Category

2005

2005, مقالات, نشرة رعيتي

التربية بالصلاة/ الأحد 22 أيار 2005 / العدد21

إن شئت تربية مسيحية وان تتجدد فيك المعاني الروحية فعليك المواظبة على الخِدَم غير القداس الإلهي. القداس مكان لفهم الكلمة والمشاركة والتقديس. ولكن مواكبة ذكرى القديسين وبخاصة التمعن بقيامة الرب يفترضان حضورك صلاة السَحَر صبيحة كل أحد وكذلك صلاة الغروب مساء السبت وفي عشايا الأعياد.

على وجه التخصيص سَحَرية الآحاد والأعياد تُدخلك في صميم المعنى الفصحي، فإنجيل السَحَر مركز هذه الصلاة وهو سرد لظهورات السيد. كذلك الإنشاد (التبريكات وغيرها) هو فصحي بامتياز. والأحد ذكرى القيامة عن طريق تعليمها. والتعليم مكثف ويختلف جزئيا من أحد إلى أحد. وإذا فهمت لا تتضجر. الضجر ينتج فقط من كونك لا تعرف هيكلية صلاة السحر ولا تعي معانيها فترى نفسك مشردا، مشتتا.

وإذا امتلأت من معنى القيامة تدخل القداس الإلهي الذي ينقل إليك ذكرى موت المخلّص وانبعاثه من الموت. القداس تفعيل ومشاركة بالأقداس ولكن صلاة السحر لكونها فصحية بامتياز تؤهلك لدخول القداس.

كذلك صلاة الغروب مساء السبوت تُدخلنا مباشرة إلى معاني القيامة وهي تفتتح اليوم الطقسي. هكذا تلاحظون، إذا أردتم إقامة الأعياد بشكل مليء، ان صلاة الغروب تدشن العيد. الدورة الطقسية يجب ان ترتب خدمها بحيث يستطيع معظم الناس حضورها إن كانوا محبين للأعياد. فتتأخر مثلا صلاة الغروب إلى الخامسة أو السادسة مساء، وتبدأ صلاة السحر بحيث يتمكن المؤمن ان يأتي باكرا نسبيا لينتهي القداس في وقت مقبول.

تربيتنا الأساسية تتم في هذه العبادات لاسيما أنّ شعبنا يقرأ قليلا الكتاب المقدس والكتاب الديني بعامة. القداس وحده لا يربيك ولاسيما أن المشهد الذي أعرفه أنا اني إذا وصلتُ إلى كنيسة يوم الأحد أرى فيها شخصين أو ثلاثة، ثم تمر دقائق فترى في فترة انهم أصبحوا عشرة، وبعد حين صاروا عشرين، ولا يكون كل المؤمنين حاضرين عند الإنجيل. فكيف أنت تتناول ولم تسمع كلمة الرب لتتوب بها. وأحيانا تلحظ ناسا يأتون إلى المناولة من خارج الكنيسة كأنّ هذا عمل آليّ.

القداس عندنا ليس طويلا عند من عرفه وفهمه. الضجر ينتج من عدم المعرفة بالإيمان وعدم الاطلاع على الكتب. طبعا يجب على الكاهن الا يطيل الإيقاع وبخاصة يجب على المرتل الا يسترسل بالتنغيم الطويل، فالأفضل من ترتيل الرسالة قراءتها قراءة مُجوَّدة تفسح في المجال للفهم. الكلمات تَفنى في النغم ولاسيما عند الذي لا يعرفها. الخطوة التي أراها ناجحة اليوم هي ان بعضا من الناس يحملون «رعيتي» ويتابعون الرسالة والإنجيل.

إذا كانت كلمة الله «روحا وحياة» فلا بد من الوصول إليها بهذه الأساليب التي ذكرنا بعضها وإلا متنا جوعا أو جفافا.

هذا الذي قلناه أصل كل شيء. لا إصلاح في كنيستنا بلا استيعاب معانيها، كل معانيها. يجب ان يتجمع «محبو الأعياد» والذين يحيون بالصلاة ليطلبوا إلى كاهنهم إقامة كل الخِدَم في حينها. هو مُقام من اجل ذلك. الطقوس عندنا تحمل كلمة الحياة. والمواظبة عليها التماس الحياة. «ان ينبوع الحياة عندك يا رب».

إذا كنا خمسة أو عشرة في كل صلاة غروب كل يوم، وأكثر من ذلك في صلاة السحر منذ بدئها، وفتحنا آذاننا لنفهم الكتب وأحسسنا بامتداد الكلمة في الصلوات المختلفة والإنشاد، نكون قد وضعنا أساسا متينا لاتصالنا بالرب. لا نحفر لأنفسنا «آبارا مشققة لا تضبط الماء» ولكن أحواضا متينة تصب فيها الينابيع، حتى يصبح كل منا «ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية» نحياها منذ اليوم.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

من يدحرج لنا الحجر/ الأحد 15 أيار 2005 / العدد 20

هذا احد حاملات الطيب الذي يدور فيه الحديث عن عملية تطييب جسد يسوع لأن السبت كان قد حل عند دفن السيد ولا يجوز فيه العمل. ذهبت النساء القديسات وعلى رأسهن مريم المجدلية وتساءلن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. يقول الكتاب انهن تطلعنا فرأين الحجر قد دحرج. لا يقول الإنجيل شيئا عن علاقة الحجر المدحرج وقيامة المخلص. هل ازاحته قوة الهية حتى يخرج السيد ام ان القيامة بحد نفسها زلزال يزيل كل العقبات.

