Category

2005

2005, مقالات, نشرة رعيتي

مثل الزارع/ الأحد 16 تشرين الأول 2005 / العدد 42

للناس امام الكلمة الإلهية مواقف مختلفة. غير ان الكلمة واحدة لا تتغير اذ نحيا بها ولا نحيا روحيا بغيرها. هذه زرعها الله بالإنجيل. منا من لم يقرأه اذ يتكل على ما يسمع منه في قداس الأحد، هذا اذا حضر كل احد. وفي هذه الحال يسمع جزءا صغيرا. والإنجيل تتدرب انت عليه بالقراءة الشخصية، بالاستمتاع بها اي بالتأمل فيها وعهد لك مع الرب ان تطيعها كليا.

          كذلك من كلمة الله ما تسمعه في العبادات ان كنت من العابدين. والعدد الكبير منا لا يدخل الكنيسة الا قليلا او يدخلها في المواسم. هذا يعني ان سماع الكثيرين للكلمة قليل.

          ولكن عودًا الى هذا المثل الذي ألّفه يسوع، عندنا فئة تسمع ويجرّبها إبليس كي لا تحفظ. تبقى الكلمة قليلا ثم يأتي روح الشر وينتزعها لأنه لا يريد الناس ان يتأقلموا مع الكلمة، لأنها اذا بقيت في الناس يكون هو مطرودا من الناس ولا يبقى له شغل.

          ثم هناك فئة قال عنها يسوع انها على الصخر. هذه تقبل الكلمة بفرح ولكن هذه المجوعة ليس لها أصل. تؤمن الى حين وترتد في المحنة. فالعيش مع الله ثبات. في مواضع كثيرة من إنجيل يوحنا يقول السيد: “من يثبت فيّ وانا فيه”. هذا الكلام يعني انك اتخذت الرب مقاما لك. اما اذا استطبت كلامه الى حين، وقت سماعه ولم تسكنه، تكون فقط قائما بمشوار. ليس مع الكلمة مشوار. انت تسير دائما فيها او تسمّر نفسك عليها او تبيت فيها بإصرار لأنك تعرفها الإنقاذ. وكلما قويت فيك تصبح ذلك الترس الذي يجعلك تصد التجارب. انت مع الرب في السراء والضراء، اذا بدا لك نافعا واذا بدا انه يعرقل مشاريعك. اي تبقى معه اذا استخدمته لمصالحك الدنيوية ولا تبقى معه في العراء، في الجفاف وهو يريدك ان تعطش اليه كما هو دائما عطشان اليك. يريدك معه في الصحة والمرض، في البحبوحة او الفقر، اذا احسست بقربه او أحسست ببعده.

          ثم عندك فئة رهيبة هم اولئك “الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون بهموم هذه الحياة وغناها وملذاتها فلا يأتون بثمر”. تذكّر اننا في النشيد الشاروبيمي في القداس قبل ان نقدّم الذبيحة نقول: “لنطرح عنا كل الاهتمامات (او الهموم) الدنيوية”. فاذا عرقلك اي همّ او هاجس او وسواس او قلق لا تستطيع ان ترفع القربان لله ولا تقدر ان تتحد بجسد المسيح. ينبغي ان تكون حرا من كل ضغط نفسي لتتجنح نفسك وتطير الى الله.

          هنا لوقا يوضح اهم الهموم ويقول انه الغنى والملذات. تعرفون جميعا قول السيد: “لا تستطيعون ان تخدموا ربين، الله والمال”. المال في خدمتك. لا تصر انت عاشقا له اي أسيرا له اذ لا يبقى عند ذاك موضع لله في قلبك. لقد أسلمت نفسك ليسوع بالمعمودية التي فيها رفضت الشيطان ووافقت المسيح. بعد هذا صار الطعام والشراب والمسكن كلها ثانوية، فلا تقمها في المقام الأول من قلبك لئلا يتحجر قلبك.

          اما الملذات فهي طاغية. كن معتدلا فيها ولو كانت شرعية لئلا تؤخذ بها.كل لذة اذا استفحلت آسرةٌ اي صعب الرجوع عنها فقد تسجلت في اعصابك وذوقك. دور المسيح الأساسي انه المحرر.

          تبقى المجموعة الحبيبة الى الله، مجموعة الذين “يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيد صالح ويثمرون بالصبر”. وكأنه يقول انت يمكنك بالنعمة التي تنزل عليك وبالجهد الموصول ان تجعل قلبك صالحا. وعندئذ تستحلي الله فيك. من هنا يأتيك الصبر على المحنة والقوة لتتصدى لها. فاذا بقيت على الإخلاص تنزل الكلمة عليك وتصير انت بالشهادة والعمل كلمة من كلمات الله.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم/ الأحد 9 تشرين الأول 2005 / العدد 41

يبدأ بولس هذا المقطع من الرسالة بكلمة من اشعياء: “اني في وقت مقبول استجبتُ لك وفي يوم خلاص اعنتك” ليقول ان وقت الخلاص هذا انما نحن فيه لأن هذا الخلاص أتانا بيسوع المسيح.

          ثم انظروا كيف ينتقل من هذا ليقول اننا “لسنا نأتي بمعثرة في شيء”. لماذا يجب الا يُعثر الرسول الآخرين؟ هل لحفظ صورة عن نفسه عند الآخرين، هل هو حريص على سمعته الشخصية؟ السبب الوحيد الذي يعطيه هو “الا يلحق الخدمة عيب”. فقد يشك الناس -لو اساء السلوك- بقدسية الخدمة الرسولية التي يقوم بها. وفي ايامنا اذا أتى المسؤول الروحي بمعثرة فيلحق هذا الكهنوت والكنيسة. من اجل كهنوتي أو أسقفيتي أحفظ نفسي.

