Category

2006

2006, مقالات, نشرة رعيتي

قداس الأحد/ الأحد 4 حزيران 2006/ العدد 23

أنت مدعو الا تكون مزاجيا في موضوع القداس. قد لا تفهم كل ما يجري صباح الأحد في الكنيسة. قد لا تدرك كل المعاني. هذا أمر يمكن درسه في كتب تُفسّر القداس الإلهي أو إذا سألت كاهنا فهيما. إذا صرت محبا للخدمة الإلهية وكانت طيّبة لديك لا تتعب، وكلما زاد فهمك يقلّ تعبك ويزول ضجرك.

إذا كان لقاؤك مع المسيح ضعيفا فهناك يقوى اللقاء. قد تقول لي اني أصلي في بيتي، ولكن اللقاء الأعظم الذي يريده السيد هو الذي دعاك إليه بقوله لكل الأجيال وأنت منها: خذوا كلوا، هذا هو جسدي، واشربوا منه هذا هو دمي. وهو القائل: من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه. وأقوال كثيرة مثل هذه تدلنا اننا لا نحيا حياة عظيمة ما لم نشترك بهذه المائدة الإلهية المعدّة أمامنا صباح كل أحد.

لا تَقُلْ: القداس طويل. إذا لم تعتبر الصلاة السَحَرية، فيبدأ القداس بـ«مباركة هي مملكة الآب…». وإذا عرف الكاهن والمرتل ألا يمدّا الترتيل مدّا كثيرا، ينبغي ان ينتهي القداس في ساعة واحدة. أنت لا تتعب بسبب الامتداد. أنت قد تتعب بسبب الضجر الذي يمكن ازالته بالدراسة والوعي.

إلى جانب لقائك مع المسيح، لقاء مع الإخوة الذين يصيرون كيانا واحدا يوم الأحد باقتبالهم الأسرار الإلهية. وفي هذا قال بولس: «فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد» (1كورنثوس 10: 17). هذه مناسبة لتغفر لمن أساء إليك وتستغفر وتنمو في الطهارة وتقوى أمام المحن والصعاب.

قد تجد حولك من ليس عظيم التقوى، وقد لا تكون معجبا بالكاهن. أنت علاقتك مع المسيح وتتناول من يديه. في الظاهر يناولك الكاهن، وفي الحقيقة يعطيك السيد جسده ودمه الكريمين.

وإذا كنت متكاسلا في قراءة الإنجيل، ففي الكنيسة تسمعه وربما أثّر فيك كثيرا ونهض بك وحوّلك تحويلا جذريا. ولعلك سمعت تراتيل كثيرة ولكن قد تدخل جملة واحدة من الإنشاد قلبك للمرة الأولى. ربما تَحَّرك قلبك بكلمتين أو ثلاث وصرت إنسانا جديدا. لا تهرب من ان تصير إنسانا روحيا. ربما لم تحلم بهذا وأردتَ نفسك عاديا في الفضيلة. ربما صرت روحانيا كبيرا بانتباهك بعمق إلى المسيح كما لم تنتبه إليه في الماضي. هل تخاف ان تصبح قديسا؟

لماذا لا ترتمي في حضن يسوع كالتلميذ الحبيب في العشاء السري؟ طالما هو أراد ان يقربك إليه بهذه الوسيلة، لماذا تتردد وتقنع نفسك ان لديك وسائل أخرى لتتقرب إليه؟

إذا كنت موسميا كالبعض، فجرب ان تنتظم في الخدمة الإلهية عدة أسابيع تَرَ انك صرت محبا لكلمة الله ومشتاقا ان تتناول جسد الحبيب ودمه وتكون قد أحسست بمحبته لك فيرتفع مستوى محبتك له. اذا لم تأتِ إلى يسوع تكون قد تركته وحده. هو يريد كل أحبائه له. لا يريدهم ان يناموا في الكسل وفي تركيب ديانة لأنفسهم في خيالهم. هو قال لنا ما علينا ان نفعل لنكون شركاءه. ألم تقل بضع مرات في طفولتك: «اقبلني اليوم في عشائك السري يا ابن الله»؟ اذهب إلى كنيستك وقلها مرة أخرى.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

ارتفاع النفس إلى الله/ الأحد 28 أيار 2006 / العدد 22

لا ترتفع النفس من ذاتها إلى الله الا إذا سكنها الروح القدس. هو فيك يخاطب نفسه مع الآب والروح. الصلاة حركة نزول إلهي إليك ثم حركة صعود. هذا ما فعله الابن إذ نزل أولا ثم صعد.

