Category

2005

2005, مقالات, نشرة رعيتي

تجلي الرب / الأحد 7 آب 2005 / العدد 32

ان عشت حتى استلامكم هذا العدد من “رعيتي” سأكرس كنيسة التجلي المسماة شعبيا كنيسة المخلص في بحمدون المحطة وهي من اجمل كنائس الجبل، ورجائي ان تكون موضعا يتجلى فيه ارثوذكسيو هذه البلدة. غير ان بهاء هذا المعبد يأتيها من تجلي يسوع الذي اقمنا عيده أمس وهو وعد لتجليكم جميعا اي لالتحافكم بالنور الإلهي الأزلي، فاذا بكم تصيرون قامات من نور تطرحون عنكم ترابيتكم وأتعابكم وهمومكم ويبقى همكم الوحيد ان تفتشوا عن يسوع في كلمته وفي وجوه الذين يحبونكم والذين يبغضونكم.

          متى نصير ابرشية من نور لا يكره فيها احدٌ احدا ولا نتفرق قبائل، ونتعاون في خدمة الفقير حتى لا اموت وفي نفسي غصة انْ الحقود بقي حاقدا وفيّ قناعة ان كل مؤمن صار اعمق ايمانا مما كان عليه في الماضي وأقوى في الرجاء وأمتن في المحبة متقبلا اخاه “بلا محاكمة أفكار”، حاضنا عياله وأصدقاءه. واذا لم نفعل هذا يكون المسيح قد تجلى باطلا او لا نكون قد استلمنا تجليه.

          اذكروا ما جاء في انجيل السَََحَر للعيد  حسب لوقا ان الرب صعد الى الجبل ليصلي وفيما كان يصلي اي فيما كان واحدا مع الآب “تغير منظر وجهه وصار لباسه ابيض لامعا”. معنى ذلك انه تجلى من داخله لا من نور جاء اليه من الخارج. لا احد يستطيع ان يصعد عاليا الى الله الا اذا كان الروح القدس فيه. واذكروا ايضا ان النبيين موسى وايليا اللذين دعاهما اليه تراءيا في مجد لأنهما اشتركا في المجد الذي كان هو عليه. وما ينفرد به لوقا هو ان النبيين تكلما معه عن آلامه. معنى ذلك ان كل مجده كان بالصليب، بقبوله الموت الطوعي. هذا الموت كان ذروة طوافه على الأرض، وهنا اكتمل مجده في جسده. “مجِّدني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندكَ قبل انشاء العالم”. من حيث انه إله كان يقيم في المجد الأزلي. الآن التحف كيانه الجسدي ايضا بهذا النور الذي كان مقيما فيه قبل كون العالم.

          ثم لاحظوا ان سحابة ظهرت فظللت التلاميذ الذين كانوا معه. والسحابة في العهد القديم كانت ترمز الى الحضرة الإلهية التي كانت ترافق بني اسرائيل في صحراء سيناء. والمعنى ان التلاميذ دخلوا هم ايضا الى المجد. الا نشتهي ان نكون مثل التلاميذ الثلاثة الذين اصطحبهم الى الجبل وكانوا ملاصقين المعلم في التجلي العظيم. ونحن الارثوذكس نؤمن ان هذا النور غير مخلوق. ليس هو نور الشمس. انه ذلك النور الذي يفيض من الله نفسه، ويسميه آباؤنا “القوى غير المخلوقة”. هذا ما نناله في النعمة. الرب لا يصنع لك هبة اليوم صنعا ولكن يعطيك مما فيه منذ الأزل وكأنك انت مخطوف الى الأزل، كأنك لم تولد من امرأة لأنك من اولئك الذين يقول عنهم يوحنا انهم من الله وُلدوا.

          ثم صار صوت من السحابة قائلا: “هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا”. يسوع بكليته اي في لاهوته وناسوته كان ابن الله. وانت اذا شاركته تجليه تصير ابن الله بالتبني. المسيح ابنه في الجوهر، وانت تصير ابنه بالعطف الإلهي. وهكذا يصح ان تسمى اخا ليسوع. ما بقيت انت عبدا، فلما حررك السيد بموته وقيامته واشتركت في جسده ودمه في الكأس المقدسة، بتّ اخا له واصبحت حبيب الله بالكَرََََم الإلهي.

          ولكن هذا له شرط واحد ان تتحمل كل صعوبة في الدنيا، ان تأخذ صليبك وتتبعه، ان تلقي نفسك على صدره بالعشق الإلهي. عندئذ تحترق خطيئتك بنار الغفران الذي ينزله الله عليك وتمتلئ من نعيمه ويزول عنك الغضب وتدخل في الرحمة، وما سوف تحصل عليه في الملكوت تنال عربونه هنا بحيث اذا صعدت الى السماء من بعد موت تكون قد ذقت جمالها فيك الآن.

          هذا هو تجليك الدائم. وما كان العيد الا ليكون كل يوم لك عيدا، فاذا ابتهجت بالمسيح وابتهج المؤمنون الآخرون بالمسيح، نصير كنيسة الفرح المتلألئة دائما.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم/ الأحد 31 تموز 2005 /العدد 31

الفصل المقروء اليوم يتضمن تعليما يتعلق بالنشاط الكنسي ثم بتوجيه أخلاقي.

          كان في الكنيسة من سمي أنبياء وهم ناس يلهمهم الرب أن يبلغوا الجماعة مشيئته. كانوا من العوام. غير أن الرسول خشية وقوع هؤلاء في خطر الكلام نبههم أن القاعدة في كل الكلام أن يكون موافقا للإيمان. هذا هو محك إن هذا الكلام يجيء من الله.