          ثم يتابع: ان تكون خادما لله يتطلب صبرا كثيرا لأن بعض الناس متعبون ولأن بعضا مخالفون شتى انواع المخالفة، ولكن خدمتك اياهم يجب ان تستمر كل يوم لئلا يغضبوا او يصيبهم إحباط.

          بعد هذا يتبسط بولس بالحديث عن أتعابه ويسميها بعامة شدائد وضيقات، ولكن يحدد أنواعها اكثر فيقول انه تقبل جلدات وزج في سجون وتعب كثيرا من أجل الإنجيل وصام طوعا تقربا من الله وفي كل هذا لم يتذمر وبقي على طهارته والمعرفة اي معرفته لله بالمحبة والخبرة. وبقي على طول أناة وسعة صدر يحتمل المؤمنين ويحتمل الأمم وكل ذلك في رفق، في حنان، بلا غضب، في انعطاف واحتضان ثم يقول “في الروح القدس”. بمعنى ان كل هذه المواهب كانت تنزل عليه من الروح الإلهي. والروح يفتح لك باب المحبة الصادقة بلا تفريق بين ناس وناس.

          ويعلو في الكلام ثم يعلو ويوضح ان المحبة التي تدفقت عليه إنما تجعل في فمه كلمة الحق وهذه الكلمة نفسها هي قوة الله. وكلمة الله هذه تُسلّمه من كل صوب في كل الأحوال التي تمر عليه أكان في مجد ام كان في هوان، أكان في سوء الصيت (لأن هناك مفترين) ام في حسنه.

          في هذا الصراع الذي يواجه فيه الوثنيين والإخوة الكذبة الرافضين تعليمه يعتبرونه مضلا وهو صادق. وما اصعبه موقفا ان يخونك احد الناس وانت تعرف نفسك صادقا وقابضا على الحقيقة.

          ثم هناك من يجعله مائتا (اي كلا شيء) في حين انه حي، مليء بالحياة. وثمة من يظنه حزين وهو ممتلئ بفرح المسيح. هناك ايضا من يعتبره فقيرا ويعيّره بذلك وهو كان كذلك حقا الا انه غني بالمسيح ويغني الكثيرين بالمسيح، حتى يصل الى قمة تعييرهم “كأنّا لا شيء لنا” ويرد عليها بقوله “ونحن نملك كل شيء”.

          المسيح عنده كل الوجود وهو الغني ويغني احباءه. واذا كان السيد كل شيء فأنت تلازمه وهو يلازمك وُيمكّنكَ من الشهادة له ومن العطاء ومن ان تبقى على إخلاصك حتى النهاية ولا شيء في خطاياك وهذه الدنيا يزعزعك لكونك تعرف الرب يسوع يقينا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة/ الأحد 2 تشرين الاول 2005 / العدد 40

إنجيل لوقا إنجيل الرحمة بامتياز وهذا يظهر واضحًا في هذا الفصل الذي نتلـوه اليـوم. الوصية التي نستهل بها هذه القراءة: كما تريـدون ان يفعل النـاس بكم… أقوى من الوصية القائلـــة في موضع آخر: ما لا تريدون أن يفعـل النـاس بكم… إذ تدفعنـا الى المبادرة بالمحبة بأفعال مختلـفة محددة تُجمع كلهـا تحـت رايـة الرحمـة. من هذه الأعمال الإحسان وهو سكـب الروح للروح معبَّرا عنـه بالعطـاء المــادي إذ يقوم على المشاركـــة واليقـيـن ان ما لي هـو لك لأنك الأحـوج.

          ووصية الإحسان تعلو علوًا كبيرًا إذ يدعونا السيد الى ان نحسن الى مَن لا يحبوننا اذ الإحسان عنده ليس قائمًا على العاطفة   ولكن على الحاجة فالأكثر حاجة هو مَََن ينبغي أن تلتفت إليه فهو بسبب من الحاجة قريب الى الله. وتصبح أنت تالًيًا أقرب الى الله إذ ليس لكََ مصلحة عاطفية.

          كذلك الدَين الذي تطلبه او لا تطلبه اذا كان مَن استدان منك عاجزًا عن تسديده. وقد تقتضي حكمة التربية ان نذّكر المدين بإيفاء  دينه حتى لا يقع في استغلالنا وعدم التحسس بمديونيته وقد يكون لنا في هذا إفقار. يجب أن نربّي الناس على ضرورة الوفاء بما عليهم من واجب.

          والقمة في كل هذا الكلام قول السيد: “فكونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم”. وإذا عنَت الرحمة طول الأناة وسعة الصدر فإنما يقع كل ذلك تحت الغفـران الذي هو القبول بأن مَن أساء إليك إنما أساء الى الله اولا والى نفسه ثانيًًًًًا وان ما يشفيه هو ذلك الحب الذي تغمره به لأن هذا الإنسان إناء خزفي كما يقول بولـس في رسالة اليوم وقد انكسـر بالخطيئة واذا غفرت تعطيه حظًا في أن يقوم من الخطيئة الى وجهه ربّه الذي ينظر إليه بالحنان.

          غير ان حنان الرب انما يُتَرجم بموقف الغافر أسيء اليه. والغافر يصبح هكذا كالإله الغفور الذي ينظر الى الخطأة على انهم ابناؤه كالصالحين… وانت إذًا تنظر الى مَن آذاك بكلمة أو تصرّف على أنّه أخ لك فيقوى انتماؤك الى عائلة الآب التي فيها الصالح والصالح والناس فيها أوانٍ خزفية معرضة للكسر. بعض يُجبر وبعض لا يجبر. ولكن ليس أحد منا من حديد. ولعلك اذا غفرت تذكر انك قادر على السقوط. لهذا قال الرسول: “اذا زلَّ أحد منكم فاصلحوا انتم الروحانيين مثل هذه بروح الوداعة”.