الله ينزل إليك مباشرة بالروح الإلهي ولكنه نزل إلى البشرية جمعاء بالإنجيل. والإنجيل هو فكر المسيح ويحتوي على كل ما يمكنك ان تعرفه عن أسرار الله، تلك التي كشفها لنا. والإنجيل يصل إليك إذا قرأته ودرسته ومحّصته. والى استماعك إليه في الكنيسة يأتيك في الصلوات المختلفة والتراتيل لأنها تعبّر عن الإنجيل. أنت مع هذا الكتاب سواء أصليت مع الجماعة أو صليت وحدك لأنك إذا وقفت في بيتك أو في الشارع أو في السيارة فأنت تتلو بالدرجة الأولى صلوات من الكنيسة طُبعت في السواعي. وإذا صليت وحدك فأنت قائم روحيا مع الجماعة.

ولكن قد تقوم بدعاء بسيط وليس بصلاة كاملة. تقول مثلا: «يا رب ارحم» أو تقول: «يا رب، يا يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». حتى إذا تلوت أدعية قصيرة كهذه تبقى في الروح واقفا مع الجماعة.

ولكن المهم ان تكون واقفا في حضرة المسيح سواء أكنت تشارك في خدمة إلهية أم تصلي منفردا. أحيانا تكون مأخوذا بأداء الطقوس وهي عندنا أساسية. ولكن أحيانا يطغى النغم على الكلمات فلا تبقى الكلمات مفهومة. يحتاج المؤمن إلى انتباه كبير لكي يبقى مسمّرا على المعاني لأنها هي التي تجعلنا في حضرة المسيح. العبادات الطقسية قصد فيها ان تكون تجليات للسيد. حذار من ان تجعلها أنت حاجبة لحضرته.

التجميل المفرط للصوت والتسابق بين المرتلين يلهيان عن المسيح. ان كنا حقا نطلبه فهو يصل إلينا بصوت رخيم وصوت قبيح. ينبغي ان نستقل عن طغيان التعابير لنلازم الجوهر. ليس من لقاء في المعابد أو في الدعاء الفردي الا مع المسيح.

في الكنيسة أنت لا تحدق بالمؤمنين الذين هم أمامك والى جوانبك. كل منا متّصل بربه. اجل نحن مشتركون مع الإخوة بالصلاة الواحدة والقربانة الواحدة، ولكن هذا الاشتراك لا يعني اننا كتلة ذائب بعضها ببعض. أنت ملتصق بالسيد فقط وعنده تلقى الإخوة.

يجب ان تفهم ان الصلاة -جماعية كانت أو فردية- تتطلب مراسا كبيرا أي زمنا طويلا لتفهم كل احد ما فاتك في الآحاد السابقة. في كل ذبيحة أنت تكتشف المعلّم، ترى وجهه أبهى. تمر بك جمل كثيرة مرورا عابرا. ثم فجأة تتوهج هذه الجملة بعد ان كانت مطفأة. لذلك لا تستفيد كل الاستفادة ان لم تواظب. على هذا المنوال الصلاة الفردية. ان لم تواظب عليها كل يوم لا يمكن ان تتلوها بالدفء نفسه. لا يقوى الشوق إلى يسوع إذا انقطعت صلاتك. لا يمكن ان تجد المسيح ونظامك الإهمال.

وإذا أخطأت لا تترك صلاتك بسبب قرفك من نفسك. بالعكس ظرف الخطيئة هو ظرف الرجوع إليه. ولا رجوع إليه الا بمخاطبته بالكلمات التي تعرفها أو الكلمات التي تؤلفها. الصلاة معاشرة بين المؤمن وربه. هو يحبّك دائما ويودّ ان تخاطبه لأنك تستفيد أنت من هذه المخاطبة. الصلاة هي السبيل الوحيد حتى لا تنسى السيد.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

المرأة السامرية/ الأحد 21 أيار 2006 / العدد 21

يسوع في طريقه من اليهودية الى الجليل كان لا بد له ان يجتاز منطقة السامريين الذين كان اليهود يكفّرونهم لأن دماءهم اختلطت بالدم الأجنبي ولم يعترفوا بكتب الأنبياء معترفين فقط بأسفار موسى الخمسة وما كانوا يعتبرون أورشليم مركزا للعبادة.

وصل السيد الى بئر يعقوب القائمة حتى اليوم في حمى كنيسة أرثوذكسية قرب نابلس الحالية، وهي مدينة لا تزال هذه الطائفة فيها وهي لا تعد أكثر من ثلاثمئة شخص في فلسطين والمهاجر.

تعب يسوع من السير فجلس عند هذه البئر عند الظهر. فجاءت امرأة سامرية لتستقي ماء فقال لها الرب:”أعطيني لأشرب” اي من دلوك. فاستغربت ان يكلّمها وليس بين اهل الطائفتين كلام، وذكّرت المرأة يسوع بهذا. حدّثها عند ذاك عن ماء حي غير ماء البئر ويريد به ماء الحياة الجديدة بالايمان به. فلم تفهم فأصر بقوله:”من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه فلن يعطش الى الأبد”(في موضع آخر سيقول الخبز السماوي). هذه كلّها صور يدل بها على نفسه وعطائه.