          همي انا ان احيا بالقيامة كل حين حسب قول السيد لمرتا: انا القيامة والحياة، ان اذوق قوة القيامة فيّ قبل المجيء الثاني وحدوث القيامة العامة. فانتصار السيد ممدود فيّ وفي المؤمنين او يكون حدثا ولى وقصة نرويها.

          انا اعيش في وسط العقبات، في المرض قليله او كثيره، في خطر نوبة قلبية ورعب السرطان. وذاك يختبر الفقر والعوز واليأس يصعب تجاوزهما ان لم تحدث معجزة اقتصادية في البلد. عقبة الخلافات الزوجية او خلافات العمل او صدمات حياتنا الكنسية بما فيها من تحامل على بعض واضطهاد لبعض.

          ان يعيش الإنسان في اخطار الأمراض المزمنة وتلك الموجعة، ان تحتمل المرأة عنف زوجها، ان يشك احدهما بالآخر. ان اسقط كل يوم في ضعف لا ينتهي، ان يبقى البلد على ما هو من تصدع ابنائه. وفقدان الكفاءة والرشدة كل هذا عقبات قليلها ينتهي.

          اين يسوع من كل هذا او اين من يسوع الظافر اذا بقيت اعاني من كل هذا او من بعض منه واتحجر في خطاياي. هل من يدحرج لي الحجر عن باب القبر الذي قبرت نفسي فيه او قبرتني فيه ظروف معيشتي. احيانا كثيرة لا يبدو لي ان اوجاعي الجسدي او المعنوية آخذة بالانخفاض كثيرا ما احس انا غريق او اني اكسر رأسي على الصخر.

          ان ايماني بالقيامة يجعلني اعتقد ان المسيح معي في عزلتي، في حرماني العاطفة ممن اتوقعها منهم. احس اولا بأن يسوع بديل عن كل انسان، بديل عن زوج يخون او زوجة تخون، عن شخص كبير في الكنيسة او في المجتمع يفتري علي ويكرهني. يسوع بديل عن كل مخلوق.

          السيد لم يعدني انه منقذي من هذا المرض او ذاك وان بعث بالرسل للشفاء ولكن لا يشفى كل واحد ولا الزوج يتوب ولا القامع يبطل القمع. فعندما قال السيد: انا معكم حتى منتهى الدهر لم يرد فقط انه مع الكنيسة جمعاء في عملها التبشيري ولكنه اراد انه مع كل واحد من احبائه في الوضع الذي يكون عليه. في المرض، في العزلة، في الخطيئة وانه سيجعلها انسانيا قياميا مشدودا الى يسوع ولو بقي تحت وطأة اتعابه.

          الدنيا وادي دموع. في اليوم الأخير سيمسح يسوع كل دمعة عن كل عين. الآن نتعزى عن الدمعة بالتعزيات الروحية التي تنزل علينا وتغيرنا من الداخل اي تقيم الفردوس في النفس مع استمرار اتعابها واتعاب الجسد. مع ذلك المسيح قائم ابدا فينا.   

وفي وسط الأمراض والفقر والجفاف العاطفي نقدر ان نكون. المسيح قام.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

احد توما / الأحد ٨ أيار 2005 / العدد 19

الفصح غاية وانطلاقة. غاية الجهاد لمن بذل في الصوم جهادا فهو يرى على قدر ما بذل من تضحيات وعلى قدر محبة الله له. وهو انطلاقة وملء للأيام التي نعيشها حتى الصعود اذ نظل في ترتيلنا: المسيح قام وفي الأسبوع الذي يلي العيد يبرز مجد المسيح بكثافة اعظم في ما نحن ننشده وكأننا نقول ان كل حياتنا هي هذا السيد القائم الذي نحوم حوله ويتحرك هو فينا ليجعلنا له.

          ومن اسطع الأنوار لرب المجد احد توما هذا الذي تعرفه العامة بالأحد الجديد لأنه الاول بعد الفصح حيث ظهر المعلم للتلاميذ والأبواب مغلقة من خوفهم اليهود. وكان الخوف في محله اذ كان الخطر في القضاء على الأتباع بعد ان ظن اليهود انهم قضوا على المعلم الذي بقي جسد في حسبانهم مخطوفا ومدفونا في مكان آخر.

          اخترق السيد الحواجز اذ لا يحول حاجز دون جسده المنور وقال للرسل السلام لكم. عبارة سلام عادية في ظاهرها ولكن المخلص أراد ان يبعث في نفوس تلاميذه الطمأنينة. وقد قال بولس فيما بعد ان المسيح هو سلامنا. فأنتم لا خوف عليكم لأني معكم الى منتهى الدهر ولا فرق بين ان تكونوا قلة او كثرة. وكانوا قلة واذا كنتم كذلك في كل اجيالكم في اي بلد فاعلموا اني انا سلامكم وانكم بإيمانكم تغلبون وقد يحاصر اعدائي اجسادكم ويحاولون ان يزرعوا فيكم الشك في قدرتكم على الصمود ولكن اعلموا اني انا سلامتكم الى الأبد ولوخطفوا اجسادكم وعذبوها لأنكم، اذ ذاك، تصبحون في سلامي على نحو اعمق مما كنتم لما كنتم مرتاحين وميسورين واحرارا بالحرية المعروفة في السياسة.

          ثم قال لهم: خذوا الروح القدس. هذه هي العنصرة في تعبير يوحنا. فالروح القدس يؤيدكم في جميع الحق وقد قلت لكم هذا في خطبة الوداع والروح ينطق بكم اذا قادكم الأشرار الى المحاكم وهو الذي يمحو الخطايا بقوة فدائي وانتصاري على الموت وهو الذي يجعلكم تاليا خلائق تتجدد بالمحبة. وانا اتصور به فيكم فلا يبقى احد لنفسه بل اكون انا فيه وهو فيّ.