          النبوءة موهبة وغيرها موهبة. ومن المواهب الخدمة أي خدمة الأسرار. أما الذي يسميه بولس المعلم فقد يكون علمانيا. ووظيفة هذا الآتية من الروح الإلهي أن يعطي فحوى العقيدة. لو سئل مسيحي آنذاك بماذا آنت تؤمن لأجاب انه يؤمن بالله وبموت ابن الله وقيامته والمعمودية وجسد الرب ودمه والقيامة من بين الأموات. كل هذا تجده في رسائل بولس.

          الواعظ له عمل آخر. هو يقف في القداس بعد قراءة الأنبياء ورسالة من بولس (الإنجيل لم يكن مدونا بعد) ويحض المؤمنين على التوبة. لا يعلم وكأنه في صف التعليم (هذه وظيفة المعلم) ولكنه يستخدم التعليم نقطة انطلاق ليدعو إلى التنقية استعدادا للمناولة.

          أما المدبر فتعني المسؤول عن الفقراء وهذا يحضه الرسول على الاجتهاد أي ألا يهمل احدًا منهم وان ينكب على عمل فيه سعي إلى معرفة المحتاجين وحاجاتهم او أعطاهم من مال الجماعة.

          أما من سماه الراحم فهو من أحسن من ماله الخاص وربما كان ناشطا في حقول أخرى مثل عيادة المرضى.

          وبعد أن استعرض بولس كل هذه المواهب تكلم توا على المحبة وكأنه يقول أن المواهب أنزلها الله على المؤمنين من اجل بنيان الكنيسة بالمحبة. يريد المحبة بلا رياء أي ليس بالكلام المعسول وإظهار عاطفة كاذبة ولكنها محبة أخوية صادقة وكان الرسول قد استفاض في الحديث عنها في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (إصحاح 13).

          أما قوله: “مبادرين بعضكم بعضا بالإكرام” فليحثنا على ألا ننتظر الإكرام من آخر بل أن نسبقه به. وهذا لا يعني المديح الذي لم يحبه المسيحيون ابدا ولكنه اقرب إلى لطف المعاملة والحديث القائم على الطراوة وليس فيه جدال حاد او ذم.

          ثم يتكلم ضد الكسل ذلك لكوننا مسؤولين في العمل المهني عن أنفسنا والعائلة والناس. والى هذا ضرورة الاجتهاد في درس الكلمة والعناية بالجميع.

          كل هذا لا يتحقق الا اذا كنا “حارين بالروح” أي متقبلين الروح القدس. هذه هي المعمودية بالروح والنار التي تكلم عنها يسوع. يجب أن يراك البشر شعلة ماشية غير منطفئة وهذا ما يجعلك في العمق عابدا الرب ولا تعبد سواه فإذا عبدت المال او أية شهوة أخرى تكون قد انتقصت من كون الله إلهك الأوحد. هذه العبادة تعطيك الفرح في الرجاء أي تراكم فرح على فرح بانتظار فرح الملكوت.

          هذا لا يمنع الضيق. لذلك يقول: “صابرين في الضيق” لأنه امتحان الله وانتظار المشيئة الإلهية في كل وقت. ولا يسعكم أن تكونوا صابرين الا اذا كنتم “مواظبين على الصلاة”. وهذه ابتدأت أن تنتظم في أوقات محددة في الصباح والغروب. تواظبون عليها لتعيشوا بها.

          غير أن حياتكم في المسيح لن تستقيم لكم الا اذا لبيتم احتياجات القديسين وهم بالدرجة الأولى فقراء أورشليم الذين حدد الرسل لبولس أن هؤلاء يجب أن يكونوا هما من همومه لما أطلقوه إلى تبشير الأمم. كذلك في كل كنيسة محلية ومنها رومية ضيافة الغرباء ولاسيما أن رومية، عاصمة للإمبراطورية، كان يلجأ إليها المسيحيون من الشرق وليس لهم فيها ملجأ.

          أخيرا يحث بولس المؤمنين أن يباركوا الذين يضطهدونهم. والاضطهاد كان له بدايات في عصره وهو من الذين اضطهده اليهود في فلسطين وأماكن أخرى بشر فيها. ثم بعد هذا ببضع سنوات انفجر الاضطهاد الكبير على عهد نيرون.

          وينهي كلامه بقوله: باركوا ولا تلعنوا فالذي يضطهدك يحتاج إلى صلاتك ليحيا بها.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الإيمان والاعتراف/ الأحد 24 تموز 2005/ العدد 30

في رسالة اليوم إلى أهل رومية: «إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع وآمنتَ بقلبك أن الله قد أقامه من بين الأموات فإنك تخلص». هنا يلخص بولس الإيمان بأنه الإيمان بقيامة السيد. قال هذا لأن القيامة هي الذروة إذ تعني الثقة بيسوع الكاملة وبما أوحاه لنا في إنجيله وبما سلّمت الكنيسة إلينا في العقيدة والعبادات. فإلى جانب تحرّك القلب هناك كل حقائق الوحي: الثالوث، التجسد، الروح القدس، الكنيسة والأسرار و«قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي».

هذه تكشفها لك الكنيسة في التعليم وتعظك بها فتدخل إلى قلبك وعقلك معًا وهما في الأرثوذكسية غير منفصلين. لم يفكّر الرسول والآباء من بعده أن العقل وحده يستنير. القلب دائمًا يلتهب بمحبة المسيح. اختزل بولس كل مضمون الإيمان بقوله «إن الله قد أقام يسوع من بين الأموات». والكنيسة أنشدّت إلى هذا. لذلك تحتفل بالقيامة كل أحد كما تحتفل بها في الفصح وما يلي الفصح حتى العنصرة.

الإيمان ينتج عنه الاعتراف باللسان. على الأقل لا يمكنك في حضور الغرباء عن الإيمان أن تقول عكسه. هذا هو الكفر بالذات. والقلب المؤمن ينكشف باللسان إذ عليك أن تنشر رسالة المسيح وأن تبشّر. كل مسيحي مبشّر لأنه فرح بسيّده ويطفح لسانه بالتكلّم على سيده ويشتهي أن يحب كل إنسان الرب يسوع حتى يخلص وتنمو الكنيسة.