لما طلبت منه أن يعطيها هذا الماء قال لها: “اذهبي وادعي رَجُلك” (لم يقل زوجك لأنها عاشت مع خمسة رجال وتعيش الآن مع رجل). لم يرد إكمال حديث ديني عالي المستوى قبل أن تتوب. اعترفت، اذ ذاك، على أنه نبي. بادرت بمناقشة لاهوتية عن مكان السجود:”آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن المكان الذي ينبغي أن يُسجد فيه هو في أورشليم”. تجاوز السيد تقاليد اليهود وتقاليد السامريين بآن وقال: “تأتي ساعة وهي الآن حاضرة اذ الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق”. وأكد هذا مرّة ثانية. وكأنه قصد ان هذه الطقوس القديمة التي لليهود وطقوسكم انتم السامريين وتمركز كل فريق في مكان سوف تزول لأنها ظل للنور الآتي. واذا وضح النهار (بمجيئي، بموتي وقيامتي) فتزول العبادات القائمة على رموز، ويعبد المؤمنون بي الله بالروح، بروحهم المتجددة بالنعمة، فإن نعمة الروح القدس ستجمعكم ولا تبقى كل طائفة منكم تجمعا اجتماعيا او أمّة لأن الامم كلّها ستفنى في الأمة المقدسة التي أنشئها أنا بدمي وقيامتي وإرسال روحي.

بعد هذا قالت المرأة أن المسيح سيأتي ويخبرنا بكل شيء. عندئذ، أعلن يسوع عن نفسه أنه هو المسيح.

بعد أن آمنت المرأة أن هذا الرجل هو المسيح تركت جرّتها وقالت هذا للناس. تركت جرتها، تعني أنها تركت كل ما هو لهذا الجسد، للعالم وذهبت وبشّرت وصارت خليقة جديدة. صارت طبيعتها من طبيعة النور.

أضاءت منطقتها بضياء المسيح الذي صارت هي منه. غيّر يسوع برنامج مسيرته. مكث عندهم يومين. بشر هناك بالانجيل اذ يقول الكتاب أن الكثيرين منهم آمنوا به وآمنوا أنه بالحقيقة مخلص العالم. وكان هذا تمهيدا لمجيء الرسل الى السامرة بعد ان قام من بين الأموات.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

المسيحي الملتزم/ الأحد 14 أيار 2006/ العدد 20

من قبل ستين أو سبعين سنة من اليوم كان بعض الأرثوذكسين في مجالسهم ينتقدون الإكليروس انتقادا مرا وما كنت اسمع أحدا يلوم نفسه. هذه الظاهرة، ولو خفت صوتها، الا انها لا تزال قائمة لأن الإنسان يميل إلى الاعتقاد أن التقصير في حياتنا الكنسية يقع فقط على الآخرين، وأن تحسُّن الوضع الكنسي يأتي من إصلاح الآخرين لأنفسهم، حتى قامت شبيبة تقول أنا سأسعى أن أصلح نفسي وان أفهم أكثر مما كنت افهم، وان أدرس العقيدة الأرثوذكسية وأعلّمها الآخرين، وإذا تحسن الناس من اجل المسيح سينقلون حماستهم إلى الآخرين. قالت هذه الشبيبة: «أنا أطالب نفسي، والبهاء الروحي الذي ينزل عليّ سوف ينتقل بالقدوة». وإذا أحس بعض أحساسا كبيرا بالمسيح سيصير منهم كهنة ومطارنة ورهبان.

هكذا تبدأ كل نهضة صحيحة. غير أن الذين أنهضتَهم أنت قد يسقطون أو يفترون أو تنطفئ حماستهم بهموم الحياة فلا يبقون تلاميذ نشيطين للمسيح يسوع. وعليك إذًا أن تكمل الطريق وأن تعطي مَن فتر حماسة فقدها وأن تبثّ في مَن تكاسل حيويّة جديدة.

التجديد في الكنيسة أو الإحياء عملية دائمة، وأنت لا تطمئن إلى ان من دعوتَهم بلهفة وحرارة سيظلّون على اللّهفة والحرارة. وقد يصير احدهم كاهنا أو في مرتبة أعلى فيقع في الفتور أو الإهمال ولا يصبر على الجهاد أو يتدنس بإغراء المال أو غير المال. ليس أحد منا مضمونا حتى نهاية عمره. ولا تبقى كتلة بشريّة متماسكة إلى الأبد بما تجلّى لها من جمالات. فيترك هذا ويبقى ذاك وينفرط العقد. لذلك قال صاحب المزامير: «لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم خلاص».

أنت تكون قد وضعت في رفيق لك أملا. ثم تلحظ انه تراجع أو سقط فلا تبقى فيه الشعلة الأولى. أنت لا تستطيع ان تضع رجاءك كاملا في أي إنسان. لك ان تستعد للسقوط الذي يقع فيه مَن ناضل معك في الكنيسة وكان عظيم العطاء. لك أن تبكي وتتحسّر، ولكن ليس لك أن تيأس لأن نجاح الإنجيل ليس متوقّفا على واحد في هذا العالم وليس مرتبطا بكتلة أصحاب تجنّدوا معا ثم ابتعد هذا أو ذاك.

