Category

2006

2006, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 26 آذار 2006/ العدد 13

كل احد من آحاد الصوم له تعليمه الروحي الخاص. هذا الأحد الذي يشرف على النصف الثاني من الصيام مخصص لتكريم الصليب الذي هو منطلقنا الى القيامة. نتوق في هذا الاحد الى الآلام المقدسة وكأننا فيها، بصورة صغيرة، قبل ان تحل.

جاء في كتبنا ان المسؤولين في الكنيسة لاحظوا ان بعض المؤمنين يتعبون من الصوم او يملّون بعد انقضاء ثلاثة اسابيع منه، والخوف ان يقطعوا صومهم. فأمام هؤلاء المتعبين وضعت الكنيسة صورة الرب المتألم لكي ينضم اليه الذين تعبوا في الطريق فيذوقون في هذه الخدمة انوارا من يوم الجمعة العظيم. الحديث في خدمة العيد يدور حول الضياء والسرور الدائم وبهاء جمال الصليب. نخاطبه كأنه كائن بقولنا: افرح ايها الصليب الحامل الحياة، يا فردوسا بهيا للبيعة. والمراد بذلك طبعا ان المسيح لما تقبل الموت صار هو الفردوس لكونه حاملا الحياة.

في صلاة السَحَر نذكر يوم الجمعة العظيم بـوضوح ثم يعـود فـي الإنشاد حـوادث العهد القديـم التي تحمل تنبؤا عن قيامة المخلص. ويطلق المرتلون الدعوة الى السجود للصليب الكريم. والسجود طبعا هو السجود للمصلوب على ان عقيدتنا في تكريمنا للايقونات اننا نكرم المرسوم عليها. والصليب هو ايقونة الايقونات، ونحن لا نستعمل في الكنائس صليبا عاريا.

الى هذا تذكرون اننا نقوم بزياح الصليب قبيل القداس الإلهي اذ يوضع على صينية محاطا بالرياحين او الأزهار وبثلاث شموع. وبعد ان يصل الكاهن حامل هذه الصينية الى وسط الكنيسة يرتل: “لصليبك يا سيدنا نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد”. ويسجد المؤمن امام الصليب ويقبله ويعطيه الكاهن زهرة تحقيقا لما نقوله كل احد في السَحَر: “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم”.

نحن لسنا كنيسة متفجعة. نحن لا نبكي المسيح المصلوب. المسيح لم يرغمه احد على الموت بل هو بذل نفسه وذلك على طريق نصره. وان أتى الحديث عن نوح والدة الإله في أمومتها الا ان الغالب على مدائحنا وصلواتنا نبرة المسيح الظافر.

ينتج من هذا اننا لا نقف عند اوجاعنا الشخصية وأمراضنا واحزاننا. ان كل هذه سمح الله بها من اجل تقديسنا وانتصارنا عليها. في كنيستنا ليس من تقديس للألم وليس هو بحد نفسه عطاء اليها. الله يريد الشفاء وجعل مسحة المرضى سرا من الأسرار المقدسة. والشفاء في الإنجيل من علامات الملكوت. طوبى لذلك الانسان الذي يقدر في آلامه ان يمجد الله.

قد يكون في الصوم عذاب لبعض المؤمنين الذين لم يعتادوا هذا التقشف. ولكن الممارسين الجيدين يتخذون الصيام ربيعا للنفس، فرصة للتطهر وقفزة الى قيامة المخلص. سمعت من قال يا ليتنا نصوم في كل حين. المهم ان نصوم وكأننا نذوق القيامة. المهم في هذا اليوم ان نعانق السيد في كل بهائه ونكمل مشوار هذه الأربعينية العظيمة وندخل الأسبوع العظيم الذي فيه نتجلى.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

على طريق الصوم/ الأحد 19 آذار 2006 / العدد 12

كلما مشينا خطوة على طريق الصوم واستمعنا الى المزامير في الليل والأناشيد وتلاوات الكتاب، نشعر أن المسيح يحفظنا اليه لنبيت عنده ويسكن هو فينا ونتدرّب على أنه هو -لا الطعام- مشتهانا، ونحس بأنّ الحديث معه يعوّض عن كل تحرّك أرضي. نبقى شاهدين لضعفنا ولكنا نشتاق أن تكمل في ضعفنا قوّة المسيح.

نفهم انه هو الذي يمكّننا من التغلّب على شهواتنا الضارة. هي تحاول أن تطغى وأن تعيدنا الى قذارة الخطيئة ولكننا نتسلّح بالنباهة حتى لا ننام نومة الموت، ليكون صحونا اندفاعا الى الفصح الذي هو غاية رياضاتنا كلها في هذا الموسم. قد نتموّج بين الحزن والفرح، ولكن اذا انتابنا الحزن بسبب سقطة طارئة يوقظنا الروح القدس الى معاشرة المسيح بحميمية أعظم ليكون مكان المسيح في القلبِ القلبَ كلّه.

يؤلمنا طبعًا أن بعضًا لا يصوم. نحن لا نـدينهم، وربما كانوا أقـرب الى السيد مـن الصائمين. مع ذلك نتابع الصلاة من أجل الجميع حتى يرأف الرب بغير الصائمين ويلهمهم على أن يمشوا معنا على الطريق الواحد المؤدّي الى القيامة.

نحن اذًا همّنا أن نشهد أننا خطأة وأننا نتلهّف لغفران يسوع. عندما يأخذنا المخلّص الى خلوة معه والصيام خلوة نفهم فيها أننا في حاجة الى دوام اليقظة وأننا مكلّفون أن نوقظ الآخرين بالمثل الصالح حتى لا يبقى أحد ساهيًا أو غافلًا. وطلبا لليقظة نقرأ ما استطعنا كلمة الله في بيوتنا لأنها تحتوي طاقة على إيقاظنا عظيمة ونرى من خلال الكلمة يسوع نفسه. منا من اشتاق أن تؤدّى صلاة السحر وصلاة الساعات والغروب في كل كنيسة. منا من اشتاق في هذا الزمان المبارك أن يقضي كل يومه في الكنيسة حتى يصبح كلّ منا هيكلا لله يسكنه المسيح الى الأبد.