تلك هي الشهادة: «ستكونون لي شهودًا في أورشليم واليهودية والسامرة حتى أقاصي الأرض». بماذا تشهد؟ أنت لست تشهد بمجرّد تلاوة الإنجيل على الناس وتفسيره. ينبغي أن يستقر الإنجيل في داخل نفسك وإلا لا يخرج على اللسان. ولهذا قيل: «الذي كان في البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فإن الحياة أُظهرَت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا» (1يوحنا 1: 1و2).

واضح هنا أن يوحنا الرسول في مطلع رسالته الأولى الجامعة قد ذاق المسيح وان كلمته دخلت كل كيانه وتحسسها ففاض لسانه بهذه الخبرة الداخلية فكتب. ولهذا قال الكتاب: «به (أي بالمسيح) نحيا ونتحرك ونوجَد». المسيحية حقيقية في الكيان الداخلي ثم تصير كلامًا وعملا.

وقمة الشهادة شهادة الدم التي قدّسها المؤمنون بيسوع ليس فقط زمن الاضطهادات الرومانية ولكن في كل زمان ومكان. هي أن تصرّ على أن المسيح مخلّصنا وانه هو «الطريق والحق والحياة». وأن تقول هذا وتظهره ولو نتج عن هذا أن يقتلك ظالمون (دول أو جماهير عمياء). في مفهومنا أن قلبك ولسانك منسجمان أبدًا حتى لا تنفصل عن المعلّم على أي صعيد في كيانك. نحن ملتصقون بيسوع في حياتنا ومماتنا لأننا «إن حيينا أو متنا فللرب نحن».

عكس موقفنا الموقف الذي يُعبَّر بلفظة  «التقيّة» بحيث تؤمن بقلبك وتكفر بلسانك خوفًا من الموت. هذا مباح في هذا الدين أو ذاك ولكنه عندنا صميم الكفر. نحن عاشقون ليسوع ليس فقط إن كنا في الهناء والسلم إذ نبقى عاشقين ولو كان علينا أن ندفع الدم تعبيرا عن ذلك.

بسبب من واجب الاعتراف، عندنا إلى الشهداء فئة القديسين المعتَرفين الذين عُذّبوا بسبب من إيمانهم ولم يصلوا إلى الموت. ولكنهم شاهدوا يسوع في آلامهم واشتركوا في قيامته.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

سوء الظن/ الأحد 10 تموز 2005 / العدد 28

«سراج الجسد العين». بدء إنجيل اليوم (متى 6: 22-32) مركَّز على الفيزياء القديمة أنّ العين فيها نور والنور يخرج منها لترى. أستعير هذا المفهوم الفيزيائي القديم لأفهم قول السيد: «سراج الجسد العين. فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّرا»، أي إذا كنت ترى بالنور الإلهي الذي فيك يستنير كيانك كله وترى ان الآخر كائن إلهي ولو حلّلت تصرفاته أو أدركتها بالمعاشرة ووجدتها سيئة. أنت ان كنت تسلك إلهيا تُسقط على الآخر النور، تعمّده بالنور وتتجاوز ما يزعجك فيه.

طبعا لا تستطيع ان تغمض عينيك إذا تأكدت ان في الآخر سوءا أو كذبا أو استغلالاً لك أو إرادة استغلال أو رغبة فيه لإذلالك وتطويقك أو القضاء على مصلحة لك. افهم انه ينبغي ان ترى الواقع ولا تكون غبيا أو أبله. ان تعرف الآخر كما هو شرط للتعامل بينكما لا تكون فيه ظالما أو مظلوما.

غير ان التلاقي الأول بينك وبين شخص آخر يكون قائما على حسن الظن لئلا تكون ظالما. وإذا كشف التعاون ان في الآخر سوءا أو سوء نية فتتصرف على ما تبين لك. ولكنك مبدئيا تبدأ بحسن الظن.

أجل هناك طبائع بريئة يغشّها الآخرون بسرعة وتخسر. صاحب الطبع البريء يجب ان يتعلم الحكمة وفق قول السيد: «كونوا حكماء كالحيات». ولكن هذا لا يعني الحذر الدائم. ذلك ان الحذر الدائم يجعلك غير قادر على التلاقي أو التعامل، وهنا تخسر أيضا. القاعدة إذًا هي هذه ان توحد بين حسن الظن والذكاء.

أما استمرار سوء الظن فيعرّضك إلى ان ترى كل الناس سيئين أو أعداء، ويعوزك، إذ ذاك، كثير من الجهد لتنتقل إلى الرؤية الصافية المقرونة بالمحبة التي تعطيها مجانا. هناك ناس يصعب عندهم فهم الآخرين ويصعب عليهم التمييز ويقلقهم تعاطي الناس فيهربون منهم ولا سيما إذا توقعوا ان هناك مشاكل أو تعقيدات. ولكن لا بد من المواجهة ليتم التلاقي الصحيح.

الأمور تزداد تعقيدا في العلاقات الزوجية. هنا سوء الظن المستمر يجعلك تغرق في تخيلات رهيبة. وهنا يجب ان تفهم طبع رفيقك في الحياة الزوجية، فإذا كان الفريق الآخر في الحياة الزوجية ذا طبع مرح أو كثير الانفتاح وابتسم لإنسان من جنس آخر، لا تدع سوء الظن يدخل إليك حتى لا تدخل في هذه الحالة المرضية ان تراقب الرفيق أو الرفيقة على كل حركة وكل كلمة يتفوه بها. فالإنسان يمكن ان يكون طاهرا وسلسا مع الآخرين فتظهر أحيانا حرارة بحديثه مع الجنس الآخر. لا يجوز ان يبقى احدنا مغلقا، جافا في التعاطي البشري لئلا ينهدم البيت. لا يجوز ان تكون في حالة المراقبة الدائمة لامرأتك أو العكس. يمكن ان تكون أنت في حالة تعاطف روحي أو فكري مع امرأة ولا تكون امرأتك على الدرجة نفسها من التعاطف. لا تجعل امرأتك في قفص، ولا تجعلي زوجك في قفص. هذا مدمّر للعلاقة الزوجية. ليس مثل الغيرة تقتل الحياة العائلية.