          هذا هو اللطف بمن قسا عليك وهو أصعب من اللطف بالودعاء… لقد فوّضنا الله بأن نكون أطباء. ليس من طب روحي أعظم من طب الرحمة الذي في كل حين يشفي ويضمد ويجعل في النفس رقة وبالرقة يتكوّن مجتمع الإلهيين. وهكذا فقط نكمل التشبه بالمسيح: “تعلموا مني انا وديع ومتواضع القلب”. المسيحية مجتمع الودعاء الذين أعد لهم الملكوت وسُرَّ الله بهم لكونهم أصدقاءه.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

أن تعطي الكاهن / الأحد 25 أيلول 2005 / العدد 39

أنْ تحب كاهن رعيتك لا يجعله في حرج بسبب من المال. ساعده ألا يستجدي وألا يبطر وألا يحسب لدخول مال وألا يكون المال هاجسه. وإذا فعلت لا يتذمر من تقصير الرعية تجاهه. ساعد طالب اللاهوت أو المثقف روحيًا أن يدخل سلك الكهنوت بلا هاجس لإطعام العائلة التي سيكوّن.

حاولنا، هنا وثمة، أن نقتبس فكر المؤسسات فجعلنا للكاهن راتبا. لم نبذل الجهد الكافي لنجعله في كل مكان كافيا. وأفهم أن القرى الصغيرة جدا معذورة لو قصّرت. ويعني هذا انه لا بد من إنشاء صندوق مركزي يرعى كهنة الرعايا القليلة العدد. مع هذا أظن أن حاجة الكاهن لا تُسَدّ ان لم نتبنَّ نظام الاشتراكات أعائليةً كانت أم شخصية. عندما أراجع احد المجالس الرعائية لماذا تدفعون فقط مئتي أو ثلاثمئة ألف ليرة للكاهن، يأتي الجواب ان الصواني تجمع فقط هذا المبلغ. مبدئيا الكاهن الرسالي النشيط يؤثّر في عودة شعبنا إلى كنائسه، ولكن هذا يستغرق وقتا طويلا ومع ذلك يتخلف بعض. الاتكال على ما يُجبى في القداس صباح الأحد لا يحل مشكلة.

وأنا لست هنا في صدد تحدث عن التنظيم المالي، ولكني محدثكم عن محبتكم للكاهن والتعبير عن هذه المحبة بالعطاء المالي. وقد جرت العادة ان يعطى الراعي المحلّي شيئا بمناسبة قيامه بالأسرار. أنا بعد تأمل طويل لا أجد مانعا من الحفاظ على هذه العادة حيث هي تحكّمت. قلة قليلة جدا لا تعطي شيئا. في هذه الحال أرجو الا يذكّرها الأب الروحي بواجبها تجاهه. «مجانا أخذتم مجانا أعطوا». ومن الواضح ان يخدم الكاهنُ الفقيرَ والميسورَ بالاندفاع الواحد.

يهمني الا يختبئ المؤمن وراء الظن بأن الكاهن يدفع له الوقف ما يكفيه. معظم الناس لا يعلم ان وضع الكاهن عموما وسط. ولست أظن ان أحدا يعيش في بحبوحة كبيرة. أنت ليس عليك ان توصيه بالتقشف. هو يفرضه على نفسه، ولا يستطيع ان يفرضه على أطفاله. أنت، ان كنت كريم النفس، تحب كرامة العيش لكل من تحب. وهذه تقتضي ان يكون راعيك مرتاحا من الأعباء الثقيلة حتى لا يُحزن عياله ولا يتشتت بالسعي إلى المال إذ تضعف، عند ذاك، عزيمته الروحية. الحضارات القديمة كانت تيسّر معيشة الذين كانت تنتظر منهم إنتاجا فكريا. كاهنك يعيبه ان يفتش عن مأتم هنا وعرس هناك خارج رعيته. لا تضطره إلى ذلك. يمكنك وأنت فرد ان تخصص له مبلغا من المال كل شهر مهما كان يسيرا لتتذكر ان «العطاء مغبوط أكثر من الأخذ»، ولتشعر برابطة روحية معه معبَّر عنها بصورة محسوسة.

قد يكون عند بعضٍ لائحة ببعض العائلات يساعدونها، هذا جيد. اكتب اسم كاهنك على هذه اللائحة وفي المقدمة. إذا انتظرت معمودية ابنٍ لك لتعطي، وانتظرت اكليلك ومناسبة وفاة في عائلتك، قد لا تعطي كاهنك أكثر من عشر أو 15 مرة في حياتك كلها، وهذا قليل. أعط لتشعر بأن قوة خرجت منك أو لتحسّ بأنك شاركت خادم الكلمة لأن هذا يدعو لك بالخير والتوفيق والعافية.

هذا بعض من كرم تفتدي به لنفسك فيفرح الله بك إذ تتروض بذلك على الرحابة. فإذا بذلت وأحسست بأنك ساعدت، تحس بما هو أعظم وهو عطف الله عليك. ما يصل إلى يد الكاهن لا ينبغي أن يبقى حديث المؤمنين في مجالسهم. ينقطع هذا الحديث إذا اقتنعتم جميعا بصلاة الكاهن عنكم وعن عيالكم. أكرموه ولو رمزيا إذا كنتم محتاجين، وبسخاء إن كنتم على شيء من اليسر، حتى تكونوا بالعطاء المحب جسدا واحدا للمسيح.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

سر الصليب فينا/ الأحد 18 أيلول 2005 / العدد 38

ثلاثة فصول إنجيلية قرأناها قبل اليوم تحدثنا عن سر المحبة الذي كشف يسوع انه اكتمل في الصليب. “هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد” (الأحد الذي قبل العيد). ثم في العيد: “انا اذا ارتفعتُ عن الأرض (اي بموتي) جذبتُ اليّ الجميع”. ثم في السبت السابق للعيد: “متى رفعتم ابن البشر فحينئذ تعرفون اني انا هو”. هذا ليكشف لنا ان الصليب كان مكان المحبة الإلهية.