          كان هذا يوم القيامة مساء ولم يكن توما معهم. في اليوم الثامن اي الأحد الذي نحن فيه اليوم ظهر السيد وتوما كان مع الجماعة وبعد ان اخبروه بأنه رأوا الرب كان يصر على انه يعاون أثر المسامير في يديه ويفتش جنبه المطعون بحربة. فظهر لهم الرب ولام توما على عدم ايمانه.

          لماذا هذا اللوم؟ ان الخطأ الذي ارتكبه توما كان فقط انه لم يصدق التلاميذ. ونحن علينا دائما ان نصدق التلاميذ اي ان تقبل كلمة الله كما هي في الإنجيل وان تقبل التراث الارثوذكسي الذي تكون في الكنيسة جيلا بعد جيل ايضاحا للإنجيل فلا يصنع احد ديانته كما يشاء او تشاء له الرياح العاصفة فيه من جراء خطاياه او من الاراء الفاسدة التي تقدمها البدع الخارجة عن الكنيسة او تأتي بها الفلسفات الضالة التي تبدو لغير العالمين شبيهة بايماننا وهي ليست بشبيهة.

          غير ان توما نفعنا كثيرا بشكه لأنه كشف لنا ان يسوع هذا الذي ظهر انما هو اياه الذي علقه قومه على الصليب وانه ليس بشبح. هذا اقوى إثبات على قيامة المخلص اي على ان المصلوب هو الذي تراءى. شك صار قوة للأجيال اللاحقة.

          فلما تأكد توما الواد التفتيش ان المعلم هو اياه قال ليسوع: ربي وإلهي. ليس الجديد في هذا الكلام ان يدعى المسيح ربا فهذا منتشر في كل العهد الجديد. ولكن الجديد ان يدعى المسيح إلها بالمعنى المطلق. ووردت كلمة الهي بالتعريف بمعنى انك انت الإله. انت الذي عرفوك في العهد القديم باسم يهوه. انت هو الإله الخالق والإله الفادي معا وبهذا نتجدد.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

القيامة / الأحد أول أيار 2005 / العدد 18

عندنا في سَحرية الآحاد احد عشر مقطعا في الأناجيل الأربعة تتكلم عن قيامة الرب. هل تراءى المخلص احدى عشرة مرة لتلاميذه؟ لسنا نعرف بدقة الجواب عن هذا السؤال. ولكن نستطيع القول ان الإنجيل الاول المقتبس من متى وفيه إطلاق السيد تلاميذه الى العالم ليعمّدوا لا يوازيه مقطع آخر. في الإنجيل الثالث (لصلاة السَحر) رأيناه يظهر لمريم المجدلية ونراه في يوحنا يظهر للمجدلية نفسها ويدور بينهما حديث. ضمن هذا الإنجيل الثالث نقرأ انه تراءى للاحد عشر وهم متكئون. هل هذا هو نفسه الظهور الذي تم في علية صهيون في الأحد الاول الذي يذكره يوحنا؟

          الظهور لتلميذي عمواس يتفرد به لوقا. ثلاث مرات يظهر حسب رواية يوحنا، ظهورات ربما تقاطعت واختلفت الروايات. ليس هذا هو الأمر المهم. المهم ان الأناجيل الأربعة متوافقة على ان الرب لم يبق في القبر. هذا هو الأمر اليقين. كذلك بولس يتكلم على ظهورات. هذا هو إيمان الكنيسة الاولى.

          الإنجيل تكلم عن دفن بعد موت. ولكنه لم يقل ان جسد المعلم انتعش في القبر واخترق الجدار او خرج من باب القبر بعد ان تدحرج الحجر. لم يهتم للكيف. رآه التلاميذ قد مات وعرفوا ان يوسف الرامي قد دفنه وذاع الخبر في اوساط الرسل وعند حاملات الطيب انه مدفون وذهبت النسوة لتطييب جسده. وبعد هذا نراه يتراءى ويأكل ويشرب مع التلاميذ. وشهد هؤلاء انهم رأوه عدة مرات. كذلك رأوه جميعهم انه اختفى عنهم بصعوده الى السماء. عندنا للحادث اذًا شهود كثيرون.

          و “اراهم يديه وجنبه” حسب رواية يوحنا. لم يكونوا اذًا امام شبح اذ تأكدوا بعلامة المسامير والجنب المطعون ان هذا هو الذي عُلّق على خشبة. ماذا اعطتهم القيامة؟ اعطتهم اليقين ان الذي شكّوا فيه لما هربوا هو حي وانه غلب الموت. وتوطد ايمانهم به لما حل الروح القدس عليهم. القيامة اذًا حدث حقيقي شهدوا هم له فانطلقوا بقوة عجيبة يعظون اليهود انه مات ثم قام. هذا اذًا هو الرب الذي لا يعتريه فساد. وتذكروا، اذ ذاك، قول المزامير: “لا تَدَعْ قدوسَكَ يرى فسادا”.

          ثم اعطتهم القيامة ان كل ما قال عن نفسه وعن كونه ابن الله كان حقيقيا. ولا ريب انهم عندما رأوه قد مات شكّوا بأمره وبأمر تعليمه. لم يبق الآن مجال للشك. ان هذا الذي لم ينتن جسده ما كان كبقية الناس ولا سيما ان الانسانية لم تعرف رجلا قام هكذا بقوة نفسه. له اذًا في نفسه سلطان على الموت. اليعازر ما قام بقوة نفسه ولكنه أقيم بنداء المسيح له: “يا لعازر هلم خارجا”. من هو هذا اذًا الذي حافظ على علامات موته في جسده؟ هنا فكروا انه يختلف جذريا عن بقية الناس. انبعاثه يؤكد اذًا صحة تعليمه وصحة عجائبه. فصاروا يستقرئون بقوة قيامته ان ما قاله عن علاقته بالآب كان قولا صحيحا.