كذلك لا تشك دائما بابنك أو ابنتك وصدقهما إذا قال احدهما انه كان هنا أو هناك حتى يثبت العكس. لا تجعل أولادك أيضا في قفص لئلا يختنقوا ويروا انك مستبد بهم. أنت راعيهم ولست شرطيا عليهم، والرعاية تأتي من المحبة والثقة.

الثقة التي تبديها لمن تتعامل معهم في البيت أو دنيا العمل كالثقة بموظفيك تجعلهم في حالة سلام وهدوء وتقوّي شخصيتهم وتزيد المحبة عندهم، وهم عند ذاك يبادلونك الثقة بالثقة. الحياة هي معية.

الثقة هي القاعدة. والرب لما أحبنا بالمسيح كان يعرف قدرتنا على تخطّي أتعابنا وخطايانا. ان يثق بك الناس لحسن ظنك فيهم يقرِّبهم من الثقة بالله.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

التأبين/ الأحد 3 تموز 2005 / العدد 27

في اللغة أبّنه أثنى عليه بعد موته وذكره بالخير. ويقال عن العظة في المآتم. وهذا نوع من الكلام استعمله الآباء القديسون ولكنهم كانوا يؤبنون العظام منهم المعروفين بقداستهم ولم يتركوا لنا تأبينا في كل انسان.

          وقد انتشر هذا النوع في بلادنا لما أخذوا يدعون المطارنة الى المآتم، وكان هذا نادرا جدا منذ مئة سنة او قبل. وما كانوا ينتظرون من الكهنة ممارسة هذا الصنف من الكلام لاعتبارهم ان المطران كان الأقدر على الخطابة. ثم اخذ بعض الكهنة يتعلمون اللاهوت والبلاغة وصاروا يتكلمون. واحيانا يتكلم الذي يعرف والذي لا يعرف، والخطابة علم من علوم اللغة صعب. غير ان الصعوبة الكبرى ان الميت لا يكون دائما مستأهلا المديح ولا يقال عنه الا انه “آدمي”. كيف تأتي بعظة والميت اقل من عادي بفضائله فتضطر ان تقول انه ربى اولاده حسنا. من يعرف، حقيقة، ذلك؟ ينجر عند ذاك المؤبن ان يقول اشياء عن التربية بصورة عامة وكثيرا ما تأتي تافهة، ويلاحظ المؤمنون ان الواعظ يكرر اقولا له سابقة.

          غير ان الصعوبة الكبرى في الكلام على الناس ان المطارنة قلما عرفوهم ويتّكلون للعلم بهم على كاهن الرعية الذي لا يعرف كل ابناء رعيته بدقة، ويستند هو بدوره على ما سمعه من ناس يعرفون الراحل. بسبب من هذا يقول بعض الخطباء اليوم فلنتكلم على قيامة المخلص وعلى الملكوت والقيامة العامة في حين ان اهل الميت يتوقعون كلاما عنه.

          عندي ان الحقيقة في هذا الشأن متوسطة. الكلام نسيج يجمع بين الأساس الذي هو الكلام الديني المتعلق بموت المسيح وقيامته وما هو ثانوي الكلام على المتوفى، على ان ربط الواعظ بين الأمرين بترجيح كفة الكلام اللاهوتي، اذ المهم ان يتعزى الناس بإحسانات الله الى المتوفى (الرحمة) كما يتعزون هم بالحديث الإلهي اي بذكر المسيح. لا بد من كلمات قليلة او كثيرة عن الذي رقد بالرب حسب الفضائل التي تزين بها. ولكن حتى اذا لم تبرز عنده حسنات واضحة يذكر منها الحد الأدنى (كان مؤمنا، كان يأتي الى الكنيسة، معاملاته حسنة، سهره على عائلته) على ان يأتي كل هذا بصدق ولا مبالغة.

          من الناحية الفنية انك في معظم الأحوال عليك ان ترتجل لأن الدفن سريع في بلادنا الا في بعض الحالات (عندما يؤتى بالجثة من المهجر او يكون انتظار اقرباء له آتين من بعيد)، ولا يستطيع كل كاهن ان يرتجل.

          الأمر الثاني هو اللغة. في هذه المناسبة لا بد ان نستعمل اللغة الفصحى لأن اللغة العامية لا تحتمل البلاغة الحقيقية او الدائمة ما لا يمنع الخطيب ان يستعمل احيانا عبارات قليلة من اللغة الدارجة. اذا كان الرثاء كله عاميا لا اظن انه يبلغ القلوب. مع ذلك هناك حالات معينة (بساطة الحضور) حيث يمكن استعمال اللغة العامية.

