Monthly Archives

February 2013

2013, مقالات, نشرة رعيتي

الفرّيسيّ والعشار/ الأحد 24 شباط 2013 / العدد 8

حكايةٌ نظَمها يسوع تُسمّى المَثَل. حديث رمزيّ عن تعليم للسيد استعمله الرب كثيرا. هو كلام عن رجُلين صعدا إلى هيكل سليمان ليصلّيا. «أحدُهما فرّيسيّ والآخر عشّار». الفرّيسيون حزب دينيّ له مناهج صارمة. هم خُلاصة الأتقياء من حيث الممارسة الدينية، متشددون سلوكيا ولكن كان يرى السيد أنهم خبثاء او مراؤون. لا ينفي عنهم التقوى من حيث انها تعني الحرص على تفاصيل الشريعة. غير أنه كان يرى أن وراء كل ذلك رياء. «الويل لكم ايها الفريسيون المُراؤون» كلام شهير أَطلقه السيد عليهم.

اما العشّار فكان جابي الضرائب. والضريبة لم تكن مبلغًا محددا لكل شخص من قبل الدولة. كان الموظف يحددها كما يشاء فيعطي الدولة منها ما توجب ويحتفظ بالباقي، ومن هنا كان الناس يشُكّون باستقامته.

وقف الفريسيّ في الهيكل يصلّي بمعنى أنه يدعو كما يشاء. هذه كانت عندهم الصلاة الفردية التي لا نزال نحن المسيحيين نستعملها الى جانب الصلوات الطقسية (سَحَر، غروب، ساعات). في الكنيسة، ولا سيما في الأديرة، صلوات نصّها ثابت (صلاة المساء، الساعات الأولى والثالثة والتاسعة والغروب وصلاة نصف الليل والصلاة السَحَرية)، وفيها نص متغيّر. طبعا هناك هيكلية ثابتة كل يوم ونصوص موافقة للمواسم والأعياد مرتبطة بمعاني الأعياد.

غير أن المؤمن اذا وَجَد كنيسة مفتوحة، واذا لم تكن صلاة تُتلى فيها، يقول دعاءه المنفرد. فهناك صلاة الجماعة المسمّاة خِدمة (سَحَر، غروب وما الى ذلك)، ودعاء الفرد اذا دخل الى الكنيسة خارج أوقات الصلاة. يدعو كما يشاء وتأتي صلاته منقولة عن الكتب ولا سيما السواعي او ما حفظه عن ظهر قلب أو ما يقوله من قلبه. هذه تسمّى الصلاة الفردية.

الفرّيسيّ والعشّار المذكوران في المَثَل كان كل منهما يتلو صلاته الخاصة كما تصدر عن قلبه او مما حفظه.

وقف الفرّيسيّ وتصرّف حسب أخلاقه كما يُصوّرها الإنجيل. أخذ يتفاخر ويستكبر ويُقيم فارقًا بينه وبين العشّار ويرفع نفسه فوق كل الناس قائلا: لستُ مثل هذا وذاك من الخطأة. يعطي نفسه شهادة حُسن سلوك (لست كالظالمين الفاسقين) من حيث إنه لم يرَ في نفسه خطيئة. ويعترف بفضله أنه كان يصوم مرتين في الأسبوع (الاثنين والخميس، ونعرف هذا من التاريخ لا من العهد الجديد)، ويقول: أُعشّر كل ما هو لي، مع أن التعشير لم يكن يلحق كل ما يكسبه الانسان (الخضار مثلا لم تكن تعشَّر).

اما العشّار والخاطئ فلم يجسر أن يرفع عينيه الى السماء، بل يقول لله: ارحمني انا الخاطئ. وهذا الكلام صار نواةً لصلاة اسم يسوع: «يا رب، يا يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ» المشهورة في العالم الارثوذكسي، ويتلوها الرهبان ومن تشبّه بهم على مسبحة من صوف. هذا كان يقرع صدره ويقول: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ».