          اما كيف نستفيد نحن من هذه المحبة فهو موضوع هذا الأحد الذي بعد العيد. ويستهل مرقس الإنجيلي القراءة بقول الرب: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. الصليب هنا يعني المشقات التي يعانيها كل انسان ولكنه يتحملها او لا يتحملها، وكأنه يقول ليس من احد منكم لا يتألم جسديا او معنويا ويصدمه من يعايشهم ولعلهم الأقربون ويقلقونه ويؤذونه ولكن ليس من عيشة لا صعوبة فيها او لا شقاء. السؤال هو بأية قوة تحمل، كيف؟ الجواب انك لا تقدر ان تتصبر الا اذا قررت ان تمشي وراء يسوع اي ان تكون له تلميذا. فاذا كنت كذلك تتوجع مثل كل الناس. تتقبل الآلام بايمان (انت تتبع المعلم اذا آمنت به).

          ولكن يجب ان تريد ذلك (من أراد ان يتبعني). واذا قررت اتباعه تكفر بنفسك اي لا تتعلق بمالك او نفوذ لك او سلطة ولا تكون اسيرا لامرأتك او اولادك او لنافذ في قومك واخيرا لا تكون أسيرا لذاتك (فليكفر بنفسه وليس فقط بالأشياء التي يحبها او الأشخاص القريبين اليه).

          وعبّر عن هذا بوضوح اذ قال: “من اراد ان يخلّص نفسه يهلكها ومن أهلكَ نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. تهلك نفسك بمعنى ان تعرض عن كل ما يفسدها، عن كل ما يعطل سيرها الى الله، عما يلهيها عنه. تعف عما يؤذيك من اجل الإنجيل، من اجل شهادتك ليسوع، تتحرر من كل شيء لتبشر، فاذا كنت مكبلا بما هو غير نافع لا تخرج كلمة صالحة من فمك ولا يسطع نور من سلوكك.

          وينهي السيد هذا المقطع الرئيس في تلاوة اليوم بقوله: “ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. واضح من كلام المعلم انك اذا اشتهيت كل ما في العالم من مال وسلطة وشهوة للجسد تعرّض نفسك للعبودية ولا يسكنك الروح القدس. اما اذا افرغتها من كل ما يستعبدها تصبح انت عبدا للمسيح اي حرا من كل شيء، من كل انسان ولو مرضت او تعبت او شخت. واذا اخطأت تتذكر الحرية التي كنت تتمتع بها وتحنّ اليها لأن وجودك هو بهذه الحرية.

          غير ان هذه الحرية لن تنالها الا اذا آمنت ان المسيح مخلصك وانه وحده ينهضك من كل وقعة ويشفيك من كل مرض ويغفر لك كل سيئة. فالقصة ليست فقط ان تقرر ارادتك الخروج مما يعطل حرية النفس. القصة ان تذوق يسوع في وجدانك، ذلك انه معك في كل حين ان طلبت اليه ذلك واشتقت الى صداقته وألفته حتى تصبح واحدا معه.

          غير ان كل هذا لن يتم لك ما لم تدخل في سر الصليب اي اذا ادركت ان الله احبك شخصيا وانه ارسل ابنه من اجلك. “احبني وأسلم نفسه لأجلي” يقول بولس. ليس فقط لأجلنا جميعا كما هو الواقع ولكن لأجلي. فقد جعلك يسوع انت شخصيا مركز حبه وأثبت لك ذلك بأنه مات عنك وانه اعطاك الحياة الجديدة بحيث لا تبقى مركزا لوجودك بل يصير هو مركز وجودك.

          فقط اذا عرفت سر الصليب ينزل اليك هذا السر وتحيا به فتكون مصلوبا مع السيد وقائما معه من بين الأموات اي سالكا حياة جديدة. هذه أخذتَ عربونها بالمعمودية فاذكرها دائما حتى تبقى دائما مغتسلا، لتظل المعمودية فعالة في نفسك كل حين فيتحول شقاؤك الى فرح وتشرق بضياء يسوع، فاذا رآك الناس على هذه الحياة الجديدة يتحولون هم انفسهم الى هذا الضياء.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

المحكمة الروحية/ الأحد 11 أيلول 2005 / العدد 37

المحكمة الروحية في هذه الأبرشية مؤلفة من ثلاثة كهنة أنا أعيّنهم وانتدبهم عني انتدابا كاملا أي أني منحتهم كل ثقتي فلا أتدخل بدعوى ولا بحكم ولا اعرف شيئا عن سير الدعوى لأني لو أردت ذلك لجلست ولم أَنتدب. وكيف أتدخل إلا لكون احد الطرفين قد راجعني، وكيف اعرف مسار الدعوى ان لم اسمع كل كلمة تقال أمام القوس واقرأ كل لائحة جوابية وانا لا أريد أن أوحي بأني اشك لحظة بنزاهة القضاة. لذلك أتمنى ألا يراجعني احد خارج المحكمة. وإصراركم على المراجعة يضطرني الى الاستماع الى الخصم اي ان اكون انا قاضيا خارج القوس.

          ثم هذه محكمة بدائية اي ان فوقها محكمة استئناف هي في دنيا الحقوق مرجع للمحكمة الاولى اذ نطبق نحن قانون اصول المحاكمات في المحاكم اللبنانية القائم على وجود محكمتين. ومن الأصول الأخلاقية الا اراجع انا قضاة محكمة الاستئناف وكأني اشك بعلمها وهي التي تفحص محكمتي فتثبت احكامها او تنقضها.

          ومن الواضح ان الفريق الخاسر تدفعه عواطفه ان يظن انه مغبون او مظلوم. ولكن في دنيا   القضاء هناك من يحكم بينك وبيم خصمك. اجل يمكن لقاضي البداية ان يخطئ. بسبب ذلك أقيمت محاكم الدرجة الثانية.

