Category

2006

2006, مقالات, نشرة رعيتي

التجدد الروحي/ الأحد 15 كانون الثاني 2006/ العدد 3

توجد هرطقة المتجدّدين وهي لون من ألوان الحركة المعمدانية وهي تقول إن الإنسان يأتي الله إليه مرة في حياته ويخّلصه فهو مخلَّص نهائيا. في الرسالة التي نحن نقرأها اليوم (كولسي 3: 4-11) لا يصير المسيح كل شيء فينا إذا لم نترك الشهوات. فنحن بين صعود وهبوط حتى، إذا تبنا توبة صادقة وكنا مع السيد حين ظهوره في اليوم الأخير ولم نحالف الخطيئة، يبرّئنا السيد في الدينونة. في هذه الدنيا يقول لنا بولس: «تمِّموا خلاصكم بخوف ورعدة». نحن خالصون على الرجاء وليس الخلاص جواز سفر يُدخلنا آليا إلى السماء.

الرسول يطلب إماتة شهواتنا. هذا ما قصده بقوله: «أميتوا أعضاءكم التي على الأرض». يريد بكلمة أعضاء العناصر السيئة المكوِّنة لكيان الخطيئة الذي يشبّهه إلى جسم لأن الرذائل متماسكة تستدعي إحداها الأخرى.

عند بولس لائحة من الشهوات، الأولى تبدأ بالزنى وتنتهي بالطمع، والثانية تبدأ بالغضب وتنتهي بالكذب. قد لا تستغرق اللائحتان كل الخطايا، ولكن الواضح عند الرسول أنك لا تستطيع أن تصير إنسانا جديدا إذا كنت لا تزال غارقا في إحدى هذه المخبأة فيك، وعليك أن «تتجدّد للمعرفة على صورة خالقك»، والمعرفة هي معرفة للرب وكلامه وتصرفات مسيحه في هذا العالم التي تكشف لك انك حبيب الله. المعرفة هي معرفة ان الله يحبك. فقط إذا عرفت ذلك تكفّ عن ارتكاب الخطيئة وتصبح إنسانا جديدا.

وإذا أنت امتحنت قلبك وكنت صادقا في فحصه، ترى ربما أنه علق عليك شيء من هذه الخطيئة أو تلك. كافح بالصلاة الدائمة وقراءة الإنجيل والغفران للآخرين وأعمال البِرّ يطهّرك الرب.

إضِرب خطيئة واحدة من تلك التي ذكرها الرسول ترَ أن باقي الخطايا أخذ ينهار. وإذا ربحت الفضيلة المعاكسة تلاحظ بعد فترة أن الفضائل الأخرى أخذت تنزل عليك.

كشف لنا الآباء وسائل للتطهير إلى جانب الحرب الروحية العامة (صلاة، قراءة روحية، صوم، إحسان). كل خطيئةٍ التحرر منها له وسيلته. فإذا أخذنا الزنى، يقول بولس في موضع آخر «اهربوا من الزنى». هذه شهوة لا تكافَح الا بالهروب من شخص أو معاشرة أو ظرف، ولا يستعظِمْ أحدٌ قواه في هذه الحرب.

أمّا الطمع فلا يكافَح إلاّ بالعطاء لتتدرب على ألاّ تتعلق بمال تكسبه. يجب أن تنجو من عشق الأموال حسب القاعدة الكتابية: «بدَّد،َ أعطى المساكين فيدوم بِرُّه إلى الأبد».

الكذب نكافحه بمحاربة الخوف، بالتروض على الشجاعة والصمود أمام الجميع إلى جانب وسائل الحرب الروحية الأساسية أعني الصلاة والقراءة والإحسان الذي يشفي من كل الخطايا.