هذا يستتبع أن نعف عن اللهو، عن المناظر اللاهية في المرئي والمسموع. فالعين باب من أبواب اللذات المؤذية. كذلك الأذن. لذلك كان الموسم زمان الدخول الى النفس اذا جعلها المسيح مسكنا له. اذا لم نفتحها نحن بالطاعة الى السيد ليمتد فيها ويطرد ما كان فيها ضده، يصير صومنا مجرد حمية طعامية لا قيمة لها.

قد لا نكون مع المسيح كليّا ولكن صيامنا شهادة على أننا نريد ذلك، والشهادة دعوة على أن يكون الجميع كذلك. هذا الموسم موسم تنظيف كامل وجهد موصول، فنذوق أننا لسنا فقط من طين ولكنا من نور أيضا. والرب يكلّل الجهد ويعضدنا بنعمته ويقينا الأخطار المحدقة بنا. إنّه حافظ حياتنا بتأمين منه، فإنه هو الذي يدفعنا الى الا نتكاسل ولا نستكبر ولا نبغض، وهو الذي يسكب علينا محبته فنتعلّم اذا لمسناها أن نحبه نحن أيضا. الله مربينا بالنعمة وبالكلمة وبتضميد جراحنا حتى نعرفه أعظم من كل شيء في الدنيا وأجمل.

واذا رأيناه كذلك لا نبقى نرى جمالا في الخطيئة أو في إهماله أو نسياننا إياه. يجذبنا اليه من بعد هذا التمرين الصيامي الطويل أكثر مما كانت أهواؤنا تشدنا اليها. فإذا ارتحنا الى الرب نكره كل ما كنا نظـن أنه يريحنا وكان ضـده. فـاذا حملنا صليبه على أكتافنا، نلمس أن حمله خفيف وأننا سائرون به الى القيامة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الارثوذكسية/ الأحد 12 آذار 2006 / العدد 11

الأحد الأول من صيام السنة الـ843 اعلنته كنيسة القسطنطينية أحد الأرثوذكسية لانتصار الأيقونات على محطميها، وهذه كانت حربا حقيقية دامت حولى مئة سنة. وقد كشفت الكنيسة إيمانها بالأيقونة في المجمع المسكوني السابع (787)، ومع ذلك بقيت الحرب علينا واستشهد من استشهد على يد أباطرة الروم (البيزنطيين). صار تكريمنا للايقونة جزءا من العقيدة. لذلك يسمي العامة احيانا هذا الأحد احد الايقونات. ولكن انطلقت الكنيسة من هذه العقيدة التي أعلنت اخيرا لتعلن ايمانها بالعقائد الأساسية (الثالوث، التجسد الإلهي) التي عبّرت عنها المجامع الستة السابقة.

فالفكرة التي يمكن استخراجها من هذا التعييد ان الصوم لا ينفع فيه امساك او تقشف الا اذا كان ايمانك سليما وما كنت واقعا في معتقد فاسد. فماذا ينفعك الصيام لو كنت تشك في ألوهية المسيح او في حقيقة قيامته؟ القلب المفعم بالنعمة والمتطهر بالإيمان يأتي اولا، وبعد ذلك يأتي السهر على ضبط النفس بالصوم. لذلك رتبت الكنيسة آحاد الصوم الثلاثة الاولى ليكون اولها مخصصا للإخلاص للأرثوذكسية وثانيها للقديس غريغوريوس بالاماس الذي دافع عن سلامة العقيدة في القرن الرابع عشر، والثالث للسجود للصليب الكريم، حتى اذا انتهينا من التركيز على سلامة ايماننا ننتقل في القسم الثاني بنوع اخص الى التوبة فيأتي في الأحد الرابع ذكرى القديس يوحنا السلمي الذي علمنا في كتابه العظيم “سلم الفضائل” عن الفضائل التي يجب اقتناؤها، وفي الأحد الخامس نكرم القديسة مريم المصرية استاذة الأجيال في التوبة، وعند سبت اليعازر ينتهي الصوم. فندشن صومًا اعظم شدة مع احد الشعانين.

تعليم اليوم الذي نحن فيه الا يستهين احد بسلامة المعتقد. فالأرثوذكسية هي في العربية استقامة الرأي اي ان تقول في الله وفي كنيسته ما استلمناه مرة واحدة من القديسين، وما كان غير الارثوذكسية نسميه الرأي الآخر او المختلف ولا نقول مثل عامة الناس: “كل واحد على دينه الله يعينه”. نحن صلاتنا ان يعتنق كل البشر الإيمان المسيحي السليم الذي جعلتنا النعمة نحافظ عليه، وقد مات من اجله الشهداء وجاهد في سبيله الأتقياء في كل جيل، وكلفنا احتمال القهر في كل بلدان العالم. وقد تدارسه اللاهوتيون في معاهدنا ويسهر على استمراره ونقائه الأساقفة لأننا به نخلص.

وإيماننا هذا ليس مجرد حفظ العقائد بتلاوتنا دستور الإيمان، ولكننا به نخلص حسب قول الكتاب: “آمن ابراهيم بالله فحُسِبَ له ايمانه برًّا”. الإيمان يقدسنا. ولذلك اذا اوحى الله لنا ان نعلن قداسة احد نفتش ان كان في معتقده زغل او خطأ او انحراف صغير. فاذا كان شيء من هذا وبدا هو في ايامه طاهرا فلا نعلن قداسته.

