Category

2006

2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (1كورنثوس 3: 9-17)/ الأحد 13 آب 2006/ العدد 33

عقيدة الخلاص في كنيستنا إننا، حسبما قال بولس في هذه الرسالة، إننا عاملون مع الله أي أن الخلاص هو تلاقي قوة الله وقوة الإنسان الذي يطيع الله “لأنكم بدوني (أي بدون المسيح) لا تستطيعون أن تعملوا شيئا”.

ثم استعمل بولس صورتين عن عمل الله: الأولى أنكم حرث الله أي انه هو الزارع النعمة فيكم، والثاني أنكم بناء الله. وهذا ما قاله بولس في موضع آخر: أنتم هيكل الله، ولكنه قال ايضا في هذا السياق “المسيح نفسه حجر الزاوية”، والصورة تعني، حسب فن العمارة في بلادنا، انه حجر الفلق بحيث يقام اولا في بناء العقد قفص خشب يوضع في رأسه حجر ترصف من حواليه كل حجارة البناء بلا اسمنت وتتساند الحجارة فيما بينها لأن حجر الزاوية او الفلق هو ساندها.

ولا يقع حجر واحد بسبب التماسك فيما بينها الذي تستمده من الحجر الفوقي.

هكـذا نحـن المؤمنين متماســكـون بالمحبـة ولكن بقوة هذا الذي أحبنا وجمعنا بعضنا الى بعض. ثم يؤكد بولس ايضاحا ان احدا لا يستطيع ان يضع اساسا غير الموضوع وهو يسوع المسيح. وهذا يعني طاعة لإنجيله.

واخيرا يقول الرسول ان احدا يبني اما ذهبا او فضة الى آخر قوله. ولكن قيمة هذا الذي بنيناه سيظهره الله في اليوم الأخير” لأنه يعلن بالنار” والنار هي النار الممحِصة للمعادن. وهذا يفهمه من تعاطى الصياغة اذ يضع الصائغ قطعة تحتوي معادن كثيرة وفي النار تفرز المعادن ويصير الذهب وحده سبيكة فينفصل المعدن الثمين عن المعادن الأخرى.

“ومن احترق عمله فسيخسر وسيخلص هو كمن يمر في النار” اي يخلص بصعوبة. سيخلص بسبب من رحمة الله ولا يخلص احد الا بها.

ويبقى بولس على صورة البناء التي استعارها ليتكلم عنا ليقول:” اما تعلمون انكم هيكل الله وان روح الله ساكن فيكم”. والمعنى ان الروح القدس هو الذي يجعلكم هيكل الله وهي الكنيسة المتكونة دائما بالروح القدس.

وأخيرا يقول: “من يفسد هيكل الله يفسده الله لأن هيكل الله مقدس وهو أنتم”.

هنا يستعمل بولس صورة الهيكل ليقول شيئين: كل منكم هو هيكل الله وهذا تفسدونه بالخطيئة. وكل خطيئة من اي نوع كانت تشوّه الانسان وتلطخه ولايستطيع ان يعود هيكلا لله الا بالتوبة التي تحرره من شهواته كلها ليستعيد الجمال الأول الذي خلق عليه فيراه الله جميلا كما خلقه وكما افتداه المسيح بدمه. هذا هو الشيء الاول.

ثم يقول: “ان هيكل الله مقدس وهو انتم”. ربما أراد هنا انكم هيكل الله مجتمعين اي بكونكم كنيسة وكأنه يقول ان من أخطأ انما يشوّه الكنيسة فكلما أخطأ المسيحيون لا تظهر الكنيسة عروسا للمسيح. ويبتعد الغرباء عن الكنيسة لأن المسيحيين لم يبقوا على المسـتـوى المطلـوب منهم. وكـذلك قـد يبتعـد المسيحيـون انفسهم عن الكنيسـة اذ لا يـرون فيـها ناسـا صالحـين كثيرين ولا يحسون انها مكان الخلاص. الخطيئة تؤذي الجماعة. فمن ارتكب معصية تحسب على الجماعة كلها ويشك الناس في ان الكنيسة تهذّب أولادها. الخطيئة ليست ضد الفرد وحدها ولكنها ضد الجماعة وضد الله بالدرجة الأولى.

عبرة هذه الرسالة ان مرتكزنا هو المسيح واننا مدعوون ان نبني انفسنا والآخرين عليه حتى لا يعثر أحد وتظهر الكنيسة جميلة جدًا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

التجلّي والآلام/ الأحد 6 آب 2006 / العدد 32

روايات التجلّي في متى ومرقس ولوقا متشابهة جدا. تجلّى يسوع أمام التلاميذ الثلاثة الذين اصطحبهم الى الجبل. أضاء وجه السيّد كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. المهم في هذا الحدث أن الإنجيليين لا يتكلّمون عن نور سقط عليه من الشمس فتأثيرها واحد على كل الناس. عقيدتنا الأرثوذكسيّة تقول إن هذا النور خرج من داخل يسوع، من كيانه على جسده وثيابه. اي إنه النور الإلهي غير المخلوق الذي ينزل على القديسين في هذه الأرض ويشعّ عليهم من الله اذا غلبوا أهواءهم وصاروا الى الصفاء الكامل او الى الهدوء لأن مصادر الشهوة التي في الإنسان إن انقطعت عنه يدخل في سكينة الله ويصير من الهدوئيين.

