Category

2005

2005, مقالات, نشرة رعيتي

الصوم / الأحد 13 آذار 2005 / العدد 11

اليوم أحد مرفع الجبن الذي ندخل يوم الاثنين الذي يليه الصيام المبارك. ونرجو الله أن يمتعكم ببركاته وعمق معانيه على قدر مشاركتكم الخِدَم الإلهية المختصة به. ومن صام منكم سوف يحس في نفسه باللمسات الإلهية التي يلمسه الله بها بالكلمات الإلهية أقراءات كانت أم أناشيد أم مزامير. كل شيء موضوع في هذه الخدم حتى نتدرج يوما بعد يوم إلى الأسبوع العظيم المقدس الذي هو المرحلة قبل الأخيرة من الذروة الفصح.

          ولكن خشية ان يظن المؤمن ان ما يقوم به هو إبدال طعام بطعام فقط أرادت الكنيسة ان نغوص على ما هو أعمق فقرأت علينا اليوم فصلا من عظة الجبل كما وردت عند متى، فصلا يتضمن ثلاثة محاور نركز الصوم عليها في عقولنا وقلوبنا.

          المحور الأول الغفران إذ يقول السيد: ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. ان الغفران يؤهلك ان تصوم مع ناس تحبهم اذ تكون قد غفرت لهم خطاياهم. الصوم صوم الجماعة والجماعة في المحبة التي تبذلها والمحبة التي تتلقاها هي الواقفة معا بنوع خاص يوم الخميس العظيم في ذكرى العشاء السري. ولهذا نفتش عمن أحزناه لنستغفره وندخل الصوم مطمئنين.

          المحور الثاني الفرح اذ يقول: لا تكونوا معبسين كالمرائين… فاذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لا تتأفف من الصيام ومما يبدو لك صعبا فيه. انه صعب على الطفل والمريض. كل منهما معفى من الصوم. فرحك ناتج من انك تسعى مع الرب وإلى الرب. أنت انعزلت عن الخطيئة وطلبت البر. هذا وحده يكفي ليجعلك في فرح.

          المحور الثالث. لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض. احد مرامي الصيام ان توفر ثمن ما لا تأكل لتعطيه من كان في حاجة اليه. فاذا كان الصيام مع الجماعة، فهو اولا مع الجماعة المحتاجة. هذه اذا انت اعطيتها تحفظ لك ذلك السماء. ولهذا يقول: اكنزوا لكم كنوزا في السماء. المال الذي تبذله هنا يجيِّر لك وديعة في السماء إلى جانب كل وديعة روحية. انت لا تقدر ان تصوم اذا لم تحبب الآخرين، ولا يسعك ان تحبهم الا اذا شاركتهم اموالك.

          اذًا غفران أولاً حتى ينوجد الآخر أمامك ومعك. ثانيا) الغفران يعطيك فرحا. ثالثا) اذا كنا نصوم كجماعة نقوم بحاجات بعضنا البعض. فاذا اعتبرنا المال كنزنا فقلبنا فيه كما قال السيد. واذا اعتبرنا الآخر كنزنا فقلبنا عليه.

          هذه المدة الطويلة التي نتقشف فيها ونتعب جسديا نفيق فيها روحيا، نعي ضعفاتنا وحاجاتنا واولاها حاجتنا إلى يسوع.

          الإمساك والصلاة فيه سلاحنا الأمضى لنواجه التجارب ونبعدها عنا. اذا كنت ممتنعًا عن الطعام وبعض ألوانه وهاجمتك التجارب تتذكر انك في حالة حرب روحية فكيف تجمع بين كونك محاربا غالبا وبين ان تطيع نداء الشهوات فيك. من عظمة الصوم انه يقيم تناقضا في عقلك بين جاذبية الله وجاذبية الخطيئة.

