إنجيل لوقا إنجيل الرحمة بامتياز وهذا يظهر واضحًا في هذا الفصل الذي نتلـوه اليـوم. الوصية التي نستهل بها هذه القراءة: كما تريـدون ان يفعل النـاس بكم… أقوى من الوصية القائلـــة في موضع آخر: ما لا تريدون أن يفعـل النـاس بكم… إذ تدفعنـا الى المبادرة بالمحبة بأفعال مختلـفة محددة تُجمع كلهـا تحـت رايـة الرحمـة. من هذه الأعمال الإحسان وهو سكـب الروح للروح معبَّرا عنـه بالعطـاء المــادي إذ يقوم على المشاركـــة واليقـيـن ان ما لي هـو لك لأنك الأحـوج.

          ووصية الإحسان تعلو علوًا كبيرًا إذ يدعونا السيد الى ان نحسن الى مَن لا يحبوننا اذ الإحسان عنده ليس قائمًا على العاطفة   ولكن على الحاجة فالأكثر حاجة هو مَََن ينبغي أن تلتفت إليه فهو بسبب من الحاجة قريب الى الله. وتصبح أنت تالًيًا أقرب الى الله إذ ليس لكََ مصلحة عاطفية.

          كذلك الدَين الذي تطلبه او لا تطلبه اذا كان مَن استدان منك عاجزًا عن تسديده. وقد تقتضي حكمة التربية ان نذّكر المدين بإيفاء  دينه حتى لا يقع في استغلالنا وعدم التحسس بمديونيته وقد يكون لنا في هذا إفقار. يجب أن نربّي الناس على ضرورة الوفاء بما عليهم من واجب.

          والقمة في كل هذا الكلام قول السيد: “فكونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم”. وإذا عنَت الرحمة طول الأناة وسعة الصدر فإنما يقع كل ذلك تحت الغفـران الذي هو القبول بأن مَن أساء إليك إنما أساء الى الله اولا والى نفسه ثانيًًًًًا وان ما يشفيه هو ذلك الحب الذي تغمره به لأن هذا الإنسان إناء خزفي كما يقول بولـس في رسالة اليوم وقد انكسـر بالخطيئة واذا غفرت تعطيه حظًا في أن يقوم من الخطيئة الى وجهه ربّه الذي ينظر إليه بالحنان.

          غير ان حنان الرب انما يُتَرجم بموقف الغافر أسيء اليه. والغافر يصبح هكذا كالإله الغفور الذي ينظر الى الخطأة على انهم ابناؤه كالصالحين… وانت إذًا تنظر الى مَن آذاك بكلمة أو تصرّف على أنّه أخ لك فيقوى انتماؤك الى عائلة الآب التي فيها الصالح والصالح والناس فيها أوانٍ خزفية معرضة للكسر. بعض يُجبر وبعض لا يجبر. ولكن ليس أحد منا من حديد. ولعلك اذا غفرت تذكر انك قادر على السقوط. لهذا قال الرسول: “اذا زلَّ أحد منكم فاصلحوا انتم الروحانيين مثل هذه بروح الوداعة”.

          هذا هو اللطف بمن قسا عليك وهو أصعب من اللطف بالودعاء… لقد فوّضنا الله بأن نكون أطباء. ليس من طب روحي أعظم من طب الرحمة الذي في كل حين يشفي ويضمد ويجعل في النفس رقة وبالرقة يتكوّن مجتمع الإلهيين. وهكذا فقط نكمل التشبه بالمسيح: “تعلموا مني انا وديع ومتواضع القلب”. المسيحية مجتمع الودعاء الذين أعد لهم الملكوت وسُرَّ الله بهم لكونهم أصدقاءه.