لهذا يقول السيد في إنجيل اليوم: “الحق الحق اقول لكم انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر”. انت لا يمكنك ان تتسلق سُلّم السماء وان تجلس عليها مع الملائكة الا بايمان سليم. هذا الايمان هو سُلّمك الى السماء. وفيه ينكشف المسيح ويكشف لك كل جمالات أبيه. انت تذوق الايمان بالقلب وينزل عليك بالعبادات وتقويه بالدرس وهو الذي ينشئ فيك محبة الله ومحبة الإخوة. فاذا استقامت لك هذه الأشياء وحركت قلبك يكون صومك نافعا لخلاصك وتكمله مطهرا من كل خطأ في الفكر وتحاول ان تكمله بتطهير للقلب ليسكن الله في عقلك وفي قلبك معا وتستأهل ان تعاين الفصح.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أحد مرفع الجبن/ الاحد 5 آذار 2006 / العدد 10

بعد أن أمسكنا عن اللحم الأسبوع الماضي نبدأ غدًا الإثنين الصيام المقدّس فنرفع كل مشتقّات اللّحم (الأجبان والألبان) عن الموائد. لذلك سمّي اليوم الذي نحن فيه مرفع الجبن وتبدأ القراءة الإنجيلية بقول السيّد:”إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضًا، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضًا لا يغفر لكم زلاتكم”. لذلك يسمّى أيضا هذا اليوم أحد الغفران وتنتهي صلاة الغروب فيه أن كلاً من المؤمنين الحاضرين يستغفر الآخر، وفي بعض كنائسنا الأرثوذكسيّة ليس فقط يستغفر بالكلام ولكن يجثو كل من المؤمنين أمام الآخر ويقبّله.

المهم إن أساء أحد إليك الا تقيم عليه خطيئة لعلّه يعود الى محبّتك. المهم الا تشقى أنت بالإساءة التي وجّهت اليك وأن تنسى جرحك لئلا تصبح سجينه.

المطلوب منك أن تنتقل من جرحك الى بناء الآخر وخدمته وأن تسعى اليه سعي الراعي الى الخروف الضال وأن تجعل في قلب المسيء السلام ليحس بأنّه أضحى أخاك وابن الرب الذي في السماء. فاذا ما بقيت على حقدك وغضبك تصبح أنت تسيء الظن بكل تحرك يصدر عن المسيء فتحوّله الى عدو دائم.

بعد هذا ينتقل يسوع الى مظهرنا في الصوم. كان الوجه المتجهّم في الصوم شائعا عند اليهود. هذا لم يبقَ معروفًا في أوساطنا، ولكن لنذكر أنه واجبنا أن نصوم بفرح ولا نتأفّف من طول امتناعنا عن بعض الأطعمة. ومن اعتاد على الصوم عندنا فيتمنّى أن يبقى عليه في انتظار العيد.

أخيرًا يقول السيّد: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يُفسد السوس والآكلة وينقب السارقون ويسرقون. لكن اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يُفسد سوس ولا آكلة ولا ينقب السارقون ويسرقون، لأنّه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. هذا الكلام مرتبط بالصوم عندنا فإنّ معلّما مسيحيّا في القرن الثاني للميلاد رفع رسالة الى الإمبراطور الروماني ويقول له: “لماذا تضطهدنا ونحن قوم محبّون لأنّه اذا جاع واحد منّا نمتنع عن الطعام ونعطي الجائع ثمنه”. فالصوم لم يكن للتقشّف الا لكونه كان تعبيرا عن المحبّة. ولذلك شهد أحد آبائنا القديسين في القرن الرابع انه ليس جائع واحد في روما، مسيحيّا كان أم وثنيًّا، لأن المسيحيّين يصومون ويعطون الناس جميعا من أموالهم.

الإحسان اذًا واجب في الصوم، وعند ذاك لا يُعتبر المال شيئًا عظيما. في الصدقة تربّي نفسك على أنّ الله وحده هو القيمة الكبرى. “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولكن بكل كلمة تخرج من فم الله”. الصوم تاليًا يحوّلنا الى أنّ الله هو مشتهانا الكبير وأن الشهوة الرديئة تحوّلنا الى عدم.

لذلك قال بولس في رسالة اليوم: “إن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنّا. قد تناهى الليل واقترب النهار”، ويؤكّد: “لا تهتمّوا لأجسادكم لقضاء شهواتها” ويذكر عدة خطايا ومنها الحسد والخصام، وينهي بقوله: “البسوا الرب يسوع” ويريد بذلك أن التصقوا به كما يلتصق الثوب بالجسد فلا تبقى هوّة بينكم وبين المسيح. فالشهوات تتوالد وتتماسك. فالكذب موجود دائما عند السارق وموجود غالبا عند الزاني. وبسبب تماسك الخطايا يقول الرسول: “محبّة المال أصل كل الشرور”. نحن نعرف عائلات انهارت بسبب البخل اذ تحس المرأة انه تعبير عن عدم محبّة زوجها.

لماذا تعشق المال اذا كنت لا تخاف من الموت؟ كل من أخطأ تحسبه الرسالة الى العبرانيين انه يعيش في العبوديّة مخافة من الموت. المسيح القائم من بين الأموات الذي تتوق اليه أنت بالصوم هو وحده الذي يحرّرك من عبودية الموت لأنّه قد غلبه في جسده. والصوم يعلّمك أن تصير توّاقًا الى المسيح وأن تستطيبه هو وأن تتناول جسده ودمه الكريمين ليس فقط في الآحاد ولكن في القداس السابق تقديسه الذي نقيمه الاربعاء والجمعة في كل أسابيع الصيام. واذا اشتركت في صلاة النوم الكبرى يوما بعد يوم، تحس بحاجتك الى الصلاة أي الى يسوع وأنت دائما فقير اليه والى أبيه وروحه القدوس، وتعرف نفسك خاطئا وتائبا بآن. الصوم زمن التجلّيات الكبرى والذوق الروحي العظيم. لذلك سمّاه آباؤنا ربيع النفس. خذ هذا الربيع اليك.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أحد مرفع اللحم/ الأحد 26 شباط 2006 / العدد 9

العبارة تعني أننا، في اليوم الذي يلي هذا الأحد، نمسك عن أكل اللحم في أسبوع استعداد للصيام المبارك، والقراءة فيه هي إنجيل الدينونة كما ورد عند متى، والمقول فيه أن المسيح يدين كل الأمم على قياس واحد وهو قياس المحبة، والناس خراف وجداء أي ناس عاشوا المحبّة وناس لم يعيشوها. في الحقيقة لا تقتصر الدينونة على هذا اذ يسألنا الرب عن الوزنات التي استثمرناها أو أهملناها.