          مع ذلك انت معرض للسقوط. ليس الإمساك ضمانة للبر. لذلك لا بد لك من التنبه الكبير حتى تعي حالتك كصائم وتعي حالتك كمواجه للتجارب. لا تتحير بين الرب وعدو الرب. انت حليف المسيح في هذا الزمان المبارك إلى ان ترى قيامته.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مرفع اللحم/ الأحد 6 آذار 2005 /العدد 10

من محبة الكنيسة الأرثوذكسية للصيام والاستعداد له كأنه موسم ننتظره بفرح جعلت لنا اسبوعا يسبقه ندخل فيه جزئيا بالإمساك اذ نمتنع عن اللحم محافظين على البياض. هذا هو اول يوم من هذا الأسبوع يسمى مرفع اللحم اذ في اليوم الذي يليه نرفع اللحم عن الموائد.

          غير ان الكنيسة لا تريدنا ان نركز على الأطعمة تركيزا رئيسيا رفعتنا إلى الفضائل في فصل إنجيلي مركز على الفضائل الا وهو إنجيل الدينونة حسب رواية متى. يبدأ الكلام هكذا: “متى جاء ابن البشر في مجده”. نحن اذًا مأخوذون من الصوم الذي يبدو فترة تعب إلى آخر التاريخ، إلى المجد الذي سيسطع عند المجيء الثاني للرب. ولا يدخل احد إلى مجد يسوع الا بالدينونة التي تعلنه نقيا او تعلنه قذرا قد احب قذارته في هذا العالم.

          تحضر الناس إلى السيد الديان. اجل يسوع محب، لطيف، حنون، ان محبته هي التي تدين. فأنت تقبلتها في دنياك او رفضتها. اقتبالك لها في هذا الدهر يضمك اليها في اليوم الأخير، ورفضك لها هنا يستمر رفضا لها هناك. اي ان أعمالك التي كانت مع الرب في تجانس تلقيك عليه، والتي كانت معه في نفور تبعدك عنه. الله عادل وليس عنده محاباة للوجوه. انت ترتفع إلى السماء لأنك كنت في هذا العالم تسعى اليها. وانت تُستبعد من السماء لأنك اردت ان تبقى بعيدا. لا يخترع لك يسوع سماء ما كانت فيك ولا جحيما ما كانت فيك.

          ما القول الذي سيقال للخراف اي للذين كانوا من حظيرة المسيح؟ يقال لهم انهم مبارَكون وان المُلك أُعِدّ لهم. ثم يقول: “كنت جائعا فأطعمتوني وعطشت فسقيتموني الخ…”. عنى السيد بهذا القول انه بعد صعوده إلى السماء ترك لنفسه صورا عنه. انهم هم الذين احبوا بقية الناس فعليا، في الحياة اليومية وأحبوهم في الاوضاع التي كانوا فيها. فاذا لقيت جائعا لا تقرأ له كتابا او تقله معك في سيارتك ليتنزه. تعطيه رغيفا. انت معه في حاجته. واذا زرت مريضا لا تعطيه خبزا فإنه لا يحتاج اليه. تعطيه عزاء وحرارة المشاركة.

          غير ان الكتاب يقول اكثر من هذا. فعندما يقول السيد: “كنت جائعا فأطعمتوني” يوحد نفسه مع الجائع، يدمجه بنفسه. فالجائع والعطشان والسجين والمريض إخوة يسوع. واذا كنت اليهم تكون إليه.

          بعض الوعاظ يقولون ان يسوع لا يسألنا عن الصلاة اذا صليناها. الجواب ان صلاتك انما ثمرتها العمل الصالح. هو لا ينطلق منك الا اذا كنت متحدا مع يسوع يوميا واذا دعوت اسمه. انه تكلم على الصلاة في مواضع اخرى من الإنجيل. في الدينونة التركيز على الآخر. لقاؤك اياه هو امتحان صدقك في المحبة، وذلك كله ينطلق من قول المعلم: “احبوا بعضكم بعضا كما انا احببتكم”.