          الأجيال اللاحقة التي تألمت واستشهدت فشهدت صارت قادرة ان تقبل الموت بشجاعة. وكانت تُقبل الى الموت بلا خوف فقط بتصديقها القيامة. والشهادة اديناها جيلا بعد جيل في العالم كله. وسيرة الشهداء حافلة بالقدرة العظيمة عند الشهداء لا تعادلها قدرة لأحد. العذابات موصوفة في كتبنا ودُوّنت ولم تر الانسانية قدرة مثل هذه. الاستشهاد الخارق في بطولاتها دل على ان الذين ماتوا حبا بيسوع استمدوا قوتهم من قدرته هو على غلبة الموت.

          والقداس الإلهي لا يقوينا الا لأنه ينقل الينا القوة التي كانت في قيامة المخلّص. ولذلك نصير بالقرابين التي نتناول ناسا قياميين وفق ما قاله السيد لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. اي ان المسيحيين يذوقون منذ الآن بطهارة قلوبهم بداية القيامة العامة.

          فالفصح الذي هو ذكرى قيامة المخلّص هو ايضا وعد بأننا نحن نخلص بها من خطايانا. فالقيامة بدأت به واستمرت بقداستنا ولذلك صار الفصح فينا فصحا مقيما الى ان نرث الفصح الأخير في الملكوت. ويكون عندئذ الكون كله قد تجلى وصار كونا من نور.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

دخول يسوع اورشليم/ الأحد 24 نيسان 2005/ العدد 17

أمس كان عندنا سبت لعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات صورة مسبقة عن قيامته هو في اليوم الثالث. لعل اهم ما جاء في إنجيل امس هو قول مرتا اخت لعازر للسيد: “لو كنت ههنا لم يمت اخي… فقال لها يسوع سيقوم اخوك”. ظنت انه كان يتكلم على القيامة في اليوم الأخير “قال لها يسوع انا القيامة والحياة”. وكأنه يقول القيامة الأخيرة سوف تحل ما في ذلك ريب. ولكن المهم ان تعيشوا انتم وكأنكم تحققون هذه القيامة كل يوم. وهذه حدث في داخل نفوسكم. انا قيامتكم وحياتكم ان انتم آمنتم بي. فالمهم التصاقكم بي. هنا تبدو المسيحية على انها عشق المؤمنين ليسوع. المسيحية ليست كتابا. هي أنا.

          في اليوم الثاني دخل يسوع الى اورشليم “راكبا على أتان وجحش ابن أتان”. هي دابة الفقراء. يدشن المسيح موته بشكل فاتح متواضع اي انه يدخل قلوب الناس وطراوتهم. يستقبله الأطفال بالدرجة الاولى. يركب بهيمة “ليحل بهيمية الأمم”.

          عشية ذلك اليوم والاثنين والثلاثاء نرتل “ها الخَتَن (وهي كلمة سريانية تعني العريس) في نصف الليل”. يدخل كل نفس في كثافة الظلام لأنه نورها. وكل نفس مؤمنة به تصير عروسا له. صرنا في مرتبة الحب. وتأكيدا لذلك نرتل ايضا: “انني اشاهد خِدْرَكَ مزينا يا مخلّصي”. والخدر هو الغرفة الزوجية اي ان الكنيسة تدعونا الى العرس، اسبوع آلام وليس اسبوع حزن. ذلك ان اوجاع المخلّص تعطينا فرح الخلاص. ومن جديد نستوحي إنجيل مرقس ونقول: “قلتَ لهم (اي لتلاميذك) ألا يماثلوا الأمم بالسيادة على من هم دونهم، فالاول فيكم ليكن خادما للكل والرئيس كالمرؤوس والمتقدم كالأخير”. ايضا هنا التواضع حتى آخر طريقه اي الموت.

          لا نعرف على وجه الضبط كيف قضى المعلم هذه الأيام الاولى في اورشليم، ولكنا نعرف الأقوال التي علّمها في الهيكل واهمها ما يتعلق بالدينونة. انتبهوا وعوا فصليبي يدين العالم، فلا تقعوا تحت الدينونة بمشاركتكم الذين سيقتلوني. أبيدوا شهواتكم المؤذية لئلا أحاكمكم في اليوم الأخير. احبوا موتي الإنقاذي لئلا تموتوا بمعاصيكم.

          بعد هذا، مساء الخميس العظيم، سيقيم العشاء السري مع تلاميذه. “شهوةً اشتهيتُ ان آكل هذا الفصح معكم… ثم تناول كأسا وشكر وقال: خذوا فاقتسموا بينكم فأني اقول لكم اني لا اشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. واخذ خبزا وشكر واعطاهم قائلا هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم… وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي…”. ثم خرج ومضى على عادته الى جبل الزيتون وتبعه تلاميذه.