الشيء الثاني الذي أراد الإنجيل تبيانه ان موسى وإيليا تراءيا له على الجبل. هذان النبيّان اقتربا من الله كثيرا ولكنهما لم يشاهداه وفق قول الكتاب: “الله لم يرَه أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (يوحنا 1: 18). الآن على جبل التجلّي رأى النبيّان وجه الله على وجه يسوع. شاهدا الإله متجسّدا.

دخل موسى وايليا سحابة المجد التي كانت تحيط بالمعلّم. مرقس ولوقا ينفردان بالقول ان النبيين دخلا سحابة المجد التي كانت تظلّل المسيح. غير أن لوقا ينفرد عن الجميع بقوله ان موسى وايليا “تكلما عن خروجه الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم”. وكلمة خروج هنا تعني الآلام. تكلّم موسى وايليا ليس عن المجد الذي كانا فيه مع السيّد المبارك ولكن عن الآلام التي هي مجده الحقيقي. هذا يقوله انجيل يوحنا مرارا حيث ساعة المجد تعني ساعة الصلب.

نجيء من هذا لنقول في الظرف العصيب الذي يعيشه بلدنا انه ينبغي ان نفهم آلام المواطنين جميعا ولا سيما الفقراء والمهجّرين يستطيعون ان يحولوها اذا كانوا مؤمنين الى تجلّيات بالروح. اذ الحزن عند المؤمن يتحوّل فرحا لأنه بالمسيح يغلب الانسان أحزانه ويتحرّر من وطأة فقره.

ومَن تهجّر من بلدته او قريته انما يهاجر الى الله لأن الله سكنانا بعد ان حلّ الابن في بشريّتنا وصار هو فقيرا. ففي بدء مسيرته على الأرض تهجّر يسوع مع مريم ويوسف عندما قرر هيرودس قتل الأطفال في بيت لحم وضواحيها. وفي حالات الضيق التي عاناها، او لمّا كان يعتزل تلاميذه، كان – في انسانيته المباركة – يصلّي الى الآب. هجرة عن الناس الى وجه الآب.

وكان يسوع غريبا في قومه. ألسنا نرتل يوم الجمعة العظيم: “أعطني هذا الغريب”. المهم دائما في حالة العزلة والقمع والاضطهاد والحرب التي لا يعرف احد متى تنتهي ان نطلب نزول النور الإلهي علينا وانسكاب النعمة في قلوبنا حتى ننظر الى وجه الله فلا نسكن الى وجه آخر وقد لا يكون قد بقي لنا مسكن على الأرض او نكون فقدنا عزيزا.

فاذا عيّدنا اليوم للتجلّي فلنتذكّر الفقراء والذين غيّبهم القهر عن منازلهم او دمرت منازلهم ليحسّوا بفقرهم الى الله وهم اليوم في كل مكان من لبنان في موآساة المحبين افـرادا كانوا ام مـؤسسات. الى اية فئة او دين انتموا هم يبيتون في المسيح الذي يحمل أوجاعهم حتى يقصّر الرب الزمان الرديء ونحيا في الرضا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

هذه الحرب / الاحد 30 تموز 2006 / العدد 31

اذا كانت المحبة تجعلنا في حزن بسبب الذين سقطوا في الحرب، ومعزين للعائلات التي نعرفها، فإنما يدفعنا إيماننا الى التوبة وهذه هي وظيفة كل محنة في حياة الذين استبقاهم ربهم على الأرض. هذا وقت رجوع اليه حتى لا ننام نومة الموت كما يقول النبي المرنّم.

الى هذا قد نختلف في التحليل السياسي وانا لست هنا لأملي عليكم موقفًا سياسيًا. في الكنيسة كلكم أحرار. ولكن الموقف الذي سوف نتقيّد به بعد الحرب هو العمل على إعادة إعمار لبنان والحفاظ على وحدة بنيه الذين سيختلفون في الآراء السياسية وهذا يجب ان ننتظره في مجتمع حر. ما قد نختلف عليه الآن هو معرفتنا لأسباب الحرب. انا كمواطن بينكم لا يقنعني ان خطف جنديين إسرائليين يدفع دولتهما ان تشن علينا حربا بهذا الحجم وهذه الشراسة. هي أولا دولة خاطفة منذ تأسيسها وساجنة الآن لمئات من المناضلين العرب. وهذا أمر له تسوية معقولة. واذا كان الخطف مسؤولة عنه فئة حزبية في لبنان فأنت لا تعاقب كل لبنان بالموت والحريق والدمار وقطع كل اوصاله لجعله بلدا ضعيفا في المنطقة يحتاج الى عدة سنوات للنهوض. ان حملة ضخمة كهذه التي شُنّت علينا إنّما تحتاج الى أشهر من الاستعداد سبقت خطف الجنديين. هناك اذًا خطة لتدمير لبنان مرتبة دوليا وكُلّفت اسرائيل تنفيذها اعتقادًا من الدول ان الحرب قد تُنهي حزب الله. الحوادث الأخيرة دلّت ان هذه المنظّمة لا تنتهي بسهولة ولن يُقتل اعضاؤها واحدًا واحدًا ولن تضعف الى حد انها ستسلّم سلاحها طوعًا او كرهًا. موضوع سلاح حزب الله يُعالَج لبنانيًا او لا يُعالَج. لا لشيء، كلّفتنا الموآمرة الرهيبة هذه، دمار لبنان.