أنت ولاؤك للمسيح ولأيّ شخص غير مرتكز على تجمّع أشخاص. لذلك عليك أن تعتبر أن الكنيسة قائمة عليك وحدك وأن يسوع يضع هو أمله فيك وإن تبدّد الجميع.

«على هذه الصخرة سأبني كنيستي». هذا كلام موجّه إليك. أنت المؤمن بيسوع إيمانا كليّا والخاضع لكلمته صرت صخرة الكنيسة كلّها. ولكنك لن تبقى صخرة الا إذا درست الإنجيل درسا وافيا وقرأت الكثير عن المسيحيّة وقمت بالعبادات في الكنائس وأحببت وتطهّرت وغفرت ونشرت الرسالة كل يوم حولك.

عندئذ يغلي الفاترون وينهض الساقطون وتتجمّعون من جديد على حب يسوع وتتكتّل هممكم بعد ان استرخت. النهضة مشروع دائم. متصدع من وقت إلى آخر. أنت الذي لم تنقطع عنك كلمة الله عليك بتجديد البناء.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العجائب/ الأحد 7 أيار 2006 / العدد 19

الأعجوبة الكبرى هي انتصار السيد على الموت. وكل شفاء، إنما هو نوع من تكرار الفصح لأن كل مرض طريق إلى الموت أو شيء من الموت. كل شفاء حضور ثانٍ للمسيح في جسد المريض. وقد لخّص يسوع رسالته هكذا: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين ولأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر».

مع كل هذا كان السيد يضع الأعجوبة في المرتبة الثانية بعد الكلمة الإلهية، هكذا لما أطلق التلاميذ إلى العالم قال لهم: «اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها». حتى قال: «هذه الآيات تتبع المؤمنين الذين إذا شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مرقس 16: 15-18).

شيئان متلازمان للشافي وللمشفي: الإيمان وعمل الشفاء. وهذا كثير في الإنجيل.

بعد القيامة أخذ الرسل يشفون، مثلا شفاء بطرس ويوحنا للأعرج (أعمال الرسل 3). نلاحظ في العهد الجديد امتدادا من عمل يسوع إلى الرسل. بعد عهدهم لاحظنا أن الكنيسة تسمّي بعض القديسين صانعي عجائب (نقولاوس، اسبيريدون مثلا). لا تقول كنيستنا أن كل قديس بعد موته صنع معجزات. الرب يخص البعض بهذه الموهبة. هذا يدل على اننا نقتبل فاعلية القيامة.

ثم في الكنيسة نفسها سر قائم من أجل الشفاء وهو سر مسحة المرضى. من المحزن ان أحدا لا يمارسه في الكرسي الأنطاكي (ربما لفقدانه الفعلي، رتبت الكنيسة أن يقام هذا السر لمنفعة الجميع يوم الأربعاء العظيم).

في فكر المسيح أن الشفاء علامة مجيء الملكوت. لذلك كان تعظيم الألم مسلكا غير مبني على شيء. عودا إلى الأعجوبة أو الشفاء من مرض عادي، نطلبهما خوفا من ان يتحكم بنا الخوف، وثانيا لأننا نؤتى في العافية علامة من الملكوت.

في معتقدنا الأرثوذكسي ان ما يسمى النواميس الطبيعية ظهر بعد الخطيئة. فإذا اخترق الله الناموس الطبيعي إنما يعيدك إلى الوضع السابق للخطيئة.

مهما يكن من أمر، الله حر ولم يقيّد نفسه بنواميس الطبيعة. يشفي الأعمى بطريقة لا يعرفها الطب. يدخل مباشرة مسيرة حياة المريض وينتشله من حزنه حنانا. الحنان هو ما دعا يسوع أن يخلّص المرضى.

لا نعرف لماذا هذا الشخص يشفي، وذلك لا يشفي. كاهن يتلو صلاة، وكاهن آخر يتلو الصلاة نفسها. واحد يقوم بدعاء الكاهن الأوّل ولا يقوم بدعاء الكاهن الآخر. يبقى ان واجب الكاهن ان يضع يده على رأس المريض.

غير ان الدعاء ليس محصورا بالكاهن. يمكن للملتزم الحياة الروحية إذا عاد مريضا أن يصلي معه أو أمامه أو ان يجتمع بعض الإخوة ليصلّوا.

تبقى تعزية المريض وإرشاده بكلمات يسوع وتهيئة المريض لاحتمال أوجاعه ولكن دائما بكلمات المخلّص وقراءة الإنجيل. هذا يجب ان نهتم له كثيرا لأن الإنسان المعافى بكلمة الرب قد يصير تقيا عظيما.

وعلى المصاب أن يقبل وضعه وان يسلّم أمره إلى الله الذي يعرف وحده ما ينفع الإنسان المصاب. في كل حال ينفعه دوام ادعيته وهي دائما للخير أكان الخير منظورا أم غير منظور.