ماذا يقول يسوع لمن أجلسهم عن يمينه أي الذين كانوا يحبونه وبسبب من هذا أعدّ لهم الملك؟ يقول: إني جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني الى آخر الأقوال المشابهة. يقول: هؤلاء المعوزون الى طعام وشراب وإيواء وافتقاد، اذا أعطيتموهم ما كانوا في حاجة إليه، فإنكم فعليا قدمتم هذا لي. السيد يتماهى معهم أي يوحّد نفسه بهم. فأنت فعليّا تقدّم لهم ليس فقط شيئا من هذا العالم ولكن تقدّم لهم نفسك. واذا أنت أعطيتهم أو سألت عن أحوالهم تكون قد قدمت هذا للمخلّص نفسه.

أجل اذا تصاعدت نفسك الى المسيح بالصلاة والتوبة وانشددت اليه بكلمته تكون قد صرت ذبيحة له. ولكن كي تمتحن صدق صلاتك، وعمقها وتوبة نفسك لا بد من أن تذهب منها جميعا الى الانسان. لا يعني هذا أن السيّد المبارك لا يسألك عن صلاتك ولكن هذا يعني أنك لم ترتفع بها حقيقة الا اذا ذهبت الى القريب وأعنته، فبلا صلاة وتوبة لا تخرج أنت الى الفقير والمريض وهما الفئتان المحتاجتان بنوع خاص في الانسانية. واذا ذهبت الى هؤلاء يكونون هم سبب تقديسك ويرفعونك ذبيحة الى المخلّص وتندمج هكذا بآلامه وعند ذاك لك القيامة.

ثم اذا التفت الديّان العادل الى الذين هم عن يساره يقول لهم: “اذهبوا عنّي يا ملاعين الى النار الأبدية المعدّة لإبليس وملائكته”. وكأنّه يقول لهم: إنكم في الجحيم لأنكم لم تحبوا لأني جعت فلم تطعموني وكنت عريانا فلم تكسوني الى آخر أعمال الرحمة التي لم يقوموا بها للمعوزين والمنفيين من الوجود والمتعطّشين الى الحب. ويسألون كالخراف: متى رأيناك جائعا أو عطشانا أو غريبا… اذ ذاك يجيبهم: “الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوا هذا بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”.

أمام الخراف والجداء يسمّي المحتاجين الى خبز وافتقاد وعطف وحنان إخوته الصغار وهذه عنده تسمية دلال. ثم ينتهي الفصل بقول الانجيلي: “فيذهب هؤلاء (أي الذين لم يكن عندهم رحمة) الى العذاب الأبدي والصديقون الى الحياة الأبدية”. هذا قول قاطع فالذي لم يصنعها الرحمة مع البشر لا ينتظرها من الرب. لم يكن له مع الرب علاقة هنا فلن تكون له في اليوم الأخير.

السيد لا يعطي الرحمة اعتباطا ولا يمسكها اعتباطا. هذا الانجيل يبيّن أنّ الرب يسوع يحب الذين يريدون حبّه. ليس هو لطيفا بميوعة، إنه أيضا ديّان. الايقونات منها أيقونة الضابط الكل أي المسيح في وسط قبّة الكنيسة كما في دير “دفني” في ضواحي أثينا. هي تظهر ملامح وجهه قاسيا لأنه لا يحتمل الخطايا. نحن لا حق لنا أن نتكل على رحمته دون أن نصنع رحمة، أو على غفران إن لم نتشدّد بالتوبة. فلا مغفرة بلا استغفار.

لماذا وضعت الكنيسة هذا الإنجيل قبل الصوم؟ ذلك أن بعضا من الصائمين يظنّون أنّهم “يشترون” المسيح. الصيام ليس استعطافا لله الا اذا دعوته ليملأ قلبك. وتريد الكنيسة منّا الصوم كجهاد نتروّض فيه على محبّة القريب، فإذا أمسكنا فلنعطي ما لنا للجائع ونعود المريض ونؤوي الغريب وما الى ذلك. ليس الصوم رياضة جسديّة. ماهذه الا وسيلة لترويض القلب على المحبّة. واذا عشناها صادقين يضمّنا السيّد الى صدره كما ضمّ التلميذ الحبيب في العشاء السري.

وما يقربنا بعضنا الى بعض في زمن الصيام هو الاحسان فإننا في قصد الصدقة اساسا نمتنع عن طعام فنعطي الفقراء ثمنه، هكذا بدأ الصيام في الكنيسة الأولى. وهذا يبقى واجبا حتى اليوم لنستحق الجلوس على مائدة الرب في السماويّات.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 19 شباط 2006/ العدد 8

مَثله، سردًا طويلاً، قد يكون من أبلغ ما تفوّه به السيد عن التوبة. فتى يحب العيش الرغد، الواسع بما يتضمّن ذلك من تحرر، يطلب نصيبه في الإرث من أبيه. ليس لأنّه عزم على أن يضل وحسب، ولكن لأنّ الذهاب عن البيت رمز عنده لتفلّته من سلطة أبيه التي تبدو للكثيرين منا سلطة مستبدة، متعسفة.