أنا لا ادخل الآن في مناقشة شرعية المقاومة في ظل وجود الدولة. فاذا اعتبرنا وجودها غير شرعي لا يبرر دولة اسرائيل في مشروعها القضاء على لبنان. وعند رجوع السلم سنناقش موضوع المقاومة والتسلّح خارج الجيش. نحن الارثوذكسيين لن نسهم في نقاش الا على اساس وطني اي على اساس يحفظ وحدتنا ولا يجعلنا قبائل متناحرة حتى التقاتل اذ لن يبقى، عند ذاك، منّا شيء.

هذا الوطن متّحد يجتمع فيه المسيحيون والمسلمون على السواء ولا ينبغي ان يميز فيه فئة على فئة. هذا سيكون بلد الكفاءة والعدالة والتكافل الاجتماعي والعلم والرقي ولا يحتمل خصومات حادة ذات طابع طائفي. ما دمرنا في الحرب الأهلية اذا تكرر سيدمّرنا بعد الحرب.

الآن نضمد الجراح. لذلك دخلتْ هذه الأبرشية في العمل مع النازحين في عدة أماكن. قد تكون إمكاناتنا ضعيفة، ولكن شعور الإخوّة والترحاب بهم شيء يطلبه الله الينا.

كفانا الرب شر القتال وأعاد إلينا سلامًا حقيقيًا في الواقع الوطني وفي القلوب وألهم أعداءنا أن ينكفئوا عنا ويهتموا بشؤونهم.

إن كنيستنا واسعة الصدر وتستوعب جميع المواطنين بمحبة واحدة ولا تنجرّ وراء الانفعالات الهـوجـاء وتسهم فـي إعادة تعمير الـبـلـد مـاديًا ومـعـنـويًا لنقوى على ضعفاتنا وتقوم عندنا دولة قوية مستقيمة ترى نفسها في خدمة الناس جميعا لنحيا بسلام.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (رومية 12: 6-14)/ الأحد 23 تموز 2006 / العدد 30

هي مأخوذة من الرسالة الى أهل رومية وتمثّل الجانب العملي، التطبيقي في تعليم بولس. ولعلّ فرادتها أن الرسول لم يشأ أن يكون المسيحيون مماثلين بعضهم بعضا الا بالتقوى ولكن لكل مؤمن موهبته فهذا قوي في العمل الاجتماعي وذاك قوي في اللاهوت والآخر في الإحسان او في العمل الإداري. وما يجمع كل هذه المواهب في بناء واحد هو المحبة اذ ماذا ينفعك ان تكون صالحا للإدارة او التعليم النظري وانت غير محب. وكان بولس قد كتب نشيد المحبة في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس وهي مع ما كتبه يوحنا في رسالته الأولى الجامعة من أعظم ما قيل عن المحبة في تاريخ الناس.

غير ان الرسول يتميّز عما كتبه سابقا بقوله:”لتكن المحبة بلا رياء”. فليس المهم ان تظهر لطفا تجاه انسان تكرهه. يكفيك ان تكون مهذبا. والمجاملة والمصانعة من أجل ان تكسب عطف الآخرين دون أن تحاول محبتهم بالخدمة لأمرٌ مكروه. الإنسان ينطق من القلب او لا ينطق ابدا.

وحتى تصل المحـبـة الى الـذروة تابع بـولـس فكره بقوله:”كونوا ماقتين للشر وملتصقين بالخير”. انت لا تستطيع مثلا ان تكون صادقا ما لم تكره الكذب. قول الكتاب هو “حِدْ عن الشر وافعل الخير”. افعل الخير ترجمها الرسول بقوله:”ملتصقين بالخير”. هذا اكثر من فعل الخير. هذا عشق له بحيث تروض قلبك على طلب الفضيلة يوما فيوما وصاعدا على سُلّم الفضائل بحيث لا تدع واحدة منها تفوتك لأن الفضائل متماسكة، تُكمل بعضها بعضا.

ولئلا يظن مؤمنو رومية ان لك أن تحب هذا بعض المحبة والآخر أقل أو اكثر قال:”محبين بعضكم بعضا حبا اخويا” اي كأن الناس كلّهم إخوة لك فلا تغرق في عطاء روحك وانسكاب قلبك بين واحد وواحد حتى يصل الى قوله:”مبادرين بعضكم بعضا بالإكرام”. هنا ليس يطلب بولس فقط ان تكرّم جميع الناس ولكن ان تبادر بالإكرام فلا تدع الآخر يسبقك فيه. اعطِ الآخر ما لم يكن ينتظر ليرتاح ليس فقط اليك ولكن الى ربه.

ثم يلح على الا يتكاسلوا وهو كان قدوة في الاجتهاد يبشر في كل حين ويكدّ صانعا خياما في الليل ليعيش فيصل بعد هذا الى قوله:”حارين بالروح” فاقضوا على الفتور فإن الرب يريد كل القلب ولا يقبل تهاونا بمحبته وطاعته. الحماسة من أجل كلمة الله ونشرها وتوطيدها هي التي أَعطت الكنيسة عمالًا لا يستريحون. بهذه الحماسة نفسها نكون”عابدين للرب” بقلب نقي فلا نشرك به عشق المال او السلطة او اي ما يمكن اعتباره إلهًا يستأثر بمشاعر النفس.

