Category

2006

2006, مقالات, نشرة رعيتي

رؤى بولس الرسول/ الأحد 22 تشرين الأول 2006 / العدد 43

يفتتح الرسالة بالحديث عن هربه من اضطهاد حاكم دمشق النبطي له وكيف انه دُلّي في زنبيل (في سلّة) من سوق دمشق لينجو من الاضطهاد. وهذا كله تكلم عليه سفر الأعمال في الإصحاح التاسع. وكان الفرار بعد ان تعمد بولس في دمشق.

هذه المعلومات التاريخية التي يوردها بولس تدل على ان اهتداء بولس الى المسيح تم حوالى السنة الـ35. اذ ذاك كان المسيحيون في دمشق ودعاء كالحمام وحكماء كالحيات واستطاعوا بمعرفتهم السور ان يدلّوا بولس في سلّ. والسور قائم حتى اليوم. وكان بيت الكاهن حنانيا قريبا من السور. وكنيسة القديس يوحنا التي اقيمت في العهد البيزنطي لا بد انها شيدت في الحي الذي لجأ اليه الرسول.

وبعد ان سرد بولس حادثة هروبه جاء الى ذِكر “رؤى الرب وإعلاناته ” وقال انه يفتخر بها لأنها نعمة الرب ولا يفتخر بنفسه. وهذه الرؤى يؤكدها سفر اعمال الرسل في عدة مواضع وكذلك الرسالة الى اهل غلاطية. لماذا يذكر بولس ذلك؟ لعلمه بأن اهل كورنثوس يتبعون قادة، كاذبين فأحب ان يؤكد مكانته عند الرب ليتبعوا “الانجيل” الذي أتاهم به الرسول.

وما من شك في ان الإنسان الذي رأى هذه الرؤى انما هو بولس عينه “منذ اربع عشرة سنة” اي حوالى السنة الـ44. اكد بولس انه اختطف الى الفردوس. هل هذا هو السماء الثالثة كما اليهود يسمّونها ام السماء العليا، لسنا نعلم على وجه التدقيق وهذا غير مهم. هل ارتفع في الجسد ام في الروح، لا يؤكد. لا يذكر انه كان ارتفاعا حسيا.

سمع “كلمات سرية”. هذا لا يعني انه لم يفهمها، ولكنها هكذا مقدسة انه لا يسوغ النطق بها. هذه الرؤى والإعلانات كانت لتقويه في آلامه وكان من شأنها ان تسكت اعداء البشارة. ولكونها نعما من الله لا يستحقها، يذكرها ولا يذكر اسم الذي نالها (اي هو بالحقيقة).

هذا القصد الإلهي بالرؤى حفظه من شدة الاوجاع التي كابدها. وادرك ان الرؤى حفظته من الادعاء والكبرياء. ولذلك تحدث عن شوكة في الجسد الله انزلها به. ويبدو من تعابيره انه كان كل يوم يتوجع بجسده واعصابه. ثلاث مرات طلب ان يموت. غير ان الرب لم يستجب له. ولكنه استلم جوابا افضل اذ قال له السيد: “تكفيك نعمتي. لأن قوتي بالضعف تكمل”. هذه النعمة مكّنته من ان يكمل خدمته. كانت قوة المسيح فيه.

ارتضى بولس الآلام التي كانت تنتابه يوميا وفهم ان عليه ان يفتخر باوهانه، بالاضطهادات والمصائب. وعرف ان قوة الله هي التي تشدد الرسول على الرغم من كل اوجاعه وتكمله ولو كان ضعيفا روحيا. انها قوة الله التي تعمل فيه حتى يقوى. وهكذا ارتمى كليا في حضن يسوع. عرف انه يقدر ان يواجه كل الصدمة بسكنى المسيح فيه. فهم ان احدا لا يستطيع ان يفتخر في حضرة الرب، وان كل عطاء منه نعمة مجانية لكي نكمل خدمة الإنجيل.

واي خادم للكلمة اسقفا كان ام كاهنا يجب ان يـعـرف انه لا بحـذقـه الإداري ولا بفصاحـة لسانه ولا بأية موهبة دنيوية يستطيع ان ينقذ نفسه والرعية ولكن فقط اذا اتحد روحه بالمسيح ليصير روحا واحدا معه. اجل ينبغي تشييد كنائس ومؤسسات لاحتضان المؤمنين، ولكن جمال الروح عند المسؤول هو الذي يجعله يشع ويدفع الكنيسة الى القداسة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

انتم نور العالم/ الاحد 15 تشرين الأول 2006 / العدد 42

أحببت اليوم أن أكلّمكم بغض النظر عن إنجيل اليوم، عن كونكم نور العالم حسبما جاء في متى (14:5-16). لم يقل يسوع: فيكم نور او عليكم بعض النور. قال: انتم نور. وأوضح فكره: ” لا يمكن ان تخفى مدينة موضوعة على جبل”. والمعنى الواضح لهذا الكلام ان النور من نفسه يظهر. ثم اوضح السيّد ان الأعمال الصالحة تنتج عن النور الإلهي الذي فينا، ذلك لأنها نابعة من الروح القدس الساكن فينا، وبهذا نكون شبيهين بالمسيح الذي قال عن نفسه في موضع آخر:” انا نور العالم”.

هذا الفصل الإنجيلي مأخوذ من العظة على الجبل التي تحوي الشريعة الأخلاقيّة للمسيحيين وذلك حسب بشارة متى.