“سافر إلى بلد بعيد” ليدل على أنه لا يطيق القربى من أبيه أو لا يحتمل أن يدفعه الشوق إلى الرجوع. ترجمتنا تقول إنّه عاش في الخلاعة. ترجمة آخرين تقول إنّه عاش في الإسراف. الخلاعة تتطلّب الإسراف. أخوه الأكبر يتّهمه أنه عاش مع الزواني. ما أراد الإنجيل أن يبيّنه أنه بدّد كل نصيبه من الثروة وانه لم يبقَ عنده ما يقدر به على أن يعيش. جاع الفتى. طلب عملا عند واحد فاستخدمه راعيا للخنازير. والخنزير حيوان نجس عند اليهود ولعل في ذكره إشارة إلى أن هذا الشاب كان يلامس الخطيئة أو يحيا فيها.

“رجع إلى نفسه”. هذا ما يسميه آباؤنا امتحان القلب وما يسميه بعضٌ فحصَ الضمير. إنه ساعة وعي، وعي الشاب إلى أن أباه عنده ما يكفي لإعاشة كل أهل بيته. وتصور أن أباه سيقبله. ولكنه أدرك قبل ذلك أنه أخطأ إلى السماء. الخطيئة هي جرحنا لله قبل أن تكون جرحًا للناس. ولكن الوعي مع الندم لا يكفي فقال هذا ما مفاده أني اذا عدتُ إلى البيت الأبوي سأقول صراحة لأبي: “لست مستحقًا أن أُدعى لك ابنًا، فاجعلني كأحد أجرائك”. الندم لا يكفي أن تعترف أمام الكاهن. مطلوب منك أن تعتذر من الذي أخطأتَ إليه وذلك بوضوح.

“فقام ورجع إلى أبيه”! لم يقل لوقا فقط الى أبيه ولكنّه قال قبل ذلك قام. قام من أعماله القذرة. تخلص منها بالتوبة أي بنكران هذه الأعمال أوّلا، ثم تحرك نحو والده. إذن، التوبة أولا ثم ما تُلزمنا به من أعمال.

“وفيما هو غير بعيد رآه أبوه”. كيف رآه إن لم لم يقف على مطل من البيت، على شرفة أو وراء نافذة. أي أنّه سمّر نفسه في مكان لأمله بأن ابنه عائد لا محال. بعد ذلك يقول: “فتحنّنن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله”. ما قال لوقا: انتظره لكي يدخل. الشوق دفعه، وربما كان شيخًا، الى أن يخرج هو لأنه لم يحتمل أن يؤخّر وقت القبلة. وقبل ذلك قال: “ألقى بنفسه على عنقه”.

كان ينتظر هذا الضم. كان يعيش بأمل هذا الالتصاق. وأخذ الوالد مع الخدم يفرح برجوع الخاطئ. لم يعاتبه. لم يوبّخه على أنّه أنفق المال. لم يذكر له أنه عاش مع الزواني. الولد هنا. يكفي أنّه حيّ يرزق وأنّه سيتمتّع بكل غنى الوالد وبحنانه. وهذا الحنان هو الذي سيحس به الفتى ويحس أنّه دواء لقلبه المجروح ولم تكن الملذّات دواء.

“لأنّ ابني كان ميتا فعاش وضالا فوُجد”. هذا القارئ لكلمة الله كان قد تعلّم منها أن الخطيئة موت وأنّ الوجود عودة عن الضلال.

ثم كانت الفرحة مع الغناء والرقص وذبح العجل المسمّن. وهذا فرح في السماء وعند الملائكة.

لن أتكلّم عن الابن البار الذي حسد أخاه. هذا تذكير من السيد أننا مدعوون الى محبّة الخطأة وأن يعودوا وقد يصيرون أفضل من الأبرار.

هذا المثل الذي سُمّي مثل الابن الشاطر عند شارحيه مع أن هناك ابنين هو في الحقيقة مثل الأب الشفوق الذي يغفر دائما للعائدين اليه لأنّه يحبّهم مجانا.

هذه القراءة وهي الثانية من موسم التريودي الذي يهيئنا للصيام المبارك تدفعنا الى أن نعي حسنات الصيام وجمال التوبة فيه.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الوحدة المسيحية إلى أين؟/ الأحد 12 شباط 2006 / العدد 7

كانت اللجنة المشتركة للحوار بين كنائسنا والكنيسة الغربية قد انقطعت منذ بضع سنين، ثم عُقد مؤخرًا لقاءان بين الفريقين في استانبول وروما، وتقرّرت معاودة المحادثات وربما مواجهة المشكلة الكبرى وهي رئاسة بابا رومية وعصمته. ولا شك أن هذا يستغرق وقتا طويلا. ولا يبدو في الأفق أن الكنيستين منشغلتان اليوم بموضوع تعيين تاريخ موحّد للفصح.

ولنفترض أننا حللنا هذه المشكلة سريعًا. هذا لا يقدّم ولا يؤخّر في الصعوبات الأساسية. فالأرمن يعيّدون مع الغربيين، ولم يُحدث هذا اقترابا في العقيدة. كذلك التعييد في يوم واحد للكاثوليك والإنجيليين لم يقرِّب فئة إلى فئة. يحتاج الحلّ إلى شيء من الصبر.

أنا لست أشعر أن الوحدة آتية سريعًا. وصعوبة تكوين كنيسة موحّدة إدارتها أن الأرثوذكسيين لا يقبلون لاهوتيّا أن يخضعوا لبابا رومية، لأنّ هذا لم يكن يومًا عندهم. لم يتدخّل يوما بابا رومية في شؤون الشرق. فإذا قبِلوا برئاسة الأسقف الروماني على العالم أجمع يكونون قد خرجوا على تراثهم وثبّتوا شيئًا ما عرفوه في الماضي إطلاقا. الأرثوذكسيّون القائمة عقيدتهم على المجامع المسكونية السبعة ما رأى آباؤهم أنّ تقدّم بطرس على التلاميذ انتقل إلى باباوات رومية، ولا يفهمون أن أحدا غير المسيح يمكن اعتباره رأسًا للكنيسة بتفويض من المسيح. رعاية الرسل للكنيسة الأولى كانت رعاية جماعيّة برز فيها بطرس كأوّل. ولكن هذا البروز لم يتسلسل.

