لم أعثر في العهد الجديد على كلمة عائلة. ولكن لها مرادف وهي لفظة “بيت” كما في قول بولس: “وعمدت ايضا بيت استفانوس” (1 كورنثوس 16:1) ونقلتها الترجمة اليسوعية الحديثة: “قد عمدت ايضا أسرة اسطفاناس” ويقول المفسرون ان المراد بهذا الكلام انه عمد اسطفاناس وأولاده. ويكتفي العهد الجديد في الكلام عن الزوج والزوجة اي ان عنده رؤية الى قدسية الزواج. ولكن الرسول يحصر كلامه عن واجبات الأهل نحو الاولاد، عن تربيتهم وعدم إغاظتهم.

ولكن ما من شك في المسيحية ان الأب والأم اللذين لم يرزقا اولادا يشكلون عائلة، واذا لم يظهر اولاد فالعائلة كاملة والمحبة كاملة. وفي الارثوذكسية لا نقول ان غاية العائلة الإنجاب، ولكنا نقول ان الإنجاب اذا تم هو ثمرة التقديس الذي يجمع الأبوين. الى هذا نقول ان العائلة هي الكنيسة الصغيرة، ويقول الكتاب ان كل ابوة على الأرض هي صورة عن ابوة الله لنا.

تبـدأ العـائلة التي فيـها اولاد مـن المعمـودية وهي الولادة من فوق وبها يصير الطفل ابنا لله على صورة الابن الوحيد المولود من الآب. ولكن من الواضح انك لست ابن ابيك ان لم يكن ابوك مؤمنا. الولادة الجسدية عندنا فرصة لزرع المحبة لله اذ لا يقول الكتاب: أحبب اباك وامك ولكنه يقول: اكرم اباك وامك. ولهما منك المحبة لكونها معك من عائلة الآب. لذلك قال الرب يسوع: “لا تَدْعُوا لكم ابا على الأرض لأن لكم ابا واحدا هو الآب السماوي” (متى 9:23). ويصرّ السيد على ان نحب الله اكثر مما نحب اهلنا اذ يقول: “من أتى الي ولم يُفضّلني على ابيه وامه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل عن نفسه ايضا، لا يستطيع ان يكون لي تلميذًا” (لوقا 26:14). فاذا اصطدمت مع اهلك لكونك تحب المسيح وهم لا يحبونه فلست انت منهم. فالرابط الوحيد بينك وبينهم انهم يرشدونك الى المسيح وانت ترشدهم اليه.

فليس لهم الحق ان يزوجوك على من لا تحب. هم ليس لهم الا المشورة، ونحن نزوج الراشدين كما شاؤوا ونقبل في الرهبانية من الراشدين من شاء. لأن الانضمام الى يسوع خير من الانصهار في القبيلة. ولا يعترف الإنجيل بالقبيلة لأنها تنزع عن الانسان حريته في الطبيعة او حريته في المسيح.

اجل هناك فوائد معنوية ووجدانية ان تتحسس بالقرابة على الا تصير هذه المشاعر عصبية تفصلك عن العائلات الأخرى فتناصر عائلتك ان كانت على حق او كانت على الباطل. انت نصير الحق، ومنه تولد، ولا تولد من اللحم والدم اللذين يفنيان في التراب.

غير ان اهمية العائلة الصغرى او الكبرى انها تمرين لك على المحبة. انت تحب اولادك طبيعيا ولكن لا غنج ولا دلع لئلا يفسدوا. تحبهم في المسيح اي تهذبهم بالإنجيل وتصحح العاطفة التي يمكن ان تسترخي. الشوق بدء والمحبة في المسيح هي القوة الحقيقية التي تنمي شخصية اولادك فلا يكونون لك لأنهم ليسوا لك. هم لله فقط وعليك ان تكشف لهم محبة الله لهم بالإنجيل وترويضهم على قراءته وفهمه وان تصطحبهم الى الكنيسة لأنها هي امهم الحقيقية وهناك يذوقون لطف الله بهم ويتمرنون على محبة إخوتهم في المسيح.

الى هذا ففي بلدنا تدعوهم الى محبة غير المسيحيين الذين هم ايضا ابناء الله وإخوة لهم فيه، وافهم جليا ان ليس لنا نحن تكتل طائفي بازاء الآخرين ولكن لنا اصطفاف كنسي لنذوق المسيح وننقل اخلاقه الى كل الناس. فالعائلة هي البيئة الاولى التي يتكون منها الوطن، والوطن عندنا مكان المحبة والخدمة لكل البشر.