في هذه العظة كان الرب يسوع يذكر وصايا من العهد القديم ويقابلها بكلامه. على سبيل المثال يقول المخلّص في هذه العظة: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل ومـن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم”. وحتى لا يفهم السامعون ان هذا التقابل الذي أقامه السيّد بينه وبين العهد القديم يتضمن تناقضا مهّد له بقوله: “لا تظنّوا اني أتيت لأحلّ الناموس والأنبياء. اني لم آتِ لأحل لكن لأُتمم”. طبعا للمسيحي ان يطرح معنى قول الرب: لم آتِ لأحلّ الناموس. كيف لم يحل القاعدة التي تقول برجم الزاني او الزانية. او كيف لا يكون نقض اذ جعل هيكل سليمان كلا شيء ؟ المفهوم عندنا اننا لم نتمسّك بالفرائض الشرعيّة التي تتحدّث عن الهيكل. ذلك لأنّ يسوع صار هو الهيكل وما بقيت حاجة الى هذا البناء الحجري الذي كانت حضرة الله تتجلّى فيه. صارت كل حضرة الله في الابن المتجسّد. كذلك الحكم المتعلّق بالزنا فلا حاجة الآن الا للرحمة. الإنسان تصلحه المحبّة ولا يصلحه الموت. انتقلنا مما كان شكلا خارجيا في العهد القديم الى العمق الروحي.

كذلك الختان الذي كان يرمز الى العهد الذي أقامه الله بينه وبين ابراهيم استغنى عنه المسيحيون لأن هناك عهدا جديدا مع الله بدم يسوع. تتم هذه الوصايا القديمة الصغيرة اذا تمّت مقاصدها وهي توبة الإنسان وحياته في المسيح.

من هذه الزاوية يجب ان نفهم قوله: “لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يتم الكل”. نحن في العهد الجديد نبينّ مقاصد الشريعة التي نحفظ معناها الحقيقي ولا نحفظ صورتها الشرعيّة التي كانت مرحليّة، حتى اذا جاءت الحكمة الإلهيّة كاملة بيسوع بتنا في شريعة المحبة التي تختصر كل الناموس وتجمع غاياته في ذاتها.

الا ان المقطع الأخير من هذا الفصل يؤكّد مقارنة العمل والتعليم عند الإنسان الواحد. فلا تحلّ وصيّة واحدة بالمعنى الإنجيلي، اي كما وردت في عظة الجبل، ولا تعلّم ان الانسان له ان يستغني عن أيّة وصيّة. اذ ذاك انت صغير اذا جاء ملكوت الله، “اما الذي يعمل ويعلّم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات”.

فالشيء الذي لا يقبله يسوع هو ان تكتفي بإعطاء التعليم المسيحي وتكون سلوكيا غير مهتم بحفظ الـوصايا وفـق كلام السيّد: “مَـن أَحبني يحفظ وصاياي”.

عقلك لا يمكن ان يكون مستقلّا عن قلبك المستنير. هما في تداخل او تلاحم، واساسا لا يمكنك ان تفهم كلمات يسوع حق الفهم إن لم تصر جزءًا من سلوكك اليومي.

في هذا الكلام حث ايضا على الفهم. ليس احد منا معذورا ان لم يدرس كلمة الله. هذه قادرة ان تصل الى كل مؤمن وان تقوّم ما اعوج فيه وان تُظهر له جمال الله فيحسّن سلوكه اذا عرف اعماق المعاني الإلهيّة الموجودة في الكتاب المقدّس. الفهم اساسي للعمل. والعمل يقوّي عندنا الفهم وهكذا يصير الإنسان كاملا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الإله الحي/ الأحد 8 تشرين الأول 2006 / العدد 41

رسالة اليوم تبدأ بقول الرسول: “أنتم هيكل الله الحي”. فبعد ان زال الهيكل الحجري في اورشليم وكان قد جاء ابن الله متجسّدًا، صرنا نحن المؤمنين بيسوع هيكل الله. كل منا هيكل ومجموعتنا هيكل لأننا مع بعضنا البعض جسد المسيح. ويؤسس بولس الرسول كلامه على ما جاء في العهد القديم: ” اني سأسكن فيهم واكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا”. لماذا قال “سأسكن” في ما يعني الوقت الحاضر والوقت المستقبل؟ لأن الله حركة وهو في دوام مساكنتنا بالرحمة (على لغة العهد القديم) وبالمحبّة على لغة العهد الجديد.

وبعد ان قال: “اكون لهم إلهًا” تابع: “ويكونون لي شعبًا” اي اني اذا رأيتهم وضممتهم لي بالرأفة يصبحون شعبي وما كانوا شيئًا قبل ذلك. هم شعبي لأنهم محبوبون . يتكونون بمعرفتهم انهم محبوبون.

ولكونكم صرتم شعبي الآن يترتّب عليكم واجب أساسي وهو هذا: “اخرجوا من بينهم واعتزلوا يـقـول الـرب ولا تمسـّوا نجسـًا”. طـبـعـا هـذا لا يعني ان نخرج من المجتمع ونعيش في البراري. هذا يعني الا تكون لنا صلة بالخطيئة. نعتزل الشر ولا نعتزل البشر. لا تمسّوا نجسا تأكيد لقوله اعتزلوا. ليس معنى هذا الا نلامس أشياء ماديّة كان محظورًا على اليهود أكلها. هذا يعني الا تنظر أعينكم ما لا يجوز رؤيته ولا تلمس ايديكم ما لا يسوغ لمسه ولا ان يفكّر عقلكم بما لا ينبغي ان يفكّر به. كونوا طاهري النيّة والقول والعمل، وهذا ممكن اذا كنتم ملتصقين بي “فمن التصق بالرب فهو روح واحد معه” ولن يكون واحدا مع فكر سيء شرير.