          هناك ايضا موضوع الوقت. الناس لا يتحملون الوقت الطويل (10 دقائق على الأكثر) ما لم يكن المتوفى انسانا عظيما فيتقبل المؤمنون وقتا اطول. من لا يعرف نفسه بليغا لا ينبغي ان يُتعب الناس. هم دائما يتأففون اذا كرر الكاهن اقواله مأتما بعد مأتم. التأبين من أصعب انواع الوعظ ويحتاج صاحبه الى تمرين كبير على معرفة الكتاب المقدس وباقي ابواب اللاهوت، كما يحتاج الى ما امكن من الفصاحة. مع ذلك اذا كان الكاهن ذا نَفَس روحي حقيقي فلا يخف، واذا عنده روح يسوع فهذا الروح يصل الى المؤمنين.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

احد جميع القديسين /الأحد 26 حزيران 2005 / العدد 26

وُضع الأحد الذي نحن فيه توا بعد العنصرة لتقول الكنيسة ان الروح القدس الذي نزل على التلاميذ هو الذي ينشئ القديسين. لماذا “جميع القديسين”؟ لكوننا اردنا ان نكرم ليس فقط القديسين الموزعة اساؤهم على كل ايام السنة وهم المطوبون الرسميون، ولكن لنكرم ايضا الذين لم تعرف الكنيسة اسماءهم وجعلهم الرب في ملكوته. الرسل والشهداء والأبرار والمعلمون، هؤلاء “صيروا الأرض سماء وساروا في الطريق الضيقة” اذ اشتركوا جميعا في آلام المسيح ويقفون امامه متضرعين لأجلنا.

          هؤلاء اعتراهم ضعف روحي ولكنهم كافحوه بصورة جدية. لم تكن القداسة عندهم حلما حلموا به او مجرد أمنية تمنوها. ولكنهم قبلوا نعمة الله وأقرنوها بجهاد غير منقطع يوما فيوما لأنهم اعتبروا ان القداسة مبتغانا الوحيد أكلنا ام لم نأكل، احتللنا مناصب ام لم نحتل، عرفَنا الناس ام جهلونا وتجاهلونا. لا شيء كان يهم القديسين إلا ألا يفصلهم شيء في الدنيا عن المسيح لعلمهم انه هو الحياة وان كل شيء ما عداه لهو ودنيانا ليست للهو. اجل فيها عمل وعائلة وعلاقات اجتماعية.          ولكن هذه كلها ان لم يسكنها المسيح ليست بشيء. فالمهم ان تميز بين الجوهر والعرَض. والأعراض تتغير. فقد تأكل اليوم ولا تأكل غدا لأن هذا عابر، وقد يمجدك الناس اليوم ويشتمونك غدا والأمران تافهان. ولكن في تمجيدك او الإعراض عنك ليكن السيد ساكن قلبك، فإن فرغ هذا منه فلست على شيء. ولذلك قال الرسول: “انا لست أحيا بل المسيح يحيا فيّ”.

          ما يريده المخلّص منك الا تطلب مجدا من الناس او التفاتة من احد او رضاء. فقد يضطهدونك او على الأقل يظلمونك. لسان حالك، اذ ذاك، “طوبى لكم اذا عيروكم واضطهدوكم وقالوا عنكم كل كلمة سوء”.

          الأخطر في الأيام التي تعيشها الا تردد هذا القول السطحي: “ليش انا مسيح” تبرر به كل خطاياك وتركن اليها وتدعها تعشش فيك لأنك تظن انها تحييك. مسيحك قال: “انا هو الطريق والحق والحياة”. وقال في موضع آخر: “من يأكل جسدي ويشرب دمي له الحياة الأبدية”. غير هذا حياة للجسد او تقدم لك في العلوم او بروز اجتماعي. والجسد يعيش كما خطط له. ولكنه لا يوصلك الى السعادة. كذلك العلوم وكذلك الجاه. هذه كلها لا تعطيك الوجودالكامل وهو في المسيح ومن المسيح.

          لقد وضع لنا إنجيل اليوم طريق وصولنا الى المعلم بقوله: “كل من يعترف بي قدام الناس أَعترف انا به قدام ابي الذي في السموات”. لا شك ان الشهداء اعترفوا به اعترافا كاملا. ولكن اذا سلكت انت حسب حق الإنجيل وتكلمت عن يسوع تكون معترفا به اي كاشفه للبشر وتكون طريقهم الى الرب. فالرب يسوع يقدم نفسه للبشر بواسطة احبائه وسمو اخلاقهم وطهارة كلامهم.

          ولكون السيد رأى انه يمكننا ان نفضّل ناسا عليه قال: “مَن احب ابا او اما او ابنا او ابنة اكثر مني فلا يستحقني”. لا يعني هنا انه علينا ان نهمل ذوينا، ولكن ان سمحنا لزوجاتنا واولادنا ان يتصرفوا ضد الإنجيل نكون مبغضين ليسوع. نحن نبذل انفسنا عنهم فيما نبذلها له. على طريق يسوع نلتقي بذوينا واصدقائنا. وان لم يكن على طريقه، نكون نحن واياهم عصابة لا إخوة.

          ثم لئلا نظن ان الطريق الى يسوع سهلة قال: “من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني”. انت تتبعه الى حيث ذهب اي الى الجلجلة وهي مكان موته. تتبعه قبل ان تموت هنا الى حيث تميت شهواتك وخطاياك لأن هذه ان لازمتك لا يعترف هو بك. وان رآك في اليوم الأخير على صورته ورأى وجهك شبيها بوجهه يُدخلك الى فرحه.

          القداسة كما رأيت طريق مدعو الى سلوكها جميع المعمدين على اسم الآب والابن والروح القدس. هي طريق ممكنة ووسائلها يمدنا بها الروح القدس. اجل القداسة صعبة ولكنها في متناول كل من ارادها.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة / الأحد 19 حزيران / العدد 25

حادثة حلول الروح القدس على التلاميذ رواه سفر الأعمال، ومنه أُخذت رسالة اليوم. تجلى حلول الروح بصوت من السماء “كصوت ريح شديدة تعصف” وألسنة نارية استقرت على كل منهم “فامتلاوا كلهم من الروح القدس واخذوا يتكلمون بلغات اخرى”.

