توجد هرطقة المتجدّدين وهي لون من ألوان الحركة المعمدانية وهي تقول إن الإنسان يأتي الله إليه مرة في حياته ويخّلصه فهو مخلَّص نهائيا. في الرسالة التي نحن نقرأها اليوم (كولسي 3: 4-11) لا يصير المسيح كل شيء فينا إذا لم نترك الشهوات. فنحن بين صعود وهبوط حتى، إذا تبنا توبة صادقة وكنا مع السيد حين ظهوره في اليوم الأخير ولم نحالف الخطيئة، يبرّئنا السيد في الدينونة. في هذه الدنيا يقول لنا بولس: «تمِّموا خلاصكم بخوف ورعدة». نحن خالصون على الرجاء وليس الخلاص جواز سفر يُدخلنا آليا إلى السماء.
الرسول يطلب إماتة شهواتنا. هذا ما قصده بقوله: «أميتوا أعضاءكم التي على الأرض». يريد بكلمة أعضاء العناصر السيئة المكوِّنة لكيان الخطيئة الذي يشبّهه إلى جسم لأن الرذائل متماسكة تستدعي إحداها الأخرى.
عند بولس لائحة من الشهوات، الأولى تبدأ بالزنى وتنتهي بالطمع، والثانية تبدأ بالغضب وتنتهي بالكذب. قد لا تستغرق اللائحتان كل الخطايا، ولكن الواضح عند الرسول أنك لا تستطيع أن تصير إنسانا جديدا إذا كنت لا تزال غارقا في إحدى هذه المخبأة فيك، وعليك أن «تتجدّد للمعرفة على صورة خالقك»، والمعرفة هي معرفة للرب وكلامه وتصرفات مسيحه في هذا العالم التي تكشف لك انك حبيب الله. المعرفة هي معرفة ان الله يحبك. فقط إذا عرفت ذلك تكفّ عن ارتكاب الخطيئة وتصبح إنسانا جديدا.
وإذا أنت امتحنت قلبك وكنت صادقا في فحصه، ترى ربما أنه علق عليك شيء من هذه الخطيئة أو تلك. كافح بالصلاة الدائمة وقراءة الإنجيل والغفران للآخرين وأعمال البِرّ يطهّرك الرب.
إضِرب خطيئة واحدة من تلك التي ذكرها الرسول ترَ أن باقي الخطايا أخذ ينهار. وإذا ربحت الفضيلة المعاكسة تلاحظ بعد فترة أن الفضائل الأخرى أخذت تنزل عليك.
كشف لنا الآباء وسائل للتطهير إلى جانب الحرب الروحية العامة (صلاة، قراءة روحية، صوم، إحسان). كل خطيئةٍ التحرر منها له وسيلته. فإذا أخذنا الزنى، يقول بولس في موضع آخر «اهربوا من الزنى». هذه شهوة لا تكافَح الا بالهروب من شخص أو معاشرة أو ظرف، ولا يستعظِمْ أحدٌ قواه في هذه الحرب.
أمّا الطمع فلا يكافَح إلاّ بالعطاء لتتدرب على ألاّ تتعلق بمال تكسبه. يجب أن تنجو من عشق الأموال حسب القاعدة الكتابية: «بدَّد،َ أعطى المساكين فيدوم بِرُّه إلى الأبد».
الكذب نكافحه بمحاربة الخوف، بالتروض على الشجاعة والصمود أمام الجميع إلى جانب وسائل الحرب الروحية الأساسية أعني الصلاة والقراءة والإحسان الذي يشفي من كل الخطايا.
فإذا تحرّرت من هذه الميول والسقطات التي تنبع منها تلبس الإنسان الجديد أي المسيح، وفيه لا يبقى خلاف بين وثني ويهودي ولا بين عِرْق وعِرْق، وتذلّل كل الفروق الاجتماعية. غير أن هذه الوحدة التي دعانا إليها بولس غير ممكنة الا إذا تحررنا من الهوى والشهوة وأَسلَمْنا للمسيح.