فإذا ما تطهّرتم يقول الله: “فأقبلكم وأكون لكم أبا وتكونون انتم لي بنين وبنات”. ان يقبلنا الرب هذا سعينا لا ان يقبلنا نافذ او قدير في قومه. المبتغى ان نكون موجودين امام عينيه لا في اعين الناس. فإنكم ان رغبتم في ان يقول عنكم جميع الناس حسنا تكونون قد استرضيتموهم وانت لا تستطيع ان ترضي انسانا سيئا الا اذا تبنّيت سوءه او مدحته في الأشياء القذرة التي يعملها. واذا استرضيتموني بالإيمان وسلكتم في الإيمان تصبحون لي بنين وبنات.

هذا هو الشيء العظيم الذي أكّده العهد الجديد ان نصبح ابناء الله بالنعمة التي فيها يجعلنا الآب إخوة لابنه الوحيد. هو ابن في الأزليّة والجوهر ونحن نصير ابناء بالكرم الإلهي والرضاء اذ ينسكب الله علينا بالروح القدس ويحوّلنا من مولودين من لحم ودم الى مولودين من الله. هذه الولادة نُعطاها بالمعموديّة ونبقى عليها بالأعمال الصالحة. المهم استمرار المعموديّة بالطاعة للرب.

وبعد هذا الكلام يحثّنا بولس على هذا: “فلنطهّر أنفسنا من كل ادناس الجسد والروح ونكمل القداسة بخوف الله”. قلنا معموديّة مستمرّة اي اغتسال دائم بالكلمة الإلهيّة وتنفيذها. ان نطهّر انفسنا من الأدناس (بصورة الجمع). لا يكفي ان نحمي انفسنا من خطيئة واحدة او اثنتين ولكن من كل الخطايا لأن الله لا يقبل مساكنة في القلب بينه وبين ايّة خطيئة.

واذا عقدنا العزم على ذلك فلنجتهد بقوّة حتى العرق والدم. فإذا قضينا على كل شهوة مؤذية نكون قد كمّلنا القداسة على قدر ما هو ممـكن في هـذه الحيـاة وذلك بمخافة الله. هذا بدء الحكمة. وبعد المخافة يأتي الحب الكبير لله.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الآن، الآن/ الأحد أوّل تشرين الأول 2006 / العدد 40

في رسالة اليوم كلمة مفتاح لكل تصرفاتنا: “هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص”. هذا كلام يدعونا الى شيئين: اولا أن الخلاص الذي أتى بيسوع المسيح ليس خلاصا ماضيا وليس خلاصًا مرجأ الى اليوم الأخير. إنه قد تم بصورة كاملة في صليب السيّد وقيامته. ولكنا نأخذه الآن، نفيد منه الآن بإيماننا بيسوع وبتطهير ذاتنا، بتوبة محقّقة اليوم لا تأجيل فيها، لأنّ كل تأجيل يتم عن عدم إيماننا بأن الخلاص قد حصل نهائيا ومن أعطاه يريد أن نحققه في اللحظة التي نعيشها.

ثم يزيد بولس: “لسنا نأتي بعثرة في شيء لئلا يلحق الخدمة عيب”. هذه دعوة خاصة الى الأساقفة والكهنة لئلا يصدموا المؤمنين والغرباء بأي معثرة سلوكيّة لأن من رأى العثرات تأتي فلا يبتعد فقط عن المسؤولين الذين ارتكبوها ولكنه يبتعد عن الكنيسة نفسها. كم من مرّة سمعنا من يقول: انا لا أتناول من يد هذا الكاهن. نحن طبعا لا نوافق هذا القول لأن جسد الرب يبقى هو هو أكان الكاهن غير مستحق ام كان مستـحـقـًا. كـم مـن مرة نسـمع ان هـذا الكـاهـن او هـذا المطـران يحب المال. إن مـن اشتهى المـال او لم يشتهه تتـم عن يــده الأسرار الإلهيّة. ولكن الواقع في الشهوة اذا رؤي المشتهي منفذا لشهوته يبعد المؤمن وغير المؤمن عن الكنيسة وتاليا عن المسيح.

ويتابع الرسول فكره هذا بأن خدام الهيكل ينبغي أن يسلكوا في صبر كثير، ويعدد بولس الأسباب التي تدعوهم الى الصبر. ذلك أنهم (وهنا يتكلّم على نفسه) يذوقون الضيقات والجلدات والسجون، وذاقها كلها هذا الرسول العظيم. ثم يعلو الصبر ويقول عن جميع الخدّام انهم في طول أناة اي في احتمال الشدائد مع المحبة وبلا تذمّر، ثم يعلو طول الأناة ويقول اننا في رفق ويلاحظ ان هذا آتٍ من الروح القدس وكذلك كل الفضائل وعلى رأسها “المحبة التي هي بلا رياء” اي بلا تصنّع ولا مجاملة في الكلام ولا ظاهريّة بل عميقة وحارّة وعمليّة.

محبة بلا مداهنة. لذلك يستتبع كلمة محبة بقوله: “في كلمة الحق” ذلك انك اذا أحببت انسانا تريد ان يدخل الحق الى كيانه كلّه فتصلحه ليتحرّر من كل زلّة0 ويقول بولس في قوّة الله بأسلحة البر عن اليمين وعن اليسار. ذلك انك لا تؤتي الآخرين الحق الا اذا نزل عليك من فوق. ولذلك يقول: بقوة الله. وحتى لا تلتبس قوّة الله بقوّة الانسان يوضح بولس انه يحمل والذين معه أسلحة البر اي ان الذي يتطهّر لينال أسلحة البر ليضرب بها قوى الشر يعلم علم اليقين أنه اذا تبرّر وحل عليه مجد الله يكون حاملا قوّة الله التي تمدّه بكلمة الحق يصدع بها كل انسان فيصير انسانا جديدا.