          اما الفصل الإنجيلي فيؤتينا خطابا من السيد قاله سابقا “في اليوم الأخير العظيم من العيد” وهو المدعو عيد المظال الذي يقع بين ايلول وتشرين الاول ويدوم ثمانية ايام. في اليوم الأخير منه قال السيد: “إنْ عطش احد فليأت اليّ ويشرب… ومن آمن بي ستجرى من جوفه انهار ماء حي”. هذا هو تقريبا الكلام الذي قاله السيد للمرأة السامرية دالاً على الروح المزمع ان يقبله التلاميذ (في يوم العنصرة)، ثم يفسر ان الروح لم يكن قد أعطي بعد “لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجد” (تمجيد يسوع هو بموته). الروح اذًا سينزل بعد القيامة.

          بعد هذا اي في خطبة الوداع (الإنجيل الاول من اناجيل الآلام) سوف يتكلم الرب عليه بأكثر وضوح اذ يقول: “انا اطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر… ليمكث معكم الى الأبد”، ثم يشرح ان الروح القدس هذا “سيرسله الآب ويعلمكم كل شيء”. ثم يؤكد ان هذا الروح ينبثق من الآب ويشهد للابن.

          نستنتج من هذا ان الروح الإلهي يرافق المؤمنين الى نهاية الدهور وينقل المسيح الى قلوبهم. لن يأتي بمضمون تعليمي جديد لأن التعليم قد انتهى بموت السيد ولن يزيد عليه احد شيئا ولن يكون كتاب آخر. واما ما كتبه الآباء القديسون وما قالته المجامع المقدسة وما يكتبه المفكرون الطاهرون في الكنيسة فهو فكر المسيح الذي يلهمهم اياه الروح القدس.

          والروح كان الى جانب الذين وضعوا لنا العبادات. كانوا يأخذون اقلامهم وينفخ فيهم الروح نفحاته وتتملئ صلواتنا من هذه النفحات. واذا قيل شيء خطأ فالروح القدس ينقحه بواسطة الممتلئين منه. قد يظهر الاعوجاج بهذا التصرف او ذاك من مسؤول كبير او صغير، ولكن يبعث الله بمن يتصدى له فيتقوم الاعوجاج حتى لا تتلوث الكنيسة.

          من اجل ذلك نقول في صلاة سَحَر العيد: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح حكمة، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي (اي يهبنا ما في عقل الله)، رئاسي (لأن الإلهام هو الذي يرئس الكنيسة)، مطهر للهفوات، إله ومؤلِّه (اي يجعلنا في قلب الله بالقداسة)…”.

          لذلك نستهل كل خدمة إلهية في كنيستنا باستدعاء الروح القدس: “ايها الملك، السماوي، المعزي…” حتى تنزل النعمة الى قلوبنا، حتى اذا طهرت نتمكن من الصلاة فيرفعنا الروح الى الآب والابن.

          الروح ليس فقط مع كل فرد مؤمن. انه مع الكنيسة جمعاء. وهو يُتمّ فيها الأسرار كلها. به تحصل المعمودية ومناولة الجسد والدم (“أَرسِلْ روحك القدوس علينا… واصنَعْ اما هذا الخبز فجسد مسيحك…”). والزواج في الكنيسة يحصل بالروح القدس، وكذا بقية الخِدَم الإلهية. فاذا أتمها الروح يتصور المسيح فينا.

          ان الله كشف كل ما عنده لنا بالمسيح   وإنجيله. ولكن هذا الكشف لا تستطيع ان تفهمه وتتبناه الا بالروح. وظيفة الروح ان يُدخل اليك شخصيا المعاني التي انسكبت كلمات، وهذه الكلمات يجب ان تتحول اليك وتمضغها وتغذيك، فاذا أوتيت الروح القدس وسكن فيك حقا تطرد الخطيئة التي تحول بينك وبين الفهم او تحول بينك وبين العمل الصالح. كل تأثيرات الروح القدس عليك هي لك عنصرة دائمة.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الآباء/ الأحد 12 حزيران 2005 / العدد 24

إنهم آباء المجمع المسكوني الأول ويقال له المجمع النيقاوي لكونه انعقد في مدينة نيقية في آسيا الصغرى بدعوة من الملك القديس قسطنطين وذلك بسبب ظهور بدعة آريوس الذي علّم ان الابن مخلوق بقوله: “كان زمان لم يكن الكلمة فيه”. خضت الكنيسة خضة كبيرة لأن ايمانها قائم على مساواة الابن للآب اي على ازلية المسيح.

          ووضع الآباء دستور الايمان الذي نتلوه أساسا في المعمودية ثم في القداس الإلهي: “اومن بإله واحد آب…”. بعض اجزاء هذا النص كانت معروفة في المعموديات، غير ان الجديد فيه انه نَحَتَ عبارة “المساوي للآب في الجوهر”. هذا النص حدد العقيدة. فإن تلوته فأنت مسيحي. عند الأزمات الكبرى توضح الكنيسة ايمانها بعبارات نسميها عقائد مستندة كلها الى الإنجيل فيأتي الدستور وكأنه مصكوك ليصوننا من الخطأ ونقف عنده ولا نخترقه. انه حدّ وانت ضمن الحدود. هكذا تحصن الكنيسة إيمانها.

          الكنائس المسيحية كلها يوحد بينها هذا الدستور. انطلاقا منه جاءت المجامع الأخرى لتوضحه. فالمجمع الثالث مثلا عندما حدد ان مريم هي “والدة الإله” قصد ان الذي في احشائها هو نفسه الإله-الابن وفي ذلك رد ضمني على من خالف ذلك. كذلك المجمع الرابع بقوله ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وانسانية كان يخشى قول القائلين ان المسيح لم يكن بشرا حقيقيا بل شبح بشر واراد ان يؤكد ان ليس من اختلاط بين إلهيته وبشريته. غير ان هذه العقائد اللاحقة للمجمع المسكوني الاول بقيت محفوظة وانتقلت الى الصلوات والتعليم دون ان نمس دستور الإيمان.