          هذا هو القداس الإلهي عندنا. “هذا هو جسدي” اي هذا هو انا، بمعنى انكم اذا تناولتم القربان في كل ذبيحة تأكلونني اي تجعلون ذاتي في ذواتكم. والدم الذي تشربونه -وصورته الخمر- انما هو الحياة (في فلسفة ذلك العصر الدم هو الحياة). فكلما اجتمعتم تتناولون ذاتي وحياتي. القصة ليست اكل لحم وامتصاص دم بالمعنى البيولوجي. الكل فيكم هو أنا لأني انا القيامة والحياة كما قلت لمرتا قبل ايام معدودات. “من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وانا فيه”. فبالدم يتحد العريس والعروس. وما انا معطيكموه الآن صورة انما سيتم غدا على الصليب اذا طعن اليهود جسدي وأهرقوا دمي. اذ ذاك تنطلق حياتي من هذا الصليب عليكم وعلى العالم. “ثقوا اني غلبت العالم”. سيقول هذا بعد العشاء الأخير فيما كانوا نازلين الى وادي قدرون ليبلغوا جبل الزيتون حيث يسلم الخائن المعلم الى ايدي الخطأة.

          “انتم فيّ وانا فيكم”. عند ذاك آخذكم اليّ. انتم تحسبون اني صرت اليكم، وهذا ما اكدته قبل ذلك في الحديث عن خبز الحياة كما رواه يوحنا في إنجيله الرابع. ولكن ما لا تعرفونه انكم لحظة تأكلون جسدي وتشربون دمي، انا ايضا آكلكم واشربكم وأتناولكم لكي تكونوا معي على عرشي. فاذا نظرتم اليّ مصلوبا تستوون على العرش وتقومون من موتكم الروحي حتى نهاية هذا الوجود الأرضي، ثم تستوون على عرشي في السموات عن يمين الآب اي تكونون على كرامة الآب. انتم في الحب تتألهون وتصيرون ملوكا بملوكية الآب، وهذا هو فصحكم الأبدي.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية/ الأحد 17 نيسان 2005 / العدد 16

فيما نحن ندنو من الأسبوع العظيم ينتصب أمامنا وجه هذه المرأة الرائعة التي انتقلت من قاع خطاياها إلى ذروة مجدها. تعاطت الفحشاء منذ الثانية عشرة حبا بالفحشاء وليس طمعا بالمال فيما كانت تتقاضاه. مولودة مسيحية في الريف المصري ولكنها انتهت إلى الإسكندرية المدينة المترفة الواسعة حيث كان لها ان تنطلق إلى ملذاتها.

          يوما وجدت جمهورا يتراكض إلى البحر وفهمت انه مسافر إلى القدس لإحياء عيد رفع الصليب فخطر لها ان تركب البحر ولا تملك أجرة السفينة. هل كان حجها إلى القدس من باب الفضول ام ان شيئا من مسيحيتها استفاق فيها؟ هنا قررت ان تُسلم نفسها لمن شاء من الركاب لتدفع ثمن الرحلة.

          بلغت اورشليم ولكن قوة خفية حالت دون دخولها كنيسة القيامة. تقول سيرتها التي كتبها القديس صفرونيوس بطريرك اورشليم انها رأت من بعد ايقونة  والدة الإله ووعدتها بأنها لن تدنس جسدها فيما بعد فسمعت صوتا من السماء يقول: “إذا عبرتِ الأردن تجدين راحة مجيدة”. سارت في الصحراء حتى بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان على نهر الأردن ثم وجدت مركبا صغيرا نقلها إلى الضفة الأخرى فلازمت المنطقة سبعا وأربعين سنة تقتات من عشب البرية وتصلي كل الوقت.

          بقيت عواصف الميول السابقة تضربها 17 سنة حتى أدركت الهدوء. في ذلك الوقت كان في برية الأردن راهب يدعى زوسيما، والأديرة كانت كثيرة هناك. وكان يظن انه الأكمل بين البشر. غير ان الله اراد ان يبين له من كان اعظم منه. وكانت عادة الرهبان ان يغادروا اديارهم في اليوم الاول من الصوم ليوغلوا في الصحراء كل منهم على انفراد، ويجتمعون أحد الشعانين. وفيما كان يمشي في البادية رأى طيفًا من بعيد وتبين له انه امرأة عارية. خاطبها طالبا ان تقف، فقالت لا استطيع ان استدير اليك فأنا امرأة عارية فإليّ بردائك لاستتر واتمكن من التحدث اليك. فنزع رداءه وألقاه اليها وطرح نفسه على الأرض والتمس بركتها كما التمست هي بركته.

          اعترفت بكل ما جرى في حياتها وقالت له ان يعود اليها السنة المقبلة حاملا القرابين المقدسة وعينت له مكان الموعد. فجاء عند الموعد وناولها. وهذا ما نراه في معظم ايقوناتها. وفي السنة اللاحقة جاء ايضا فوجدها ميتة ويداها مصلبتان على صدرها، ووضعها في حفرة ورقدت في سلام الرب في اول نيسان حيث عيدها الأساسي إلى جانب هذه الذكرى.

          باختصار كلي احببت ان امجد بهذه السطور هذه المرأة العظيمة التي جعلتها الكنيسة في الصوم المقدس نموذجا للتوبة يحتذى به ولتقول لنا ان ما من خطيئة لا تُغفر لان رحمة الله اوسع من كل خطيئة وتذيبها ان اعترفنا بذنوبنا صادقين. ان في الانسان صورة الله كامنة وتتحرك اذا منّ الرب علينا بحنانه. تتحرك عندئذ طاقات الخير فينا وتغمر كمياه الطوفان كل اوساخ المعاصي ولا يبقى فينا الا نور الغفران.