هذه العبادة تمدنا بالفرح وفرحنا دائم لأن رجاءنا دائم. ولئلا يظن مؤمنو رومية ان الرسول يعدهم بالمسرات في كل أيامهم، يحثهم على أن يكونوا صابرين في الضيق، والعهد الجديد كلّمنا عن المضايقات التي كانت تحل في الكنيسة قبل أن يكتب بولس رسالته الى اهل رومية اي في منتصف الخمسينات من القرن الأول. ولا يكتفي بحضّهم على الصبر اذ يقول في آخر هذا الفصل “باركوا الذين يضطهدونكم”. لا تجعلوا الاضطهاد يأسركم بالبغض. اغلبوا القائمين به بالغفران ولو متم. ذلك ان موت الشهادة يحيي الكنيسة.

وقبل أن يصل الـى ذلك يطلب اليهم المواظبة على الصلاة. في كل أوقات شغورك صلِّ ومع العمل اليدوي يمكن ان تصلي واذا انشد قلبك الى فوق انت مصلّ ولو لم تنطق بكلمة. ويختم دعوته الى الفضائل والصلاة بحثه على الإحسان للقديسين اي لمؤمني اورشليم الذين كانوا فقراء بسبب اضطهاد اليهود لهم. ثم اغنياء كنتم ام فقراء استضيفوا الغرباء ولا سيما المسيحيين الفقراء الآتين من الشرق الى رومية.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الأطفال ويسوع/ الأحد 16 تموز 2006 / العدد 29

قبل ظهور المسيح لم يكن اليهود ولا الأمم الوثنيّة تعير أهميّة للطفل. كانت الشعوب تهتم فقط بالإنسان الراشد. والطفل رضيع أو يأكل ويشرب، ولكن لم يعتبر أحد أنّ له شخصيّة يجب أن تُراعى وأنّ له الحقّ بنمو غير قهّار. وحده يسوع لم يتجاهل الطفل.

عندما سأله تلاميذه: “من تراه الأكبر في ملكوت السموات” دعا طفلاً وجعله في الوسط قائلاً: “الحق أقول لكم: إن لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السموات” (متى 3:18). كيف يكون الإنسان مثل الأطفال؟ هو طبعًا لا يريد أن يكون الإنسان ساذجًا. يجيب السيد عن سؤالهم: “فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات”.

ركّز يسوع على أنّ الطفل متواضع بمعنى أنّه لا يعرف نفسه عظيمًا. لا يريد عقلا كعقل الأطفال أو أن تتكلّم كالصغار بلا فهم كافٍ. هل أراد يسـوع البراءة؟ في الواقع الطفل يكذب (يقول مثلاً: لا، لم أكسر الصحن) ولكن هذا ليس بكذب حقيقي لكونه يعيش في عالم تصورات تحجب عنه الحقيقة. الطفل يحيك عالما مـن الحكايات يظنّها حقيقة. يحيا خارج الواقع. لا يعرف الفرق بين الصدق والكذب.

يسوع لا يريدنا أن نتشبّه بالأطفال من حيث أنهم بلا تمييز بين الخير والشر ولكنّه يدعونا الى بساطة الأطفال. أنت، بالغا، ينبغي أن تحارب السذاجة العقليّة لتكتسب الحكمة ولكنّك مدعوّ الى بساطة القلب ونقاوته ولا ترى نفسك شيئًا. أنت لا تصير طفلًا ولكنّك تصير مثل الطفل على تواضعه. وعند ذاك أنت الأكبر في ملكوت الله.

في هذا المنحى يقول السيّد: “من قبِل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي فإياي يقبل”. أجل يريدنا السيّد أن نعلي شأن الطفل في مجتمع لا يزال أحيانًا يحتقره. أن نكتشف الطفل، أن نعمّده لأنّه كائن حبيب الله كما يريدنا أن نتعلّم عن الطفل. يريد الطفل أن ينمو، والمعلّم درس في مدرسة الناصرة بدليل أنّه قرأ الكتاب المقدس في مجمع الناصرة. لا يرضى أن يبقى الأطفال في الشوارع. لا يريد عمالة الأطفال وبذا يكونون قد تركوا المدرسة وعرّضوا صحتهم للخطر. لا يريد أن يستعملهم أهلهم لكسب المال وقد يكون الأهل أحيانا كسالى يستغلّون أولادهم. لا يريد أن يغيظ الأهل أبناءهم وبناتهم لئلا يفشلوا ويكرهوا أهلهم.

يريد أن يحبّوا أهلهم وليس فقط أن يكرّموهم إكرام خوف. يأبى السيّد الخوف الذي يضرّ كل انسان صغيرًا كان أم كبيرا. لا يريد قصاصًا جسديًّا مبرحا لأنّ الولد بهذا يكره أهله. وإذا فعل فغالبا ما يكره الله الذي يصوّرونه له أبًا. أمّا أنت اذا كنت أبًا عطوفًا أو أمّا حنونةً فغالبا ما يحس ولدك بأن الله عطوف حنون. وداعة الأهل هي التي تكشف وداعة الله.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الحاكم / الأحد 9 تموز 2006 / العدد 28

الحاكم رئيسًا كان للجمهورية أو وزيرًا او قاضيًا فضيلته الأساسية أنه يحبّ العدل اي ينصف الناس جميعا وعلى السواء ولا يميل الى ابن طائفته او منطقته ولا يؤْثر الغني على الفقير ولا ينتظر شيئا من الأغنياء لأن التقرب اليهم او الى ابناء ملّته او ضيعته يجعل عقله يطيش وفكره ينحرف.

