الاحد الماضي دعاني الى العشاء صديق مسلم مع ستة مسيحيين، خمسة منهم ارثوذكسيون وهيأ لنا مائدة صيامية على الطريقة الارثوذكسية اي نباتية مطلقًا لا لحم فيها ولا مشتقات اللحم تحتوي على ما لا يقل عن عشرة اطباق على جودة عالية. كان واضحا ان الضيافة التي تعني ان تحب لضيفك ما يحبه لنفسه كانت كاملة. وسبق المائدة وتبعها الاستماع الى موسيقى كلاسيكية.

يقابل ذلك ان المسيحيين ينتظرون شهر رمضان لانهم يتحسسون صعود المسلمين على معارج التقوى ومن المسيحيين من يشتهي الافطار وهذه الشهوة فيها شيء من التقوى لانها تقوم على مشاركة الوجدان واللقاء في الفرح.

ما ينبغي التذكير به ان صيام المسيحيين مؤسسة كنسية وليس فيها امر الهي في العهد الجديد ولو اشار الانجيل الى مبدأ الصيام بلا تحديد فترة. من هنا، ان الكنيسة حرة في تنظيم هذا الامساك وفكرة التعديل واردة عند الارثوذكسيين على المستوى العالمي. والكنيسة الكاثوليكية اخذت تميل الى تخفيف من الحمية باتجاه اباحة اللحم في معظم الايام. ما يجمع ممارسة الكنيستين ان المسيحي الذي كان يأكل في البدايات وجبة واحدة بعد صلاة الغروب اخذ يفطر عند الظهر. ان يمسك الانسان الذواقة عن اللحم ومشتقاته ليس بالامر السهل.

الكنيسة الشرقية مع حبها الكبير للصوم تقبل في الفصح من صام ومن لم يصم. الى هذا نلاحظ ان الصوامين كثروا من حوالى ثلاثين او اربعين سنة اذ قوي الشعور بالتزام الحياة الكنسية بالنسبة الى عقود خلت. كذلك تكاثر عدد الذين يؤمون الكنائس في الآحاد فصار هؤلاء يستلذون الصوم وينتعشون به.

الاتجاه الكاثوليكي ان التقشف الروحي او مكافحة الرذائل افضل من التقشف الجسدي. لا احد منا ينكر ذلك لكن المؤمنين العاديين في الكنيسة الارثوذكسية يشعرون ان الانسان الملتزم مدعو بعمق الى ضبط اهوائه على الطريقة القديمة وانك لا تقدر على ان تفصل بين الجسد والروح في رؤية لاهوتية صحيحة.

#   #

#

مهما يكن من امر – وهذه الكلمات ليست جدلية – فالصوم ممارسة تجمع المسيحيين والمسلمين في السلوك الروحي غير ان المسلمين يلتمعون روحيا في الزكاة ايضا. هذا الركن من اركان الاسلام ليس معروفا في المسيحية بمعنى ان الاحسان فيها طوعي وغير محدود حسابيا. لكن مراجعنا القديمة تدل على ان الصوم كان دوما مقرونا بالصدقة عند المسيحيين والان يبدوان منفصلين. فتبقى الدعوة المسيحية الى الصوم متصلة بتكثيف الصلاة كمًّا وعمقًا.

ما يجمعنا بعضنا الى بعض من هذه الزاوية اننا نسعى في هذه الرياضة النسكية الى ان نصير حبا بالله، احرارا من وطأة الجسد ومن تحكم الشهوة وساعين الى وجه الله الكريم. اولية الرب او مركزيته او محوريته هذا ما نطلبه في هذه المواسم. فان كنت خاليا من العزم الروحي تحول هذا الى حمية. ان انتظامنا في هذا المنحى ينفعنا في تربية النفس على التماس الله.