وبعد ان يكون من أرسله الله مسلّحا بأسلحة البر، لا يرى فرقا بين ان يكون في مجد او هوان وقد يرتكب بعضٌ النميمةَ بحقّه والحسد لأنهم لا يحبون إنجيل يسوع المسيح ويعتبرونه ضالا مع انه صادق ويحسّون انه مجهول مع انه معروف من الله او حبيب الله وكأنّه مائت مع انه حي بالنعمة، يحسبون انه حزين بسبب من مخاضات الألم مع انه مليء بالفرح. يحسبون ان الفقر الذي هو عليه يقلقه مع انه في هذا الفقر يغني الكثير من الناس. يحسبون كأن لا شيء له وهو يملك كل شيء. هم لا يعرفون غنى المسيح الذي يستغني به المؤمن عن كل شيء في العالم ليربح وجه يسوع.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

من الرسالة / الأحد 24 أيلول 2006 / العدد 39

ما نسميه الرسائل الرعائية اي التي بعث بها بولس الى تلميذيه تيموثاوس وتيطس مركزة، بخاصة، على أمور عمليّة. أقتطف من رسالة اليوم كلمتين: كلمة أولى حيث يقول الرسول: “جميع الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون”. والثانية: “انك منذ الطفوليّة تعرف الكتب المقدسة”.

في الكلمة الأولى من الطبيعي أن نفهم ان المؤمنين بيسوع يضطهدهم الوثنيون او غير المسيحيين. بولس كان يكتب في بيئة وثنيّة كانت تكره المسيحيين لأنهم يعلّمون ضد ما تعلّمه الوثنيّة. ولكن لنا ان نلاحظ ان بعض المسيحيين لا يحبون المسيحيين الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى ويهزأون احيانا بهم. يقولون مثلا: لماذا تذهب الى الكنيسة كثيرا؟ هل تبغي ان تصير كاهنا؟ ثم ما نلاحظه كثيرا ان المتهتك المسيحي يهزأ من المسيحي العفيف احيانا. التقي له اعداء من الخارج ومن الداخل وتقواه تعزيته.

الكلمة الثانية لبولس تتضمّن تهنئة لتيموثاوس لأنه يعرف الكتـب المقدسة منذ طفولتـه ويريـد بها كتب العهد القديم لأن العهد الجديد ما عدا رسائل بولس لم يكن قد دُوِّن بعد. لاحظوا انه يقول له انك تعرف الكتب منذ طفولتك لما صرت متمكّنا من القراءة. الأمر الرئيسي عند بولس ان يمتلئ الولد من الكتاب الإلهي كما هو ولا يكتفي بالتعليم المسيحي المكتوب للأولاد. عندنا اليوم بعض الكتب المصوّرة متعلّقة بالكتاب المقدس في عهديه. هذا عندي لا يكفي اذا بلغ الولد القدرة على قراءة نصوص العدين كما هي لأنّ اي شرح او تبسيط لا يغني عن الكلمة الإلهيّة كما خرجت من فم الله وأوحاها الى الأنبياء قديما والى الرسل من بعد العنصرة.

القراءة المتكرّرة والدائمة تجعل الطفل يحفظ الآيات كما هي وتصقل العقل بالكلمات التي أراد الله أن تكون اساسا لإيماننا ولمعرفتنا العقيدة ولتطهيرنا من الخطايا. فإذا أخطأ الانسان وتذكر ما قرأ في طفولته وبعد طفولته فهذا ينقّيه من الأغلاط التي ارتكبها. طبعا في الكتاب المقدّس مواضع صعب فهمها في العهدين القديم والجديد وهناك حاجة الى تفسير والى مساعدة من الكهنة او المعلمين ولكن هناك مواضع سهل فهمها. فاتخاذ الكتاب مباشرة امر نبدأ به ثم نطلب التفسير.

وبعد ما ذكرناه في التوصية الثانية لبولس قوله عن الكتب المقدسة انها تُصيّر قارئها “حكيما للخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع”.

تذكرون ان الشماس او الكاهن في الدورة الصغيرة عندما يكون حاملا الانجيل ويصل الى الباب الملوكي يرفع الانجيل ويقول: “الحكمة، لننتصب” اي اني حامل كتاب الحكمة فاستقوا انتم هذه الحكمة بقراءته. وفي القداس وغيره من الخِدَم تُقرأ مقاطع يوم الأحد، واذا قمنا بالقداس كل يوم نقرأ مقطعا آخر. ولكن الشيء العملي ان نطالع هذا الكتاب في بيوتنا كل يوم في وقت محدد ونصغي الى ما يقوله الله لنا لأنه يخاطب قلوبنا ويتلقّى القارئ ما يحرك قلبه. وقد يفوته المعنى احيانا ولكن في قراءة ثانية وثالثة ينكشف المعنى. الله يوحي المعنى متى شاء. المهم في هذا ان نفهم ان الله خيرُ مَن تكلّم عن نفسه. فإذا شئـت ان تعرفـه كما هو فاقـرأ ما قاله عـن نفسـه وعن علاقته معنا، وكلما قوي إيمانك بالمسيح يسوع يتعمّق فهمك. واذا ازداد فهمك يقوى إخلاصك ليسـوع اي تـنـحـت نفسـك كـما يـريـدها السيّد ان تـكـون ويتقولب قلبك كما يشاء الرب ان يكون. ولكن هذا يتطلّب مطالعة دائمة لئلا تقع في الكسل فتتعوّد على انك لست بحاجة الى الكلمة الإلهيّة. ابتلع هذا الكتاب كما أوصى الله حزقيال، فتصير انت كتابا جديدا وضع المسيح فيه فكره.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

