Category

2011

2011, مقالات, نشرة رعيتي

لا بحكمة كلام / الأحد 7 آب 2011 / العدد 32

دعا بولس في هذا الفصل من الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس هؤلاء ليقولوا قولا واحدا، ولا يريد بذلك أن تتوافق آراؤهم البشرية ولكن أن تكون آراؤهم مستندة الى الإنجيل الواحد الذي بشّرهم به الرسول. كما حذّرهم أن يكون بينهم شقاقات، فإذا كانوا على فكر المسيح لا ينشقّون بعضهم عن بعض. وأَعلمهم أن أهل خْلُوي، أي خُدّام امرأة من رعيّتهم تُدعى خْلُوي، أخبروه بأنهم متخاصمون في موضوع أشخاص، فمنهم من يقول انه لبولس اي كاتب الرسالة، ومنهم من قال انه لرسول آخر يُدعى أَبُلّوس كان له اتصال بكنيسة كورنثوس، وفريق يقول انه للمسيح. وبولس يريدهم أن يكونوا للمسيح لا لهذا او ذاك من الرسل الذين بشّروهم.

وحتّى يُبيّن انه لا يريد لنفسه أنصارًا أعطاهم سببين؛ الأول: ألعلّ المسيح قد تجزّأ. والثاني: ما أهمية بولس الذي لم يُصلب من أجلكم ولا عمّدكم باسمه اذ لا يستطيع أحد ان يعمل الا باسم الآب والابن والروح القدس كما أمر بذلك السيّد تلاميذه.

شدد بولس على انه لم يُعمّد سوى كْرسبُس وغايوس لئلا يُفهم أنه عمّد باسمه. كذلك يقول انه عمّد بيت استفاناس، ويريد بذلك هذا الرجل وامرأته وأولاده. هذا هو مفهوم البيت. ويؤكد ان المسيح لم يُرسله ليُعمّد بل ليُبشّر.

وعند استعماله هذه الكلمة أوضح أنه لم يبشّر بحكمة كلام اي ببلاغة بشرية او جمال صياغة ولكن ببساطة الإنجيل. فلو أتى بكلام من عنده لأبطل صليب المسيح. واستفاض بعد هذا بالكلام على الصليب. عندما يركّز المبشّر او الواعظ على الصليب ومعناه وتأثيره في حياتنا، لا يبقى له كلام بشريّ.

طبعًا يصوغ المبشّر بعباراته وأُسلوبه، وهذا لا مهرب منه. ولكن لن يكون لكلامه مضمون إلا الإنجيل وما استلمناه من الأوائل، من القديسين، من آباء الكنيسة الذين لم يأتوا بكلام من عندهم ولكنهم ترجموا الإنجيل للناس بلُغة الناس.

كل ما عندنا، كل ما يُنقذ هو أن نُذكّر المؤمنين بالخلاص الذي نالوه، وأن نوضح لهم كيف يحافظون بسلوكهم على الإنجيل.

من هنا انه من غير المُستَحسن أن يأتي الكاهن في وعظه على أفكار فلسفيّة او على ما ورد في الشِعر. انه لأساسيّ ألاّ يذكُر مفكّرين من هذا العالم كتبوا في لغتنا او اللغات الأخرى.

هذا لا يعني أن يكرّر نَصّ الرسالة او الإنجيل باللغة العامّية كأنّ الناس لم يفهموا. المقصود أن يكشف الواعظ المعاني العميقة للفصل الذي قُرئ، أَعني المعاني التي لها صلة بعقول السامعين. يجب أن يجتهد الواعظ على محور النص الذي تُلي ودسمه.

ليس المهم أن تتحرّك القلوب ببلاغة المتكلّم. المهم أن تتوب الى الله بالكلام الإلهيّ نفسه الذي نجتهد أن نوصله الى الناس كما أراد الله أن يصل. ماذا قصده الوحي الآتي إلينا بالرسالة والإنجيل؟ نحن نتحرّك بهذا الوحي فقط، فنصل الى ما قصده الرب في ما أوحاه لمن كتب الرسالة والإنجيل.

هكذا فقط نُكافح شهواتنا وننسلخ عن سيئاتنا. هكذا نصير نحن بتطهير القلوب كلمة الله الحيّة. ألاّ يكون فينا الا كلمة الله، هذا عمل المبشر او الواعظ.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

موعدك في القداس/ الأحد 31 تموز 2011 /العدد 31

القداس موعدٌ لك مع الرب. في الحياة الاجتماعية لا يذهب أحد الى موعد متأخّرًا. يعتبر هذا أنك لست جدّيًّا بالتعامل مع من ارتبطت معه بموعد أو أنك غير مشتاق اليه، وتجعله ينتظر ويتحسّر على أوقات أضاعها بانتظار. لماذا عند بدء الصلاة في أحد أو عيد لا نجد غير ثلاثة من الناس أكثرهم من النساء المسنّات؟