          اليوم بدعة آريوس (المسيح مخلوق) يجددها شهود يهوه. يقعون اذًا تحت تكفير المجمع لآريوس. من هنا انهم خطر مباشر علينا. ومن هنا ان ليس من كنيسة واحدة تعترف بهم، وان السلامة تقضي بألاّ نستقبلهم في منازلنا ليتكلموا.

          آباء المجمع نقول لهم “آباء قديسين” فقد خرجوا من السجون وجاء هذا بعين واحدة او يد واحدة او ساقٍ واحدة. جاؤوا بعد ان ادوا الشهادة. من هنا أنه ليس من معنى اذا أَديتَ شهادة لاهوتية ولم يأت سلوكك مطابقا لإيمانك. نحن نقيم ذكرى الآباء ونرجو ان نتشبه بقداستهم، اذ ليس المهم ان نفتخر بهم ولكن ان نماثلهم في كل شيء.

          هذا يضع مسؤولية على الكهنة بنوع خاص، فالكاهن لا يصير ابا روحيا عند رسامته. يجعله الله أبا اي مولدا الآخرين بالروح القدس. فليس له سلطان من نفسه ولكن من الروح القدس. وعندما يلاحظ الأسقف ان الكاهن بلغ هذه المرحلة من الحياة الروحية يخوله ممارسة التوبة.

          انت، كاهنا، تقول كلام المسيح وتطلب طاعة له لا طاعة لكل ما يجول في فكرك. انت لا تتحرك تجاه احد المؤمنين الا بوحي الروح. تتحرر من التسلط اي فرض الرأي الشخصي. واذا اظهر لك احد المؤمنين انك على خطأ تقبل ذلك بتواضع لأن المهم ان ينتصر الله. انت تجلس على كرسي الرسل بمعنى انك تسلك كما سلكوا. فاذا اقمت نفسك في حضرة الله وطاعة كلمته لا          يكون عندك ردة فعل او انفعال. اذا جئت من فوق تحضن جميع الناس كما حضنك المسيح.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

اشتهاء الكهنوت/ الأحد 5 حزيران 2005 / العدد 23

«إن ابتغى احدٌ الأسقفيةَ فيشتهي عملا صالحا. فيجب ان يكون الأسقف بلا لوم، بعل امرأة واحدة، صاحيا، عاقلا، محتشمًا…» (1تيموثاوس 3: 1).

كلمة أسقف في استعمال العهد الجديد وكلمة قس رديفتان، تستعمل الواحدة في مكان الأخرى. في نهاية العصر الرسولي أخذت وظيفة المطران تظهر مستقلة عن وظيفة الكاهن. مهما يكن من هذا التفريق كنا نلحظ دائما ان ثمة من يشتهي وظيفة المطران بما يظنون ان فيها شيئا من المجد والسلطة (ربما من المال) وهذا ما كان يدفع بعضا إلى ما نسمّيه السيمونية أي الرشوة لكسب أصوات في المجمع المقدس. غير أني لست متكلما الآن عن هذه الآفة. غير أني محدثكم عن اشتهاء القسوسية.

هذا شيء جديد جدا إذ ما كنا نسمع ان أحدا يطلب هذه المسؤولية لنفسه طمعا بالربح (وهو قليل في أوساطنا) أو رغبة في الخدمة أو تحقيقا للتوبة. في التاريخ الكنسي المعروف ان طالب التوبة يصير راهبا وهذا أمر لا مجد فيه ولا مكسب ولا شهرة. ولكن الانحراف ان تشتهي الكهنوت لتقديس النفس. تقديس النفس يتم عند العلماني بالمقدار نفسه الذي يتم عند الكاهن وربما بسهولة أعظم.

الوضع الأرثوذكسي القديم عند موت الكاهن، أو إذا رغب الشعب في أكثر من كاهن، أن الرعية كانت تلاحظ مَن التمع فيها بالتقوى فتطلب من المطران ان يرسمه لها وكان يتعهده المطران بتعليمه الخدمة الإلهية في المطرانية أو احد الأديرة. ولكن هذه الطريقة كانت مرتبطة بضعف التعليم اللاهوتي وتاليا عجز الكاهن عن الوعظ. اما وقد هيأ الله ان يكون عندنا معهد لاهوت في البلمند، يلتحق به طلاب يصبحون أكثر استعدادًا لتقبل الكهنوت. ويأتون من الشباب الناشط في الكنيسة والمحب لله. ويكون من الطبيعي ان يختار المطران بينهم من هو صالح للكهنوت. أي بدل من ان تنصح الرعية الرئيس الروحي برجل تقي فيها، يكون المعهد هو الناصح. غير ان الشهادة اللاهوتية لا تكفي اذ يجب على رئيس الكهنة ان يتحقق المؤهلات الروحية والأخلاقية ونمو الشخصية وسلامتها. فالشهادة عندنا هي إشارة على الاستعداد ولا ترغم المطران على الرسامة.

ما مسألة الدعوة الإلهية التي تُذكَر في هذا الخصوص؟ كاتب الرسالة إلى العبرانيين عندما يتكلم عن رئيس الكهنة في العهد القديم يقول: «لا يأخذ احد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضا» (5: 4). ماذا يعني هذا في كنيستنا؟

لقد كُتب الكثير في الكنيسة اللاتينية عن الشعور الداخلي عند طالب الكهنوت ولاسيما انه مرتبط عندها بالبتولية. فيأتي الاب الروحي للشاب القائل ان له دعوة ويفحصه كما يفحص أهليته للبتولية وكأنه يقول -بطريقتنا- انه كفؤ للعيش عازبا. هذا الموضوع غير وارد عندنا لأن كاهن الرعية عندنا متزوج أصلا.

