حكى يسوع كثيرًا عن التوبة صراحة. هنا يؤلف حكاية تُصوّر هذا التعليم تصويرا. وتدور الحكاية او المثل هكذا: انسان كان له ابنان، الصغير أراد ان يأخذ مسبقًا حصته من الإرث وأن يفترق عن بيت الأهل، والآخر لم يرد القسمة بل أراد البقاء في البيت. الصغير أخذ كل أمتعته وعاش في بلد بعيد على هواه عائشا في الخلاعة. أنفق كل شيء إذ حدثت في الغربة مجاعة وحاول أن يعيش بمال قليل يجنيه من عمله ولكن كسبه كان قليلا.
فكر بالعودة الى بيت العائلة وأن يقول لأبيه انه ابنه أي أن يعترف بخطاياه. فيما هو غير بعيد عن البيت رآه أبوه. هل كان الرجل على شرفة او على سطح مطلّ على آخر طريق العودة؟ هل انه لم ييأس من عودة ابنه؟ هل كان يتوقّع أن يقع الشاب في خسارة اقتصادية لكونه ذهب لينفق لا ليجمع ثروة؟
«رآه أبوه فتحنّن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله». لم يوبّخه، لم يلُمه، لم يقل له ان السلوك الحَسن كان أفضل من السلوك السيء. اكتفى بأن يعانقه وان يعطيه الحلة الاولى ويلبسه فقد كان ممزَّق الثياب ككل انسان جاع وما كان عنده ان يشتري ثوبا. وذبح له العجل المُسّمن وقال للخدّام: «ان ابني كان ميتًا فعاش وكان ضالا فوُجد». سمّاه ابنه اي لم يقطع العلاقة به.
وكان في الحاشية غناء ورقص، وتعجب من هذا الابن الذي بقي حرا وغضب لكونه اعتبر ان أباه كان ظالمًا ففصل نفسه روحيا عن العائلة ولم يُرد أن يدخل، وأخذ يُمنن أباه واعتبر نفسه بارّا. كيف يُعامل الأزعر مثل الطاهر؟ كيف يفضّل الولد الساقط على الذي لم يسقط؟ هذا ما كان يدور في فكره. أيكون جزاء الزاني أن يعامل مثل الذي بقي طاهرًا؟
منطق الآب كان منطقًا آخر. البار أُعامله كصاحب البيت. يأكل ويشرب ويتنعم بكل ما في البيت. تنعّم الى الحدّ الأقصى وليس من حقّه أن يُعاقب أخاه. والمال للأب وهو حرّ به. ولم يمنع عن الكبير شيئًا. لم يحرمه شيئًا. العجل المُسمّن له والخاتم والحذاء، وله الحق أن يعطيها كلها لمَن شذّ ومرق.
كان قلب الوالد همّه أن يخلص ابنه المتمرّد وأن يقول له انه لا يزال يحبّه، وأحسّ الوالد بأن ابنه الصغير كان كالميت وسمّاه الإنجيل ميتًا.
هذا المثل الذي سُمّي «مثل الابن الشاطر» في تراثنا هو في الحقيقة، اذا اعتبرنا الولدين، «مثل الوالد الحنون» الذي غفَر للولد المُتمرّد وعامل بالعدل الولد الأكبر. عامل كل واحد بأسلوب ولكن بالمحبّة الواحدة. يسوع جاء ليخلّص الخطأة، وإذا ميّزهم فلكي يحسّوا ويتوبوا ويعودوا الى وجه الآب السماوي.