ألا يعني هذا أن هذه الكلمات التي يتلوها الكاهن او يرتّلها المرتل لا تهمّ الذين تغيّبوا لعلل غير ممدوحة؟ كانوا في بيوتهم يحتسون القهوة او يتناولون فطورًا او يستمعون الى الأخبار. ناموا قبل ليلة واستيقظوا كما في بقية اليوم. هل يقولون في أنفسهم: القداس جارٍ «فينا وبلانا»؟ نأخذ نصيبنا منه بعد تباطؤ. هؤلاء لا يعلمون أن المسيح ينتظرهم في كنيسته وأن الكلمات التي رُتّب بها القداس إنما رتّبها الأقدمون محبةً للناس الحاليين حتى ينمُوا بمحبة الله ويَصلوا الى أعماق المسيحية. لماذا لا يعلمون أن السيّد يُحبّ الذين حضروا منذ البدء والذين تأخّروا على ألا يتأخروا. هو يغفر لهم ضعف همّتهم وقلّة حماستهم حتى يكسبوا الحماسة ويتجدّدوا بالمعرفة ولا يُفوّتوا عليهم كلمة نافعة.

مرة دخلتُ كنيسةً في صلاة الغروب في الوقت المحدّد، ولا حظتُ أن الصلاة ابتُدئ بها قبل موعدها بدقيقتين او ثلاث. هذه يُقرأ فيها مزمور الغروب. قلتُ للكاهن في نهاية الخدمة: ضيّعتَ على الذين يجيئون في الوقت المحدد عدّة آيات من المزمور كان يمكن أن تساعدهم على الخلاص. ربما كانت توبتهم متعلّقة ببعض كلمات لم يسمعوها.

هو الشوق ناقص عند بعض منّا. أنت إن أحببتَ المسيح تُفتّش عن ظهوره، وظهورُه في القداس الإلهي عظيم. هو القائل: «الكلام الذي أُكلّمكم به نور وحياة». ألا تريد النور؟ ألست تريد الحياة؟ انت لا تُفبركُ دينًا لنفسك. أنتَ تأخذ الدين الذي ورثته من آبائك وأجدادك. والدين المسيحيّ الذي أنت عليه قلبُه الصلاة وقلبُ الصلاة القداس.

وأَرجو ان تكون عالمًا بأن القداس هيكليّة كاملة فلا تأخذ جزءًا وتترك جزءًا. إيضاحًا لذلك أقول: كيف تستطيع أن تصل بعد الإنجيل؟ ألا تكون قد حاولت أن تُقنع نفسك بأن ما قُرئ على المؤمنين لك انت أن تستغني عنه. والرسالة،مَن قال انها لا تنفع بنيانك الروحيّ والإنشاد الذي قبلهما؟ كيف تتناول جسد الرب ولا تتناول الإنجيل؟ كل هذا يُعطيك الرب إياه. كل هذا لخلاصك، وبالنتيجة لخلاص أهل بيتك. هؤلاء يُريدونك قويا في الإيمان ونافعًا لهم بالإيمان.

أنت تُحبّهم بما فيك، بما اكتسبته من كنيسة الرب. هل أنت تترك لزوجتك أن تعطي أولادك المسيحية ولا تُسهم انت بإعطاء المسيحية. لا تتّكل على التعليم الدينيّ في المدرسة. بأهمية التعليم او أهم من التعليم ان تكون المسيحية فيك، في كلامك، في عينيك.

تعال لنكون كل أحد معًا، لكي لا تبقى غريبًا عنّا نحن المصلّين. نحن وإياك جسد المسيح. لا تُفرّقنا بغيابك عنا. في الكنيسة نصبح واحدًا. تعال.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

المواهب / الأحد 24 تموز 2011 / العدد 30

النعمة الإلهية لها وجوه مختلفة نُسمّيها المواهب. منها موهبة النبوّة (المستمرّة في العهد الجديد) وهي أن يقف صاحبها ليقول ما يريده الله من الكنيسة التي يكلّمها النبيّ الذي من العهد الجديد.

موهبة الخدمة في الكنيسة أكان الموهوب ذا رتبة إكليريكية أم كان علمانيا. أما المعلّم فهو الذي يبسط العقيدة بشكل متماسك وجامع لكل العقائد. أما الواعظ فهو الذي يشرح الإيمان المؤسس على قراءة الرسالة أو الإنجيل او يجمع بينهما. المتصدّق يُعطي الصدَقة ببساطة وبالدرجة الأُولى للمعوزين. اما المدبّر للشأن الاقتصادي فيكون مجتهدا. الراحم هو الذي يغفر لكل مَن احتاج الى رحمةٍ مادية كانت أَم روحية.