          الى هذا نحن قضاء لبناني تنفذ احكامه الدولة اللبنانية. لذلك تتدخل بأحكامنا محكمة التمييز اذا رفعت القضية المبرمة اليها وهي تنظر في ما اذا خالفنا القانون اللبناني.

          وافرضوا اني جلست قاضيا اول. هذا لا يعني ان رأيي يسود اذ يمكن للعضوين الآخرين الا يوافقاني. جلوسي ليس ضمانة لانتصار رأيي. ومن الطبيعي ان انتدب ثلاثة كهنة متزوجين -كما هي الحال- وهم يعرفون الحياة العائلية.

          اجل يحاول القضاة دائما مصالحة الزوجين، ولكن اذا تعذر عليهما الأمر فهم مضطرون ان يقاضوا اي ان يطبقوا القانون الصادر عن المجمع المقدس. الى هذا هم يتدارسون فيما بينهم الوضع النفساني للعائلة ووضع الأطفال وما ينفعهم وما يضرهم. ويعملون هذا كآباء روحيين.

          قد يعجبك هذا القاضي وقد لا يعجبك. هذه حالة القضاء في كل العالم. واذا انت لمست تحيز احد القضاة فيمكنك ان تطلب تنحيته ويقبل المطران طلبك او يرفضه. وهذا حقه الشرعي. والقاضي يفحص ويدقق ويستجوب ويستمع الى شهود ويستجوب الطرفين اذا رأى ذلك ضروريا ثم يكتسب خبرة ولاسيما اذا جلس سنوات على القوس. ضمانات اكثر من التي ذكرنا لا تتوفر في بشر.

          واذا انت تقدمت بدعوى يعني ذلك انك قبلت بهذا القضاء. هذا ما يوجد في الدنيا. وتتعرض الى خطأ المحكمة فتستأنف وتميز اذا شئت وما من طريقة اخرى. غير انك تقبل ضمنا ان القاضي يعرف القانون وتحسب انه طاهر وانه لا يرتشي. والمرتشي اذا ثبتت عليه الخطئية يحاكمه الرئيس الروحي. والمطران هو هذا الموجود.

          انت اذًا تدخل الى المحاكمة على رجاء ان تنصفك اذ لا تحل مشاكلك الزوجية خارج المحكمة. واذا اردت الخير كل الخير تصالح زوجتك ولا تظهر امام المحكمة. راجع كاهنك اولا او كاهنا آخر بغية السلام. وتحمل حياتك الزوجية بالغفران ما لم يكن سبب الخلاف فظيعا جدا ولم تطق المصالحة. واذا حصل فسخ الزواج فاولادك يتأذون ولاسيما اذا كانوا صغارا. حياة عائلية متشنجة يمكن ان تصل الى السلام. فلا تقم دعوى وانت في حالة الغضب. اما اذا لم تستطع اطفاء غضبك ورفعت قضية فاحتمل النتيجة مهما كانت، واذا لم تحتمل فاستأنف ثم ميز.

          ثقوا بأن كل دعوى تصدمني وانا اصلي من اجل سلام المتخاصمين. غير ان الدنيا فيها شياطين الخلاف، ونحاول نحن بما وهبنا الله من طاقة ان نطرد الشياطين.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الغفران في انجيل اليوم/ الأحد 4 أيلول 2005 / العدد 36

عندنا كلمة بشعة في هذا البلد وهي كلمة كرامة، وهي ان تأسر انسانا آخر بحدود من كلام يتبين لك منه انه يراعيك (طبعا بالقدر الذي انت تفرضه). لذلك تقول: فلان مسّ كرامتي وانا لا أقبل. قد تكون مظلوما اذا لم يعتبرك بما تراه الكفاية. وتضيف الى هذا كرامة العيلة احيانا اي انك تسعى دائما الى توازن والى الاعتراف بفضلك وسعيك ونشاطك لأنك تريد ان توجد في عيني هذا الذي اساء اليك او ظننت انه اساء، وفي الحقيقة تريد ان تظهر.

           في المثل الإنجيلي، وموضوعه الغفران، مَلِكٌ اراد ان يحاسب عبيده. هذا حق له بل واجب عليه لأن المملكة ليست سائبة. وفي المحاسبة تذكير الموظف بواجبه. هنا العبد مديون والمبلغ باهظ “فرقّ سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين”. لم يعطه مهلة قصيرة او طويلة للدفع. أعفاه كليا من الدفع. اوصى مرة يسوع بالعفو الكامل. ولكن حالة المديون قد تكون عسيرة وقد يكون الدائن موسرا قادرا على انتظار الإيفاء.

          هذا العبد الذي عرف حنان الملك الدائن لم يبق على هذا الحنان تجاه عبد آخر مديون له. فدفع الملك عبده الاول الى التعذيب حتى يوفي جميع ما له عليه لأنه لم يتعلم شيئا من الرأفة لما أعفي من الدين. هنا يختتم السيد المبارك المثل الإنجيلي بقوله: “فهكذا ابي السماوي يصنع بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته”.

          فاذا اساء اليك انسان يبقى اخا لك ولكنه جاهل او حاقد. انت لا تنظر الى كرامتك المجروحة اذ اصلا لم يكن عليك ان تنجرح لكن ان تشفق على الذي اساء لأنه لم يصل الى تلك الروحانية التي تؤهله للمحبة. جَرَحَك او شتَمك او قَساك بسبب من ضعفه ومنه التشفي وإحساسه بأنه يقهرك بالشتيمة.

          اذا سبَّكَ احد او آذاك وقصد تجريحك او حصرك في قفص او حاصرك، تصبر اولا وتصلي من اجله لأنه لم يتقبل نعمة الغفران وغيب وجه الله عن رؤيته ولم يشاهد الا الذي آذاه، وغالبا ما يضخم خطيئة الآخر ويعتبر نفسه شيئا كبيرا يجب تكريمه في كل حين وربما مدحه وتعظيمه.