هنا يوضح السيد أن العشّار ذهب مبرّرا عند الله دون الفريسيّ «لأن كل من رفع نفسه اتّضع، ومن وضع نفسه ارتفع».

الغفران يأتي من أنك تعترف بخطيئتك وترى نفسك صغيرا. هذا شرط أن تصبح عظيما في ملكوت السموات.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت أنت بالفرح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / السبت 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت انت بالفرح.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله/ الأحد 17 شباط 2013 / العدد 7

في إنجيل يوحنا يقول الرب: «انقُضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أُقيمه» (2: 19). قال هذا عن هيكل جسده (راجع 3: 21). في الحقيقة لم يُقم الرب هيكل أورشليم من الخراب الذي حلّ فيه عند الفتح الروماني لأورشليم السنة السبعين، فبات هيكل الله جسد يسوع في كيان روحيّ.

الأشياء العتيقة قد مضت. ها كل شيء قد صار جديدًا. الهيكل يزول مع اورشليم ولم يبقَ له وظيفة أو فائدة. انتقل مدلول الهيكل الى جسد يسوع اي صار هو الهيكل الحقيقيّ المتكوّن بالتجسّد الإلهي. ثم أَخذت عبارة «هيكل الله» تعني الكنيسة، وظلّت تعني كيان المسيح في الجسد. في الرسالة الثانية الى أهل كورنثوس التي نحن شارحوها اليوم تعني أنكم اذا اجتمعتم في الله تصبحون معا هيكله. وهذا ليس من حجارة، فهيكل أورشليم زال لأن الله جعل الانسان هيكلا له ثم قال «سأَسكُن فيهم» أي اليوم وغدا، و«فيهم» تعني انه سيسكُن فينا مجتمعين اي اذا أحببنا بعضُنا بعضا.ينتج من كونه ساكنا فينا أنه يُرافقنا في الطريق «وأَسيرُ فيهم». ثم قال «وأَكون لهم إلهًا» اي كلّما افتقدتُهم يعرفون أني سائر معهم في كل شؤون حياتهم. «وأَكون لهم إلهًا» اي إذا رحمتُهم وافتقدتُهم يُحسّون أني إلهُهم. واذا عرفوا ذلك يكونون لي شعبا عارفا أني له وأنه لي. واذا اجتمع شعبي إليّ بمعرفة وصاياي يفهم أني أنا إلهُه وأنه هو شعبي الذي اخترتُه بحبّي له ليس لأنه يستحقّ ولكن لأني اخترتُه أنا بمجّانية محبّتي. يَنتُج من هذا أن شعبي يجب أن يَعتزل الخطأة بمعنى أنه يطلب من الخطأة التوبة (لا تلمُسوا نجسًا). عند اليهود النجاسة كانت الامتناع عن بعض المآكل (الخنزير) والأعمال (مُخالطة الوثنيين مثلا). عندنا نحن النجاسة ارتكاب الخطيئة. فإذا عملتُم هذا «تكونون لي بنين وبنات». فإذا أَدركنا هذا نبقى على الطهارة التي نلناها بالمعمودية ونُطهّر أنفسنا بالتوبة ونُلازم التوبة بحيث نجعلها دائمة فلا نسقط يوما ونتوب يوما ولكن نبقى مع الرب بحبّنا له وحفظْنا وصاياه. ويدعونا بولس أن نُطهّر أنفسنا من كل أدناس الجسد والروح. ودنس الجسد عند بولس هو السقوط بخطايا نفعلها في الجسد والنفس معا.

وأخيرًا يقول «نُكمل القداسةَ بمخافة الله». لفظة نُكمل تعني نُحقّق القداسة بالتوبة التي لا رجوع عنها إذ يجب ان نحبّ القداسة التي تبدأ عنده بمخافة الله.