اذكروا قول السيد: «كنتُ مريضًا فعدتموني». في جسد المريض الملقى على فراشه يسكن المسيح ونحن نوقظه ويتخذه المريض في وعيه إذا ذكرنا المسيح باسمه وقرأنا كلماته أو رتلنا أناشيد الظفر. المريض ينتظر قيامته.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

احد توما/ الأحد 30 نيسان 2006 /العدد 18

الأسبوع الجامع بين الفصح واحد توما الذي نحن فيه انما يدعى اسبوع التجديدات حيث يتجدد قلب المؤمن بترتيله الفصحيات وعيشه روح القيامة. وهذا باق حتى الصعود بأناشيد فصحية مختلفة وكأن هذه الأربعين يوما يوم واحد. ولا نعجبنّ من هذا فإن كل احد في عباداتنا هي فصح مصغر لأن قيامة المخلص مذكورة بصراحة من الغروب الى القداس. وهذا يوضح ان الكنيسة الأرثوذكسيّة مركزة على القيامة باعتبارها كشف الخلاص الذي تم على الصليب.

ثم في كل هذه الفترة الأربعينية التي تلي الفصح القراءات الإنجيلية هي من بشارة يوحنا الذي يركز اكثر من البشائر الثلاث الأولى على ألوهية السيد وانتصاره على الموت في الجسد.

اما اليوم المسمى احد توما فيدور الحديث فيه عن ظهور السيد للتلاميذ المجتمعين في العلية مرة أولى مساء القيامة ومرة بعد ثمانية ايام، اي في الأحد الذي يلي الفصح. في المرة الأولى يعطيهم السيد السلام

الذي أتى مـن الخلاص فلا يخافون مـن اليهـود، ويعطيهم القوة ان يغفروا الخطايا لأن هذا هو الخلاص، ثم يقول الكتاب ان توما الرسول لم يكن معهم المرة الأولى وأعلن لهم شكه: “إن لم اعاين أثر المسامير في يديه وأضع اصبعي في أثر المسامير واضع يدي في جنبه لا اومن”.

طبعا لم يكن سهلا على انسان ان يؤمن بأن ميتا يقوم مع ان المعلم تنبأ بهذا ثلاث مرات. كان هذا شكا بكلام يسوع فيما كان مع تلاميذه. لذلك عند الظهور الثاني وبخه الرب: “لا تكن غير مؤمن”. مع ذلك تنازل الى شكه ودعاه ان يلمس يديه اللتين كانتا مسمّرتين وجنبه الذي كان مطعونًا. هل لمس توما المواضع التي كانت مجروحة في جسد الرب؟ لسنا نعلم. ما نعلمه قول توما ليسوع: ربي وإلهي. هاتان الكلمتان في الأصل اليوناني وردتا في صيغة المعرفة بحيث لا يدع الكلام شكا ان توما آمن بيسوع انه هو الرب والإله.

يتضح من هذا الفصل الإنجيلي ان الذي رآه التلاميذ هو اياه الذي مات على الصليب. اي لم يكن هناك شبح ولم يتخيل التلاميذ شيئا. هذا هو المسيح المجروح. وجاء شك هذا ليدعم اعتقاد التلاميذ هذا. يسوع يظهر ثانية مع الجراح ليس فقط ليؤمن توما ولكن لنؤمن نحن ايضا. لذا نستطيع ان نقول ان شك توما، وان استحق له توبيخ السيد، انما صار يقينا عندنا. هذا الظهور ناطق وفصيح ويزداد ايماننا بالسيد القائم بفضل توما الرسول ويقوى ايماننا بألوهية السيد المعبَّر عنها بأفصح طريقة في كل الإنجيل: “ربي وإلهي”.

لا تقول المسيحية: آمن كيفما كان لمجرد انك سمعت. تقول: كان هناك شهود وهم شهدوا في كتب تركوها لنا. انهم سمعوا ورأوا ولمسوا وآمنوا. وثمارهم حياتهم المقدسة وملايين من الشهداء الذين أهرقت دماؤهم في سبيل من آمنوا به انه قام من بين الأموات. لذلك نؤكد خلال اربعين يوما: المسيح قام. جعلنا هذه الكلمة تحيّتنا لتصبح سلاما عند من سمعها، فيجيب متعزيا: حقا قام.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 23 نيسان 2006 / العدد 17

موت المسيح وقيامته هي مضمون إيماننا ومحوره. وقد عبّر بولس عن هذا بقوله الى أهل كورنثوس: “سَلّمتُ إليكم قبل كل شيء ما تسلّمته أنا أيضًا (أي من المؤمنين الأوائل مثل حنانيا الدمشقي) وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب أي موافقًا النبوءات التي وردت في العهد القديم وأنه قُبر وقام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للإثني عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ”.