          فاذا ما اخذنا نتوب في هذه الأربعينية المقدسة، يزداد نورنا ونمشي مع كل المؤمنين إلى ضياء القيامة، فلا يبقى فينا الا فاعليتها وتصير حياتنا فصحا ابديا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مشوار الصوم/ الأحد 10 نيسان 2005 / العدد 15

ها نحن في الأحد الرابع في المنعطف الثاني من الصوم، الإنجيل فيه ينتهي بكلام المعلم: “ان ابن البشر سيُسلم الى ايدي الناس فيقتلونه وبعد ان يُقتل يقوم في اليوم الثالث”. الآلام والفصح هما اذا غاية هذا المشوار الجميل الذي نقوم به أحرارًا من الشيطان الذي قال عنه هذا الفصل الإنجيلي انه استولى على شاب مريض أعراضه هي أعراض داء الصرع. وفي سياق الحديث قال الرب عن هذا الشيطان انه “لا يخرج بشيء الا بالصلاة والصوم”.

          ان الرياضة الروحية الأربعينية التي نحن فيها تقوم على هذين الركنين: الإمساك والصلاة. إمساك نشهد فيه اننا نرفض السيطرة لشهوة الفم علينا فنمتنع فترة ساعات عن الطعام ونعف عن بعض الأطعمة لنسود رغباتنا ولو شرعية وذلك ترويضا لعقلنا حتى يقتنع ان المعدة ليست كل شيء. نحن من جسد ولكنا لسنا فقط من جسد، لسنا من جسد اذا أتينا من الروح القدس ساكنا فينا.

          ثم الصلاة المكثفة في هذا الموسم شهادة على إيماننا ان من امتلأ من كلمة الله يقرأها في بيته ويسمعها مع الجماعة هو راغب في ان تحل فيه حضرة الله المباركة يتقدس وينمو بها. ان تسكن فيك كلمة الله لتطيعها وتتكيف بها هو ان تقول انك ترفض كلمات فيك تناقض كلمة الله. انت تطرد من نفسك كلمات يوسوس لك بها إبليس لتصير من حزبه. وانت وحدك غير قادر ان تطردها. كلمة الله الطاهرة المحيية تكنس الكلمات النجسة التي علقت بك. اي انك قائل انك ترغب في ان تصبح كائنا إلهي الفكر، إلهي التصرف وبدء هذا الفكر في هذا الزمان ان تغفر للناس زلاتهم ليغفر لك ابوك السماوي زلاتك. وبالغفران تجعل الانسان الآخر اخا لك ولو لم تلده امك اي تصير معه من عائلة الآب، هذه التي تسير معا الى مشهد الصلب فالقيامة.

          القيامة كانت نصر المسيح على الخطيئة والموت. المطلوب ان تجعل القيامة فيك اي ان تقوم انت من الخطيئة حتى لا يسود الموت الروحي عليك. واذا لم تستضف القيامة فيك تكون هذه حدثا حدث وولى. اما اذا جعلتها فيك تحس انها دائمة، انها فاعلة ابدا لتكون عندنا انسانية فصحية. ليست المسيحية أغنية تغنى. انها قائمة في البشر في أرواحهم وافكارهم ونحن الارثوذكسيين نقول انها في اجسادهم ايضا.

          اجل يقول القديسون ان الصوم وسيلة ولكنك تحتاج الى الوسيلة لتبلغ الغاية. والغاية هي الفرح. وما من فرح الا بعد جهاد. ان الرب يؤتيك السرور الحقيقي والابتهاج ان انت عملت له بواسطة ضبط جسدك وفكرك. فاذا رآك ضابطا كل هذا محبةً به يأتي اليك ويقرع باب نفسك فيدخل ويتعشى معك. اما اذا لم تجاهد فتكون قد اغلقت باب نفسك دون المسيح اليه اي تكون قد تعلقت بالأشياء العابرة التي التقطّها من هذه الدنيا العابرة.

          فاذا كنت جديا في هذه الحرب الروحية تخوضها ضد روح الشر تصير مجانسا للمسيح. مجانسا تعني انك تصير من جنس المسيح النور. لذلك تجمع ما استطعت من النور خلال هذا الزمان المبارك حتى اذا حل العيد ينظر اليك السيد المبارك ويرى انك بت على مقدار من النور اي يرى انك صرت مثيلا له بالنورانية. بلا هذه النورانية التي تطلبها بإلحاح تكون قد قرأت تاريخ العيد في الروزنامة.

          هل تريد ان تأتي من قيد في الروزنامة ام من محبة يسوع اياك. أحببه في هذا الموسم يحبك في فصحه ويقيمه في قلبك عسى يلازم قلبك مدى حياتك.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 3 نيسان 2005 / العدد 14

ثلاثة اسابيع من الصوم توصلنا في هذا الأسبوع (الأربعاء) إلى منتصف الصيام الذي ينتهي بسبت لعازر، وبعده ندشن صوم الأسبوع الكبير المقدس الذي هو أشد في نظامه النسكي واعمق في معانيه. وقد لاحظت الكنيسة ان ثلاثة اسابيع من الجهاد ترهق بعض المؤمنين الذين يملون من متابعة النسك والتضييق على انفسهم. فلئلا يتعبوا روحيا كما تعبوا جسديا وضعتهم الكنيسة امام مشهد الصليب واقتبست مقطعا من انجيل مرقس يعبر تعبيرا عظيما عن حقيقة الصليب.

          في هذا يقول السيد: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. اي اذا شئنا ان نمشي وراء يسوع فهذا له ثمن نبذله. ما هو الذي يجب بذله؟ ان تنحر هذه الشهوة او تلك لا يكفي. ان تنفق بعض المال او كثيره على الفقراء لا يكفي. انت يجب ان تذهب إلى الصميم، إلى أصل الشر وتنفيه عن ذاتك. الذات هي الكلمة المفتاح ويسميها الإنجيل النفس. فأنت تابع للمسيح إلى حيث وصل اي إلى الصليب. فاذا اردت ان تميت الخطيئة التي قتلت المسيح عليك ان تضحي ليس بشيء او بمجموعة اشياء ولكن بالأفكار المغلوطة والعلاقات المشبوهة اي بكل ما هو ساقط فيك وجارح لكيانك الروحي او مبطل للصوت الإلهي فيك. ذلك انك جعلت شخصك مكونا من هذه الأشياء او هذه الكلمات او تلك الوجوه. الأمر يتطلب انسلاخا عن ذاتك، عن اشياء متأصلة فيك لتجعل المسيح وحده مكونا لشخصيتك ومالئا كل فراغ فيك.