إن المسيحية حافظت على فكرة خوف الله. هذه لم يشطُبها العهد الجديد ولكنه أَكملها بحُبّنا لله. عند تقديم الكأس للمؤمنين يقول الكاهن: «بخوف الله وإيمان ومحبة تقدّموا». المحبة والخوف يلتقيان. أجل الخوف موروث من العهد القديم ويبقى لأنه يُربّينا، والمحبة أَعظم منه وكشَفها لنا العهد الجديد وهي تكمل كل الفضائل. الرب يسوع يحفظنا في مخافة أبيه ويُكلّلنا بمحبة الثالوث القدوس الذي يحفظنا من كل إثم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم أحد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

وإذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / السبت 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم احد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

واذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزواج المدني / 9 شباط 2013

تدل هذه العبارة على قيام ارتباط يقوم به المجتمع المدني أي يفترض قيام مجتمع كيان مدني هو في حقيقته الأمة، كذلك يفترض ان الأمة ذات كيان عضوي مجتمعيا ذي حراك قانوني ينتج هيكليات ينتمي اليها المواطنون ومنها العائلة. فالعائلة قائمة ليس فقط شعوريا ولكن نظاميا في ظل ما يشبه هيكلية بحيث وجب القول ان المجتمع كيان له تعبير قانوني.

وليس من تجمع ذي طابع قانوني الا اذا كان تجمعا قائما بذاته أي كاملا. الجماعة الكاملة هي الجماعة المدنية غير المتجزئة قانونيا. هذا يعني ان المجتمع قائم بذاته غير مؤلف من أجزاء كالطوائف الدينية. هذه لها كياناتها وليست مجموعتها تؤلف مجتمعا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. وأنت تنتمي، مواطنا، إلى هذه المجموعة مباشرة ولا تنتمي اليها باعتبار طائفتك الدينية مرصوفة إلى طوائف اخرى. أنت لا تعبُر طائفتك لتكسب عضويتك المجتمعية.

يعالج موضوع الانتماء بالمنظور المسيحي بحيث يقال ان الجماعات الدينية لا تؤلف المجتمع المدني. طبعا هنا انطلق من الرؤية المسيحية لأنك في الرؤية الاسلامية تقول شيئا آخر. في المسيحية ليست الكنيسة جزءا من المجتمع المدني. هي متصلة بالحياة الأبدية أي ليست متصلة بالجماعة الدنيوية. نقول في المصطلح الإسلامي هناك دنيا وآخرة وليس بينهما تلازم.

أنا مضطر بحكم قناعتي المسيحية ان أعالج المجتمع المدني من جهة والمجتمع الكنسي من جهة. هناك مستويان لا بد من التمييز بينهما لنفهم الإشكالية التي تواجهنا.

هناك مجتمع مدني لا ينظر فيه إلى الهوية الدينية. هذه طبعا قولة مسيحية. عندي ان هذه الرؤية هي الوحيدة التي تمكنك من ثنائية طيبة ومنتجة هي ثنائية المدني والأخروي وان كان الأخروي مقيما في المدني إذ ليس من انتماء لا يتصل بالانتماء الآخر فأنت من هذه الدنيا ومن الآخرة بآن وتتحرك بهما ولو تمايزا.

«أنتم في العالم ولستم من العالم» (يوحنا 17: 11-16). هذا كلام للمعلم الناصري وهو كشف لنا منه اننا قائمون في هذه الدنيا ومتاعبها وفرحها واننا في هذه الإقامة نحن مدعوون إلى الملكوت. نحن بكل قوانا وفهمنا وجهدنا نعمل في هذا العالم وبمنطقه ومنتظرون الدهر الآتي كما تقول كتبنا المقدسة. لا ننكر الوضع الدنيوي الذي نحن فيه ولكننا لا نغرق فيه لنعمل في هذا العالم وللدهر الآتي بآن. لنا في هذا العالم منطق الدهر الآتي وذوق جمالاته والحنين اليها وكفاح في العالم بلا استغراق فيه. ولهذا العالم قوانينه ومسالك لنا فيه نرجو ان نستبق فيها الدهر الآتي منذ الآن في حياة الروح.

