ان تقول ان المسيح انسان جزء من ايماننا وليس فقط حدثا تاريخيا. وللمفارقة انكر ناس بشريته وهم المشبهة اذ قالوا انما شبه للبشر انه بشر كما انكر الآريوسيون (او الاريسيون في الادبيات العربية) كونه إلها فأقر دستور الايمان النيقاوي (325) انه الاثنان معا. وهو في هذا فريد. ما لهذه الاسطر ان تقول كيف يكون هذا وليس لها ان تدخلنا في سجال حول هذه الاثنينية. غير اني بصورة عابرة ألفت الى أن القول بان الله تكلم بكلمات تطرح السؤال عن علاقته بهذه الكلمات التي هي من اللغة اي من جسد هذا العالم. فإذا كان الله قائلها فهو فيها. ما علاقة الخالق بتعابيره التي كانت على ألسنة الناس قبل ان ينطق الله بها. ما الفرق بين ان تقول ان الله عبر عن نفسه بادوات النطق وانه عبر عن نفسه في صورة انسان. عندنا ان المسيح قبل ظهوره على الارض كان كلمة الله وطبعا بقي كذلك.

أليس هذا قريبا من الآية 45 من سورة آل عمران: “اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين”. فسرها سيد قطب بقوله: “فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة وهو الكلمة في الحقيقة. فماذا وراء هذا التعبير؟ فهذه وامثالها من امور الغيب الذي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد”. لن ادخل هذا المبحث اذ انا باسط الرؤية المسيحية اذ تقول انه وحدة، التقاء بين الناسوت واللاهوت في شخص واحد (المصطلح المسيحي القديم هو اقنوم المأخوذ عن السريانية).

ليس مبتغاي ان اتبسط هنا في علاقة العنصرين الالهي والبشري في المسيح وقد سميناهما اللاهوت والناسوت. ولكن جل ما اقوله ان المسيحيين كلهم بلا استثناء فرقة يقولون بذلك ولو سمى بعض هذين العنصرين طبيعتين او سموهما بعد التقائهما طبيعة واحدة. فلقد تبين للباحثين قديما وحديثا ان هذا فرق لفظي ولم يبق شيء من الجدل الذي قام بدءا من القرن الخامس بين اهل الطبيعة واهل الطبيعتين لان مضمون الايمان في المسيحية جمعاء ان المسيح هو اله وانسان معا.

في الحس المسيحي الى جانب موضوع خلاص أتمه المسيح الكامل ما يحرك النفس ان الله بات قريبا من الانسان كما لم يكن في العهد القديم اذ جعل الانسان مسكنه وما اكتفى الله بانه علم الانسان بكلمات. فالله الذي لا يزال يعلو بطبيعته الانسان صار في الانسان. والامر المرتبط بهذا ان الله بات معطى لنا في هشاشة طفل مولود في بيت لحم وفي معطوبيته. وبهذا تنكشف لنا محبة الله ويتضح لنا ان الناصري بات قربانا عنا لله وعطاء الحب الالهي على مذبح الكون. وعن طريق هذا نفهم ان المسيح هو الحَمَل المذبوح قبل انشاء العالم (رؤيا 8:13) وانه بهذا الذبح الطوعي صار مثالا لكل المعذبين في الارض الذين خلقوا على صورة الله ومثاله (26:1) ويصبحون على صورة المسيح المصلوب اذ بعد تجليات الله كلها في الانبياء قديما وفي معجزات السيد وحلاوة كلامه تجلى الله آخر مرة بالمصلوب. في الجلجلة سطعت حقيقة ما قاله مكسمس المعترف: “ان وحدة الله والانسان يمكن تشبيهها بوحدة الحديد والنار في الكور. فاذا القيت سيفا في النار حتى يسطع بالحرارة فالنار والحديد متحدان بلا تمييز واذا صار السيف متوهجا لا يسعك ان تفصل بين الحديد والنار”.

صارت بشرية المسيح كاملة التوهج بالموت. وفي طريقه اليه ابتلي ليعين المبتلين بحيث ان المسيح ملازمنا في كل ألم كما هو رفيقنا في الموت. الانسان لا يموت وحده لان المسيح لصيقه. لذلك يقوم الانسان في اليوم الاخير. السيد معنا ايضا في الخطيئة وهي صورة الموت وان لم يكن في الخطيئة ولكن قي قلبنا حيث يمحوها.