يروي الرسول رواية الخلاص بطريقتين أنها فحوى إيماننا أولا وأن إيماننا هذا ثابت بالشهود. لا نعلّم فقط عقيدة ولكن ندعم عقيدتنا بأنّ لها أصولا عند ناس كانوا شهودا لوقائع. ثم يدعم بولس تعليمنا عن قيامة الجميع بكونها مؤسسة على قيامة المخلّص: “فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام”. نحن نتعامل مع عقيدة لأننا نتعامل مع حدث. قيامة يسوع أساس كل كرازتنا ودعامة لرجائنا الحياة الأبديّة.

ثم تأتي قيامة المخلّص ينبوعًا لسرّ أساسيّ وهو المعموديّة وفي الرسالة الى أهل رومية يبيّن بولس أننا نتعمّد لنحقّق في جسدنا أننا كنّا في الرب يسوع لمّا دُفن وأننا كنا معه أو فيه لمّا قام من بين الأموات ولكوننا كنا كذلك نسلك في حياة جديدة فلا تسودنا الخطيئة فيما بعد.

في الحقيقة إن قيامة المخلّص من بين الأموات كشف للنصر الذي تم له وهو على الخشبة. هناك كمُل كل شيء لأن حياة المسيح بموته دخلت العالم وتمجّد ابن الانسان وتمجّد الله فيه. فاعليّة الخلاص كانت كاملة فوق الصليب وأخذناها لما خرج روح يسوع الى العالم وهو معلّق على الخشبة. ولكن كان ضروريّا أن يظهر النصر اذ “لم يكن ممكنا أن يُضبط عنصر الحياة في البلى”. وكان يجب أن يقال هذا النصر بقوّة البشارة بعد أن قيل بكون جسد المسيح لم ينتنْ. تلك هي بلاغة القيامة.

وتحقّقت البلاغة لما ظهر للتلاميذ مرات عديدة ففهموا أنّ ربّهم حي أي أن جسده غلاّب للموت.

بعد أن وعينا هذا وآمنا به تهون كل المصاعب. فالمرض مغلوب مع الأوجاع، والموت مغلوب مع الحزن الذي يهيء له. لم يبقَ هذا العالم وادي البكاء. صار مدى الفرح والتعاون والحب وبات الجريح والمكسور والذي دخل الموت بيته، يتعزّى بالإخوة الذين حافظوا على نعمة المسيح وصاروا قادرين أن يسندوا الإخوة الضعفاء.

من أجل ذلك أتمنّى الّا يتكلم أحد بعد اليوم على رسالة الألم. الفرح وحده ينقل رسالة. لا نطلبنّ وجعًا لأجسادنا. هذه الدنيا مليئة بالأوجاع. لنسأل للناس جميعا الشفاء ونعمة الصبر ان لم يغادرنا الألم.

لقد جاء المسيح ليحرّرنا من الفقر، من كل نقص في الجسد وفي النفس، ليجعل لنا عائلات سعيدة تبتسم لكل عطاء تؤتاه. لا ننسَ يا إخوة أن الروحانيّة المسيحيّة روحانية فصحية وأن يوم الجمعة العظيم، يوم ينبلج فيه الفصح. نحن لسنا أبناء المأساة. نحن أبناء الملكوت الآتي الذي يزول فيه كل حزن وغمّ وتنهّد وحيث أجواق المعيّدين ترتل دوما: المسيح قام.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الدخول الى أورشليم/ الأحد 16 نيسان 2006 / العدد 16

لم يركب يسوع حصانا ولكن جحشا أي صغير الحمار، فإن موت السيّد أملى عليه دخولا متواضعا يواكبه فيه أطفال وبالغون لهم قلب طفل. يجلس على جحش “ليَحُلَّ بهيميّة الأمم القديمة” . يصوّر إلغاء الحيوانية التي نحن عليها ولكنّها لن تلغى إلا على صليبه.

“الله الرب ظهر لنا فأقيموا العيد”. عيد فيه اختفاء يسوع. ولكن الإله لن يظهر لنا حقيقته الا في حبه المسكوب على الخشبة وفي يوم نصره عند فجر الفصح. كم كنت أتمنّى الا يحصر الكبار العيد بأولادهم اذ الأحرى بنا، كبارًا، أن نحمل سعف النخل وأغصان زيتون لنقول ليسوع إن قلوبنا أمست معدّة لاستقباله على رغم خطايانا.

دخول أورشليم بدء الشروق وتطوع السيّد لآلامه، وبهذه الآلام نصير نحن بيته اذ نتجدّد بالكأس الإلهيّة التي نشربها من يديه الطاهرتين البريئتين من العيب. هذه الكأس هي دم العريس. لذلك نقول له الأحد مساءً “إنني أشاهد خدرك مزيّنا يا مخلّصي”. والخدر هو بيت العريس، ونتوق الى دخوله اذ كل منا يؤمن انه مدعوّ الى أن يكون العروس، ولكنا نعترف اننا لا نستحق ذلك.