المجتمع المدني القائم في هذا الدهر يتوق إلى الدهر الآتي ولكن له منظومات هذا الدهر. واذا تكلمنا عن هذا فنعرف ان من منطقه إقامة مؤسسات فيه منها الزواج. فالزواج وان تاق إلى الآخرة الا ان له قواعد مأخوذة من هذا العيش الذي نحن فيه. عند المسيحيين والمسلمين معا له قدسية ويشرف الله عليه وان اختلفت الأحكام باختلاف الديانتين. فعند نشوء المسيحية التي كانت تؤثر تكوين العائلة بين مؤمن ومؤمنة كان المسيحيون قلّة وكان لا مفر من اختلاط المسيحيين والوثنيات في حياة زوجية وما كان للزواج شكل إكليل الا بعد القرن السابع. وما كانت الكنيسة تطلب من الفريق الوثني ان يعمَّد لإجراء إكليله. هنا لا يعني ان المسيحيين الأوائل لم يعتبروا قدسية الزواج من فريق غير مسيحي. ومن المعروف ان الزواج في مطلع المسيحية على قدسيته عند الفريق المؤمن لم يكن فيه اشتراط ان الفريقين كانا بالضرورة على المسيحية.

ومن الواضح كثيرا من رسائل القديس إغناطيوس المتوفى السنة 117 ان الزواج كان يتم أحيانا مع فريق وثني وان ما يسمى الإكليل لم يظهر في البدايات وإن كان التراضي اساسيا في حضرة الأسقف بلا احتفال.

ولكن كان لا بد ثمة من شكليات رومانية أي ان الكنيسة لم يكن عندها حفلة زواج كنسي ولو كان ثمة ضرورة لموافقة الأسقف. الإنسان يتزوج أمام الإدارة الرومانية أو القضاء الروماني. وكان هذا كافيا – مع مباركة الأسقف – إلى اعتبار هذا القران مقدسا ولكن ما نسميه الإكليل كان تقديسا الهيا للزواج بلا احتفال.

فعبارة زواج ديني وعبارة زواج مدني كانتا غائبتين على لسان المسيحيين. فإن أنت أحببت فتاة وثنية أو مسيحية وتزوجتها عند السلطة الرومانية مع زيارة للأسقف لطلب رضاه يكون هذا زواجا مسيحيا.

هل كان هذا زواجا مسيحيا أم زواجا مدنيا؟ السؤال ليس له معنى. فأنت تعقد زواجا عند السلطة المدنية وتذهب إلى الكنيسة لتناول جسد الرب وتفهم جماعة المسيحية انك تزوجت بالرب.

فالشكل الكنسي المسمى إكليلا لم يكن له وجود قبل القرن السادس أو السابع ولكن الاقتران المسيحي ببركة الأسقف بلا احتفال في البدء وباحتفال لاحق كان هو التعبير عن التراضي والمحبة الزوجية وهذا هو السر. في المسيحية الأولى كان الزواج بحد نفسه يحمل القدسية ويعبر الأسقف عن كمونها في الاتحاد. والزواج يبدأ بالعهد ويستمر بالأمانة. ان تسميه مدنيا اذ كان في البدء بلا شكل أو صورة أو تسميه كنسيا لأنه قائم على أبدية الحب لا فرق. كل عهد زوجي يخص المدينة ونظامها لأنه من هذا الدهر ويخص الكنيسة التي هي جسد المسيح. المهم العهد وقبول الله للعهد.