          اما الخطأة فيقول لهم: “اني جعت فلم تطعموني وعطشت فلم تسقوني…”. هم يردون: “متى رأيناك جائعا او عطشان الخ…”. وجوابه القاطع لهم: “بما انكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. الخطيئة التي ينسبها اليهم خطيئة الغفلة. انتم اهملتم الآخرين. هذه هي اساءة كبرى انكم لم تكونوا، بسبب الإغفال، إخوة لإخوتكم. انه لم ينسب اليهم افعالا سيئة ارتكبوها. ينسب اليهم افعالا لم يقوموا بها. الآخَر موجود وخطئيتك انك لم تره ولم تره في ظرفه. فقد تتحدث بصورة جذابة إلى جائع او تناقش معه سبب جوعه قائلا مثلا لماذا لم يكن عمل تقتات منه في حين انه يحتاج إلى رغيف. الظرف الذي يكون فيه الآخر أمر مهم جدا. تدخل انت في وضع الآخَر. هكذا يحس انك تكون معه فيصبح هو ايضا معك وتصبحان كلاكما في المسيح.

          عندئذ فقط ترفع الدينونة عنك. انت تدخل في حركة الصيام لكي تحب، لكي تشارك الفقراء والحزانى، لكي تفهم حاجاتهم لأنك تصبح صائما كالفقير ولا تنس ان يسوع كان فقيرا. الصيام إمساك من اجل الحب.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 27 شباط 2005 / العدد 9

          هذا الفصل الإنجيلي يقرأ لك لتعرف انك انت هو الابن الشاطر. فبعد ان جذبك التواضع، الأحد الماضي، بمثل الفريسي والعشار بات عليك مبدئيا ان تقول: انا لست بشيء لأني لا ازال انسانا دنسا. هذا يفرض ان ترى النجاسة التي فيك وانك بت عشير الخنازير. لماذا تركت بيت الآب كذاك الولد؟ ما الذي أهواك؟ حسب الابن البار الذي لم يغادر المنزل اخوه الشاب بدد ماله للزواني. خطيئة الجسد معتبرة مألوفة في سن الشباب. والحقيقة انها شائعة في كل عمر. غير انها في المثل الإنجيلي صورة عن كل خطيئة اذ يعف كثير من شبابنا. هي ليست مركز النص.

          فللنص مركزان اولهما الترك وثانيهما العودة. الترك بالنسبة إلى كل واحد يبدأ بجاذبية ما هو خارج البيت وما يغري فيه. والعودة هي التوبة اي التحرر من الإغراء والإيمان بأن محبتنا لله هي التي تحفظنا من التجربة وتجعل بيننا وبين الرب موآنسة وفرحا.

          كل منا يمر بتجارب عديدة تهزنا وتجعلنا في البدء مترددين بين الخير والشر حتى ننزلق إلى الشر ونلتذ به ونظن ان لنا فيه سعادتنا. ثم نغرق فيه غرقا عميقا بحيث لا نبقى منجذبين إلى البر. ثم يحن الله علينا حنانا كبيرا لكوننا ابناءه وينزل علينا نعمته ويجدد فينا ذكرى الطهارة التي كنا عليها فتشدنا من جديد اليها فنقوم من عمق المياه إلى سطحها فنرتمي في الطهر مرة واحدة ونسبح في بحر التوبة ونحس ان لنا فيها فرحا مجددا. ولكن المهم ان نلازمها. فتنقطع عنا ذكرى الخطيئة. والمهم، اذا تبنا، ان ننسى الخطيئة وإغراءها ولا نعود إلى سحرها لأننا اذا عدنا إلى تذكر سحرها نتعرض إلى السقوط من جديد.

          ماذا قال الابن الضال لما أحس بمرارة الطيش الذي كان عليه؟ قال: “اقوم وأمضي إلى أبي”. أقوم لأني لم أبق راضيا عن خطيئتي ولا اريد ان أبقى فيها. هذا يتطلب حركة من النفس. وهذه الحركة يحدثها الله فيك. “أقوم” تعني اني نادم ولن ابقَ مترددًا بين رعاية الخنازير وأبي. “امضي إلى أبي” اي أتحرك، اتخذ قرارا بالعودة. فكما ان السقوط كان بقرار، كذلك التوبة بقرار. ثم ماذا قال؟ “وأقول له (اي لأبي) قد اخطأتُ إلى السماء وامامك”. اي اني اعترف بخطيئة الترك لمنزل العائلة. لا مغفرة بلا اعتراف، بلا إقرار ان الإنسان اراد الشر فأخطأ. ولكون الوالد هو الذي انجرح بمغادرة الولد للمنزل اعترف له ابنه بأنه آذاه. والأذى ان الوالد احس نفسه مهجورا. جعله ابنه وحده وتفرقت العائلة. “ولستُ مستحقا بعد ان أُدعى لك ابنا”. فقد سقطَتْ في عيني الابن الشاطر بنوته.