هو دائما في حالة الخروج من شهواته وموداته وأصدقائه ليكون فمًا للحق او يدًا. وهو على مثال الله لا يحابي الوجوه اذ لا بد ان يطمئن الناس اليه ويحسّوا ان الوطن للجميع وان الوطن يحميهم من المجرمين والظالمين. ومن المعروف عند الجميع ان القاضي يتنحّى من نفسه ان كان المتقاضي نسيبه او كان صديقًا مقرّبا لئلا ينجرّ وراء عاطفة فيضيع العدل الذي هو خادمه.

قد يخطئ الحاكم او القاضي. لذلك يجب عليه ان يدرس القضية التي يعالجها درسا دقيقا خوفا من ان يزلّ. ولن يزلّ اذا عشق الحق وعرف انه يشفي المواطنين به وان كان هـذا ضد ما يشتـهـون. من هنا ان الحاكم يحتاج دوما الى الاتصال بالله اي ان يتطهر باستمرار بالكلمة الإلهية ليأتي حكمه او قراره وفق قلب الله فيفهم، اذ ذاك، ان الله يسوس الشعب بحكمه او قراره.

وحتى يحصل هذا فالمسؤول يكتفي بمعاشه ولا يرتشي. فهو أشبه بالراهب الذي لا يبتغي مالا ولا سلطة. ويقول مع الياس النبي: “حي هو الله الذي انا واقف امامه”. وأراد النبي انه ليس واقفا امام الملك ولا ينصاع لأوامره ولكنه ينفّذ الكلمة التي يوحي اليه الله بها. واذا عدلت الدولة فلا نحس بوطأتها او أذاها. واما اذا ظلم الرعية مسؤول فيها فيقع المواطن في إحباط وتتشتت الرعيّة.

هذا يتطلّب ان تكون الدولة غنيّة اي ان نجعلها نحن غنية بدفع الضرائب وألا نخرب شيئًا في البلد. أنت لا يحق لك أن تنتظر رعاية الدولة اياك ما لم تقم بواجبك تجاهها، الأمر العائد بالنفع على أبناء البلد جميعا. هناك آليات لمحاسبة الدولة اساسا. مجلس النواب اداة من ادوات هذه المحاسبة. فلا تنتخب الا نائبا شجاعا، حرا دأبه ان يحاسب الحكومة لكي تهتم هي بك.

هذا يعني ان كل المسؤولين ينبغي ان يكونوا مثل الرهبان مع احتفاظهم بأموالهم واولادهم وأثوابهم والا يعاشروا كثيرا المجتمع الثري لئلا يتأثروا به وان يرتبطوا بعهد مع الله حتى لا يشتهوا هذه الدنيا وينكبّوا على ما يغري بها فإن الإغراء يلهيهم عن العدل.

وإن انت تمنيت ان تصبح موظفا في الدولة كبيرا او وزيرا فلك ذلك على ان يكون محركك هو الخدمة. لا مانع ان ترى في نفسك هذه المواهب ثم ان تقتنع ان هذه المواهب هي للخدمة حتى تشارك في تحسين البلد وتقويمه.

الحكم جميل فقط لتصنع به اعمالا جميلة. فاذا تهيأت بالدراسة والفكر السياسي لتصير وزيرا فهذا جيد، وأن تهيأ بعلم الحقوق والقضاء لتصبح قاضيا فـهـذا جـمـيـل أيـضا. أمـا اذا طـمـحـت الـى منصـب حبا بالسلطة فأنت مفسد لضميرك ومدمّر للأمّة. العدل جميل والإدارة جميلة. وتخدم فيها ككاهن يخدم المذبح. حَسَنٌ ان تشتهي وظيفة تليق بك وانت مهيّأ لها على الا تعتبرها معبرا الى المال لأن “محبة المال أصل كل الشرور” كما يقول الرسول. ادخل طاهرا وابقَ طاهرًا واخرج طاهرا ليرضى الله عنك ويتعلّم الناس منك الطهارة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العائلة مهددة/ الأحد 2 تموز 2006 / العدد 27

العائلة قائمة إنْ أنت آمنت أن الله يريدها أن تصمد وإن دعمتها بسلوك مسيحي طاهر -إذا كنت أبا ومحبا لزوجتك- وسلوك رعاية دؤوب لأولادك. العائلة كيان تدعمه باستمرار او يتعرض لخطر الانهيار او التشقق. لا يكفي أن تتكلل لتنشئ العائلة. هذا سهر يومي وتجميل لأخلاقك حتى يقوم البيت على أسس المحبة والحكمة. وإلا كانت في ظاهرها قائمة وفي حقيقتها متصدعة، وقد تنتهي بما يكرهه الله والقديسون اعني الطلاق.

ينبغي أن تكون متعقّلا عندما تقدم على الزواج. واسمحوا لي ان اكون صريحًا جدًا لغيرتي عليكم. هناك نوعان من الرجال ممنوع الزواج عليهم. الانحراف (الذي يسمّى اليوم المثليّة الجنسيّة) والعجز الجنسي مانعان أساسيان للزواج. إذا كنت مصابا بأحد هذين الأمرين فضميرك ينبغي ان يمنعك. المرأة ليست شخصًا ندخل معه في اختبار. اذا دلك اختبارك على عدم الأهلية فتحمّل مسؤوليتك وكن شجاعا وامتنع في هاتين الحالتين.

الشيء الثاني لا تقم بزواج عقلي محض قائم على الحسابات. هناك حد أدنى من المودة والانجذاب ان لم تشعر بهما لا يحق لك ان تطلب يد صبية دلك واحد عليها ولا تحس تجاهها بأية عاطفة.