من أراد أن يتبعني…/ الاحد 17 أيلول 2006 / العدد 38

أنت تتبع المسيح أو لا تتبعه. ولو كنت معمدًا قد تكون من الخارجين عنه وربما صرت ضده. أن تتبعه يفترض موقفًا داخل النفس. يتحقق هذا في انك تكفر بنفسك أولاً. ذلك إن حب الأنا، أن تكون مركزًا على أشيائك ومصالحك وعبدًا لشهواتك يخرجك عن يسوع فهو القائل: “من أحبني يحفظ وصاياي”، وهو يريد أن تفضّل حبّه على حبّك لزوجتك وأولادك وكل إنسان آخر.

“من أحبني يحفظ وصاياي”. طاعتك له هو محك محبتك. وقد تتوهم أحيانًا ان ذهابك إلى الكنيسة يكفي. من الضروري ان تواظب على الكنيسة، ولكن محك محبتك ليسوع انك تحفظ وصاياه اي انك تسمع كلمات الإنجيل وتحققها.

بعد هذا قال: “ويحمل صليبه”. ان تكون منزها عن الخطايا، ان تميت الرغبات السيئة والأهواء، هذا هو حمل الصليب. ان تغفر لعدوك، ان تخدم الذين اساؤوا إليك حسب مقدورك، هذا هو الصليب الذي ذكرناه كثيرا قبل عيد رفع الصليب وبعده.

ان تكون مصلوبًا شرط قيامتك من الخطيئة. هذا هو الطريق الذي سلكه يسوع لأن صليبه كان دربه الى القيامة. الا يكون لك تعلق بشيء، الا تعتبر نفسك مالكا لشيء، بل ان تعتبر ان ما بين يديك هو للفقراء فتصبح امام عينيك كأنك لا شيء، هذا يجعلك على طرق القيامة.

ثم يقول السيد “ويتبعني”. تتبعه الى اين؟ الى الجلجلة اذ لا يكفي ان تحمل صليبك بل يجب ان تسير به الى حيث كان يسوع ممجدا اي على تلة الجلجلة. نحن لا نستلذ الآلام ولا نفتش عنها ولا نعذب انفسنا. اذا سمعتم هذا في بعض الاوساط المسيحية فهذا ليس له اساس في الإنجيل. لقد جاء المخلص لينقذنا من العذاب وقد شفى مرضانا وقد بيّن الإنجيل ان الشفاء من علامات الملكوت. غير ان الصليب عندنا هو الآلام القائمة والتي نتحملها بقوة المسيح. هي هنا. لا نسعى اليها. وحتى نتحملها ينبغي ان نكون منضمين الى المسيح. وعندئذ ينقذنا منها جسديا ان كانت جسدية او يجعل فينا تعزيات الروح القدس التي تذهب عنا الخطيئة. بعد هذا الكلام يوضح المعلم فكره هذا بقوله: “لأن من أراد ان يخلّص نفسه يهلكها، ومن اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. والمعنى ان من ظن انه ينعش نفسه بالخطايا التي تلذه انما يهلك نفسه لأنها تموت بالخطيئة. ثم بقوله: “من اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. هو إهلاكها بالتعب، بالجهاد الدائم (صلاة، صوم، عفة…)، فهو ينقذها حقا. يقول: “من اجلي ومن اجل الإنجيل” اي يتعب نفسه في البشارة، في التعليم او يريد من اجل حقيقة الإنجيل وعمقه.

وأخيرًا ينهي هذا القسم من تلاوة الإنجيل بقوله: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. كل مجد العالم لو حصلت عليه لا يساوي مجد الله فيك بالصليب الذي تكون حملته وبقيامتك من موت الخطيئة. يجب ان تختار لئلا تموت. وعندئذ لا تستحيي بالمسيح. تعرف من انتصاراتك الروحية ان المسيح كل شيء وتنادي به.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب / الأحد 10 أيلول 2006 / العدد 37

استعدادًا لعيد رفع الصليب تركّزت الرسالة والإنجيل حول الحدث. في القراءة الإنجيليّة ينكشف حبّ الله للبشر على صليب المخلّص اذ يقول: “هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”. هذا كلام مركزي على الخلاص. أما في الرسالة وهي إلى أهل غلاطية فبعد قوله إن الختان (أي النظام اليهودي) باطل، يصل إلى القول: “حاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبت للعالم”. والمعنى أنّي لكوني ثمرة الصلب أو نتيجة الصلب فقد صُلب العالم لي أي مات عالم الشرّ أمام عيني وأمسى لا شيء. هذه صورة. وأما إذا أنا صُلبت (معنويا بإماتة الخطيئة) فالعالم الشرير لا يعتبرني شيئا. اي ليس من شركة ممكنة بين النور والظلمة.

واذا كان الصليب صار كل شيء بسبب سر المحبة، فلا الختان (اليهود) بشيء ولا القلف (الوثنيّون) بل الخليقة الجديدة اي المسيحي بتجاوزه التضاد القائم بين اليهودية والمسيحيّة. فقد دخلنا العالم الجديد الذي هو المسيح ولا نجيء من ناموس موسى ولا من الفلسفة الكامنة عبادة الأصنام بل نجيء من الله الحي وإنجيله شريعتنا وفكرنا.