          فجأة يجرحه احد الناس وما كان ينتظر ذلك ولاسيما اذا جاء الجرح من انسان قريب. يهزه ان نسيبا او صديقا او المعتبر صديقا وصل الى استبعاده واعتباره غريبا. وكثيرا ما كان الأذى متعمدا والقصد الإذلال والتحقير.

          يلح يسوع على ان نغض الطرف عن الذل الذي يلحق بنا، ويصرّ على ان نغفر. الرب لا يمنعنا من العتاب الذي قد يكون طريقة للإصلاح، واذا كانت بين الاثنين صداقة فكثيرا ما ينفع العتاب الهادئ لأننا نحن نتوخى تقويم الذي آذانا حتى لا يغرق في بغض او حقد. نحن لا ننظر الى صدمة اصابتنا بل ننظر الى الفساد الذي دخل فيه الآخر ونريد ان نشفيه منه. لا تهمنا كرامتنا. يهمنا هو فنحن بتقوانا نطلب شفاء المسيح لنا وبالحنان نشفي النفس التي سقطت بالشرور. الكنيسة مجموعة ناس خاطئين يغفرون بعضهم لبعض، واذا فعلوا يراهم الله طاهرين.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الإيمان/ الأحد 28 آب 2005 / العدد 35

والد مفجوع يدنو من يسوع متلهفا. ابنه عنده عدة عوارض تجعلنا نقول انه مصاب بداء الصرع épilepsie الموصوف بنوبات تشنجية مرتبطة بإثارة خلايا دماغية، ويقع المريض على الأرض ويفقد الوعي. السبب قد يكون جرحا في الدماغ او خللاً في النظام العصبي او يكون السبب غير معروف. وكان الأقدمون يعتقدون ان هذا النوع من المرض مرتبط بالأرواح.

          لم يستطع التلاميذ شفاء هذا الشاب فغضب يسوع عليهم وعمم توبيخه: ايها الجيل غير المؤمن. كاد ينفذ صبر المعلم من تلاميذه. اما هو فشفى الغلام فورا. ولما سأله تلاميذه لماذا لم نستطع نحن ان نشفي هذا الشاب، قال لعدم إيمانكم. هكذا بكل صراحة، بلا مواربة وبصورة قطعية. غير اننا نعلم من اعمال الرسل ان التلاميذ صنعوا العجائب. لقد استمدوا ايمانهم من القيامة.

          اذ ذاك قال هذه القولة الشهيرة: “لو كان لكم ايمان مثل حبة الخردل (وهي صغيرة جدا) لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل”. هذه صورة تعني ان العقبات مهما عظمت تسقط امام المؤمن وان كل أثر للشرير يخرج منه ومن الذين يمدهم بإيمانه.

          ماذا يعني الإيمان بالله وبمسيحه؟ يتضمن فكرة التصديق بكل ما قاله الله عن نفسه وعن اعماله وبكل ما كشفه لنا بالإنجيل (موته وقيامته). ورأس كل هذه الأمور يعني الحياة الأبدية اي معرفته هو ومعرفة قوة المسيح للشفاء والغفران.

          سألني مؤخرا احد الأصدقاء: ما دليلك على صحة هذا الأمر الذي تؤكد انه من الإيمان. قلت له لا دليل عندي الا ان الكنيسة تعلمه وانه مكتوب في الإنجيل. اشخاص عديدون يذهبون الى الكنيسة منذ عشرات من السنين يسألون عن الحياة الأبدية وقالوا: “مين راح واجا يخبرنا”. كنت اجيب واحد راح الى الموت وعاد منه وأخبرنا وهو يسوع المسيح وشهادته كافية لأنه هو الحق. واذا آمنتَ به تصدق كل ما قال.

          نحن نعرف ان المؤمن الحقيقي يذوق المسيح ويمتلئ به ويعرف ان المسيح أنقذه من خطايا كثيرة، وربما عرف انه انقذه من مرض او من موت. هو يعرف بالقلب، والقلب يستنير بالإنجيل والعبادات والمحبة المتدفقة من الأتقياء علينا. العقل المجرد يعرف اشياء العلم، ولكن الإحساس هو الذي يعرف الفن وصاحبه يلتقط بشعوره انه محبوب وانه انتقل من حال سقوط الى حال نهضة. المؤمن يرى من داخل كيانه، وهذا ليس اقل قوة من الذي يدرك فقط بعقله الخاضع ايضا الى الخطأ. نحن ليس ضد المعقول نتكلم، ولكنا نتكلم مما لا يحصره العقل.

          غير ان الحقائق الإيمانية ليست كل الإيمان. الإيمان اساسا الثقة بالله. وفي اللغة العربية الإيمان ان تعرف ان الله مأمنك اي انه لا يصيبك شر حقيقي، نهائي ان كنت مع الله. وكما يهدأ المصاب بداء الصرع من بعد تشنج بالدواء، انت، ان كنت مع الرب، انسان يعيش في سلام ويعيش بهذه القوة الداخلية والاطمئنان اللذين لا يعرفهما الجاحد. انت بالإيمان تخلص من القلق الشديد او القلق الدائم لعلمك انك مبني على الصخر وتحس بهذه المتانة. الثقة بالله هي ان ترمي نفسك عليه، ان تجعل نفسك في حضنه فتعرف انك محفوظ. واذا ألمت بك خسارة صحة او مال، تبقى متيقنا ان “كل الأشياء تعمل معا خيرا للذين يحبون الله”.