الشيء الثالث أنك تدخل في المشروع على أساس انه رحلة العمر وليس مؤقتا وانك قد تكتشف في الآخر أخطاء أو عيوبا. قد ترى الفتاة ان الشاب بخيل. هذا لا يبطل الزواج. قد يلحظ أحدهما مرضا لم يصرح الآخر به. لا شيء يضطره على ذلك. هذا لا يبطل الزواج. انت تتحمّل كل الأوضاع الصحية عند رفيق حياتك المجهولة منها او الطارئة. ليس الزواج مشروطا بصحة كاملة او عقل عظيم. وقد لا تجد الرفيق كثير الذكاء او عظيمًا في القداسة. تكمل مع ذلك المشوار.
مهما كانت الأوضاع- الا ما يذكره القانون على أنه سبب للانفصال- المبدأ في الحياة الزوجية الإخلاص. انت، عند اكليلك، تعاهد الله على أن تعف عن الجنس الآخر كليا وان ترافق الزوج او الزوجة. ذلك ان الإخلاص يعني انك اخترت رفيقًا واحدًا لحياتك العائلية ولا تسعى الى آخر. وهذا ليس سهلًا عند كل الناس. ولكنك تصلي لحفظ طهارتك وتهرب من الأشخاص الذين تحس انهم يريدون إغراءك وأن يكسروا لك بيتك.

الحياة الزوجية جهاد مستمر تخصبه النعمة الإلهية. هو ترهُّب لأنه ارتباط بوجه واحد مهما تعب او مرض أو شاخ. ففي الكهولة والشيخوخة جمالات ليست أقل فرحًا من عهد الصبا.

في كل مراحل حياتك الزوجية افهم ان المشاركة بركة من الله وانك لا تكتمل الا بالآخر. ان ترعاه ويرعاك . وافهم كذلك ان كل تشقق في العائلة مؤذٍ للأطفال وان الطلاق مؤذٍ كليا. وافهم أيضا ان الأولاد لا ينمون الا برعاية الوالد والوالدة معا وليس في ان يقضي الولد وقتًا عند أبيه ووقتًا عند أمه المفصولين. وابنك اساسي لنضجك كما انت أساسي لنموه.
اذا اكتملت عناصر محبتك للآخر وحفظت نفسك والآخر من الدنس وحنوت على بنيك وبناتك ورافـقـتـهم حتى بـعـد سن الرشـد وتابعتـهم ولـو تـزوجـوا وضممتَ أحفادك إليك فهذا سر سعادتك على الأرض التي أعْطاها الله اياك. وهذا قد يكون مدخلك الى الملكوت.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العائلة/ الاحد 25 حزيران 2006 / العدد 26

لم أعثر في العهد الجديد على كلمة عائلة. ولكن لها مرادف وهي لفظة “بيت” كما في قول بولس: “وعمدت ايضا بيت استفانوس” (1 كورنثوس 16:1) ونقلتها الترجمة اليسوعية الحديثة: “قد عمدت ايضا أسرة اسطفاناس” ويقول المفسرون ان المراد بهذا الكلام انه عمد اسطفاناس وأولاده. ويكتفي العهد الجديد في الكلام عن الزوج والزوجة اي ان عنده رؤية الى قدسية الزواج. ولكن الرسول يحصر كلامه عن واجبات الأهل نحو الاولاد، عن تربيتهم وعدم إغاظتهم.

ولكن ما من شك في المسيحية ان الأب والأم اللذين لم يرزقا اولادا يشكلون عائلة، واذا لم يظهر اولاد فالعائلة كاملة والمحبة كاملة. وفي الارثوذكسية لا نقول ان غاية العائلة الإنجاب، ولكنا نقول ان الإنجاب اذا تم هو ثمرة التقديس الذي يجمع الأبوين. الى هذا نقول ان العائلة هي الكنيسة الصغيرة، ويقول الكتاب ان كل ابوة على الأرض هي صورة عن ابوة الله لنا.

تبـدأ العـائلة التي فيـها اولاد مـن المعمـودية وهي الولادة من فوق وبها يصير الطفل ابنا لله على صورة الابن الوحيد المولود من الآب. ولكن من الواضح انك لست ابن ابيك ان لم يكن ابوك مؤمنا. الولادة الجسدية عندنا فرصة لزرع المحبة لله اذ لا يقول الكتاب: أحبب اباك وامك ولكنه يقول: اكرم اباك وامك. ولهما منك المحبة لكونها معك من عائلة الآب. لذلك قال الرب يسوع: “لا تَدْعُوا لكم ابا على الأرض لأن لكم ابا واحدا هو الآب السماوي” (متى 9:23). ويصرّ السيد على ان نحب الله اكثر مما نحب اهلنا اذ يقول: “من أتى الي ولم يُفضّلني على ابيه وامه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل عن نفسه ايضا، لا يستطيع ان يكون لي تلميذًا” (لوقا 26:14). فاذا اصطدمت مع اهلك لكونك تحب المسيح وهم لا يحبونه فلست انت منهم. فالرابط الوحيد بينك وبينهم انهم يرشدونك الى المسيح وانت ترشدهم اليه.

فليس لهم الحق ان يزوجوك على من لا تحب. هم ليس لهم الا المشورة، ونحن نزوج الراشدين كما شاؤوا ونقبل في الرهبانية من الراشدين من شاء. لأن الانضمام الى يسوع خير من الانصهار في القبيلة. ولا يعترف الإنجيل بالقبيلة لأنها تنزع عن الانسان حريته في الطبيعة او حريته في المسيح.