هذا هو قانون الحياة الجديد، والذين يتبعونه “عليهم سلام ورحمة وعلى اسرائيلِ اللهِ” ويعني بذلك اسرائيل الجديد، شعب الله الجديد اي الكنيسة.

ثم يكمل بولس كلامه بقوله: “اني حامل في جسدي سمات الرب يسوع” التي يمكن فهمها على انها الآلام الجسديّة التي تحمّلها من أجل السيّد المبارك او التعذيبات التي كان يقاسيها لمّا كتب الرسالة الى أهل غلاطية اذ كتبها في السجن في رومية.

في كل هذه الكتابة البولسيّة نفحة فرح: “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم” كما نتلو توا بعد قراءة انجيل السَحَر في الآحاد. مرة قال لي عالم من غير ديانتنا على سبيل الانتقاد: “المسيحيّة ديانة مأساة”. قلت له: “اذا اردت بها الكلمة اليونانيّة تراجيديا (اي حالة المأزق الذي لا خروج منه فهذا غير صحيح لأننا نحن نخرج من الألم بالقيامة. وبهذا يقول الرسول الإلهي بولس: “فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، واما عندنا نحن المخَلّصين فهي قوّة الله” (1كورنثوس 23:1)”.

مرة، من سنوات طويلة، التقيت فريقا من شهود يهوه قالوا لي: إذا كنتم تكرّمون الصليب فتشبهون أُمًا تُكرم حبل المشنقة الذي شُنق به ابنها. قلت لهم: هذا يصح لو كان ابنها مجرما. اما اذا كان شهيدا للوطن وقتلته دولة معادية للوطن، فالمشنقة هذه تصبح أداة مكرّمة.

إن الصليب الذي كان يُعلّق عليه المجرمون وكان أداة ذلّ أصبح بالمسيح مكانًا للخلاص اي مكان الحريّة.

لذلك نكثر من الأفكار المتعلّقة بالصليب: رفع الصليب، ذكره يومي الأربعاء والجمعة كل أسبوع، الأحد الثالث من الصوم، الأسبوع العظيم المقدّس. ثم نحمل الصليب في أعناقنا، ويجب ألا نضيّع التقليد القديم حيث يعلّق دائما في عنق الولد المعمّد.

وما هو دائم الاستعمال إشارة الصليب حيث يبارك الكاهن الشعب بها في القداس الإلهي او تلك التي نرسمها نحن على وجوهنا عند ورود عبارات في صلاة الجماعة فيها ذكر للثالوث المقدس او عبارات التمجيد لله او السجود له. الأرثوذكسيون يكثرون من استعمال هذه الإشارة التي بها يعانقون صليب المخلص. بهذه الإشارة نبيّن إخلاصنا ليسوع ولأبيه وروحه، ونبارك ماء المعمودية والزيت وموادًا أخرى في المواسم. الصليب هو قلب حياتنا ومعناها، وإذا رُسم عليه المصلوب (وهذا شرط عندنا) يكون الأيقونة المثلى.

طبعا نحن لا نفرق بين الصليب والمصلوب. نكرّم الأول بسبب الذي مات عليه وتغلّب وهو عليه على الخطيئة وأعطانا به فرصة لنغلب الخطيئة والموت.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

المحبة للجميع/ الأحد 3 أيلول 2006/ العدد 36

هناك شيئان مختلفان من حيث الهدف: الإيمان والمحبة. بالإيمان هدفنا أن نحفظ كلمة الله كما بيّنتها لنا الكنيسة، وبالمحبة أن نعانق الناس جميعًا بقوّة النعمة أي بقوة الإيمان الذي يسكن في قلوبنا. غير أن من نحب حسب وصية المعلّم قد يكون له عقيدتنا وقد لا تكون. من هنا حزنت جدا لما قيل لي ان هذه الفئة أو تلك من المسيحيين كانوا يؤثرون أن يشاركوا بالحسنات النازحين من المسيحيين، أي إنهم أحبوا بعضًا من البشر وليس كلّهم: هذه هرطقة سلوكيّة.

فإذا ظنّ أحدهم أن الرب يسوع بقوله: «أحبوا بعضكم بعضًا» تعني انه قصد محبة المسيحيين للمسيحيين يتبدّد ظنه لو قرأ قول السيّد نفسه: «أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم… وإن سلّمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون» (متى 5: 43-47). فإذا كان سلوكنا مع الأعداء سلوك محبة، فكم بالحري يكون سلوكنا مع المسلمين الذين يؤمنون بالله وكانوا في العوز الشديد أثناء الحرب الأخيرة؟ أما قال السيّد: «كنتُ جائعا فأطعمتموني»؟ أي أني أنا في قلب كل إنسان جائع وغير مكسوّ ولا مأوى له. المسيح وحّد نفسه بكل محتاج ولم يوحّد نفسه فقط بالمعمَّدين.

إن المحبّة التي استودعك إياها الرب تذهب منك إلى كل بشر علّهم يحسّون بأنّهم أحباء الله، ولست تحتاج أن تقول لهم انك تعطيهم كونك مسيحيّا. هم يرون ذلك ويعرفون انك آتٍ من المسيح. أنت لا تطلب منهم أَجرًا ولا شكورًا. لا تريد إلا أن يعيشوا فترة قصيرة ولا يُحرم أطفالهم من الحليب أو نساؤهم وشيوخهم من العناية.