عندما يقول المعلم: “انا معكم حتى منتهى الدهر” لا يريد فقط انه مع الكنيسة ولكنا نريد ايضا انه في جسدنا على ما يعتريه من نقصان او هبوط او محنة لان هذه المحنة نذوقها في دائرة المسيح وليس لنا وجود خارج هذه الدائرة.

لست اعرف ولا احد يعرف لماذا يتزلزل جسد او يتزلزل الكون اي بأي هدف يكون هذا كله. الله ليس معذبا لاحد ولا تسره آلامنا وخطأ شائع ان نعتقد انه هو الذي يرسل الألم ليطهرنا به. الرب ليس ربا ساديا. السادية اذا قرأناها في الله تلغيه لانها تكون كراهية إلهية للانسان. الرب يؤدب بحنان الذين هم له فقد يكون التأديب وجها من وجوه الرفق الالهي لكن الالم ليس نطاق الخالق.

أجل الله هو الضابط الكل بمشيئته اي انه يحفظ هذا الكون وكل امرئ بمفرده. وقد يكون الحفظ بالموت. للحياة حد فاذا فقدناها يتلقانا الله برحمته ولا احد يغوص على حكمة الله في خلقه. جل ما عندنا ان الرب يرافقنا في الحياة وفي الموت والمهم الا يغيب عنا وجهه اذا ا ستبقانا واذا استدعانا اليه.

وقبل هذا النداء الاخير نحن في ملاطفاته. المهم ان نقرأ هذه الملاطفة في الحزن وفي الانتعاش والا تحول محنة دون القراءة. وهنا لا تنفع البطولات فقد تكون هذه كبرياء الأنا المستلذة ذاتها. انا في الجروح لا ابدأ في نفسي. ابدأ من جروح يسوع الحي ابدا فيّ كائنا ما كان شكل جسدي او انعطافات روحي اذ اجيء من المخلص ولا يجيء مني. واذا أسلمت له استلمه بكل ما عنده من رفق وما يفيض منه من تعزيات. ويعني هذا اني أتتلمذ عليه كليا وأتعلم منه في واقع كلومي انه “وديع ومتواضع القلب” فينكسر فيّ كل ادعاء وكل استعلاء واصير طفلا بين يديه.

قد يلازمك عجز كبير او صغير في جسدك او انخلاع في نفسك. والعجز قرر الاطباء استمراره فيك الى يومك الاخير. وتعرف انت ان نفسك غالبا ما تبقى مكسورة في ما انتابها من تجارب تراكمت وطبعتها ولو نوديت الى التوبة. ويبقى الكسر ولو حاولت. ويراك الله على الاقل كما ترى نفسك وعلى الاكثر حسب معرفته وهذه لن تنكشف لك لئلا تخور قواك. وفي هذه الكومة التي انت تبدو امام الله في استعطافه والبكاء هو وحده يمسح عن عينيك كل دمعة وتجيء بنفسك الى قدميه لتقبلهما وليس لديك عطر تسكبه عليهما وتتعطر انت من القبلة وترجو.

وتننتصب في الدعاء الى ان يطلع الفجر وتلح في الدعاء حتى تنزل عليك التعزيات وهي نازلة بلا محال اذا كنت سليما او كنت مكسورا وتنزل اذا تقت الى التوبة في سلامة جسدك او في تهشماته لان الله اعظم من جسدك واعظم من روحك وهو معطيك برفق ولكن احيانا متأنيا كي تعرف انه هو الالف والياء فيما انت في التنعم وفيما انت في الحرمان فإنه هو الذي بحبه الواحد ينعم او يحرم.

اذا انت فهمت بشرية المسيح تفهم كل ذلك. السؤال لماذا انا بت مضروبا ولماذا بهذه القسوة والآن او لماذا مات ولدي وما الى ذلك كل هذه الصرخات تزول اذا انت آمنت ان المعلم يلازمك في كل وضع وانه منتشلك من محنتك بطريقة هو يعرفها وانت لا تعرفها. انت فيك مجموعة خسارات على كل صعيد. الرب وحده يعينك ويشفيك بطريقة قد لا تنتظرها. انه يرى غير ما ترى وانه هو الحكيم حتى تنطبق الكلمة: “وللموت لن يبقى وجود بعد الآن، ولا للحزن ولا للصراخ ولا للألم لن يبقى وجود بعد الآن، لان العالم القديم قد زال” (رؤيا 4:21).

ان بشرية المسيح في المتألمين استباق لقيامته في اجسادهم وارواحهم.