اجل هناك فوائد معنوية ووجدانية ان تتحسس بالقرابة على الا تصير هذه المشاعر عصبية تفصلك عن العائلات الأخرى فتناصر عائلتك ان كانت على حق او كانت على الباطل. انت نصير الحق، ومنه تولد، ولا تولد من اللحم والدم اللذين يفنيان في التراب.

غير ان اهمية العائلة الصغرى او الكبرى انها تمرين لك على المحبة. انت تحب اولادك طبيعيا ولكن لا غنج ولا دلع لئلا يفسدوا. تحبهم في المسيح اي تهذبهم بالإنجيل وتصحح العاطفة التي يمكن ان تسترخي. الشوق بدء والمحبة في المسيح هي القوة الحقيقية التي تنمي شخصية اولادك فلا يكونون لك لأنهم ليسوا لك. هم لله فقط وعليك ان تكشف لهم محبة الله لهم بالإنجيل وترويضهم على قراءته وفهمه وان تصطحبهم الى الكنيسة لأنها هي امهم الحقيقية وهناك يذوقون لطف الله بهم ويتمرنون على محبة إخوتهم في المسيح.

الى هذا ففي بلدنا تدعوهم الى محبة غير المسيحيين الذين هم ايضا ابناء الله وإخوة لهم فيه، وافهم جليا ان ليس لنا نحن تكتل طائفي بازاء الآخرين ولكن لنا اصطفاف كنسي لنذوق المسيح وننقل اخلاقه الى كل الناس. فالعائلة هي البيئة الاولى التي يتكون منها الوطن، والوطن عندنا مكان المحبة والخدمة لكل البشر.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أولادكم في الصيف/ الأحد 18 حزيران 2006 / العدد 25

قد يحس الولد في العطلة المدرسية انها فترة فراغ لطولها، فراغ من الدرس وراحة من الانتظام المدرسي الذي قد يكون عند بعض وطأة عليهم. أنْ يقضوا هذا الوقت دون ان يكون مجرد اضاعة لهم ودونما ضجر هذا هو السؤال الذي يواجه الأهل تربويا. ما لا ريب فيه ان الراحة يجب ان تكون نسبية لا كاملة لأن الولد اذا كان بلا انشغال انما يحلو للفكر السيء ان يدغدغ خياله.

المسألة الأولى هي هل سيبقى ابنكم او ابنتكم مع رفاق المدرسة وقد يتفرقون، ام انه يختار رفاقا جددًا ينبغي ان تعرفوهم ولا يجوز ان يدخل في عشرة طارئة لا تعرفون انتم اخلاقها. فإذا كان الولد في الموسم الدراسي في عهدة مدرسية، ففي هذا الموسم انتم وكلاؤه وحدكم. وهذه فرصة نادرة لتعرفوه ويزداد تعلقكم به. فالعطلة الصيفية ليست عطلة لكم. هي تجعلكم أكثر انشغالا بأولادكم وأقرب الى الحديث معهم فلا تستسلمون لمشاهدة التلفزيون معا فهذه ليست بتربية ولا تستسلمون للخـليوي طـوال السـهرة اذ تكونون بـذا غائـبين.

ثم تطرح مسألة البحار والجبال والنزهات. هنا لا أريد ان أضيّق حرية أولادكم. الأمر خطير أو دقيق ويجب معالجته بحكمة. مع من يسرح أولادكم ويمرحون. الصيف خطر ويحتاج المراهق فيه الى رعاية دقيقة. معاشرة الرفاق مسؤوليتكم فتدبروها.

والأهم من كل ذلك الا يكون الصيف عطلة للعقل. ليس لأولادكم فرصة ليتابعوا مناهج دراسية. ولكن عقولهم ينبغي أن تتروض كما أجسامهم. أنا لا أعرف الآلات الجديدة (الحاسوب، الانترنت) لذلك لا أستطيع أن أرشدكم كثيرًا. ولكن حذارِ أن يسهر الاولاد بعد ان تكونوا انتم ذهبتم الى الرقاد. يقال لي ان في هذا خطرًا شديدًا. وبعامة ليس من الصحة الأخلاقية ان تنهزموا من أمام حضارة الصورة ولو كانت سليمة. لا يمكن للصورة في السينما او غيرها ان تعوض عن المادة المقروءة. الموسيقى السليمة -كلاسيكية كانت ام شرقية- رياضة طيبة وتؤثر في تكويننا الشخصي. ولست أقصد بالمقروء الجرائد والمجلات السليم مضمونها، فهذه كلها لا تقوم مقام الكتاب.

الانسان المثقف وليد الكتاب من أفلاطون الى يومنا هذا. وغالبا ما يقرأ أولادنا الى العربية لغة أجنبية أو أكثر. فاذا كنتم أهلا لإرشادهم في ذلك فافعلوا هذا. ربما دلهم أساتذتهم الى بعض الكتب. وقد يكون عندكم كتب جيدة يقدرون على فهمها. وربما قدرتم ان تشتروا كتبا تليق بأعمارهم نظيفة المعنى والمرامي. ان مراقبتكم لمطالعاتهم من مسؤوليتكم. لا يتثقف الإنسان حقيقة الا اذا عرف تراث الانسانية المثقفة. لا تكفي الشهادات والامتحانات والدراسة في معاهد التدريس. المهم ان يصل كل منا الى المفكرين الكبار. وان كان هذا عمل الحياة كلها فبالدرجة الأولى يتم في سن المراهقة والشباب.

