كل احد من آحاد الصوم له تعليمه الروحي الخاص. هذا الأحد الذي يشرف على النصف الثاني من الصيام مخصص لتكريم الصليب الذي هو منطلقنا الى القيامة. نتوق في هذا الاحد الى الآلام المقدسة وكأننا فيها، بصورة صغيرة، قبل ان تحل.

جاء في كتبنا ان المسؤولين في الكنيسة لاحظوا ان بعض المؤمنين يتعبون من الصوم او يملّون بعد انقضاء ثلاثة اسابيع منه، والخوف ان يقطعوا صومهم. فأمام هؤلاء المتعبين وضعت الكنيسة صورة الرب المتألم لكي ينضم اليه الذين تعبوا في الطريق فيذوقون في هذه الخدمة انوارا من يوم الجمعة العظيم. الحديث في خدمة العيد يدور حول الضياء والسرور الدائم وبهاء جمال الصليب. نخاطبه كأنه كائن بقولنا: افرح ايها الصليب الحامل الحياة، يا فردوسا بهيا للبيعة. والمراد بذلك طبعا ان المسيح لما تقبل الموت صار هو الفردوس لكونه حاملا الحياة.

في صلاة السَحَر نذكر يوم الجمعة العظيم بـوضوح ثم يعـود فـي الإنشاد حـوادث العهد القديـم التي تحمل تنبؤا عن قيامة المخلص. ويطلق المرتلون الدعوة الى السجود للصليب الكريم. والسجود طبعا هو السجود للمصلوب على ان عقيدتنا في تكريمنا للايقونات اننا نكرم المرسوم عليها. والصليب هو ايقونة الايقونات، ونحن لا نستعمل في الكنائس صليبا عاريا.

الى هذا تذكرون اننا نقوم بزياح الصليب قبيل القداس الإلهي اذ يوضع على صينية محاطا بالرياحين او الأزهار وبثلاث شموع. وبعد ان يصل الكاهن حامل هذه الصينية الى وسط الكنيسة يرتل: “لصليبك يا سيدنا نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد”. ويسجد المؤمن امام الصليب ويقبله ويعطيه الكاهن زهرة تحقيقا لما نقوله كل احد في السَحَر: “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم”.

نحن لسنا كنيسة متفجعة. نحن لا نبكي المسيح المصلوب. المسيح لم يرغمه احد على الموت بل هو بذل نفسه وذلك على طريق نصره. وان أتى الحديث عن نوح والدة الإله في أمومتها الا ان الغالب على مدائحنا وصلواتنا نبرة المسيح الظافر.

ينتج من هذا اننا لا نقف عند اوجاعنا الشخصية وأمراضنا واحزاننا. ان كل هذه سمح الله بها من اجل تقديسنا وانتصارنا عليها. في كنيستنا ليس من تقديس للألم وليس هو بحد نفسه عطاء اليها. الله يريد الشفاء وجعل مسحة المرضى سرا من الأسرار المقدسة. والشفاء في الإنجيل من علامات الملكوت. طوبى لذلك الانسان الذي يقدر في آلامه ان يمجد الله.

قد يكون في الصوم عذاب لبعض المؤمنين الذين لم يعتادوا هذا التقشف. ولكن الممارسين الجيدين يتخذون الصيام ربيعا للنفس، فرصة للتطهر وقفزة الى قيامة المخلص. سمعت من قال يا ليتنا نصوم في كل حين. المهم ان نصوم وكأننا نذوق القيامة. المهم في هذا اليوم ان نعانق السيد في كل بهائه ونكمل مشوار هذه الأربعينية العظيمة وندخل الأسبوع العظيم الذي فيه نتجلى.