          يكون في هذه الحالة لك عناية من عند الله بطريقة اخرى. يمنّ عليك بالرجاء والاتكال عليه فيُنزل عليك رضاه وبركات وهداية هي اعظم بكثير من كل الذي خسرته في دنياك. ثم يقويك اخوتك المؤمنون وتؤلفون معا كنيسة المسيح. ويعطيك ايمانك حنانا عجيبا ولطفا كبيرا، وكلما قوي فيك تتزين بفضائل ما كنت تحلم بها.

          غير ان الرب يطلب منك ان تحفظ الإيمان بالصلاة التي تجعل الله حاضرا في قلبك ويقوى ايمانك بإنجيل يعزيك ويكشف لك غناه كلما قرأته، فلا تبقى مصروعا تهزك كل ريح، وتتكئ على صدر يسوع فتحيا بنبضات قلبه الى ان تلقاه متجليا في الملكوت.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

يسوع الأساس/ الأحد 21 آب 2005 / العدد 34

 إنجيل اليوم يكلمنا على تهدئة العاصفة في بحيرة الجليل. السرد عندكم. أهم ما فيه أن بطرس اندفع نحو السيد الماشي على المياه. كانت الحماسة  من طبع بطرس فاستطاع أن يخطو بعض خطوات إلى المعلّم. ثم يقول الكتاب: “فلمّا رأى شدة الريح خاف” ثم أخذ يغرق واستنجد بيسوع الذي مدّ يده إليه وأنقذه.

          لاحظوا أن أحدًا لا يرى الريح ولكنه يسمعها. غير أن الإنجيلي استعمل فعل رأى ليقيم مقابلة بين رؤيتين: رؤية السيد ورؤية الريح. أنت تمشي فوق بحر الحياة إذا سمَّرت نظرك على نظر المخلص. أما إذا حاد نظرك واهتممت بشيء آخر لا يبقى يسوع أمامك، لا يبقى لك منقذ فتغرق في هموم الحياة.

          أما في الرسالة فيتحدث بولس عن السيد ويقول عن المؤمنين به أنهم حرث (مثل الزارع في الإنجيل) ويقول بخاصة إنهم البناء ويبقى السيد هو الأساس. في أكثر من موضع يقول بولس إننا هيكل الله أو بيته وانه هو الذي يبنينا. في مواضع عديدة يتحدث الكتاب عن أن الله أو مسيحه صخرة. تذكرون مثل الذي يبني بيته على الرمل والآخر الذي بناه على الصخر. كذلك في اعتراف بطرس: وعلى هذه الصخرة (أي إيمانك بأني ابن الله) أبني كنيستي.

          ماذا تبني؟ فضة، خشبا، تبنا الخ… إلى أي حد أنت جدي في التعامل مع المسيح؟ يقول بولس: “فإن عمل كل واحد سيكون بيّنًا لأن يوم الرب أي يوم الدينونة سيُظهره لأنه يعلن بالنار والنار هنا تعني التمحيص. سيبقى عمل الإنسان إن كان جديًا “فمن بقي عمله الذي بناه على الأساس (أي المسيح) فسينال أجرة ومن احترق عمله (بدينونة المسيح) لهذا العمل فسيخسر وسيخلص هو ولكن كمن يمر في النار” (أي انه صعب أن يخلص) فإن الإنسان وعمله واحد.

          بعد هذا يقول الرسول: “أما تعلمون أنكم هيكل الله؟”. بدءًا المسيح في الجسد هو هيكل الله بناء على قوله في الإنجيل: “انقضوا هذا الهيكل -أي هيكل جسدي بالصلب- وأنا بعد ثلاثة أيام أقيمه”. وامتداد للهيكل الإلهي الذي هو المسيح صرنا نحن هيكل الله “لأن روح الله ساكن فيكم”. الروح القدس هو الذي يجعلنا هيكل المسيح.

          بعد هذا ينتقل الرسول إلى تعليم أخلاقي ويقول: “من يفسد هيكل الله يفسده الله لأن هيكل الله مقدَّس وهو انتم”. والمعنى أنكم في الخطايا والشهوات تدمرون هيكل الله وتصبحون لا شيء. لأن هيكل الله مقدس بالميرون أي أن هذه المسحة تجعلكم مخصصين للمسيح. هذا معنى قول الخدمة “ختم موهبة الروح القدس”. الختم هو ختم غلاف (بالشمع الأحمر). فمن استلم رسالة مختومة يحق له وحده أن يفضها. انتم فقط للمسيح. والصورة الأخرى للختم إن كل خروف يُختم بلون معين يدل على انه ملك فلان.

          خراف الحظيرة التي تكلم عليها إنجيل يوحنا أو جسد المسيح أو الهيكل كلها صور مختلفة في العهد الجديد تدل على إننا أخصاء المسيح. هذا يجعلنا تابعين له وحده وليس لنا مخلص آخر حسب قوله المبارك: “لا يأتي احد إلى الآب إلا بي”. لذلك نسلك بما يوافق تبعيتنا له.

          هذا يفرض علينا سلوكا طاهرا “فمن ارتكب الخطيئة فهو عبد للخطيئة ومن عمل البر عبد للبر” أي لا يملكه إلا البر. ومن تصرف بخلاف ذلك لا يكون مؤسسا على الصخرة.

          من هنا أن لا مجال للقول: أَعمل بعض ما يرضي المسيح واعمل بعض ما يرضيني بحيث أكون مترددًا بين ما هو للسيد وما هو للعالم. لذلك قال: “من أراد أن يكون لي تلميذًا أو من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”.

          إن الحياة في المسيح فيها مشقات كثيرة. “ادخلوا من الباب الضيق”. هناك اضطهادات محتملة من قبل الذين لا يحبون السيد وقد يكون هؤلاء من الكنيسة. بلا دموع وجراح لا نستطيع أن نرى وجه الله. الطهارة شرطها الصبر.

          وأنت وسط الآلام تعيش في الفرح لأنك تعرف نفسك مؤسسًا على الصخر.