كل هذا تسدده المحبة التي هي بلا رياء اي بلا حب للظهور وبلا تفريق بين الناس. بعد هذا يقول بولس صاحب الرسالة الى أهل رومية يجب أن نكون ماقتي الشر فإن مُحب الشر لا يُحبّ. يُرادف هذا القول أن نكون ملتصقين بالخير، «محبّين بعضنا بعضا حُبًا أخويًا» كما أَوصى المعلّم: «أَحبّوا بعضُكم بعضًا كما أنا أَحببتُكم» وقد أَحببتُكم حتى الموت. ثم يطلب أن نُكرم بعضُنا بعضًا مع الانتباه الى أن نبادر بالإكرام ولا ننتظر أن يُبادر الآخر بمحبتنا. ثم يقول «غير مُتكاسلين في الاجتهاد»، الاجتهاد بالتقوى والخدمة، غير مؤجّلين الاجتهاد، «حارّين بالروح»، والحرارة فينا تنزل علينا من الروح القدس الذي ظهر كنار على التلاميذ في العلّيّة التي كانوا فيها مجتمعين خوفًا من اليهود. والحارّون في الإيمان والمحبّة هم عابدون للرب. «فرحين في الرجاء»، والفرح من الروح القدس كما يقول الرسول في موضع آخر. «صابرين في الضيق» وهو الضيق الشخصي الذي يُضايقنا به غير المسيحيين او الإخوة المسيحيون. وهو كذلك الضيق الذي يأتي على الكنيسة من الاضطهاد. «مواظبين في الصلاة» بناء على قول الكتاب ألاّ ننقطع عن الصلاة في الليل والنهار. وربما أشار هنا الى ما سُمّي «الصلاة العقلية» او «صلاة القلب» التي تكون بكلام او بغير كلام، والصلاة هي الرباط الدائم مع الله يربّينا الرب بها ويجعلنا عُشراءه.

ثم يطلب الرسول أن نكون موآسين للقديسين في احتياجاتهم، ويقصد بالقديسين كل المؤمنين. نعطيهم إحسانًا أخويًا او نعزّيهم في أحزانهم. ومن الموآساة ضيافة الغرباء حسب قول يسوع: «كنتُ غريبًا فآويتموني» إذ لا ينبغي أن يُحسّ أحد منّا أنه غريب. «باركوا الذين يُضطهدونكم». «باركوا ولا تلعنوا». هذا كلام الرب يسوع، وكلام بولس هنا صدى لكلام المعلّم.

«باركوا ولا تَلعنوا» من كلام يسوع. البركة منّا لمن أَحبّنا وأَبغضنا هي أن نستنزل بركة الله على الناس جميعًا، ومعنى بركة الله أن يمُدّنا بالحياة والنعمة وأن «يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والظالمين». هذا هو الكمال حسب قول المخلّص: «كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات كامل». إن الكمال هو السعي الى الكمال، وبذلك تُحيينا صورة الله فينا.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

نور العالم / الأحد 17 تموز 2011 / العدد 29

في العظة على الجبل -ومنها جاء هذا الفصل- يقول السيد لتلاميذه ولنا من بعدهم: «أنتم نور العالم» (مت 5: 14). هذا انعكاس لقوله عن نفسه في يوحنا: «أنا نور العالم» (8: 12). يدعونا يسوع لنُظهر هذا النور في الأعمال الصالحة، ونتيجتها أن من يراها يمجّد الله. ثم أراد أن يرُدّ عنه تهمة أَلصقها به اليهود قال: «لا تظنّوا أَني أتيتُ لأحُلّ الناموس والأنبياء». الأنبياء تكلّموا عليه، ومن الطبيعي أن يقول انه لا يحُلّهم. ولكن ناموس موسى المتعلّق بالفرائض كتقديم الذبائح الحيوانية إلى الهيكل كيف لم يحُلّها. في الواقع هو حرّرَنا من كل الفرائض المادّية وأبقى التوجيهات أو التوصيات الروحية.

فالوصايا الأخلاقية في الوصايا العشر باقية. فريضة السبت التي من هذه الوصايا وطابعها طقسيّ غيرُ أَخلاقيّ نُسخت، والمسيحيون لا يَسبتُون عن الأعمال في السبت. تحريمُ السرقة والكذب يبقى. غير أن المسيح دخل إلى أعماق الوصايا. ليس فقط حافظ على الإخلاص الزوجيّ المنصوص عند في قول الرب قديما: «لا تزنِ». أضاف يسوع: «مَن نظر إلى امرأة ليشتهيها قد زنى معها في قلبه» (مت 5: 28). يستأصل يسوع الزنى من القلب. يدخل في ملكوت القلب حتى تذهب الخطيئة. كذلك استأصل الغضب والشتائم. يسوع دخل الى أعماق الإنسان ليُطهّرها.

فالناموس الموسويّ لا يبقى في أشكاله أو تنظيماته. تبقى فقط روحه أو اتّجاهه إلى الله. زالت ذبائح الهيكل لأن المسيح صار الذبيحة الوحيدة. فإذا فدانا بها، ما الحاجة إلى الذبائح الحيوانية؟ كانت الختانة التي تدلّ على عهد الله مع إبراهيم. العهد الجديد مع الله كان بدم يسوع، فما الحاجة الى الختانة؟ عندنا الآن صورة جديدة عن العهد وهي المعمودية.

