قبل ظهور المسيح لم يكن اليهود ولا الأمم الوثنيّة تعير أهميّة للطفل. كانت الشعوب تهتم فقط بالإنسان الراشد. والطفل رضيع أو يأكل ويشرب، ولكن لم يعتبر أحد أنّ له شخصيّة يجب أن تُراعى وأنّ له الحقّ بنمو غير قهّار. وحده يسوع لم يتجاهل الطفل.
عندما سأله تلاميذه: “من تراه الأكبر في ملكوت السموات” دعا طفلاً وجعله في الوسط قائلاً: “الحق أقول لكم: إن لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السموات” (متى 3:18). كيف يكون الإنسان مثل الأطفال؟ هو طبعًا لا يريد أن يكون الإنسان ساذجًا. يجيب السيد عن سؤالهم: “فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات”.
ركّز يسوع على أنّ الطفل متواضع بمعنى أنّه لا يعرف نفسه عظيمًا. لا يريد عقلا كعقل الأطفال أو أن تتكلّم كالصغار بلا فهم كافٍ. هل أراد يسـوع البراءة؟ في الواقع الطفل يكذب (يقول مثلاً: لا، لم أكسر الصحن) ولكن هذا ليس بكذب حقيقي لكونه يعيش في عالم تصورات تحجب عنه الحقيقة. الطفل يحيك عالما مـن الحكايات يظنّها حقيقة. يحيا خارج الواقع. لا يعرف الفرق بين الصدق والكذب.
يسوع لا يريدنا أن نتشبّه بالأطفال من حيث أنهم بلا تمييز بين الخير والشر ولكنّه يدعونا الى بساطة الأطفال. أنت، بالغا، ينبغي أن تحارب السذاجة العقليّة لتكتسب الحكمة ولكنّك مدعوّ الى بساطة القلب ونقاوته ولا ترى نفسك شيئًا. أنت لا تصير طفلًا ولكنّك تصير مثل الطفل على تواضعه. وعند ذاك أنت الأكبر في ملكوت الله.
في هذا المنحى يقول السيّد: “من قبِل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي فإياي يقبل”. أجل يريدنا السيّد أن نعلي شأن الطفل في مجتمع لا يزال أحيانًا يحتقره. أن نكتشف الطفل، أن نعمّده لأنّه كائن حبيب الله كما يريدنا أن نتعلّم عن الطفل. يريد الطفل أن ينمو، والمعلّم درس في مدرسة الناصرة بدليل أنّه قرأ الكتاب المقدس في مجمع الناصرة. لا يرضى أن يبقى الأطفال في الشوارع. لا يريد عمالة الأطفال وبذا يكونون قد تركوا المدرسة وعرّضوا صحتهم للخطر. لا يريد أن يستعملهم أهلهم لكسب المال وقد يكون الأهل أحيانا كسالى يستغلّون أولادهم. لا يريد أن يغيظ الأهل أبناءهم وبناتهم لئلا يفشلوا ويكرهوا أهلهم.
يريد أن يحبّوا أهلهم وليس فقط أن يكرّموهم إكرام خوف. يأبى السيّد الخوف الذي يضرّ كل انسان صغيرًا كان أم كبيرا. لا يريد قصاصًا جسديًّا مبرحا لأنّ الولد بهذا يكره أهله. وإذا فعل فغالبا ما يكره الله الذي يصوّرونه له أبًا. أمّا أنت اذا كنت أبًا عطوفًا أو أمّا حنونةً فغالبا ما يحس ولدك بأن الله عطوف حنون. وداعة الأهل هي التي تكشف وداعة الله.