نحن لسنا ضد الشكل المدني الحاصل في الدولة ولكن من عرف نفسه عضوا في الكنيسة نصلي معه في زواجه ونتقبله في حبه الزوجي ونجعل من زوجيته قربانا ويسمو بنا ونسمو به إلى الزواج الروحاني القائم بين المسيح وكنيسته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزواج المدني / السبت 9 شباط 2013

تدل هذه العبارة على قيام ارتباط يقوم به المجتمع المدني أي يفترض قيام مجتمع كيان مدني هو في حقيقته الأمة، كذلك يفترض ان الأمة ذات كيان عضوي مجتمعيا ذي حراك قانوني ينتج هيكليات ينتمي اليها المواطنون ومنها العائلة. فالعائلة قائمة ليس فقط شعوريا ولكن نظاميا في ظل ما يشبه هيكلية بحيث وجب القول ان المجتمع كيان له تعبير قانوني.

وليس من تجمع ذي طابع قانوني الا اذا كان تجمعا قائما بذاته أي كاملا. الجماعة الكاملة هي الجماعة المدنية غير المتجزئة قانونيا. هذا يعني ان المجتمع قائم بذاته غير مؤلف من أجزاء كالطوائف الدينية. هذه لها كياناتها وليست مجموعتها تؤلف مجتمعا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. وأنت تنتمي، مواطنا، إلى هذه المجموعة مباشرة ولا تنتمي اليها باعتبار طائفتك الدينية مرصوفة إلى طوائف اخرى. أنت لا تعبُر طائفتك لتكسب عضويتك المجتمعية.

يعالج موضوع الانتماء بالمنظور المسيحي بحيث يقال ان الجماعات الدينية لا تؤلف المجتمع المدني. طبعا هنا انطلق من الرؤية المسيحية لأنك في الرؤية الاسلامية تقول شيئا آخر. في المسيحية ليست الكنيسة جزءا من المجتمع المدني. هي متصلة بالحياة الأبدية أي ليست متصلة بالجماعة الدنيوية. نقول في المصطلح الإسلامي هناك دنيا وآخرة وليس بينهما تلازم.

أنا مضطر بحكم قناعتي المسيحية ان أعالج المجتمع المدني من جهة والمجتمع الكنسي من جهة. هناك مستويان لا بد من التمييز بينهما لنفهم الإشكالية التي تواجهنا.

هناك مجتمع مدني لا ينظر فيه إلى الهوية الدينية. هذه طبعا قولة مسيحية. عندي ان هذه الرؤية هي الوحيدة التي تمكنك من ثنائية طيبة ومنتجة هي ثنائية المدني والأخروي وان كان الأخروي مقيما في المدني اذ ليس من انتماء لا يتصل بالانتماء الآخر فأنت من هذه الدنيا ومن الآخرة بآن وتتحرك بهما ولو تمايزا.

«أنتم في العالم ولستم من العالم» (يوحنا 17: 11-16). هذا كلام للمعلم الناصري وهو كشف لنا منه اننا قائمون في هذه الدنيا ومتاعبها وفرحها واننا في هذه الإقامة نحن مدعوون إلى الملكوت. نحن بكل قوانا وفهمنا وجهدنا نعمل في هذا العالم وبمنطقه ومنتظرون الدهر الآتي كما تقول كتبنا المقدسة. لا ننكر الوضع الدنيوي الذي نحن فيه ولكننا لا نغرق فيه لنعمل في هذا العالم وللدهر الآتي بآن. لنا في هذا العالم منطق الدهر الآتي وذوق جمالاته والحنين اليها وكفاح في العالم بلا استغراق فيه. ولهذا العالم قوانينه ومسالك لنا فيه نرجو ان نستبق فيها الدهر الآتي منذ الآن في حياة الروح.