ونعيش صلاة الخَتَن (أي العريس) ثلاث مرات منذ مطلع الأسبوع، اي اليوم وفي كل ليلة يتوق كل منا أن يكون العروس، غير اننا نعلم أن العرس لن يتم الا بالدم المراق ويظهر بهاؤه يوم القيامة.

لا نعرف بدقة كيف قضى السيّد كل هذه الأيام في أورشليم بعد دخوله حتى حلول العشاء السري. خمسة إصحاحات كاملة وردت في متى تروي أمثالا حكاها كمَثَل الكرامين القتلة ومَثَل وليمة المَلِك. فصول تتضمّن أيضا مناقشات بينه وبين الصدوقيين وتعنيفه للكتبة والفريسيين ثم حديثه عن الدينونة ونهاية العالم. هذه الفصول تأتي متفاوتة الحجم في الأناجيل الأربعة. يسوع يعلّم كثيرا وهو عالم أنه ذاهب الى الموت.

بين هذا التعليم المكثّف وإدانته والحكم عليه، المفصل الكبير هو العشاء السري الذي أعطانا فيه جسده أي ذاته وأعطانا دمه أي حياته كلّه لنحياه اذا أكلنا هذا الخبز وشربنا من هذه الكأس ولا نموت ابدا. إن موت السيد حياة لنا دائمة. ينتقل إلينا بالمعمودية وسر الشركة (القرابين المقدسة).

هذا هو معنى الذكرى ليس انها تَذَكّرٌ لحادثة صارت ومضت، ولكنها اتخاذ للحادثة اليوم. نحن لا نذهب الى العشاء السري بالخيال. هو يتحقق كل مرة نقيم فيها الذبيحة الإلهيّة “اقبلني اليوم شريكا لعشائك السري يا ابن الله”. ولكونه مات عن كل واحد، يغذّي كل مؤمن به أحدا بعد أحد وعيدا بعد عيد كي لا نجوع أبدا ونموت من الجوع.

وبعد أن أطعم التلاميذ ذاته ذهب الى الموت حتى لا نذوق الموت الى الأبد. وكان قد قال لمرتا التي ظنّت أنه سيُحيي أخاها في اليوم الأخير:”أنا القيامة والحياة”. هذا حديث جديد بالكليّة عن القيامة. القيامة الأخيرة ستأتي بلا شك وقال هو هذا. الا أنه قبيل إقامته لعازر قال لأخته: “أنا القيامة والحياة”. أنا شخصي الألف والياء، البداءة والنهاية. والمسيحيّة كلّها أن نؤمن به معلّما وربا ومخلصا. وايماننا به يمدّنا بالحياة الحقيقيّة الوحيدة.

واذا أقبلنا الى الفصح نعرف أننا سنرث المسيح أي نتقبل ذاته في ذاتنا ونتحد به في العرس الأوحد الذي نصير فيه واحدا معه حتى ينقلنا الى ملكوت أبيه.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية/ الأحد 9 نيسان 2006 العدد 15

نسخـتُ ايقـونتها الأصلية التي كانت في قصـر هنـري فرعـون رحمه اللـه اذ لم أرَ مثلها في العالـم الأرثـوذكسي. وهـي تتصـدر جدارا من غرفتي لولعي بهذه القديسـة التي لم أعرف أحدا جبـارا في جهاد العـفـة مثلها.

          لا استطيع الا ان اذكرها لكم كل سنة في يوم ذكراها هذه. لا يلومنني احد على حبها وتعرفـون سيرة هذه الشابـة التي كانت فاسقـة وأعطاها الرب قامـة روحية ممدودة كثيرا. تعرفون بعد ان وصلت الى بريـة الأردن انها بقيت حوالى نصف قرن كومـة من عظام وشيئًا رقيقًا رقيـقًا من اللحم.

          ما لاحَ لي مؤخرا لمّا جاءها الراهب زوسيما ليناولها جسد الرب وجثا أمامها انه لم يستطع الا ان يفعل ذلك لأنـه لم يكن امام مشهد امرأة. كان أمام مشهد نور. وهي طبعًا لم تعرف انها مضيئة إذ ظلت تستغفر كل هذا الزمان وسمّت نفسها خاطئة حتى عـند دنو أجلها.

          زانيـة عظيمـة ثم قديسة عظيمـة تلك كانت أمّنـا البارة مريم المصرية في القرن الرابع للميـلاد. أجل دخـلت كنيسـة القيامـة بعـد ان حجـت اليها آتيـة من مصر، وكانت هي اعظـم من كنيسـة القيامة لأن يسوع كان وحده عائشا فيها تناجيه ليل نهار وكانت حافظـة لصلوات الكنيسة والإنجيل استيقظت فيها بعد ان وئدت خطاياها.

          القديس صفرونيوس الذي كتب سيرتها في القرن السابع كان يعلم بناء على شهادة الأقدمين انها في فترة اولى قبل حصولها على الهدوء الكامل كانت ذاكرة ذنوبها تُعاودها.