نحن نرى أن كل أسقف رئيس لكنيسته المحليّة، وأن مجموعة كنائس أو أبرشيّات يتقدّم فيها من نسمّيه بطريركا أو رئيس أساقفة، وهذا يكون أوّل بين متساوين. والعلاقة بين البطريرك والمطارنة تُعاش في المجمع المقدّس بصورة ظاهرة وفي الحياة المشتركة. ولكن البطريرك ليس رئيسا على أيّ مطران أو على المطارنة مجتمعين، ولكن له مبادرات وتدخّل إذا اختلّت الحياة الكنسيّة في أبرشيّة. والبطاركة كذلك إخوة، والمتقدّم بينهم بعد الانشقاق عندنا هو بطريرك القسطنطينيّة، وإذا تصالحنا يعود هذا التقدّم إلى بابا رومية.

هذه الرئاسة البابويّة إذا بقيت عقيدة، وقد أعلنها مجمع الفاتيكان كذلك سنة 1870، فالمصالحة ليست ممكنة لأن الشرقيين يكونون قد انحازوا عن إيمانهم القديم. فهل من مخرج؟

لقد فكّر في هذا الأمر علماء من عندنا ومن عندهم، ولاحظوا أن الغربيين يميّزون بين المجامع المسكونيّة وهي سبعة، والمجامع العامة وهي التي كانوا وحدهم فيها في الألفيّة الثانية، أي بعد انشقاق سنة 1054. فالمسكونيّة السبعة مُلزمة، وهذا قولنا الواحد. أمّا المجامع الغربيّة فلا تُلزم الشرقيين الذين كانوا غائبين عنها ولم يعترفوا بها، وقد نقبل عند المناقشة بعض ما جاء فيها ولا نقبل البعض الآخر.

من هذه المجامع الغربية العامة (غير المسكونيّة) مجمع الفاتيكان الأوّل الذي قال برئاسة البابا وعصمته، وتكون الكنيسة الغربيّة قد اجتمعت فيه بوصفها كنيسة محليّة أو إقليميّة.

فإذا قبِل الغربيّون إطلاق هذه الصفة على مجمع الفاتيكان، تكون رئاسة بابا رومية وعصمته غير ملزمتين للشرقيين، ويتواصل بابا رومية وبطاركة الشرق كالأخ البكر كما يتواصل اليوم البطريرك الأرثوذكسي والمطارنة الذين حوله، أي لا يأمر ولا ينهي ولكنهم يتشاورون.

هذا ما يبدو لي صورة الكنيسة الموحّدة في المستقبل، وهذا مؤسّس على الألفيّة الأولى، ونحن لم نغيّر فيها حرفا واحدا. ألا ألهم الله المسيحيين جميعًا على ألاّ يحيدوا عن هذا التراث المشترك.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

قربى المسيحيين بعضهم لبعض/ الأحد 5 شباط 2006 / العدد 6

المهم في الزمن الرديء الذي نعيشه أن يقترب كلّ من الآخر بالمحبة. لأنّ أحدًا لا يزيد على المحبة شيئا. وهي تقضي بشيئين: أن نتمسك بالإيمان القويم ولا نحيد عنه إرضاءً للبشر، وأن نحبّ كل المؤمنين بيسوع أيّة كانت عقيدتهم، وذلك في الاحترام المتبادل، فلا يستعلي أحد على أحد، ولا يذم بعضنا بعضا، بل نتسابق في الإكرام. العارفون عقيدتنا بشكل صحيح، لهم أن يوضحوها لمن طلب التعرف اليها. التفسير واجب، ولكن واجب أيضا اجتناب الجدل وملازمة الهدوء.

هناك نوع من المشاركة في الأفراح والأتراح يعرفها اللبنانيون. ولكن أضيفوا عليها الإحسان اذا طلبه فقير من كنيسة أخرى. ليس لنا أن نردّ فقيرا الى طائفته اذا لم يتيسّر لها أن تساعده. هنا أتكلم ليس على العطاء الفردي الذي تمارسونه ولكن على عطاء من كنيستنا اذا توفر.

أما على صعيد العبادات فليس أسلوبنا نحن أن نختلط مع الآخرين في عباداتهم الا في ظروف استثنائية. المهم أن يتقدس كل منا وأن يحب طقوسه ويشترك في الخدمة الإلهية مع الذين يؤمنون مثله. التقارب ليس بالاختلاط ولكن في المحبة العملية. أن نقف معا هنا وهناك، أن نتبادل الزيارات في الكنائس ليست طريقتنا في التعارف بالعمق. والتلاقي هو في أعماق النفس وليس في ما يظهر. أما متى نظهر معا، فهذه تحتاج الى تنظيم يقوم به المسؤولون.

ما يؤسفني أن أرى بعضا من أبنائنا لا يصلّون في كنائسهم يوم الأحد اذ يكون عليهم أن يسيّروا سياراتهم خمس دقائق أكثر أو عشر ليصلوا الى كنيسة أرثوذكسية. هم مثلنا أو نحن مثلهم. هذا أرجو أن يصير بنعمة الله. ولكننا لسنا حتى الآن واحدا في ما نقول وفي ما يقولون. نحن أمام مشهد كنيستين منقسمتين نرجو اتحادهما بعد محادثات بين الكنائس وتذليل الصعوبات القائمة حتى اليوم. هذه أشياء فيها لاهوت وليس سهلا تذليلها.