يا إخوة، نحن لسنا كتلة سياسية وليس عندنا نزعة انفصال عن أي احد من الناس. شاءت ظروف القهر والعدوان على البلد أن يكون معظم النازحين من لون آخر. هذه كانت فرصة من الله كي تتجدد بها قلوبنا وتصبح أكثر صفاء واشد حرارة وبالتصاقنا بالآخرين نصير أكثر لصوقًا بالله.

قال بولس الرسول بوضوح: «أحسنوا إلى الجميع». وهكذا كان المسيحيون في رومية يفعلون في القرون الأولى. وعندنا في هذا شهادة من القديس يوحنا الذهبي الفم الراقد بالرب السنة الـ407 أن رومية لم يكن فيها جائع (أي من المسيحيين والوثنيين) لأن المسيحيين كانوا يعطون الجميع.

وقد علّمنا آباؤنا القديسون ألاّ نردّ من يسألنا طعامًا أو مالاً فإنك إن أعطيته تكون معطيًا هذا ليسوع الذي كان فقيرًا.

في الأيام العصيبة يقوى الواجب ويتضاعف. الكنيسة نفسها كمؤسسة قامت أثناء الحرب بإيواء الجميع مع أن هذا التنظيم المسيحي كان يتصرف بصورة أقل ما يقال فيها إنها كانت تحزبًا طائفيًا بحيث تحوّلت بعض الهيئات إلى تشكيلات قبليّة تقوم على حب بعض وكراهية بعض لأن الامتناع عن الإحسان كراهية بلا شك عند القادر عليه.

نرجو ألا نعرف بعد الآن سلوكًا كهذا السلوك السيء في حالة الحرب أو حالة السلم. هناك مسلمون يساهمون معنا في بناء كنائس أو مدارس ليستغفروا الله بالإحسان. اعرف أيضًا أن بعض المسيحيين يشاركون المسلمين في مشاريعهم الخيريّة. وهذا يجب أن يكون القاعدة.

لا تقعوا في هرطقة التفريق بين مسلم ومسيحي في مجال العطاء. أنت لك إيمانك وهو له إيمانه، ولكن المسلم يجب أن يسكن قلبك إن كنت راغبًا أن يسكنه الله.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

شيء عن المال / الأحد 27 آب 2006 / العدد 35

وددت أن أتأمّل في رسالة اليوم (1كورنثوس 9: 2-12) حيث يدور الكلام عن حق بولس الرسول أن يأكل من لبن القطيع ويدعم ذلك من العهد القديم ويتوسّع مع أنّه في الواقع كما قال في موضع آخر ما كان يتقاضى من أيّة رعيّة أجرًا.

ليست رغبتي اليوم أن أبين لكم حق الكاهن عليكم من الكتاب المقدس وانتم تعرفون ان خادم الهيكل يعيش من الهيكل ولو كان عليه ان يتقشف. إنه لقد ارتضى التقشّف منذ اعتناقه الكهنوت. أنا أتكلم فقط من زاوية المحبّة البنويّة ولا أتكلّم على راتب يكفي أو لا يكفي. في أي وضع يعيشه الإنسان أفي الكنيسة كان أو خارج الكنيسة، لا يأتي التعبير عن المحبّة الا بالعطاء، غير أنّ كلامي اليوم ليس لتنظيم معيشة الكاهن ولكن لأقول انك تعطي الكاهن أجرا لخدمة قام بها. الجميل في العلاقة أحيانا الا تعطي لقاء أجر.

في ما يتعلّق بدعم الأبرشيّة أذكّركم بأنّي منذ سنوات أرجو الرعايا رجاء الإعطاء ولم أفرض شيئًا على إحداها. ولكن حاجات الأبرشيّة لا تزال كبيرة وليس لأزعج أحدا أقول إننا بتنا الآن في وضع مالي مقلق أرجو أن أتمكّن في الفترة الآتية أن أواجهه. أرجو ان يُلهم الله المؤمنين أفرادا ان يتبرّعوا لنستطيع تحمّل نفقات الإدارة فقط.

نافع لبنياننا الروحي أن يكون كل خادم للمسيح فقيرا. غير أنّ هناك حاجات الإخوة الذين أنا مسؤول عنهم لا أريد ان أزعجكم بهذه الأمور. ما أود فقط أن أقوله ان كلّ مشاركة بالإحساس بنا يسعفكم أنتم روحيًا.

ما أود أن أضيفه هو أنكم معا كنيسة المسيح. أنتم لستم حصرًا في هذه القرية أو تلك كنيسته. أنتم إذا كنتم مع الإخوة في كل مكان أبرشيّة، وهي كلمة يونانيّة تعني الإقامة معا. أنتم وحدة كاملة ليس في بلدتكم، ولكنكم تشكّلون الوحدة مع الآخرين.

أيضا أود أن أذكّركم أن المطران يشرف على المال الذي أودعتموه المصارف وله الحق في قانون الدولة والقانون الكنسي ان يحرّكه كما يشاء، ولكنّه لم يفعل هذه مرّة واحدة منذ 36 سنة أي المدّة التي خدم فيها هذه الأبرشيّة. ما يسرّني أو يزيدني سرورا ان تعمّ الثقة بيني وبين متولّي الأوقاف المحليّة.

أحب أن أذكّر أعضاء مجالس الرعايا انهم وكلاء المطران أو وكلاء الكنيسة المقدّسة كما نقول في عباداتنا. مع ذلك تصرفتُ تجاههم وكأنهم أصلاء أو أصحاب الأمر. هذه ليست بشكوى ولكنه حَسَنٌ أن يعرف كلّ منا مكانته وان يتصرّف بموجب هذه المكانة.