المجتمع المدني القائم في هذا الدهر يتوق إلى الدهر الآتي ولكن له منظومات هذا الدهر. واذا تكلمنا عن هذا فنعرف ان من منطقه إقامة مؤسسات فيه منها الزواج. فالزواج وان تاق إلى الآخرة الا ان له قواعد مأخوذة من هذا العيش الذي نحن فيه. عند المسيحيين والمسلمين معا له قدسية ويشرف الله عليه وان اختلفت الأحكام باختلاف الديانتين. فعند نشوء المسيحية التي كانت تؤثر تكوين العائلة بين مؤمن ومؤمنة كان المسيحيون قلّة وكان لا مفر من اختلاط المسيحيين والوثنيات في حياة زوجية وما كان للزواج شكل إكليل الا بعد القرن السابع. وما كانت الكنيسة تطلب من الفريق الوثني ان يعمَّد لإجراء إكليله. هنا لا يعني ان المسيحيين الأوائل لم يعتبروا قدسية الزواج من فريق غير مسيحي. ومن المعروف ان الزواج في مطلع المسيحية على قدسيته عند الفريق المؤمن لم يكن فيه اشتراط ان الفريقين كانا بالضرورة على المسيحية.

ومن الواضح كثيرا من رسائل القديس إغناطيوس المتوفى السنة 117 ان الزواج كان يتم أحيانا مع فريق وثني وان ما يسمى الإكليل لم يظهر في البدايات وإن كان التراضي اساسيا في حضرة الأسقف بلا احتفال.

ولكن كان لا بد ثمة من شكليات رومانية أي ان الكنيسة لم يكن عندها حفلة زواج كنسي ولو كان ثمة ضرورة لموافقة الأسقف. الإنسان يتزوج أمام الإدارة الرومانية أو القضاء الروماني. وكان هذا كافيا – مع مباركة الأسقف – إلى اعتبار هذا القران مقدسا ولكن ما نسميه الإكليل كان تقديسا الهيا للزواج بلا احتفال.

فعبارة زواج ديني وعبارة زواج مدني كانتا غائبتين على لسان المسيحيين. فإن أنت أحببت فتاة وثنية أو مسيحية وتزوجتها عند السلطة الرومانية مع زيارة للأسقف لطلب رضاه يكون هذا زواجا مسيحيا.

هل كان هذا زواجا مسيحيا أم زواجا مدنيا؟ السؤال ليس له معنى. فأنت تعقد زواجا عند السلطة المدنية وتذهب إلى الكنيسة لتناول جسد الرب وتفهم جماعة المسيحية انك تزوجت بالرب.

فالشكل الكنسي المسمى إكليلا لم يكن له وجود قبل القرن السادس أو السابع ولكن الاقتران المسيحي ببركة الأسقف بلا احتفال في البدء وباحتفال لاحق كان هو التعبير عن التراضي والمحبة الزوجية وهذا هو السر. في المسيحية الأولى كان الزواج بحد نفسه يحمل القدسية ويعبر الأسقف عن كمونها في الاتحاد. والزواج يبدأ بالعهد ويستمر بالأمانة. ان تسميه مدنيا اذ كان في البدء بلا شكل أو صورة أو تسميه كنسيا لأنه قائم على أبدية الحب لا فرق. كل عهد زوجي يخص المدينة ونظامها لأنه من هذا الدهر ويخص الكنيسة التي هي جسد المسيح. المهم العهد وقبول الله للعهد.

نحن لسنا ضد الشكل المدني الحاصل في الدولة ولكن من عرف نفسه عضوا في الكنيسة نصلي معه في زواجه ونتقبله في حبه الزوجي ونجعل من زوجيته قربانا ويسمو بنا ونسمو به إلى الزواج الروحاني القائم بين المسيح وكنيسته.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

في النعمة / الأحد 10 شباط 2013 / العدد 6

يطلب بولس إلى تلميذه تيموثاوس أن يتقوى في النعمة التي في المسيح يسوع. النعمة موهوبة ولكن المؤمن يستعدّ لاقتبالها أو يقوى اقتباله بصلاته وقراءة الكلمة فيما يفتح قلبه للرب. واذا تشدد تيموثاوس بالنعمة ينقل ما تسلّمه من بولس إلى شهود أُمناء وهم الأساقفة المخْلصون للإيمان المستقيم مع رعاياهم. الرسل حفظة الإيمان استلموه من الرب يسوع لمّا كان معهم على الأرض.