          هذا عمل يومي يدوم الحياة كلها فلا تقدر أن تكون يومًا مع سيدك ويومًا آخر مع شياطينك. لا تستطيع أن تتحايل على المسيح إذ المهم قلبك، وهو يعرف قلبك.

          وإذا تم البناء تروح وتجيء إلى أعمالك كلها وتتعاطى بيتك وتجارتك أو أي عمل آخر ولكنك حر منها جميعًا. تتصرف في الأشياء ولا تكون أسيرًا لشيء بعد أن أَسلمت نفسك ليسوع وعرفت انه إلى جانبك في كل حركة لك. يكون هو ملهما تصرفاتك وداعما لكيانك وتبقى به وحده حرا من طغيان الخطيئة عليك. تكون هنا قائما من بين الأموات.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

تأمل في رسالة اليوم/ الأحد 14 آب 2005 / العدد 33

كتب بولس رسالتين الى أهل كورنثوس نحن مع الأولى اليوم. وكورنثوس مرفأ في اليونان على قنال. وكان الرسول قد بشرّها بعد ان أخفق في أثينا (أعمال 18). ظل بولس على علاقة مع هذه الجماعة. في هذه الأثناء استقبلت الكنيسة مبشرًا مسيحيًا قادرًا يدعى أبلوس كان فصيحًا متبحرًا في كتب العهد القديم فساعد أهل كورنثوس على مجادلة اليهود وكان يفوق بولس فصاحة فتحزّب له قوم. ولا يعني هذا أنه كان يشجع المحازبين.

          كذلك تحمّس بعض لبولس وتشيّعوا له. كذلك تحزب بعض لصفا، وهو بطرس، ولعل بطرس مر بالمدينة في طريقه الى رومية. هل كانت تكمن نزعات لاهوتية في هذا التحزب؟ لا شيء يدل اولا على ان بطرس ترك أثرًا لاهوتيًا خاصًا ولا أبلوس. نزعات عاطفية سادت.

          لا نعرف بالضبط معنى الذين قالوا إنهم للمسيح. هل المعنى أنهم تجاوزوا الخلافات، وتاليا جعلوا أنفسهم ازاء الآخرين، وبهذا المعنى كانوا حزبًا؟

          ما أزعج بولس الانقسامات سواء أكانت نزعات لاهوتية تغذّيها ام كانت تعبّر عن تفضيل شخصي لهذا او ذاك من المسؤولين. هذه لم تكن انشقاقات بسبب اختلاف حول العقيدة.

          في الواقع الأنطاكي لا نشهد انقسامًا بين المؤمنين ظاهرًا على مستوى العقيدة، ولئن وجدتَ هذا او ذاك يشك بمعتقدات اساسية اقتبسها من كنائس اخرى او اديان اخرى. انا سمعت كثيرا من يشك بقيامة الأموات او من كان غير مقتنع بالصيام.

          غير أنك تجد في بعض الأوساط المتقدمة في المعرفة تباينات تصل احيانا ببعضهم الى رفض الآخرين او الى التشدد وربما الى التكفير. ونحن نعلم ان السلطة الروحية وحدها تستطيع ان تحكم على الناس بالهرطقة وانك، فردًا متعلمًا ، يمكنك ان تبيّن خطأ ولا تكفّر صاحبه.

          عندنا في الكنيسة مساحة من حرية الاختلاف لا تمس جوهر العقيدة. والكنيسة لم تجزم في كل شيء.

          ليس صحيحًا  مثلاً أن عندنا اعتقادًا واضحًا بما يحصل للنفس بعد الموت. هل هناك مراحل لارتقائها ام ليس من مراحل؟ هناك من يميل الى المعلمين الذين يحوّلون آراءهم عقائد ثابتة ويجزمون بقوة ان هذا الرأي أرثوذكسي وذاك غير أرثوذكسي.

          من هنا ينشأ أننا نتّبع هذا المعلم دون سواه فتتألف كتل متصادمة سرًا او علنًا. مرة سألت لاهوتيًا عظيمًا في كنيستنا هو الارشمندريت ليف جيلله: “ما هو إيمانك؟”. اجابني انا اؤمن بما يؤمن به مطراني. هذه هي القاعدة وان كانت لا تنفي إمكان النقاش.

          لك أنت أن تستحلي فكر فلان وأن تحب شخصه لأنه يقوّيك بالمسيح. ولا مانع أن تفاضل بينه وبين سواه. ففي سماء الكنيسة نجوم يختلف ضياؤها. ولكن عليك أن تُقبل الى الجميع بمحبة لا أن تصنّف الناس، ولا يحق لك أن تبعد عن قلبك فلانًا وفلانًا لمجرد انضمامه الى جمعية او حركة روحية لمجرد أنك قررت بعصبية وبلا امتحان أن هذه الجمعية أو الحركة موصومة بالفئوية. 

          انه من روح الانقسام ان تستبعد عنك ناسًا لمجرد انهم يحبون فلانًا ويتأثرون بروحه اذ تخسر احيانًا وجوهًا مشرقة قررتَ الا ترى إشراقها فيبطل تعاون في الكنيسة خصب لمجرد حقد في نفسك. غير ان الله انقذ هذه الأبرشية من الأحقاد الاكليريكية على ما ارى فلا نشهد بين كهنتنا اثرًا للتباعد العاطفي. ورجائي ان يحب الكاهن كل ابناء رعيته وان يعاملهم معاملة واحدة. ورجائي ايضا ان تحب الرعية راعيها فلا تستسلم الى انتقاد مرّ والى استعراض عيوبه وان تحبه اكثر فأكثر لأنها كلما ازدادت حبًا له يتحسن هو ويصبح اكثر رقةً واكثر اندفاعًا واعظم إخلاصًا لها.

          الويل للذين يزرعون الشقاق لأنهم بهذا يمزقون ثوب المسيح غير المخيط وهو القائل: “كونوا واحدا كما انا والآب واحد”.

Continue reading