          ولكن ماذا فعل الوالد؟ يجيب الإنجيل: “وفيما هو بعد غير بعيد رآه ابوه فتحنن عليه واسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله” فكان اللقاء. لماذا رآه ابوه؟ لأنه كان ينتظره في مكان مشرف، مثل “سطيحة”. عند الرؤية تحنن لأن له قلب والد لا يقسو ولا يعرف البغض. وهو بادر بالتحية. هكذا يفعل الله بنا. فكان عناق بين الرجلين.

          اعترف الولد كما كان قرر. لم يوبخه ابوه. فقال للخدام: “هاتوا الحلة الاولى وألبسوه واجعلوا خاتما في يده وحذاء في رجليه”. زيّنه وجمّله.

          هذا الذي سميناه “مَثَلَ الابن الشاطر” هو في الحقيقة مثل الأب الحنون. من يعرف ان الله هو ابونا الحنون لا يخطئ.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الكنيسة والطقس الرديء/ الأحد20 شباط 2005 / العدد 8

هالني في العاصفة الثلجية التي حلّت بالبلد أني كنت عاقدًا اجتماعًا كبيرًا تغيّب عنه كثيرون. عذرت مريضًا وعذرت الذين حالت الثلوج من سلوكهم الطريق. ولكني لم أعذر الذين خافوا من البرد الشديد. فنحن نحبّ الله في البرد والحر ونترجم هذا في حضور مطلوب.

ثم بعد هذا -في خضم العاصفة- أقمت القداس الإلهي في إحدى القرى ولم تكن في أعالي الجبال والطرقات سالكة فيها مع سقوط أمطار خفيفة. وعذرت الشيوخ ولكني لم أعذر الشبان.

أتساءل اليوم: لماذا يكابد الناس مشقات المناخ لزيارة صديق أو حبيب ولا يتحمّلون أي عناء ليزوروا المسيح في كلمته التي يسمعون في كنائسهم، وكيف يحرمون أنفسهم من تناول جسده ودمه الكريمين؟ أليس هو الحبيب الذي يشتاق إلينا والمفروض ان نبادله هذا الشوق؟ ان الذي يغيب كأنه يقول: أنا أُرجئ زيارتي للمسيح لأنه غير منظور أما حبيبي فمنظور.

حدّثني أحد كهنة الأبرشية ان امرأة مسنّة أوصاها طبيبها ألا تذهب يوم الأحد إلى الكنيسة حتى لا تتعرّض إلى سوء مناخ أو إلى مشي متعثر فأجابته: أفضّل أن أموت في طريقي إلى الكنيسة أو في الكنيسة من ان أموت على فراشي.

أنا لا أتمنى ان يصيب أحد نزلة صدرية ولكن هذه الحياة فيها خيارات. إذا ذهب بنا الحرص على صحتنا إلى درجة الوسواس الضخم أو الخوف الشديد يكون فينا خلل. هذا العمر اقتحام. هنا أود ان أحدثكم عن الاب الروحي الذي كان يرشدني في باريس لما كنت اطلب اللاهوت فيها في منتصف القرن العشرين. كان هذا الكاهن المتوحد يحبني كثيرا ويستضيفني كل يوم بعد الظهر لتناول الشاي. دخلت عليه مرة وكان معصَّب الجبين بمنديل ابيض. سألته عن صحته. قال عندي حرارة 39 درجة. جلست في مكاني. وبعد دقائق معدودة رن الهاتف في الممر الذي كان يقود إلى البهو الذي كنت أنا فيه. فتركني وذهب ليتناول المخابرة ورأيته عائدا إليّ ونزع المنديل عن رأسه. وقلت: ما هذا الذي جرى حتى ترمي بالمنديل؟ قال: الطالب فلان مريض بمصحّ المسلولين، وطلب أن اذهب إليه لكي يتناول جسد الرب. فسألته عن المسافة بين المعهد اللاهوتي (الذي كنا فيه) والمصحّ. قال: ستون كيلومترا. قلت له: عليك إذًا ان تجتاز 120 كيلومترا يضاف إليها مسافة المِترو وأنت على هذه الحالة. أليس الأفضل ان ترتاح الليلة عسى تنخفض الحرارة وتذهب في الصباح الآتي إلى رفيقنا؟ قال: قد لا يعيش صديقنا حتى الغد. يجب ان يتناول هذا المساء. ذهب أبي الروحي وعاد غير مكترث لصحته وشُفي من مرضه.