القول اننا نريد أن نتحد اليوم مهما كلّف الأمر، قول مردود لأن أمور الكنيسة جديّة ولا تُحلّ المشكلات بلا رأي البطاركة والمطارنة والعلماء. ليس الجاهل كالعالِم. وفي هذا المجال ليس من أمر عسير التفاهُم عليه. التفاهم يشترط أن نكون جميعا على الإيمان الذي «سُلّم دفعة واحدة إلى القديسين».

المسيرة طويلة وشاقة، وتحتاج إلى صبر طويل. القول الذي أسمعه أحيانا: «نحن العلمانيين نريد الوحدة الآن» يتطلب جوابا أنْ أرشدوني إلى طريقة حل المشكلة.

تبقى قضية تاريخ واحد للفصح. الكنائس تسعى إلى هذا وألّفت لجنة عالمية لحل المعضلة. حسب تتبّعي للأمور، التأخر عن الحل ليس تلكؤًا عند الرئاسات الروحية. هناك شعوب لا تزال رافضة لهذا التفاهم وقد سبق في أحد البلدان الأرثوذكسية العريقة أن انقسم عدد رهيب من المؤمنين عن الكنيسة، عندما تبنّت بعض الكنائس التقويم الغربي للأعياد الثابتة (الميلاد، البشارة).

ثم توحيد الأعياد الثابتة لم يجعلنا نخطو خطوة واحدة في التقارب. الصعوبات اللاهوتية راوحت مكانها. ثم الإنجيليّون واللاتين يقيمون الفصح في يوم واحد ولم يتقاربا.

يمكن القيام بعمل واحد ليس على صعيد عالمي ولكن على صعيد إقليمي، وهو ان يتبنّى الجميع تاريخ الفصح الأرثوذكسي ما دام الحل العالمي لم يأتِ بعد ولا نستطيع أن ننفصل عن إخواننا الأرثوذكسيين في العالم، والكاثوليك الذين يعايشوننا في لبنان قد سمح لهم البابا أن يعيّدوا معنا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

فضائل الكاهن والأسقف/ الاحد 29 كانون الثاني 2006 / العدد 5

في رسالة اليوم (1تيموثاوس 4: 9-15) يتوجه بولس إلى تلميذه تيموثاوس وقد أقامه أسقفا أو رقيبا في آسية الصغرى. فبعد أن قال له إن الله مخلص الناس أجمعين، يطلب إليه أن يعلّم المؤمنين هذا. الوظيفة الأولى للكاهن أو الأسقف هو أن يعلّم. لا بد له إذًا أن يعرف العقيدة أي فحوى الكتاب المقدس وتفسيره وما قاله آباؤنا في الإنجيل مفسرين إياه، وقد استندوا في تفسيره إلى أقوال المجامع.

المطلوب إذًا أن يغوص الكاهن على تراثنا أقلّه في الأساسيات ولو لم يقدر أن يعرف كل شيء. وينضمّ، إلى هذه الأساسيات، تاريخ الكنيسة والخِدَم الإلهية ومعرفة أشهَر القديسين. فالذي لا يعرف شيئا أو يعرف القليل أنّى له أن يعلّم. لذلك لن أستجيب لطلب من يريدني أن أُدخل في الكهنوت إنسانا قليل المعرفة لمجرّد انه تقي. كلنا مدعوّ إلى التقوى.

غير أن العلم لا يكفي، فيؤكد الرسول أن الإكليريكي وجب أن يكون مثالا في الكلام أي في الكلام العفيف الذي لا غضب فيه ولا تشنج ولا تحامل ولا تحزب ولا نميمة. ثم يتابع: في التصرف، وهنا تأتي لائحة من الفضائل لا تنتهي، منها التعفف عن حب المال الذي يتعرض له الكاهن في قيامه بالأسرار الإلهية، وهنا يميز المؤمن بين اكليريكي يشتهي المال بصورة مَرَضيّة، واكليريكي يكتفي بما يُعطى ولا يعترض على أي مبلغ وإذا لم يعطَ شيئا لا يتأفف ولا يطلب. وإذا أحس الكاهن بالعوز، يشكو أمره للمطران فقط لئلا يكون لأحد عليه منّة.

بعد هذا، يُبرز القديس بولس الرسول ثلاث مزايا تبدو عنده الأهم: المحبة، الإيمان والعفاف. المحبة هي الذروة لأن «الله محبة» كما يقول يوحنا الإنجيلي في رسالته الأولى الجامعة. يحب أبناء رعيته جميعا. يحب الذين يحبونه والذين عندهم تحفظ عليه أو شكوى منه. هؤلاء يذهب إليهم ويكاشفهم ليفهم ما لهم عليه، فيقبل ملاحظاتهم ان كانت محقة ويصبر عليهم إذا ظلّوا على عداء أو جفاء ويقوي خدمته لهم ليربحهم للمسيح.

وأخيرا يذكر العفاف. هذه فضيلة تعني العفة في المال كما تعني السلوك الطاهر مع نساء الرعية بما فيه اجتناب المزاح مع الرجال والنساء وبعامة يجتنب الخفة.

بعد ذلك يطلب الرسول إلى تلميذه أن يواظب على القراءة. في زمان بولس هي قراءة العهد القديم، لأن العهد الجديد لم يكن قد كُتب بعد. وأما اليوم فوصية القراءة، تعني قراءة كل الكتاب المقدس والكتب الروحية المختلفة بما فيها طبعا ما تَيسَّر للكاهن والأسقف من كتب لاهوتية قديمة وحديثة في اللغات التي يعرفها. وله أيضا أن يقرأ ما تيسر له من الكتب الثقافية المختلفة، وعندي أنه ينبغي أن يقرأ الصحف ليقف على أحوال البلد والعالم ليعرف أوجاع الناس وما يهمّهم من هذه الدنيا.