وخير الكتب ما تركه لنا الله مباشرة من فمه اي الانجيل. فليبدأ الشاب أن يتأمل فيه اي ان يدرسه كل يوم. المسيحية بلا انجيل غير عميقة، غير حارة. طالعوه مع أولادكم. هذا أنفع.

الى هذا لا تناموا صباح الأحد بل أفيقوا ورافقوا أولادكم الى الكنيسة لأن الكنيسة غذاء القلب وليس للقلب اصطياف. هكذا تحفظون اولادكم للرب وتتقدسون أنتم برعايتهم.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

وكلاؤنا/ الأحد 11 حزيران 2006 / العدد 24

لا يمارس المطران سلطة من نفسه اذ ليس لمخلوق سلطة. يمارس سلطان المسيح في إقامة الأسرار وإدارة الكنيسة. هذه أقوال آبائنا منذ البداءة. ولك ان تبدي رأيك في شخصه ورعايته في أوساط المؤمنين وبكل محبة بنوية. وإذا كان لك عليه شيء فتذهب إليه وتأتي بالأدلة، وله من رحابة الصدر ما يجعله يدافع عن نفسه أو يعتذر ويعترف بالخطأ ويقوّم الاعوجاج. وإذا عاند الحق فاذهب إلى البطريرك، وعند ذاك يحاكمه المجمع. أما إذا أشهرتَ ما تعتبره أنت خطاياه، فمعنى ذلك انك تعتبر نفسك قاضيا. وهو عنده من الحشمة والأبوة ما يمنعه من الرد عليك بالوسيلة ذاتها وأمام جمهور لا يعرف احد هويته.

ان تكشف أنت ما تعتبره عند المطران معصية أو خطيئة لإحداث بلبلة باتخاذ الجمهور حكما يعني انك تبغض الرجل. ليس هكذا يسلك أهل الكنيسة. الكنيسة فيها مراجع وليس فيها ثرثرة. بالثرثرة تهبط العزيمة ويتعرض الإنسان إلى الشك بالآخرين، وإذا أطلق المفتري افتراءه فهو يذهب بنفسه وبالآخرين إلى حكم الشيطان الذي هو الكذاب وأبو الكذاب.

الأمر الآخر الذي أود قوله اليوم وقلته غير مرة تذكير المؤمنين بقول الكتاب «لا تَمَسّوا مسحائي يقول الرب» وبالكلام الآخر: «رئيس شعبك لا تَقُلْ فيه سوءًا» (أعمال 23: 5) لأن هذا يزعزع ثقة الناس بالناس ويزرع الفتنة في الكنيسة وروح الانشقاق إلى جانب الحزن الذي تزرعه في نفس من تفتري عليه.

الشيء الثاني الذي أود قوله أننا ولو كنا لا نستعمل الآن عبارة وكلاء الكنيسة، ونحتنا عبارة مجلس الرعية، يبقى أعضاء المجلس وكلاء للمطران. وحتى لا يكون المطران مزاجيا ويعزل من يشاء، جعلنا له قانونا وهو ان يعيّن المجلس لأربع سنوات، وكان من الواضح في التشريع ان هذه المجالس مؤقتة. والقانون قبل تعديله لاحظ ان ثلث الأعضاء يترك بعد سنتين. والفكرة إذًا كانت ان أحدا لا يبقى إلى الأبد حتى يتدرب العدد الكبير من أبناء الرعية في إدارة شؤونها بإشراف الكاهن. وهذا أردناه حبا بالمؤمنين لا بغضا بمن أنهينا خدمته.

قد نستبقي عددا عند التغيير ليستفيد الجدد من خبرة القدامى، ولكن لا قبول عندنا لبقاء أي كان إلى الأبد. هذا ليس فيه نكران لصلاحه للخدمة. هذا فيه فقط تأكيد أننا نريد عناصر جديدة. في الكنيسة إنسان واحد يبقى حتى موته وهو المطران والكاهن. مع ذلك يعزل المجمع المقدس أي مطران ولكن بعد محاكمة. كذلك يعزل المطران الكاهن بعد محاكمة.

أما العلماني في مجلس الرعية فيذهب عن هذه الخدمة عندما يبتّ المطران ذهابه. ولا يتضمن ذلك انه مشجوب. يبقى أخا محبوبا، حياته المسيحية هي خدمته للرعية. هناك مسؤولية عظيمة لكل منا تأتيه من معموديته، ولكن ليس لأحد حق بأن يكون مسؤولا ماليا أو كاتبا أو ذا وظيفة في مجلس رعية.

وإذا صار خبيرا في شيء فيُطلب رأيه دون ان يحمل لقبا. الشغل لا يتوقف على انتماء شخص إلى مجلس رعية. ونحن لا نكون ذممنا أحدا أو أنقصنا أهميته عندما نضع أحدا آخر مكانه. نكون فقط تأملنا خيرا من الإنسان الجديد الآتي.

فسَّرنا هذه الأشياء قديما، وأرجو الا يجلب احد عليّ اتعابا كما قال بولس الرسول. جاء الوقت لكي لا يتعبني احد. لماذا لا تسير أمورنا كلها «بلياقة وترتيب» كما يقول الرسول أيضا حتى ننصرف إلى الأشياء العظيمة ولا نبقى في التذمر؟ ماذا يمنع ان نكون جميعا ودعاء، لطفاء على صورة المعلّم الإلهي؟

Continue reading