الأعذار دون الذهاب إلى القداس: أنا تعبتُ هذا الأسبوع وليس لي من وقت راحة إلا صباح الأحد، أو أنا ارغب في ان اصعد بعائلتي إلى الجبل، أو اذهب بها إلى البحر، وما إلى ذلك.

حدثني احد الناس ان شابا ماتت أمه ودفنت يوم سبت ولم يتقبل المعزّين في اليوم التالي صباحا لأنه كان لا يستطيع ان يتنفس بلا القداس الإلهي. أتصور ان هذا الفتى حمل أمه في صلاته ولم يغرق في حزنه. أنا أعرف عن بعض الأفارقة انهم يسوقون سيارتهم أربع ساعات ليَصلوا إلى أقرب كنيسة. أجسادهم تتعب ككل الأجساد. الا انهم متيقنون ان هذا هو الخبز النازل من السماء، وانهم دونه تقتات أجسادهم فقط بالخبز والخضار.

نفسي كانت حزينة حتى الموت لما أقمت الذبيحة الإلهية التي كلمتكم عليها وكنت انظر إلى فراغ الكنيسة أي إلى لا شيء والناس خائفون من البرد. غيابهم جعلني في برد أشد وأعظم وجعا من ذاك.

متى نفهم ان حبنّا لله الذي ندّعيه يجب ان يُتَرجم؟

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مثل الوزنات / الأحد 6 شباط 2005 / العدد 6

مثل إنجيل اليوم رهيف لكونه يضع كل إنسان تحت مسؤولية كبيرة وهي ان يستثمر كل مواهبه فلا يدع قوة من قواه مهمَلة ولكن يغذيها وينميها لأن الله سيطلب منه ليس فقط نفسه ولكن سيسأله عما فعل بكل قدرة كانت فيه وعما اذا سعى ان يرتقي درجات الوجود الذي هو عليه.

          كلمة  وزنة  كانت تدل على مقياس للوزن، ثم صارت تعني عملة ثمينة توازي الف دولار. في تلك الأيام الفقيرة يكون العبد الذي استلم خمس وزنات قبض على مبلغ له قوة شرائية كبيرة. اي ان المثل الإنجيلي بقوله ان واحدا استلم خمس وزنات والآخر وزنتين والثالث وزنة يكون قد صور الوضع البشري الذي نحن عليه. نحن متفاوتو المواهب ولا يطلب الرب من النفس اكثر مما تستطيع.

          عندما افكر بهذا المثل يبدو لي انه هو ايضا إنجيل الدينونة كذاك الذي نعتبره إنجيل الدينونة:  كنتُ جائعا فأطعمتموني    او لم تطعموني . لا يمكن فصل هذين الفصلين، وكأن الإنجيل يقول: لا يكفي أن تطعم الجياع وإلى ما ذلك من أعمال عدّدها السيد، ولكن عليك ان تفعّل كل طاقاتك لأنك حامل طاقات من الله يجب ان تثمر ليستفيد منها سائر الناس. ما فيك من قوى ومواهب لم يوضع فيك من اجل متعتك الخاصة ولكن وضعت في خدمة البشر لأنكم عائلة الآب الواحدة التي لا يملك فيها احد شيئا لنفسه.