اذًا هناك تواصُل مع العهد القديم. ولكن عندنا تجاوز لصوره ومادّيته وهذه كانت تُهيّئ بشكلها الخارجيّ للعهد الجديد. مع ذلك نحافظ على العهد القديم من حيث القراءة ليبقى الارتباط بين الشيء الجديد وصورته القديمة، ولكن الصورة القديمة لا تبقى في تطبيق الكنيسة.

مَثَلٌ آخر إلغاء الكهنوت اللاويّ. فبعد أن صار يسوع الكاهنَ الأوحد، لم تبق حاجة إلى الكهنوت الذي جاء من هارون، والكهنوت المسيحيّ لا يُكمل الكهنوت اليهودي ولكنه يُكمل كهنوت المسيح.

أخيرًا ينتهي هذا الفصل بقول يسوع: «أما الذي يعمل ويُعلّم فهذا يُدعى عظيما في ملكوت السموات». كلمة تدينُنا إذ قد يكون أحدُنا ممتازا في إعطاء التعليم المسيحيّ أو اللاهوت ولا نفع فيه روحيا. من كانت فيه موهبة التعليم يسعى لأن يكتسب موهبة العمل الروحيّ في الكنيسة لئلا يبقى فُصامٌ في الشخصية ويُجدّف على الله بسبب هذا الانسان.

هذه دعوة الى قران التعليم والعمل.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن وحياته/ الأحد في 10 تموز 2011 / العدد 28

الكاهن وحيد في رعيته ومعرّض لكل تجارب الوحدة اذ ليس عندنا مجلس شورى يجتمع فيه الكهنة للتداول في شؤون الرعاية. المطران في هذه الأبرشية يجمع الكهنة مرة في الشهر ويتغيّب أحيانا بعضهم. الكاهن متروك لمطالعاته التي تزوّده بالعلم اللاهوتي والبحث الرعائي، وفي الحقيقة يبقى له وقت كثير إذا حلّ المساء وانتهت الخدَم الإلهية. هذا يعني أنه واعٍ أن الإرشاد يصدر عنه وأن حياته الروحية اذا شعّت يغتذي منها المؤمنون وهم يريدون اليوم أن يعيشوا بالله. وهذه الحياة يطلبونها خصوصًا من كاهنهم. رجائي ألاّ يحسب أبونا أن مسؤوليته تنتهي بإقامة الخِدَم الإلهية. مسؤوليته الأساسية في قداسته. والمسؤولية الثانية في تغذية المؤمنين بكلمة الله.

وهذه نطلبها من تأمل الكتاب المقدس كل يوم ومن بقية الكتب التي صدر منها ما لا يقلّ عن 400 كتاب في السنوات الأخيرة. قداسة الحياة يطلبها الرب من كل واحد منا وهي تأتي من الجهاد الروحي المستمرّ ولا سيما من صلاة الكاهن المستمرة على فمه وفي قلبه خارج الصلوات الرسمية. اذا لم يُصلّ الكاهن على انفراد تبقى تلاوته الأفاشين في الخدمة الإلهية بلا شعور. وهذا يبدو للمؤمنين. يميّزون بين من يتلو أمثولة قرأها ومن يعيش كل هذه الكلمات في قلبه.

هم يعرفون مِن وعظه اذا كان الرجل حارّا، واذا أَحبّوه هذا يُقرّبهم من السيد له المجد. أما اذا كان الكاهن مهملا واجباته ومعرّضا سلوكه للخلل فلا شك أنه يبعد بعض المؤمنين عن الرب. العثرات المؤذية كثيرًا تأتي من الإكليروس أولاً. واذا عرفنا هذا الواقع نسهر على سيرتنا أكثر.

لا يخافَنّ الكاهن على دخله. بالمقارنة مع الماضي، صارت الرعية أكثر تحسّسًا لحاجاته. لم نصل بعد الى جعل كل الكهنة في ارتياح كامل. الارتياح يجعل الإكليريكي أَبعد عن محبة المال، ونزاهته تُقوّي تعلّق الناس به.

لقد جرت العادة عندنا وفي الغرب أن يعطي المؤمنون الكاهن مبلغا من المال بالمناسبات المختلفة (معمودية، إكليل، جنازة)، وسُمّي هذا بالدارج «البطرشيل» لأن الكاهن يضع البطرشيل على صدره عند إقامة هذه الصلوات. ثم رأى بعضٌ من مجالس الرعية أن يُلغوا هذا الأمر ليدفعوا للكنيسة اشتراكًا شخصيًا. أنا حتى الآن ليس عندي خيار بين هذه الطريقة او تلك. المهمّ في هذا كله ألاّ يصبح الإكليريكي مُحبّا للمال وألاّ يضع مجلس الرعية تعرفةً محدّدة لكلّ سر من الأسرار او كل خدمة من الخدَم، وأن تكون القاعدة حرية المؤمن. هو يُعين المبلغ او لا يدفع. نحن لسنا بائعي الأسرار، فقد يزَجّ الكاهن في الطمع او يشترط مبلغًا من المال. وهذا يُسمّى السيمونية المحرّمة في سفر أعمال الرسل والقانون الكنسي.