أذكروا ما قاله بولس في هذه الرسالة: «إنْ كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيّات أفيكون عظيما أن نحصد منكم الجسديّات؟». والروحيات تعني من قِبَل المطران والكاهن سهرًا عليكم وصلوات من أجلكم ووعظًا وإرشادا وافتقادا ودرسا متواصلاً عند الكهنة الواعظين. وهذا يستغرق وقتًا ويستنزف صحة. ما قيمة العطايا الماديّة مقابل ذلك الا إذا كنتم في العوز؟

إلى هذا أرجو رجاء حارًا في المسيح ان تهتمّوا بالمحتاجين بينكم حتى لا يأتوا إلى هنا كما يفعل بعض لينالوا منا إحسانا بتنا غير قادرين عليه. أحصوا الفقراء عندكم وتبنّوا قضاياهم.

تطالبون بكهنة أكفّاء، متعلّمين. وهذا ما نحاول القيام به. ولكن هذا يكلّفنا مبلغا طائلا كل سنة ندفعه للبلمند لتربية من سيخدمونكم بعد تخرّجهم.

أردت فقط أن تفهموا هذا الكلام حثّا لبنوّتكم لتحسّ بالحاجات الكبرى لهذه الأبرشيّة وليس بحاجاتي الخاصة. انتم تسدونها مشكورين عندما تدعونني لخدمة روحيّة. أقول هذا لخلاص نفوسكم واستحضار بركات الله عليكم.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

التسوّل السياسي / الأحد 20 آب 2006 / العدد 34

سياسة كل شعب لنفسه تقوم على العدالة للناس جميعا بلا تفريق بين طوائفه وألوانه إن وُجدت. والعدالة نتيجتها السلام بين الناس وحسن العيش والتعاون والتكافل وردم الهوة بين الفقير والغني ما أمكن التنظيم الاجتماعي ذلك. لذلك جاء في المزامير:” العدل والسلام تلاقيا”.

هذه السياسة عمل الجميع في مجتمع راقٍ يتشارك كل المواطنين في قيادته ويسدون للدولة النصيحة ويضغطون عليها لتسير في الاستقامة وخدمة المواطن. ذلك أن كلًّا منا راعٍ لإخوته وان الدولة بما فيها من ناس معرّضة للتقصير او الجهل او الانحياز. وهذا ما اصطلح الفلاسفة على تسميته ديمقراطية. هذا هو حكم الشعب للشعب ولكن على هدى الله وكلامه حتى يطمئن المواطن للمواطن ويحيا بأعظم قدر ممكن من الراحة على هذه الأرض فيما هو يجاهد روحيا.

الأمر أكثر تعقيدًا في علاقات الدول بسبب مطامع الدول الكبرى بالصغرى أو القوية بالمستضعفة فيأتي استغـلال هـذه الـدولة لتلك في التعامل التجـاري أو تحل الحرب التي غايتها الاستغلال والتوسع وابتلاع الكبير للصغير كما تعمل الحيتان بالسمك الصغير.

لذلك يقاوم الصغير الكبير بالوسائل المتاحة له ليدفع عن نفسه جشع الكبار وطغيانهم. وربما بقي هذا الوضع إلى الأبد لأن الأمم بحكامها أي بخطاياهم ولأن المنافع الاقتصادية تلعب في الحروب دورا كبيرا. ولا فرق عند المهاجم ان يُميت ما تيسّر له من الناس ويدمّر ويحرق ليسيطر. وقد يكون له تعاطف مع دول أخرى تسانده ويتبادل وإياها النفوذ والمصالح الاقتصادية.

إزاء هذه القاعدة التاريخية تشكّلت هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى ووضعت شرعة مقدمتها أخلاقية وقالت إن الاستيلاء على البلدان الأخرى ممنوع وانه لا يُكافأ المغتصب وتُرد الأراضي المغتصَبة لأصحابها. وكانت هذه الشرعة مستَلهَمة ببعض جوانبها من الإنجيل حتى تسود عدالة الله علاقات الدول فتصبح بدورها عادلة.

مع ذلك لم يتقيّد كثير من الدول بهذه الدعوة وحصلت حروب إقليمية لا تحصى بين الدول الصغيرة في أفريقيا وآسيا وهذا الشرق الأدنى ومنه لبنان الذي يُدمَر الآن ويُحـرق ويُقتل بنـوه والغايـة تدميـره وتشـريده وأذاه.

هذه النشرة ليست لبحث في السياسة التي يجب أن ينتهجها بلدنا ليعيش في سلام. هذا يفترض أن نكون أقوياء على طريقة هذا العالم وبوسائل العالم وهذا يفترض صداقات لنا مخلصة لا نطلب منها التحيّز وندعوها إلى العدل ومنع الموت من أن يحل بنا. وهذا ليس فيه تسوّل ولكن هذا هو حق الإنسان على الإنسان وحق لبنان على كل الشعوب القديرة بسبب مشاركة الشعوب بعضها بعضا لأن الإنسان أخو الإنسان ولأن الدول القادرة لم توجد لنفسها ولكنها وُجدت لموآزرة الدول الأخرى ما استطاعت.

حق الإنسان على الإنسان الآخر أن يؤمّن له السلام لأن السلام إطار الحياة الكريمة فلا يبقى فريسة الخوف وفريسـة الجوع والقهـر. والمسيح “رئيس السلام” كما يقول اشعياء وكما نرتل في الصوم الكبير. اجل هناك السـلام الداخـلي الذي هو الحريـة من الخطيئة وهذا هو الأعظم. ولكن هناك أيضًا سلام الشعوب بالمعنى السياسي الذي هو وضعنا الطبيعي على هذه الأرض قبل أن نرث الملكوت.

Continue reading