          وضعت الكنيسة هذه الذكرى في آخر احد من الصوم لتقول لنا انه بقي لنا أيام قليلة نلج فيها الأسبوع العظيم المقدس الذي ليس فيه حيرة بين البرّ والشرور، وان أحد الشعانين يؤذن بدخولنا اورشليم اي بلد السلام مع الرب، سلام النفس. وسلام النفس لا يمكن حصوله اذا بقينا مستلذين اية خطيئة، أزِنا كان هذا ام كذبا أم سرقة ام غضبا.

          هذا الأحد يوم تصميم على اننا تركنا المرحلة الأولى من حياة مريمنا هذه اي الغياب عن يسوع، لندخل المرحلة الثانية التي نرجو ان تكون الأخيرة وهي ان نلبس المسيح المبارك كليا، بلا تردد، بلا مشاركة لأعدائه، وبلا خلطة مع الظلمة، ليصبح السيد مالئًا كل كياننا الداخلي.

          هل أنا اريده وحده؟ هل أنا أجاهد بكل قواي حتى الدم ليكون هو حبي الأوحد؟ هل أعمل بالشهادة والبشارة واللطف والرحمة بالناس وخدمتهم اليومية لأجعلهم جميعًا أسيادًا علي، وهكذا يلتمسون وجه يسوع، ونمشي وراء المعلّم الى اورشليم العلوية التي يسوع مقيم فيها، حتى نبقى له هنا وهناك ونقيم امامه فصحًا أبديًا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الشفافية/ الأحد 2 نيسان 2006/ العدد 14

من تعابير الصيام ان تنقي نفسك بحيث تكون كالبلور ولا تعذر نفسك إذا أدركت خطيئتك، وان تكون مقدَّما للآخر مثل قربان لكونك صاعدا على سلّم الفضائل التي نقيم ذكرى لصاحبها اليوم أعني البار يوحنا السلّمي الذي كان رئيسا لدير طور سيناء منذ 1400 سنة. وعندنا أيقونات تمثّل سلّمًا يصعد عليه رهبان إلى المسيح فيسقط هذا من الدرجة الثانية وذاك من الخامسة وذلك من العشرين، حتى إذا أدرك احدهم التواضع يستقبله المسيح في أحضانه.

المتواضع هو من رأى عيوبه وأقرّ بها ولم يحسب لنفسه مزايا حسنة وكان من هذه الزاوية مكشوفا للآخرين. ومن حجب نفسه دون فحص الآخرين انما هو خجول أي متمسك بعيوب يراها جزئا من شخصيته.

ومن أبواب صد الآخرين عن فحصنا اننا نقرأهم كما نريد ان يكونوا لا كما هم عليه حقيقة. وهذا يولّد موقفا يتماوج بين الافتراء والنميمة. والنميمة عيب موجود ولكنا نذيعه. والافتراء كذب يهمنا ان نضرب فيه إنسانا آخر لانه لا يروقنا أو عندنا أسباب انفعالية لنصدّه أو نبتعد عنه حتى الانشقاق. وهذا تفتيت لجسد المسيح الموحدة أعضاؤه بالمسيح الرأس.

نحن لسنا واحدا بسبب انجذابي إليك وانجذابك إليّ أي العاطفة البشرية المحضة. نحن المسيح لحمتنا وليس لنا ولاء لأحد. أو إذا شئتم لنا مودة للذي انعكس نور المسيح على وجهه. هذا بدوره يعكسه على الآخرين. ولكن هذا غير ممكن الا إذا سحقنا الأنا المقيت في تقوقعها وبانت لنا أنا جماعية التي هي روح الله في جسد المسيح.

وما يصحّ على كل المؤمنين يصحّ أولاً على خدام الهيكل الذين إذا أرشدتهم النعمة يسترشد الناس بهم. وعليهم يطبق قول السيد عن نفسه: أنا الراعي الصالح. أجل لا يستطيع كاهن أو مطران ان يسمّي نفسه راعيا صالحا. هذا ما سوف يعترف له به الديان العادل أو لا يعترف. ولكن الشفافية سلوك أساسي عند الإكليروس حتى يضيئوا ما استطاعوا الآخرين ولا يصدموهم. وضع الكهنة كوضع الأساقفة الذين قال عنهم القديس قبريانوس القرطاجي: «الأسقفية واحدة». رباطها المحبة والثقة. وأنت تولي الثقة أولاً لشريكك في الخدمة قبل ان تتحقق من شكوكك وتفاتحه بالأمر وتقدم له معرفتك.

والشفافية هي ان تسأله عن قول له وسلوك وتعاتبه عند اللزوم. فإذا سمعت انه قال عنك شيئا، حسنا تعاتبه كقول الرب في متى «وإذا لم يسمع تقول للكنيسة» التي تعني هنا زملاء محبوبين لديك أو المطران الذي يلدنا جميعا بالمسيح.

وهكذا نصل بهذه الشفافية والبساطة إلى ان يكون كل منا في قلب الآخر وجميعنا في قلب المسيح.

Continue reading