ومنعًا من الوقوع في الطمع الذي يُسمّيه بولس الرسول «عبادة أوثان»، رأى هؤلاء المسؤولون العلمانيون أن يدفع المؤمن مباشرة الى الكنيسة او يدفع اشتراكا سنويا توزعه الكنيسة على الكهنة.

أيّا كان النظام المتّبع، المهم أن يلازم الإكليريكيّ العفّة في هذا الموضوع فلا يتأفّف إن أُعطي القليل أو لم يُعطَ شيئًا. هذا «يعطى ويُزاد». من أجل إعلاء احترام الكاهن ومحبتنا له، ممارسة العفّة تُخلّصه وتُخلّص أبناءه الروحيين.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

مِن العظة على الجبل/ الأحد في 3 تموز 2011 / العدد 27

هذه العظة (متى 5 و6 و7) هي الشرعة الأخلاقية في الإنجيل. في هذا المقطع يقول «سراجُ الجسد العين». ويريد أنك إن كنت شفّافًا ونظرتك الى الناس مُحبة (يسمّيها بسيطة) اي نظرة بلا تعقيد ولا بُغض ولا استعلاء، فكيانك كله طيّب. وينتقل بعد هذا الى الى عبادة المال إذ يقول «لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال».

المال عبدُك باستعمال للخير. لا تجعل نفسك عبدًا له. لا تسعَ فقط الى المال. طوّعه بعطائه للفقراء. اجعله مُلكًا لهم. شاركهم فيه. أنتَ لستَ صاحبه. أنتَ مؤتَمن عليه. أَعطه لمن احتاج اليه. ثم يفسّر او يفصّل ويقول: «لا تهتمّوا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا تهتموا بما تلبسون». الكلمة الأساسية هي الهمّ. هو ما قال: لا تأكلوا ولا تلبسوا. هو أراد أنكم لا يجوز لكم أن تعملوا هذا شغلكم الشاغل. لا يمكن أن تصير المادّة مركز قلوبكم ومضمون حياتكم. أوضح هذا هكذا إذ قال بعد بضعة أسطر: «لماذا تهتمّون باللباس؟». ثم يردف الى هذا قوله: «فلا تهتمّوا قائلين ماذا نأكل او ماذا نشرب او ماذا نلبس». ويوضح ان «هذا كله تطلبه الأُمم» اي الذين هم خارج شعب الله. عندما يقول بولس «حُبّ المال أصل كل الشرور» يريد أيضًا أن عشق الطعام والشراب والملبس والبيوت والسيارات وكل ما يملكه الانسان أصل كل الشرور. ليس من عشق لكل ما هو مادّي لأن هذا يكبّلك ويستعبدك. خلقك الله حُرّا، وبتحرّرك من كل ما هو محسوس تستطيع أن تحبه. على هذه الصورة أمكن القول إن كنتَ ملتصقًا بزوجتك وأولادك وأنسبائك وأصدقائك حتى الاستعباد لهم لا تستطيع أن تكون عابدا لله. لك حرية لتعبد الله وحده بها، تأتمر بأوامره، فتحبّ ما يحبّ وتكره الأعمال والأفكار التي هو يكرهها. هو ما أعطاك الحرية لتقوم بما تشاء. إنه أعطاك فقط حرية عبادته والالتصاق بها وكأنك هنا على الأرض في السماء منذ الآن. أنتَ إنسان سماويّ او صرتَ سماويا بيسوع المسيح. تأكل ما يقيتك لا أكثر. الطعام ليس للّذة ولكنه لغذائك ونموّك. كذلك الشراب. تلبس ما هو مألوف لتدفع عنك البرد والحرارة بلا إفراط في التجميل. ليس جمال اللباس والمسكن محرّمًا عليك، ولكنك في كل هذا اعتَدل حتى لا تسكر بالجمال فتحيد عن جمال الله. لا تفتخر بأي شيء. فقط افتخر بالمواهب التي وضعها الله في عقلك وفي قلبك، ولا تنسب الى فضلك أنت أيّة موهبة. سلّمك اللهُ مواهبك لتستثمرها لمجده. تعرف كلمة الملائكة في ميلاد السيد: «المجد لله في العُلى». فإذا نَسبتَ شيئًا لحسناتك فهذا كبرياء. ليس عندك شيء صالح إلا لكونك ورثته من ربك بعطف المسيح عليك وبقوة الروح القدس.