هؤلاء لا يصنعون ايمانا جديدا. ينقلون ما وصل اليهم. كل أسقف أخذ إيمانه من الأسقف الذي رسمه. الأساقفة سلسلة ابتدأت من الرسل. انهم ينقلون التقليد الذي هو الوديعة السالمة أو ما نُسمّيه «التقليد الشريف» حتى يستمرّ التراث الرسوليّ من جيل إلى جيل فلا نُحرّفه بالزيادة أو النقصان.

ليس من إيمان يتغيّر مضمونه من جيل الى جيل. الإيمان واحد منتشر في الكتاب المقدس وأقوال الآباء والخدمة الإلهيّة، ونحفظه كما تسلّمناه اذ نحن لا نخترع دينا جديدا كما يحلو لهذا او ذاك من الناس.

هذا التقليد الرسوليّ ينتقل بالتعليم. والتعليم يرافقه مشقّات، ولكن المعلّم الذي ينقله يعرف انه جنديّ ليسوع المسيح حتى لا ينتقص شيئًا مما استلمه من الأسلاف، وفي هذا السياق هم الرسل، وبعد ذلك خلفاء الرسل. الإيمان ننقله نقلاً بإخلاص ولا نُحرّفه لأننا جنود للمسيح، ولا نخترع تعليمًا من عندنا ولكنا نحفظ ما استلمناه. هذه هي الأمانة التي نُحافظ فيها على ما جاء إلينا وننقله كما جاء إلينا. حفظ ما استلمناه ونقله يتطلبان ألا نرتبك بهموم الحياة لأن الذي جنّدنا لأبيه، أي المسيح المبارك، يريدنا أن نُجاهد معه وله فنحفظ الوديعة سالمة ولا نُحرّفها فلا نزيد عليها ولا ننتقص منها، وهذا هو الجهاد الشرعيّ الذي يتحدث عنه الرسول. هذا الجهاد أساسه الا نُحدث مادة جديدة على ما تلقّيناه، وأن ننقل بفهم ما استلمناه أي أن ننقل ما جاءنا من الرسل ولا نخلط في ما نقول تعليمًا من عندنا، بل نحافظ ونشرح لكوننا فهمنا ما استمعناه. على أي شيءنحافظ؟ نحفظ ما هو من الإيمان، وهذا يلخّصه بولس في هذه الرسالة بكلمة واحدة أن يسوع المسيح قام من بين الأموات «على حسب إنجيلي»، وهنا لا يتكلم بولس عن كتاب معيّن، ولكنه بكلمة إنجيل تعليمه. ونقل الإنجيل إلى الناس يكلّف بولس صعوبات ومشقّات في جسده لأن التعليم يرافقه اضطهاد من الأخصام، وتكلم الرسول عن المصاعب التي تلقّاها من أولئك الذين لا يحبون ربنا يسوع المسيح. عذّبوني كمُجرم، يقول. «إلا أن كلمة الله لا تُقيّد». أنا حامل كلمة الله، وأَمرَني الله بتبليغها، ولا أستطيع أن أَكتمها لأني رسول أي ان واجبي أن أُبلغ الناس، كل الناس كلمة الله، وأَعرف أنْ «ويلٌ لي إن لم أُبشّر».