          عن اية وزنات يتكلم الكتاب؟ هل يجب مثلا انماء الطاقة البدنية؟ ليس لها طبعا قيمة الطاقة العقلية او الطاقة الروحية. مع ذلك عندما نراقب إنسانا مريضا نرى في بعض الأحيان انه لم يقم برياضة بدنية كافية. لا يُزج الإنسان في الجحيم اذا أهمل الرياضة ولكن المحافظة على الصحة واجب اخلاقي ذو اهمية ولو محدودة.

          الملكات العقلية أهم. وهنا يأتي الكسل آفة كبرى. فاذا قدر ذووك ان يرسلوك إلى مدرسة جيدة ثم إلى جامعة وكنت ذكيا، هذا فيه خدمة افضل لك وللبلد. اجل انت مسؤول ان اهملت قراءة الكتب وربما الجريدة اليومية لأن إنماء ثقافتك فيه خدمة للمجتمع، ولكنك لن تُزج في الجحيم بسبب من إهمال الدراسة وتعاطيك مهنة يدوية.

          المراد الأساسي في هذا المثل المواهب الروحية. وهذا ما سماه آباؤنا الحرب الروحية ومكافحة الشهوات. فأنت تنظر إلى القدرة الروحية التي فيك وتزيدها بالجهد الذي تبذله مع استمداد النعمة الإلهية. فإذا اهملت صلاتك لا تنزل عليك النعمة وتصير كأرض قاحلة. واذا لم تشترك في الطقوس الارثوذكسية تكون قد استغنيت عن كنوز عظيمة قادرة ان تؤهلك لفهم كبير وفرح كبير. هذه ثروة بين يديك وليست صعبة المنال. وعند موتك ان كنت لا تعرف هذه الأشياء تذهب إلى السماء فقيرا.

          واذا لم تستثمر المواهب فيدل هذا على انك لا تحب الرب كما يطلب ان تحبه. تكون كالاجير لا كالابن، في حين انه يريد ان تدخل الملكوت جميلا، بهيا، مزينا بثوب مذهب. واذا نظرت إلى الناس حولك ورأيتهم جائعين إلى عطف فأَنْمِ قدرتك على العطف. واذا رأيتهم خائفين من غضب عندك او من قسوة وكنت في اعماقك رقيقا فاجعل رقتك أكثر رهافة وأشمل عملا.

          راقب دائما ذاتك وحاول ان تضرب الشهوة المسيطرة، وان تكتسب الفضيلة المعاكسة، لانك اذا كبرت روحيا يكبر الناس بك. مكافأتك تأتي من قول السيد:  من له يعطى ويزاد . والمعنى ان الرب اذا رأى استعدادك للنمو يعطيك نموا. خف من الله:  العبد البطال ألقوه في الظلمة البرانية . ليس في الحقيقة من ظلمة الا ان الإنسان في الخطيئة يجعل الظلام في نفسه. فاذا شئت ان يأتيك نور فاسعَ إلى النور. يكون الملكوت قد دخل اليك وصار هو فيك ضياء.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

زكا العشّار/ الأحد 30 كانون الثاني 2005 / العدد 5

            يتعامل يسوع مع جابي ضرائب غني لأنه كان رئيسًا للجباة أي ملتزم الضريبة التي تؤدّى للرومان. هذا هو معنى العشّار. أي يفرض الضريبة كما يشاء. كانت الضريبة مفروضة على مدينة أو قرية ومحددة كلها. ولكن العشّار يجمعها من الأفراد وكثيرًا ما كان يتقاضى منهم مبالغ تفوق المجموعة المطلوبة منه.