وإذا أفاد الناس من مواهبك فلا تقبل منهم مديحًا، ولكن وجّههم الى أن هذا عطيّة الله. كل شيء من الله وإليه. وكلنا، مجتمعين بالمحبة، له. اشكر الرب دائمًا على عطاياه، واجعل الناس شاكرين لله اذا ورثوا منه شيئًا. نحن جماعة واحدة في الكنيسة ثروتنا الله. الذي يلبس شيئا جميلا كالذي يلبس ثيابا رثّة. من أكل قليلا وصام أفضل من الانسان الشره. مَن فرح عندما يقبض مالاً فلكونه واسطة ليوزّعه. أنتَ إنسان المحبة كما أن الله محبة. انظر دائمًا الى الأخيار والأشرار بعين المحبة والغفران والحنان، وهكذا تصبح إنسان العهد الجديد.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة تلاميذ/ الأحد في 26 حزيران 2011 / العدد 26

اختار يسوع تلاميذه وقبلوا الدعوة. سلك يسوع مسلك بعض الربانيين (المفردة العامية هي حاخام) الذين كانوا يجمعون تلاميذ حولهم كانوا يتلقون منهم الكلمة الإلهية. هذه كانت تجمّعات ليس فيها رتب اذ كان هذا غير معروف في العهد القديم. روايةُ جَذْب يسوع التلاميذ اليه يعرضها إنجيل يوحنا بما هو أوضح. «وفي الغد ايضا كان يوحنا (المعمدان) واقفا هو واثنان من تلاميذه. فنظر الى يسوع ماشيا، فقال: هوذا حَمَلُ الله. فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع». (يوحنا 1: 35 و36).

واقع الدعوة حسب متّى أن الرب كان في الجليل وهو موطنه والميدان الأساسي لتحرّكه. الإنجيل يذكُر من التلاميذ أوّلا سمعان وهو اسم عبريّ (شمعون) سمّاه في ما بعد (متى 16: 18) بطرس Petros الذي نحَتَه يسوع من كلمة Petra وتعني الصخرة. كان هذان الأخَوان (أبوهما يونا) يُلقيان شبكتهما في بحيرة طبرية المسمّاة هنا بحرًا. هذه اسمُها الآخر هو بحر الجليل. هذه يشكّلها نهر الأردن بعد خروجه من لبنان. هذان كانا صيادَين. كذا كان كل التلاميذ ما عدا متّى. قال الرب لسمعان و أندراوس: «هلمّ ورائي فاجعلكما صيادَي الناس». التلاميذ اصطادوا الناس بالكلمة. ليس من أداة أُخرى لتربح البشر للمسيح. البشارة في العالم كله هي الصيد العجيب. «هلم ورائي». ليس من مبشّر فعّال، حقيقي الا اذا كان محبا ليسوع حبا يأخذ منه كل جوارح قلبه.

«فللوقت تركا الشباك وتبعاه». كل انضمام حقيقيّ إلى السيّد يبدأ بتركنا لأشياء كانت تُعيقنا عن الاتحاد به. هذه الأشياء هي شهواتنا المؤذية.

ثم يلتقي المخلّص بآخرَين هما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا الذي هو صاحب الإنجيل الرابع. كانا مع أبيهما على شاطئ البحيرة يُصلحان شباكهما ما يدلّ على أنهما كانا على شيء من البحبوحة (شباك لا شبكة واحدة). ايضا هما تبعاه وتركا ما كان اهم من الشباك وهو أبوهما. هذا يكلّف عاطفيًا أكثر.

أسماء بقية التلاميذ تأتي بعد هذا في متى وفي بقية الأناجيل. بعد بداءة الدعوة، أخذ السيّد يطوف الجليل في المنطقة في شمالي فلسطين والتي هي على حدودنا اللبنانية. يُعلّم في مجامع اليهود. المجمع هو ما نسمّيه اليوم كنيس، والكنيس قاعة كبيرة يجتمع فيها اليهود في السبوت لقراءة العهد القديم والوعظ به.

في المجامع وخارج المجامع كان السيّد يبشّر بالملكوت على اساس هذه العبارة «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات». الى جانب البشارة، «كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب». وسيذكر متّى بالتفصيل عجائب كثيرة. يسوع لا يتكلم فقط. كان يحبّ. وسوف يوجّه التلاميذ الى الاهتمام بالمرضى. كان يوليهم أهمية كبرى من حنانه. أخذت الكنيسة من المسيح هاجس المرضى عنده في سرّ مسحة المرضى وفي بناء المستشفيات. الكلمة الإلهية والتعزية للمريض مع تطبيبه بوسائل العلم.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/ الأحد في 19 حزيران 2011/العدد 25

كان من التقوية الروحية أن تَجعل هذا الأحد اللاحق للعنصرة أحد جميع القديسين لأن الروح القدس منشئ القداسة في الكنيسة وفي المؤمن. وعبارة «جميع القديسين» تدلّ على المعلنة قداستهم ولهم عيد في أحد ايام السنة وعلى الذين لم تُعلن قداستهم بتطويب رسميّ يقوم به المجمع المقدس بقرار.

الرسالة الى العبرانيين تُكلّمنا عن قديسي العهد القديم: موسى والأنبياء الذين تركوا لنا نبوءات مثل إشعياء وحزقيال وإرمياء ودانيال، والذين لم يكتبوا مثل مار الياس.