فإذا تحرّرت من هذه الميول والسقطات التي تنبع منها تلبس الإنسان الجديد أي المسيح، وفيه لا يبقى خلاف بين وثني ويهودي ولا بين عِرْق وعِرْق، وتذلّل كل الفروق الاجتماعية. غير أن هذه الوحدة التي دعانا إليها بولس غير ممكنة الا إذا تحررنا من الهوى والشهوة وأَسلَمْنا للمسيح.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الظهور الإلهي / الأحد 8 كانون الثاني 2006/ العدد 2

بعد ان اعتمد يسوع وبعد ذهابه إلى البرية ليُجرّب من إبليس، وبعد أن أُسلم يوحنا المعمدان إلى هيرودس انصرف المعلّم إلى الجليل، إلى الشمال. ولكنه لم يقصد وطنه الناصرة ربما لأنها كانت معادية لابنها، فسكن في كفرناحوم التي رأى فيها موقعا صالحا لانتشار البشارة، مدينة اختلطت فيها الشعوب، فيها حركة اقتصادية اذ كانت على طريق التجارة بين دمشق ومصر. وقال الإنجيلي إنها عند البحر، أي بحر الجليل الذي هو بحيرة طبرية، وأوضح متى أن المعلّم جال في تخوم زبولون ونفتاليم، وتذكَّر، عند ذاك، أن أرض زبولون ونفتاليم مذكورتان عند إشعياء.

عبْر الأردن، هي ما كنا نسمّيه شرقي الأردن حتى سُمّي الآن المملكة العربية الهاشمية. الجليل يعني الدائرة أو المنطقة. جليل الأمم أي جليل الوثنيين اذ كان منهم مَن يسكنها آنذاك. ثم يُكمل متى اقتباسه من اشعياء :«الشعب السالك في الظلمة». حتى يصل إلى «أَشرقَ عليهم نور».

أي نور هذا؟ في الآية 17 من متى التي تُنهي قراءة اليوم يقول: «من ذلك الزمان (أي من وصول السيد إلى الجليل) ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا قد اقترب ملكوت السموات». ماذا فهم السامعون من كلمة «توبوا»؟ في اللغة اليونانية معناها: غيّروا فكركم أي افهموا جيدا ما يريده الله منكم فيستقيم سلوككم. عند اليهود التوبة هي أن يحزن الإنسان لخطاياه. فكرة الندم مسيطرة عندهم. كذلك أن يقرر الإنسان عدم العودة إلى الخطيئة. طبعا لا تكون التوبة عميقة الا اذا عاوده الإغراء ثانية وثالثة وقاوم. اقترب ملكوت السموات أو ملكوت الله. معنى العبارتين واحد. الفكرة هي أن يكون الله سيدا عليكم بحيث يملك على قلوبكم ولا يملك شيء آخر. الذين يرفضون كلمة الله لا يملك الله عليهم. غير أن مُلْكَ الله يتحقق اذا أَسلم أحدنا قلبه له وأخذ على نفسه «نير الملكوت». رجاؤنا أن يملك الله على كل إنسان.

والدعوة إلى الملكوت تعليم أساسي عند يسوع. الملكوت عنده آت ومكتمل فيما بعد، ولكنه أيضا اقترب لأن المَلِك هنا بيننا. أجل يتهيأ الإنسان بأعماله للملكوت، ولكنه بالدرجة الأولى عطاء الله. ومع أن الملكوت لا يكتمل الا بعد القيامة حيث يكون الله «الكل في الكل»، الا أنه ابتدأ بأعمال يسوع.

في الصلاة الربيّة «ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك»، هذان أمران مرتبطان. البشر يدخلون الملكوت منذ الآن. الذين يحفظون التطويبات (طوبى للمساكين وغيرها) هم في الملكوت منذ الآن. إلى هذا مجموعة التلاميذ الإثني عشر دشّنوا الملكوت. إمتدادا لهذا، الملكوت حالّ في الكنيسة ولو كان فيها خطأة. الا أنّ المسيح الذي هو فيها بالأسرار المقدسة والغفران يُذيقنا الملكوت منذ الآن إلى أن يهبنا مِلأه في اليوم الأخير.

