هي مأخوذة من الرسالة الى أهل رومية وتمثّل الجانب العملي، التطبيقي في تعليم بولس. ولعلّ فرادتها أن الرسول لم يشأ أن يكون المسيحيون مماثلين بعضهم بعضا الا بالتقوى ولكن لكل مؤمن موهبته فهذا قوي في العمل الاجتماعي وذاك قوي في اللاهوت والآخر في الإحسان او في العمل الإداري. وما يجمع كل هذه المواهب في بناء واحد هو المحبة اذ ماذا ينفعك ان تكون صالحا للإدارة او التعليم النظري وانت غير محب. وكان بولس قد كتب نشيد المحبة في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس وهي مع ما كتبه يوحنا في رسالته الأولى الجامعة من أعظم ما قيل عن المحبة في تاريخ الناس.

غير ان الرسول يتميّز عما كتبه سابقا بقوله:”لتكن المحبة بلا رياء”. فليس المهم ان تظهر لطفا تجاه انسان تكرهه. يكفيك ان تكون مهذبا. والمجاملة والمصانعة من أجل ان تكسب عطف الآخرين دون أن تحاول محبتهم بالخدمة لأمرٌ مكروه. الإنسان ينطق من القلب او لا ينطق ابدا.

وحتى تصل المحـبـة الى الـذروة تابع بـولـس فكره بقوله:”كونوا ماقتين للشر وملتصقين بالخير”. انت لا تستطيع مثلا ان تكون صادقا ما لم تكره الكذب. قول الكتاب هو “حِدْ عن الشر وافعل الخير”. افعل الخير ترجمها الرسول بقوله:”ملتصقين بالخير”. هذا اكثر من فعل الخير. هذا عشق له بحيث تروض قلبك على طلب الفضيلة يوما فيوما وصاعدا على سُلّم الفضائل بحيث لا تدع واحدة منها تفوتك لأن الفضائل متماسكة، تُكمل بعضها بعضا.

ولئلا يظن مؤمنو رومية ان لك أن تحب هذا بعض المحبة والآخر أقل أو اكثر قال:”محبين بعضكم بعضا حبا اخويا” اي كأن الناس كلّهم إخوة لك فلا تغرق في عطاء روحك وانسكاب قلبك بين واحد وواحد حتى يصل الى قوله:”مبادرين بعضكم بعضا بالإكرام”. هنا ليس يطلب بولس فقط ان تكرّم جميع الناس ولكن ان تبادر بالإكرام فلا تدع الآخر يسبقك فيه. اعطِ الآخر ما لم يكن ينتظر ليرتاح ليس فقط اليك ولكن الى ربه.

ثم يلح على الا يتكاسلوا وهو كان قدوة في الاجتهاد يبشر في كل حين ويكدّ صانعا خياما في الليل ليعيش فيصل بعد هذا الى قوله:”حارين بالروح” فاقضوا على الفتور فإن الرب يريد كل القلب ولا يقبل تهاونا بمحبته وطاعته. الحماسة من أجل كلمة الله ونشرها وتوطيدها هي التي أَعطت الكنيسة عمالًا لا يستريحون. بهذه الحماسة نفسها نكون”عابدين للرب” بقلب نقي فلا نشرك به عشق المال او السلطة او اي ما يمكن اعتباره إلهًا يستأثر بمشاعر النفس.

هذه العبادة تمدنا بالفرح وفرحنا دائم لأن رجاءنا دائم. ولئلا يظن مؤمنو رومية ان الرسول يعدهم بالمسرات في كل أيامهم، يحثهم على أن يكونوا صابرين في الضيق، والعهد الجديد كلّمنا عن المضايقات التي كانت تحل في الكنيسة قبل أن يكتب بولس رسالته الى اهل رومية اي في منتصف الخمسينات من القرن الأول. ولا يكتفي بحضّهم على الصبر اذ يقول في آخر هذا الفصل “باركوا الذين يضطهدونكم”. لا تجعلوا الاضطهاد يأسركم بالبغض. اغلبوا القائمين به بالغفران ولو متم. ذلك ان موت الشهادة يحيي الكنيسة.

وقبل أن يصل الـى ذلك يطلب اليهم المواظبة على الصلاة. في كل أوقات شغورك صلِّ ومع العمل اليدوي يمكن ان تصلي واذا انشد قلبك الى فوق انت مصلّ ولو لم تنطق بكلمة. ويختم دعوته الى الفضائل والصلاة بحثه على الإحسان للقديسين اي لمؤمني اورشليم الذين كانوا فقراء بسبب اضطهاد اليهود لهم. ثم اغنياء كنتم ام فقراء استضيفوا الغرباء ولا سيما المسيحيين الفقراء الآتين من الشرق الى رومية.