يصف كاتب الرسالة الجهادات التي قاموا بها والآلام التي كابدوها، ولكنه يقول إن هؤلاء لم يَكملوا بدوننا نحن المسيحيين اذ كان عليهم أن ينتظروا الكمال الذي وصل اليه المسيح على الصلي ب. تقدّس الذين في العهد القديم وانتظروا المسيح، وتقدّس في العهد الجديد الذين جاؤوا من إنجيله.

في المقطع الإنجيلي يأتي الرسول بتعريف جزئي عن القداسة اذ يقول «كل من يعترف بي قدّام الناس أَعترفُ أنا به قدّام أبي الذي في السموات». المسيحية تقوم على إعلانك انك تابع للسيد بفمك فلا باطنية عندنا أي لا نكتُم إيماننا بالمسيح او نقول شيئا مناقضا او منافيا. والاعتراف يمكن أن يوصلنا الى التعذيب والموت. ولذلك نُسمّي الذين يذوقون أَلمَ الأعداءِ قديسين معتَرِفين، وإذا قُتلوا نُسمّيهم شهداء.

العنصر الثاني في الاعتراف أن تحمل صليب يسوع اي كل مشقّات الحياة وتتبعه. وقد تكون مشقّات يومية في بيتك او في محلّ عملك او في اي نشاط اجتماعيّ وسياسيّ.

العنصر الثالث في القداسة أن تترُك بيوتا او إخوة او أخوات من اجل اسم يسوع. المعنى ألاّ تتمسك بأي شيء أرضيّ. لا يعني هذا أن تترك بيتك لتعيش في الشارع، ولكن لا تجعل قلبك مركّزا على البيوت والسيارات والنفوذ والسيطرة. انتَ فقير الى المسيح وهو ساكنُك. الإخلاص في القلب هو له وليس لزعيم او حزب او اي شيء ماديّ. المطلوب أن ينصرف قلبك الى المسيح انصرافًا كليّا وأن يكون هو مُتعتك. الأشياء الأخرى تستعملها حسب حاجتك. وأفراد عائلتك تخدمهم بصدق. خدمة أهل العائلة هي محبتك وتُلقي المسيح في هذه المحبة، ولكن قد يصبح الناس من حولك عائقًا دون لقائك يسوع، ويصبح رزقك عائقًا دون الالتصاق بيسوع. هؤلاء الناس تجمعهم مصالح أعداء المسيح. تتركهم. تصلّي من أجلهم، ولكن لا خلطة بينك وبينهم. المهمّ أن يملأ عقلك المسيح بكل تعاليمه وأن يغذّيك بها. اعرفْ أين تقف، بمن أنت ملتصق. اعرفْ مركز قلبك. هل هو المسيح؟ تعرف ذلك إن اتّبعت وصاياه حسب ق قوله: «من أَحبّني يحفظ وصاياي». المسيح هو كل شيء. أَلصقْ به الناس والأشياء تكن صالحة لك. وإن لم تسعَ الى ذلك، فأنت تُبدّد نفسك. المهم أن يكون السيد مصدر حياتك.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة / الأحد 12 حزيران 2011 / العدد 24

لمّا آمن التلاميذ بأن المسيح صار بصلبه صخرتهم. كانت الكنيسة. غير أن هذا الإيمان كان يحتاج الى دعم وتوطيد لتصير الكنيسة حيّة وفاعلة وقابلة للانتشار، فنزل الروح القدس عليها ليجعل منهم خلائق جديدة تُحقّق كل ما جاء في إنجيل الرب وتحيا بكلماته. لذلك كان خطأ شعبيا أن نقول ان الكنيسة تأسست بالعنصرة. فكلّ شيء قد تمّ على الصليب، وهذا ما قاله يسوع، ولكن الكنيسة انتعشت بالعنصرة. وهي تعيش دائما بنزول الروح عليها في الكلمة والأسرار ولاسيما الذبيحة الإلهية. وتستمرّ بقوة الروح الذي يتجاوز أخطاءنا وخطيئاتنا ويمحوها ويستبقي فينا كل قوة الثالوث المقدس.

وهو يقدّس كل إنسان بالنعمة فيَسكُن الكنيسةَ كلها كما يسكن كل فرد، ويضمّ كل فرد بصورة أعمق الى جسد الرب الذي هو الكنيسة. اذًا هو عامل في الفرد والجماعة بحيث يُرشدنا الى جميع الحقّ الذي جاء به يسوع في حياته على الأرض وعجائبه وتعاليمه وآلامه ونصره. هو لا يزيد شيئا على الإنجيل ولكنه يجعلنا نفهمه إن قرأناه يوما فيوما. ونستلذّه ونضعه في قلوبنا أعمق فأعمق.

الروح القدس اذًا يُنشئ القداسة فينا، ويُنقّينا باستمرار، ويُنشئ فينا فهمًا متزايدا لما علّمه السيد. وهذا كله طبعا يأخذه من الآب اذ هو ينبثق منه، ويأخذه من الابن اذ هو مستقرّ فيه.