أنا أختار في المسيح لتبليغ إنجيله أي بشارته للمؤمنين ولغير المؤمنين. «إن كلمة الله لا تُقيّد» أي لا أستطيع أن أَكتم كلمة الله، أن أَحبسها في كتاب. أنا مضطر أن أكشف الإنجيل للناس. الإنجيل مقروء، مفتوح لينتقل، لكي يصبح كل مسيحي متكلمًا به. «آمنتُ، لذلك تكلّمتُ». أُبشّر أنا بولس به ليصير كل مسيحيّ يسمعه إنجيلاً حيًا.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

صادقة هي الكلمة/ الأحد 3 شباط 2013 / العدد 5

نحن في ما نقوله ونقوم به نعمل بكلمة الله التي منها نجيء. وهنا يؤكد الرسول انها صادقة اذ ليس عندنا كلمات من ذاتنا بل نستخدم كلمة الله. ومن اجل الإخلاص لها وأدائها «نتعب ونُعيَّر» ونتلقى ما يقوله الله لنا اذ ألقينا عليه رجاءنا.

نرجو الله بعد ان عرفنا انه مخلص الناس أجمعين ولا سيما المؤمنين. ماذا يعني الرسول بقوله انه مخلص الناس أجمعين؟ هل يدل هذا على رجاء شامل للخلاص بحيث ان أحدا لا يُحكم عليه بجهنم؟ هذا كلام قيل ولكن الكنيسة رفضته بسبب وضوح الكتاب القائل ان ثمة من يذهب الى الهلاك. برغم هذا الوضوح هناك من قال ان الخلاص سيشمل الجميع لأن الرب يحب الا يبقى احد في الهلاك.

ان يكون الخلاص حتميا للأبرار وللأشرار، هذا يبدو ضد العدل الإلهي اذ يظهر ان الله يساوي بينهم وان كل الكلام عن جهنم في العهد الجديد لا أساس له. الخلاص نطلبه ويبعث به المخلص الينا لكونه جاء من اجل هذا.

هذا الكلام أُرسل الى تيموثاوس الذي كان شابا وكان عليه ان يعلّم الناس الأكبر والأصغر منه فقال له بولس: «لا يستهن احد بفتوتك» اي لا يجوز لكبار السن ان يحتقروا شبابك وعليهم إن قلتَ كلمة الله ان يقبلوها. الأسقف او الكاهن كثيرا ما يتوجهان الى من كان أكبر سنا منهما والمسن او الشيخ يتقبل التعليم من معلم أفتى على ان يكون مثالا في التقوى. فكثيرا ما كان الكاهن معلما للكبار. السن لا علاقة لها بالتعليم اذ يردم الهوة بين الناس «الكلام والتصرف والمحبة والإيمان والعفاف». بهذه يعلم كاهن شاب من كان أكبر منه. الفضائل الإنجيلية تردم الهوّة بين الأجيال.

فانتظارًا لتأثير الفضيلة في تيموثاوس يتوجه اليه بولس بقوله: «واظب على القراءة الى حين قدومي» ويريد بذلك طبعا قراءة الكتاب المقدس اذ لم يكن كتاب آخر آنذاك في الكنيسة اي قراءة العهد القديم وربما أراد بولس الرسائل التي بعث بها الى الكنائس التي يعرفها تيموثاوس مثل الرسالتين الى أفسس وكولوسي وهناك كان تيموثاوس يعيش. ان يقرأ حتى قدوم الرسول اليه تعني القراءة الدائمة للعهد القديم.

ثم الوعظ والتعليم. الوعظ هو الكلام في الخدمة الإلهية القائم على العلاقة بين الكاهن الواعظ والرعية. اما التعليم فهو إلقاء دروس لاهوتية منظمة خارج القداس الإلهي على طريقة المحاضرات أو الدروس المنتظمة.

ولما قال: «لا تهمل الموهبة التي أوتيتها بنبوة وضع أيدي الكهنة» يذكره انه نال هذه الموهبة من الروح القدس لما رسمه الكهنة كاهنا. بعد هذه المدة انحصرت الرسامة بالأسقف.

واخيرًا يحثه على الاستمرار بالتعليم ليظهر نوره قدام الناس.

Continue reading