اليوم اذا ذهبنا إلى سر التوبة في الكنيسة أو تَقدَّمْنا من القرابين الكريمة ينبغي في الدرجة الأولى أن نطلب إلى الله أن يمنّ علينا بالتوبة، والا يكون عملنا سطحيا وغير جدي. واذا انطلقنا إلى النوم فطلب التوبة أساسي لنرقد بسلام الرب، خشية أن يخطفنا الموت ونحن غير مستعدين. وبصرف النظر عن الموت، المهم طلب التوبة محبة بيسوع.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

2006 / الأحد 1 كانون الثاني 2006/ العدد 1

السنة الكنسية عندنا تبدأ في أول أيلول، السنة المدنية في هذا اليوم. ولكن اصطلح الناس أن يرتّبوا شؤونهم حسب النظام المدني. نحن نذكر اليوم ختانة الرب في الجسد لكونها حدثا في حياة المخلّص ذكره الإنجيل، ويعني لنا خضوعه في جسده لشريعة موسى حتى يحرّرنا منها بدمه فندخل حياة جديدة بالمعمودية. ولكوننا انعتقنا من أيّة علامة في الجسد، صار الإيمان وحده الصلة بيننا وبين الله. فالذين صاروا فوق في ملكوت المسيح لا تنفعهم أيّة علامة محسوسة، ولهذا أبطلنا ختانة الصبيان المسيحيين. من أرادها لابنه من ناحية صحية فلا نعارضه مع أن الطب الحديث يقول إنّ الختانة لا نفع لها.

غير أنّ أحد المعلّمين الكبار في الإسكندريّة، أوريجانس، كتب صفحة جميلة عن الختانة إذ يقول إنّنا نختن كل حواسنا عن الخطيئة، نختن حاسة السمع فلا نصغي إلى ما يخالف العفة، ونختن حاسة البصر لئلاّ ننظر إلى ما يهين كياننا المسيحي إلخ… بتعبير آخر نباشر السنة الجديدة بالتعفّف ولا نقضي ليلة العيد بالقمار أو اللهو.

ثم وضعت الكنيسة ذكرى أسقف مِن أعظم أساقفة التاريخ المسيحي، باسيليوس الكبير المنتقل السنة الـ 379 عن 49 سنة من العمر. استحق صفة الكبير إذ كان عظيما في النسك وتنظيم العبادات والرهبانية والعمل الاجتماعي ومقاومة السلطة السياسية التي كانت ضد الأرثوذكسيين، وساهم إسهاما كبيرا في اللاهوت. أول كانون الثاني، كنسيّا، يوم مليء. ندخله على الرجاء إذ نأمل من الله أن يمدّنا بأزمنة سلام أولاً، وأزمنة ازدهار اقتصادي ثانيًا. ونصلّي كثيرا من أجل بلدنا المعذّب بالجرائم الرهيبة التي ارتكبت ضد الآمنين والأبرياء. وتاليًا لا بد أن يركز كل منا في صلاته الفردية على الأمن ليطلبه لنا جميعا، حتى يعطينا الله السلام بيننا، بين كل شرائحنا، وألا يطعن بنا أحد من الخارج لنحاول تأمين سبل عيشنا وتربية أولادنا.

وإلى الصلاة جهد آخر وهو أن يتطوّع كل من شاء لصوم يوم أو أكثر فيأتي إمساكنا هذا، نوعا من الدعاء ليأخذ الرب لبنان في رحمته ورضاه. السنة 2006 ستكون جديدة إذا تجدّد القلب وتطهّر. فقط إذا بلغنا التوبة وقرّرنا البقاء عليها والإقامة فيها، نصبح معا جددا فلا نكره ولا نحقد ولا نشتم، لعلّ الله ينظر إلى هذا فلا يمتحننا أكثر من طاقتنا ويقطع يد أي من أراد أن يقتل قادة الحياة الوطنيّة عندنا والإعلاميين فنسير حيث نريد أن نسير ولا نخاف.

يحزنني أن أرى المؤمنين في هذا اليوم قلّة. خالِفوا هذه العادة السيّئة وتعالوا إلى مائدة الرب لتكون نفوسكم جميلة، حرة من الشر وترتفعوا معا إلى وجه المسيح. الزمان يعبر، وغدك من حيث الطعام والعمل والحياة العائليّة سيكون هو اليوم الذي أنت فيه. والحياة الاقتصادية في صعود وهبوط. وغالبا ما تكون أنت أضعف من المافيات السياسيّة التي تشوّش حياة البلد وتخلّ بنظامه.

ربما ما بقي لك أن تصير أنت إنسانا حسنا في سلوكك الفردي. اسعَ إلى تجميل نفسك روحيا وتحسين أهل بيتك. إذا عمل هذا كثيرون لا بد أن ينشأ مجتمع جميل ودولة راقية.

Continue reading