في هذا التأمل ما يؤلمني ان الفقير صائم الدهر قسرا لان الحرمان كثير عليه ونحن بتنا اليوم شعبا محروما نرتضي قسوة فرضت علينا لان تحسس آلام المحتاجين ضعيف جدا في مصف الحكام. ان يرتضي المرء حرمان نفسه تخشعًا وتعبدًا هذا له موسمه. ولكن ان يحكم على الشعب بأسره ان يكون قليل الدخل، وان يفرض هذا على الاطفال فأمر لا يطاق. تعيش الدولة وكأن رعايتها للمحتاج ضعيفة جدا. نحن نشتكي من الهجرة ولكن الكثيرين بسبب فقرهم ليسوا قادرين على ان يدفعوا عن كل افراد العائلة ثمن تذاكر السفر. ويدعي هذا المواطن الفقير انه يتمسك بالارض ولكن اي ارض. هي لا تعطي ثمرا او لا تصدر الفاكهة او ليس لها حماية كافية والبطالة في قطاعات كثيرة متصاعدة وهبوط الدخل ينذر باقترابنا الحقيقي من الجوع.

#   #

#

ازاء ذلك لست ادعو الى ان نترك المسائل السياسية الحادة التي يتحاور فيها الكبار لننصرف الى اولية الاقتصاد. هذه كلها امور متماسكة طائفيا. الحرمان ينتقل بسبب من السياسة من منطقة الى منطقة. ورجاؤنا ان يزول من كل الشرائح وكل الملل حتى يتوحد الناس بالوفرة والرخاء.

هذه هي الوحدة الافقية ولكن لسنا على وحدة عمودية بين الحاكم والمحكوم. حسنة الحاكم انه يعترف بالهدر عند زميله ولكن لم اسمع احدا أعلن في وسائل الاعلام انه كان من الهادرين. هذا بلد ليس فقط خاليا من المحاسبة ولكنه خال من الاعتراف. ليس احد في لبنان مستعدا ليتخلى عن صداقاته. كل منا يعاشر كبار الهادرين. الكثير منهم «مهضوم». من قال ان السارق ليس خفيف الروح؟

اجل اقرأ في صحف العالم ان هذا او ذاك من الرؤساء ارتشى. ولكني اقرأ ايضا ان المرتشي اذا انكشف امره يقع تحت المحاكمة. انا اعرف محترفا ان لبنان عظيم في تشريعه ولكنه ضعيف في قضاته هنا وهناك وهنا لا اتهم احدا فقد يكون معظم القضاة نزيها ولكن التشكي من الهادر لا يصل اليهم. هل اذا اتينا ببعض القديسين الى الدولة يتغير الحكم عندنا. هل امنيتي هذه تأتي عن سذاجتي؟

قال لي اكثر من عالم مالي ان بعضا من التدني بوضعنا المالي نتج في هذا الامر او ذاك من ضعف في العلم الاقتصادي. هذا ما علمته في غير لقاء جمعني مع كبار العلماء ولا استطيع ان افصل المنطق الذي اتخذه هؤلاء لانني مقصر في هذا العلم. ولكن ما اجمع عليه هؤلاء هو هذا. جهل وهدر اذًا اجتمعا لنكون على هذا القحط الذي نحن عليه اليوم. هل اذا اتانا رئيس جمهورية في يوم رضاء الهي قادر على ان يطلق تحريرنا من هذا الكابوس؟

يبدو انه يجب ان نصوم اي ان نقلع عن ابتلاع اموال المواطن. ترجمة هذا اننا اذا لم نحسن المحاسبة فأقله ان زمان التوبة قد اقبل. هل يتناهى هذا الليل لنعيش في وضح النهار واذا ساغ في الحلم ان نحيا في فجر ابدي. «انما الامم الاخلاق» بداهة. من يصرخ، من يصفع، من يحرك الضمائر. قد يكون السلاح الوحيد في بلد صغير تحريك الوجدانات الحاكمة والمحكومة معا. «الاولاد جياع وليس من يقدم لهم طعاما»، هذا جاء في كتابنا.

ألا ألهم الله المتحاورين حتى ينكبوا على هذه المسألة دون ان يتركوا المسألة السياسية. من تسوس اذا لم يبق احد؟ كيف يبقى من لا يقتات بدنه؟ تلك هي العقدة الكبرى التي تنتظر فكها في تجلي القلوب.