ما نحن نقوله ان دعوة الله لرجل حتى ينضم إلى هذا السلك يسمعها الإنسان من فم المطران. هو يقول له ان الله يدعوه ويكون المطران قد استمع إلى شهود من الرعية وقام بحديث أو عدة أحاديث مع الشاب ويحس بأن هذه الدعوة قائمة. طبعا يمكن ان تحدث أخطاء، ولكن على المطران ان يتيقن ان هؤلاء الشهود محبون للمسيح ولا يشهدون عن عائلية أو تحزب. المطران يقترب من الحقيقة اقترابا، والممارسة تُظهر فيما بعد إذا كان الكاهن حقا مدعو من الله وتُظهر الوقائع انه غير أهل لهذه الوظيفة. ولكن على قدر ما يكون المطران حكيما، واعيا، لا ينفعل بآراء الناس، يأتي الاختيار صحيحا.

اذا أُتيح للطالب ان يقوم بدراسة لاهوتية ويمارس العبادات في المعهد ويعيش في مراقبة المسؤولين، يكون اختيار الأسقف اقرب ما يكون إلى الصواب.

في الأرثوذكسية: «أنا أحب ان أصير كاهنا» لا معنى لها. أنت الكنيسة تختارك وتطيع. أنت تبدو، ويرى المؤمنون وعلى رأسهم المطران ان النور الإلهي نزل عليك.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

السامرية/ الأحد 29 أيار 2005 / العدد 22

من اجمل مقاطع انجيل يوحنا هذا الحوار البديع بين السيد والمرأة السامرية. وهي من قوم انحرفوا عن ديانة اليهود لقبولهم كتب موسى فقط ورفضهم أسفار الأنبياء. وباقٍ منهم حتى اليوم حوالى مئتي او ثلاث مئة شخص قرب نابلس وفي العالم. السيد في منتصف النهار كان قد وصل الى بئر يعقوب وهي قائمة حتى اليوم وقربها كنيسة ارثوذكسية.

          جاءت لتستقي ماء “فقال لها يسوع اعطيني لأشرب”. جابهته بقولها: “كيف تطلب ان تشرب مني وانت يهودي وانا امرأة سامرية”. القطيعة كاملة بيننا. عند ذاك حدثها المعلم بما لم تكن قادرة ان تفهمه، قال: “لو كنت تعرفين عطية الله ومن الذي قال لك اعطيني لأشرب لكنت انت تسألينه فيعطيك ماء حيا”.

          بقيت محدودة ببئر يعقوب وبعكرة ماء بديل عن الذي جاءت لتستقي منه. عندئذ رفع السيد سقف اهتمامها: “من يشرب من الماء الذي انا اعطيه فلن يعطش الى الأبد”. عند هذا السمو بالفكر قالت له اعطني هذا الماء” لكي استغني عن بئر يعقوب اذ ذاك، صدعها بقوله: “اذهبي وادعي زوجك”. اقرت بما يعني ان ليس لها زوج وانها تعيش مع رجل. ينقطع هنا الحديث عن سلوكها. ولكن ما يمكن فهمه ان الرب اوحى اليها انها لا تستطيع ان تشرب من الماء الذي يعطيه ما لم تتب.

          انتقلت، اذ ذاك، الى جدل لاهوتي حول المكان الذي ينبغي ان يتم فيه السجود. هل هو على جبل السامريين بالقرب من نابلس كما يقول شعبها ام في اورشليم كما يقول اليهود. عندئذ تجاوز المخلص هذا الجدل وقال انه ينبغي علينا معا ان نتجاوزه. العبادة ليست على هذا الجبل ولا في اورشليم. هذا نقاش يجب ان نتخطاه. “تأتي ساعة وهي الآن حاضرة (اي بسبب مجيئي) إذ الساجـدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق”. فمهما كانت المراسيم والطقوس الحالية (ذبح التيوس والعجول) المهم ان تتصل بالله حقيقة وفي العمق، في الروح الإلهي الساكن فينا. لن يبقى هيكل اورشليم ولن تبقى عباداتكم. ها عهد جديد قد أتى حيث يحتل الله قلوب الناس ويجعل في قلوبهم هذا العهد الجديد الذي لن يكون على صورة الختانة رمز العهد الذي قطعه الله مع ابراهيم. وهذا العهد الجديد سيقول يسوع يوما انه يتم بدمه ومن يشرب من هذا الدم (بالقداس الإلهي) يحيا الى الأبد.

          عند ذاك تركت المرأة جرتها فقد آمنت ان الذي يكلمها يحيا كل انسان به وانطلقت الى قومها وقالت لهم اني تبت بين يديه؟ “أليس هذا هو المسيح”. بشرت جماعتها وقبلوه عندهم وقَبِل الدعوة، واعترفوا “ان هذا هو في الحقيقة المسيح مخلص العالم”.

          من أخذه المسيح يحيا في المسيح ويبشر به اذ يعلم ان لا حياة الا به. السامرية فهمته اكثر مما فهمه التلاميذ آنذاك وصارت له.

          انت ان لم تعش معه عيش القلب المنكسر حبا تبقى أسير تقاليد واشكال ولو دينية.

          هذا لا يعني انه لا ينبغي ان نتمسك بعباداتنا. فهي تنقل المسيح الينا ان احببناها وفهمناها وأدخلناها القلب فتكون عند ذاك وجهه. ان لم يصبح المسيح كل شيء لك حتى تأتي منه وحده وتصير بدورك ينبوع ماء وايقونة لمسيحك تكون قد مكثت خارج الخظيرة. الا تبقى شعرة تفصلك عن يسوع وان تقضي حياتك متصلا به هذا ما يجعلك من تلاميذه حسب قوله لتلاميذه بعد العشاء السري: “من احبني يحفظ وصاياي”.

          بهذه الطاعة الكاملة له لا تبقى هوة بينك وبينه فتكون حبيبه ويكون هو حبيبك. واذ ذاك يقرأ الناس لا ملامح وجهك ولكن ملامح وجه المسيح.

Continue reading