وربما تفضيلا على اساس الجمال والسن مع ان الناس واحد في رؤية الله لهم ومحبته لهم. اذا كان المسيح عندك كل شيء، فالناس كلهم ينبغي ان يكونوا متساوين عندك كما هم متساوون عنده.

Continue reading