ثم يحضّ بولس تلميذه على الوعظ والتعليم. أما الوعظ، فتفرضه القوانين المقدسة في كل خدمة ولا سيما في القداس الإلهي. أما في الوضع الذي لا يكون الكاهن فيه متقنا أساليب الخطابة، ولم يطّلع على تعاليمنا بما فيه الكفاية، ويسمع المؤمنين يتذمّرون من وعظه، إذا اقتنع بحججهم فالأفضل الا يعظ أو يقول فقط كلمات توجيهية بسيطة على الا يطيل لأن القداس عندنا لا مكان فيه لعظة طويلة.

وما يسميه بولس التعليم فهو شيء آخر عن الوعظ. هو التعليم النظامي للأطفال والبالغين ولا ينبغي أن نهمل البالغين. وهذا يكون في السهرات الإنجيلية أو في صف التعليم المسيحي، في المدارس أو في محاضرات. هذا ليس كل اكليريكي مؤهّلا له.

وأخيرا يطلب بولس الا يهمل تيموثاوس الموهبة التي تلقاها في الرسامة بل، أن ينمّي طاقاته جميعا لأننا نتعلم كل يوم ونسعى إلى اكتساب الفضائل كل يوم ليظهر تقدمنا للمؤمنين فيمجدوا الله فينا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (1تيموثاوس 1: 15-17)/ الأحد 22 كانون الثاني 2006 / العدد 4

انها الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، وأُرسلت اليه رسالة ثانية. مع الرسالة إلى تيطس هما تُشكّلان الرسائل المعروفة بالرعائية وهي موجَّهة إلى أفرادٍ لا إلى كنائس.

يبدو تيموثاوس أُسقفًا أو مشرفًا على أساقفة في آسيا الصغرى، ثابت المكان، يختلف عن الرسول من حيث إن هذا متجوّل. إلهام بولس أن الرسول لا يكفي لحفظ الإيمان فلا بدّ مِن تعيين مسؤول في كل منطقة ليتحقّق القوةَ الروحية في الجماعة وأن يكون هذا المسؤول متحلّيًا ببعض الفضائل الأساسية حتى لا يُجَدَّف على اسم الله بسبب الإكليروس.

هذا حدّ أدنى من الميزات المطلوبة من خادم الهيكل حتى يقال له: «مُستَحق».

من هذه الرسالة أَخذت الكنيسة مقطعًا (1: 15-17) يبدأ بقول الرسول: «صادقة هي الكلمة» وبها يهيّء بولس تلميذه إلى قناعة مذهلة عنده: «أن المسيح يسوع إنّما جاء ليُخلّص الخطأة الذين أَوّلهم أنا». ليس المُراد فقط أن المسيح يسوع جاء، ولكن التأكيد أنه جاء ليُخلّص الخطأة الذين أَوّلهم أنا. ما أعظم هذا التواضع، والرسول يعرف الكثير من الفضائل التي يتحلّى بها. ولكنه لا ينسبها إلى نفسه ولكن ينسبها إلى النعمة. أليس هو القائل: «بالنعمة أنتم مخلََّصون»! كان من الطبيعي أن يرصف بولس نفسه بين الخطأة كأن يقول: ليُخلّص الخطأة الذين انا منهم، ولكن أنت لا تعرف قوة النعمة الا إذا أَحسستَ أنك آخر الناس.

يمكن أن تتجلّى، ولك أن تعرف طاقاتك حتى تُوظّفها. ولكن إنْ عرفتَ مواهبك لا تفتخر لأن «مَن افتخَرَ فليفتخِرْ بالرب» أي بالرب المعطي كل موهبة. ثم مع تأكيده خطاياه، يؤكد رحمة الله فيقول: «لأجل هذا رُحمتُ ليُظهر يسوعُ فيّ أنا أوّلاً كل أناةٍ». ما غاية إظهار السيد رحمته في بولس؟ لأنها تكون «مثالا للذين سيؤمنون به للحياة الأبدية»، وكأنه يقول: تقديسي أنا غايته تقديسُ الآخرين إذ نتشبّه بعضُنا ببعض ونرتقي روحيّا بسبب الفضائل التي نراها عند الآخرين، فإذا لمسنا صدقا حظّنا كبير أن نصير صادقين، وإن لمسنا تواضعا نتّجه إلى التواضع، وهكذا ننمو معًا ويبني أَحدُنا الآخر في جسد المسيح، وتصبح كل الجماعة المؤمنة بهيّة. لنا إذًا رؤيتان: رؤية خطايانا ورؤية وجه الله، فلا نيأس بسبب خطايا لأن نور الرب ينسكب علينا ويبدّدها فيرتسم علينا هذا النور لتَتحقَّق قولتان للسيد: «أنا نورا أَتيتُ إلى العالم» و«أنتم نور العالم». وإذا رآنا المؤمنون مشرقين، يفهمون أن ليس لنا نور من ذواتنا ولكنه النور الإلهيّ الذي اقتبسناه فأضأنا به الإخوة.

بعد رؤية النور في الجماعة يرتفع بولس إلى التسبيح فيقول: «فلِمَلك الدهور الذي لا يعروه فساد ولا يُرى وحده الكرامة والمجد إلى دهر الدهور». هذا اعتراف أن إيماننا ومحبتنا يصدران من رب المجد الذي لا يخالطه فساد وليس فيه ظلال لأنه ضياء كلّه، ونحن بالإيمان نعرف ذلك إذ يَسكنُ اللهُ نورا لا يُدنى منه ولكنا نعرف أننا نجيء منه. فنُعليه على كل الوجود ونعترف أن له وحده الكرامة والمجد. وإذا علمنا ذلك، نفهم قوله في الرسالة إلى العبرانيين عن الإنسان: «بالمجد والكرامة كلّلتَه»، ذلك لأن الله يُنزل علينا المجد والكرامة. وكما هما له إلى دهر الدهور يُبقينا على المجد إلى دهر الدهور لأن الملكوت الذي يرفعنا إليه نقيم فيه بالمجد والكرامة إذ الملكوت سطوع الله فينا من الآن وإلى الأبد.

Continue reading