هو الأُقنوم الحامل الحقيقة وموزّعها، واذا اتّصلنا به بالتوبة يتصوّر فينا المسيحُ ويُصعدنا الى أبيه ويجمعنا الى القديسين في السماء لنؤلّف معهم كنيسة المسيح الواحدة.

فمَن امتلأ من الروح القدس يكون متّحدا بالمسيح وسائرا الى وجه الآب وهو تاليا حبيب الثالوث المقدّس. ومَن عاش في حضن الثالوث لا يُعوزه شيء لأن الثالوث هو كمال المجد. هذا تكون سماؤه معه او فيه. وهذه هي حقيقة الكنيسة أنها موجودة ليتقدّس المؤمنون فيها بالروح السماويّ.

ما يُريده الرب أن نتقدّس كل أيام حياتنا بالروح حتى نُعطي إخوتنا القوّة ليُصبحوا أَعضاء في الكنيسة متجددين، غالبين الخطيئة، غير خائفين من الموت، متحابّين، غير متباغضين لئلا نظهر أَمواتا بعد أن أحيانا يسوع.

المهم أن نصلّي لكي تكون الكنيسة مُطيعة للروح القدس وحافظة مشيئة الآب، غير متّكلة على هذه الدنيا بل منتظرة النعمة في كل حين لكي لا يرى أحد إلا نورا في كل مسيحيّ، لكي يشهد ظفرَ المسيح في كل مؤمن وحياةَ الله منعكسة في كل تلميذ ليسوع.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

المجمع الأوّل / الأحد 5 حزيران 2011 / العدد 23

المجمع المسكوني الأوّل المعروف بالنيقاوي نسبةً الى مدينة نيقية قرب القسطنطينية هو الذي وضعَ القسم الأكبر من دستور الإيمان. يبدأ بذكر الآب بقوله: «أومن بإله واحد آب». ثم يأتي القسم المتعلّق بالابن وأَصرح ما فيه قوله عن الابن أنه «مساوٍ للآب في الجوهر» والمعنى أنه له الجوهر الواحد الذي للآب.

انعقد المجمع بدعوة من القديس قسطنطين الملك ليدحض بدعة آريوس الكاهن الاسكندريّ الذي علّم أن الابن أوّل المخلوقات وبه خلقَ الله المخلوقات الأخرى. فهمت الكنيسة من هذا الموقف ان آريوس هدم الثالوث القدوس بإنكاره ان الآب والابن واحد وبأن الابن أزليّ مع الآب من حيث إنّ كليهما أزليّ إي إنهما سابقان للزمان.

انتشرت هذه البدعة انتشارًا رهيبًا وجدّدها اليوم شهود يهوى. إنهم في الواقع آريوسيون إذ يُنكرون أُلوهيّة الابن.

لتأكيد صحّة التعليم الأرثوذكسي المُشترك بيننا وبين المسيحيين الآخرين، قرأت الكنيسة علينا أولاً النص من أعمال الرسل الذي يحتوي على كلام بولس لقُسُس أفسس إذ قال لهم: «احذَروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أَقامكم الروح القدس فيها أساقفة لتَرعَوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه». المعنى أن هذا الذي سكب دمه يُسمّيه الرسولُ اللهَ. ليس المسيح مجرّد بشر ولكنه إله وإنسان معًا.

ثم قرأت الكنيسة القراءة الإنجيلية القائلة بأن معرفتنا للإله الحقيقي وليسوع المسيح معًا تُعطينا حياة أبدية، فلا حياة لك أبدية إلا بمعرفة المسيح. الأمر الثاني قول السيد: «مجّدني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم». واضح من هذا الكلام انه قبل تكوين الكون كان المسيح موجودًا وله المجد نفسه الذي للآب.

كل الإيمان المسيحي مُرتكز على أن يسوع كان موجودًا قبل كون العالم (بلا جسد) حتى جاء الزمان ليُكوّن له الروح القدس جسدًا من مريم العذراء فصار له عندئذ طبيعتان، إلهية (التي كانت دائمًا)، وبشرية التي تكوّنت بقوة الروح القدس من أحشاء مريم. ثم هذا الإله-الإنسان هو الذي صُلب على الصليب وبقيتْ أُلوهيته كاملة على الخشبة ولكن الموت لم يُصبها. ما تخلّى إذًا يسوع عن بشريته ولا محى أُلوهيته. بقيتا متّحدتين في الموت وفي القبر وقام جسده من الموت الذي لم يُصب ألوهيته. نحن نعبد إلهًا في الجسد ونعبده حرًّا بين الأموات غير خاضع لناموس الموت والنتانة.

ونحن نعبد معه الآب والروح القدس، ولا نعبد القديسين ولكنّا نُكرمهم تكريما. ونحيا متّحدين بيسوع ونأخذ منه كل نعمة وكل قداسة.

المسيح صار إنسانًا بمشيئة الثالوث وبقي على هذه الأرض متّحدًا بالأقنوم الأول اي الآب والأقنوم الثاني (اي الروح القدس) في كل لحظة عاشها على الأرض غير منفصل عنهما وله معهما المجد والإكرام والسجود.

Continue reading