لا بحكمة كلام / الأحد 7 آب 2011 / العدد 32
دعا بولس في هذا الفصل من الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس هؤلاء ليقولوا قولا واحدا، ولا يريد بذلك أن تتوافق آراؤهم البشرية ولكن أن تكون آراؤهم مستندة الى الإنجيل الواحد الذي بشّرهم به الرسول. كما حذّرهم أن يكون بينهم شقاقات، فإذا كانوا على فكر المسيح لا ينشقّون بعضهم عن بعض. وأَعلمهم أن أهل خْلُوي، أي خُدّام امرأة من رعيّتهم تُدعى خْلُوي، أخبروه بأنهم متخاصمون في موضوع أشخاص، فمنهم من يقول انه لبولس اي كاتب الرسالة، ومنهم من قال انه لرسول آخر يُدعى أَبُلّوس كان له اتصال بكنيسة كورنثوس، وفريق يقول انه للمسيح. وبولس يريدهم أن يكونوا للمسيح لا لهذا او ذاك من الرسل الذين بشّروهم.
وحتّى يُبيّن انه لا يريد لنفسه أنصارًا أعطاهم سببين؛ الأول: ألعلّ المسيح قد تجزّأ. والثاني: ما أهمية بولس الذي لم يُصلب من أجلكم ولا عمّدكم باسمه اذ لا يستطيع أحد ان يعمل الا باسم الآب والابن والروح القدس كما أمر بذلك السيّد تلاميذه.
شدد بولس على انه لم يُعمّد سوى كْرسبُس وغايوس لئلا يُفهم أنه عمّد باسمه. كذلك يقول انه عمّد بيت استفاناس، ويريد بذلك هذا الرجل وامرأته وأولاده. هذا هو مفهوم البيت. ويؤكد ان المسيح لم يُرسله ليُعمّد بل ليُبشّر.
وعند استعماله هذه الكلمة أوضح أنه لم يبشّر بحكمة كلام اي ببلاغة بشرية او جمال صياغة ولكن ببساطة الإنجيل. فلو أتى بكلام من عنده لأبطل صليب المسيح. واستفاض بعد هذا بالكلام على الصليب. عندما يركّز المبشّر او الواعظ على الصليب ومعناه وتأثيره في حياتنا، لا يبقى له كلام بشريّ.
طبعًا يصوغ المبشّر بعباراته وأُسلوبه، وهذا لا مهرب منه. ولكن لن يكون لكلامه مضمون إلا الإنجيل وما استلمناه من الأوائل، من القديسين، من آباء الكنيسة الذين لم يأتوا بكلام من عندهم ولكنهم ترجموا الإنجيل للناس بلُغة الناس.
كل ما عندنا، كل ما يُنقذ هو أن نُذكّر المؤمنين بالخلاص الذي نالوه، وأن نوضح لهم كيف يحافظون بسلوكهم على الإنجيل.
من هنا انه من غير المُستَحسن أن يأتي الكاهن في وعظه على أفكار فلسفيّة او على ما ورد في الشِعر. انه لأساسيّ ألاّ يذكُر مفكّرين من هذا العالم كتبوا في لغتنا او اللغات الأخرى.
هذا لا يعني أن يكرّر نَصّ الرسالة او الإنجيل باللغة العامّية كأنّ الناس لم يفهموا. المقصود أن يكشف الواعظ المعاني العميقة للفصل الذي قُرئ، أَعني المعاني التي لها صلة بعقول السامعين. يجب أن يجتهد الواعظ على محور النص الذي تُلي ودسمه.
ليس المهم أن تتحرّك القلوب ببلاغة المتكلّم. المهم أن تتوب الى الله بالكلام الإلهيّ نفسه الذي نجتهد أن نوصله الى الناس كما أراد الله أن يصل. ماذا قصده الوحي الآتي إلينا بالرسالة والإنجيل؟ نحن نتحرّك بهذا الوحي فقط، فنصل الى ما قصده الرب في ما أوحاه لمن كتب الرسالة والإنجيل.
هكذا فقط نُكافح شهواتنا وننسلخ عن سيئاتنا. هكذا نصير نحن بتطهير القلوب كلمة الله الحيّة. ألاّ يكون فينا الا كلمة الله، هذا عمل المبشر او الواعظ.
Continue reading