          تفريغ ذاتك مما علق بها من هذه الدنيا يسميه يسوع ان تهلك نفسك التي كانت تظن انها مكونة من هذه الأشياء الفانية والمؤذية التي تعبأت منها. ثم يقول: “من اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. انت لا تفرغ ذاتك بدون هدف. تفرغها من اجل يسوع وسكناه فيك. تفرغها لكي تملأها من الإنجيل وتصير مسكن الإنجيل. عند ذاك فقط انت انسان جديد.

          ولكي لا يتساءل المؤمن: ماذا اترك من هذه الدنيا وماذا لا أترك قال له السيد: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. يمكن ان تربح كل شيء اذا استسلمت لمغريات الدنيا: المال والنفوذ والسلطة وما يطيب لهذا الجسد ان يستهلكه. كل هذا، مجتمعا، يسميه المسيح العالم. فاذا حصلت على كل ما في هذا العالم في رؤية المسيح والمؤمنين به لا تكون قد أخذت شيئا لأن “العالم يمضي وشهوته”. تبقى نفسك في فراغ.

          “أَم ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه”. نفسك أثمن من هذا العالم وكل ما فيه. لا شيء في هذه الدنيا يفديها ولا شيء يضارعها. “انكم قد اشتُريتم بثمن” وهو دم ابن الله. لماذا تبيعون هذا الدم بأشياء بخسة؟ لماذا تتصرفون وكأن الدم الإلهي الذي انسكب لا يهمكم ولو تحسون بأنكم صرتم عظاما ولا مال لكم ولا نفوذ ولا سلطة؟

          لا يمكن ان تتحرروا إلا بالصليب أي بدق خطاياكم على مساميره، وإذا قبلتم أن تنصلبوا تعرفون أنكم ترثون المجد لأنه “بالصليب قد أتى الفرح لكل العالم”. في وسط هذا الصوم تكونون كمن ورث القيامة قبل حلول العيد. العيد هو ان تقوم نفوسكم من قبورها وانتم احياء بالجسد اي من قبر الخطيئة التي دفنت النفس فيها.

          هكذا يمكنكم ان تكملوا الصيام بفرح وان تأخذوا أقساطًا من الفصح، حتى إذا تحررتم حقا في فترة الصيام تتمكنون من قبول النور الفصحي.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

المخلع/ الأحد 27 آذار 2005 / العدد 13

الأحد الماضي ابتهجنا باستقامة الرأي التي نحن عليها. عبارة “استقامة الرأي” تترجم الى العربية الكلمة اليونانية “الأرثوذكسية” وهي تعني اننا أخذنا ايمان الرسل ولم ننحرف عنه وما شوهناه. ان المسيحية الاولى كما أتت من الإنجيل هي التي ندين بها. وعندما يقول إنجيل اليوم ان المسيح كان يخاطب الناس بالكلمة أراد ان يسوع كان يردد كلمات الأنبياء وموسى والمزامير ويفسرها للناس وما أتى بدين جديد.

          غير ان للناس حاجات يظنون انها خارج نطاق الكلمة مثل الصحة. الذين جاؤوا اليه لما كان يعلّم في كفرناحوم التمسوا منه شفاء لقريب لهم او جار كان مخلعا او مفلوجا، ولصعوبة وصولهم الى المعلم كشفوا السقف وهو مثل السقوف التي عرفناها في القرى كناية عن تراب موضوع على خشب. قاموا بكل شيء للوصول الى يسوع لإيمانهم بقدرته على الشفاء. لم يستجب فورا يسوع لطلبهم. هو كانت له رغبة اخرى فقال للشاب المريض: “يا بني مغفورة لك خطاياك”. هذا تأكيد لم يقم به ابدا نبي في اسرائيل ولا ربّاني (حاخام).

          شفى يسوع المريض بعد هذا وأكد بذا انه له سلطانا ان يغفر الخطايا اي ان له سلطان الله.

          كل مريض منا في جسده له ان يطلب الشفاء ولكن له اولا ان يطلب مغفرة خطاياه. هذا أهم. هناك هرمية في المطالب. لذلك قال السيد: “اطلبوا اولا ملكوت الله وبره والباقي يزاد لكم”. من منا مقتنع ان الخطيئة ليست مصيبة كبرى فقط ولكنها هي وحدها المصيبة. وهذه ليس لنا خلاص منها ما لم نقترب من يسوع ليلمسنا بنعمته ويضمنا الى صدره.

          هذان الاسبوعان اللذان قضيناهما في الصوم هل اردنا فيهما الدنو من يسوع، من شخصه، من وجهه، من أعماقه ام كانت لنا مجرد تغيير للأطعمة؟ الطعام الصيامي والإمساك عن كل طعام مجرد وسيلة ترويض لنرتمي على حضن المسيح لنصير ابناء الآب. طبعا يجب ان نستغفره ونستغفر الإخوة على الدوام لنذوق المحبة. هذا غايته ان نستلم سلام المسيح.

          الى جانب الإمساك واضح ان هذه الفترة فترة صلاة مكثفة، نحاول فهمها جيدا لنلتحق بالمعاني ونطيعها. وتتراوح المعاني بين الطلب والشكر والتسبيح وسط تلاوات انجيلية وتلاوات من العهد القديم وغاية كل صلاة ما طلبه بولس: “ليكن فيكم الفكر الذي كان في المسيح يسوع”.

          هذا يقودنا الى ان صلاتنا لن تجعل فينا فكر المسيح ان لم نقرنها بقراءة تأملية، هادئة، عميقة لكلمة الله. ذلك ان الكلمة هي التي تجعلنا نفهم الصلاة. والقراءة تحتاج عند الكثيرين ان يتحولوا عن إهمالهم للإنجيل وان يأخذوه ويفتحوه ليستطيبوه فيأكلوه. ان لم يحصل هذا فنحن مع ذواتنا ونأتي من أهوائنا وأمزجتنا ولا نأتي من الكلمة التي من سمعها يحيا بها.

          الكلمة شفت المخلع وهي اليوم تشفي مخلع الروح اي ذاك التي كسرته خطيئته او جعلته مفلوجا بالمعنى الروحي. نحن فينا تشوش فكري او اضطراب لكوننا نسمع الكلمة من مصالحنا او شهواتنا. متى نسمع فقط كلمة الله؟ وهي كافية للجواب عن كل سؤال تطرحه النفس في فوضاها او انحطاطها او تحيرها.

          هذا الموسم هو الموسم الأمثل لنسمع ما يقوله الله لنا في كتابه والخِدَم الإلهية ليقوِّم اعوجاجنا ثم يجمّل سلوكنا بحيث يفرغ قلبنا مما ليس موافقا ليسوع فنرى المخلّص وحده سيد القلب.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الأم/ الأحد 20 آذار 2005 / العدد 12

شرف المرأة ان الله وهبها ان تكون أُمًا للمخلّص. فاتضح لنا بسبب هذا ان ولادة الاولاد كريمة، مقدسة. في هذا تتابع المرأة كالرجل عملية الخلق، تمدّ الخلق الى الأمام والى الآتي. ويحيط الرب المرأة بعنايته في حبلها ووضعها لأنه خالق الخلق وحاضنه، واذا قامت المرأة برعاية اولادها في الإيمان والفضائل تلعب دور الأب الروحي بمقار وتُقدّس نفسها بعد أن وهبها ربها قدرة على العطاء عظيمة. ذلك انها في تكوينها حاضن وفي ذهنيتها تبقى حاضنا الى الأبد اية سن بلغ وليدها كأنه لا يزال عندها يحيا على حرارة هذا الحضن وكأنها مسؤولة على الدوام عن إحاطته بأقصى ما عندها من عناية، كأنها تأبى ان ينقطع حبل السرّة.

هذا لا يعني ان كل أُم على اعلى نوعية من الصلاح، وقد تخطئ الى ولدها بالإهمال او القسوة، وتتصرف هذه او تلك من النساء بروح الاستيلائية والاستبداد والجهل التربوي المقترن كثيرا بالأمية المتفشية عندنا. فالعلاقة لا تستقيم دوما مع الوالد او الوالدة. وهناك ما يسمّيه علماء النفس «قتل الأب» في تهجم شعوري وخلاف. وقد نعيش خلافا مع الأم ايضا.

ولكون الله عارفا بالتشنجات الممكنة في البيت قال: «أَكرمْ اباك وامك». انه اكتفى بالإكرام لأنه اراد التعامل ولم يفرض حبا لاهبا للأهل. وما من شك في ان الطبيعة توجّه الشعور بالدرجة الاولى إلى من أتى بعدنا ومنا ولا توجّهه بالمقدار نفسه إلى السلف.

الحديث عن الأم والأب حديث عن التربية، وغير صحيح انها فطرة. هي شيء ندرسه اذ كثيرا ما نسيء التربية، ولذلك الأم تتعلم ايضا أمومتها عن طريق القراءة والندوات حتى لا تقع في هذه الهرطقة الشائعة اليوم انه لا يجوز ان تقول لابنك: لا. هناك عندنا تأديب، وفيه دائما حزم حتى الشدة بلا عنف. الذين يخشون قول «لا» لأنهم يخافون التعقيد في اولادهم لم يفهموا ان أب البحث عن العقد النفسية فرويد لم يقل كلمة ضد التأديب. فالولد ليس غصنا ينمو نفسيا من ذاته. هناك حركة إنماء وتقويم من قبل ذويه لأننا في الجنس البشري حواريون بحيث ننشئ اولادنا بفكرنا وسهرنا كما هم يعطوننا الكثير بطراوتهم في الطفولة او نضجهم اذا بلغوا.

قد تزداد العلاقة صعوبة اذا بلغ ذوونا الشيخوخة وكنا معايشيهم تحت سقف واحد. هنا قال بولس: «لا تزجر شيخا». الأم-الشيخة لها حق علينا بالانتباه الكبير والرعاية الصحية وقضاء وقت الى جانبها بمحبة فائقة لئلا تحس بالعزلة واننا لا نردّ لها ج

ميل صنعها او انها مهجورة لضعفاتها الجسدية او العقلية.

من مشكلاتنا حتى التعقيد اذا كنا ذكورا ان نلتصق بأمهاتنا اكثر من التصاقنا بزوجاتنا او ان نُخضع زوجاتنا لأمهاتنا فلا نكون قد قطعنا حبل السرة وبتنا اطفالا غير ناضجين. هذا امر ينبغي ان نسهر عليه روحيا وربما على صعيد التحليل النفسي. ينبغي ان نجاهد في سبيل اكتساب البنوّة السليمة ليبقى كل من الوالد والوالدة على عرشه.

Continue reading