            “كان يلتمس أن يرى يسوع”. الكلام الذي سمعه منه جذبه إليه. ولكن بسبب قصر قامته لم يتمكّن من تمييز وجهه عن وجوه مرافقيه وكانوا جمعًا غفيرًا. ألهمه قلبه أن يصعد الى جميزة كانت على الطريق الذي كان السيّد سيمرّ به. “فلما انتهى يسوع الى الموضع رفع طرفه فرآه”. اي ان المعلم كان عارفا بأن على الشجرة رجلا سوف يهتم هو به. عند ذاك قال له الرب: “يا زكا اسرع انزل فاليوم ينبغي ان امكث في بيتك”. عرف يسوع اسمه اي عرف قلبه. قال “اسرع انزل”. لا يبقَ عائق بيني وبينك. لن اقول لك كلمتين على السريع، عندنا حديث طويل يستغرق ان اتعشى عندك وان أساهرك.

            ماذا يقول الكتاب بعد هذا الأمر؟ يقول: “فأسرع ونزل”. يسوع استعمل كلمتين: “اسرع انزل”. لبى زكا الأمر كما صدر من المعلم. “وقبله فرحا”. سُرَّ لكلمة السيد ودخل الفرح الى قلبه. اي انه اقتبل ان تقوم العلاقة بينه وبين المسيح. تم كل شيء بهذا الفرح. اكتملت توبة الرجل بلحظة.

            فلما اجتمعا في البيت قال هذا الانسان ليسوع: “هاءنذا يا رب اعطي المساكين نصف اموالي”. فهم ان حبه للمعلم يستتبع عملا وليس فقط مجرد سرور باللقاء. ثم قال: “ان كنت قد غبنت احدًا في شيء ارد اربعة أضعاف”. طبعا لم يكن زكا يتذكر اسماء الذين غبنهم. ولكنه عبّر بهذه الطريقة ليوحي بأنه مستعد ان يعطي الكثير الكثير حتى لا يبقى ما يثقل ضميره.

            عند ذاك قال يسوع: “اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت”. خلاص الرجل ابتدأ عند يسوع، عند نظرة يسوع الى هذا الانسان. ولكن ارتضاء زكا ليسوع جعل هذا الخلاص قابلا للتطبيق. هذا نسميه في الكنيسة الارثوذكسية “مشاركة” بين النعمة والطاعة. النعمة يجب ان يتبعها تنفيذ من الانسان. لا يقدر الانسان على شيء بلا هبة الله. ولكنا اذا لم نتقبل العطاء الإلهي المجاني بفرح ولم ننتقل الى الطاعة تبقى النعمة في قلب الله غير فاعلة. اجل قال بولس: “بالنعمة انتم مخلَّصون”. ولكن هذا القول يفترض قبولنا لعطية الله. لا يستطيع انسان ان يخلّص نفسه ما لم يرضَ الله عنه. ولكن الله يبقى كأنه مكتوف اليدين ان لم تستلم يدا الانسان عطية الله.

            واخيرا قال السيد: “ان ابن البشر انما أتى ليطلب ويخلص ما قد هلك”. في الرؤية البشرية هناك من يبدو وكأنه هلك نهائيا لأن شيئا لا يدل على توبته. ولكن يسوع يفتقد الخاطئ ويرحمه لأنه “يريد ان يخلصوا والى معرفة الحق يقبلوا”. البار والخاطئ كلاهما ابنان لله. ولا يميز الله بين رحمته للبار ورحمته للخاطئ. كلهم محبوب بالمحبة الإلهية الواحدة. ويذهب الراعي لافتقاد الخروف الضال لأنه يريده في الحظيرة ولا يسر بأن يهلك واحد من القطيع. “يخلّص ما قد هلك” اي ما اعتبره الناس هالكا نهائيا.

            لا احد يهلك نهائيا اية كانت معاصيه.   فعندما تصدمه او تجرحه وتحزنه يكفيه ان يفكر بكرم الرب. عند ذاك تمحى خطاياه توا وكأنها لم تكن.

            زكا مثال لكل واحد منا اذا أصر على البقاء في خطاياه. فلو اقترفنا اعظم الشرور لا يغضب الله علينا غضبا نهائيا اذ لا يريدنا ابناء غضب. كنا في الخطيئة جهالا ناسين الله وقدرته على العطاء وعلى تزكيتنا. وزكا تعني المزكى. ليس من انسان يستحيل على الله ان يزكيه. والله يطلبنا كما طلب العشار ويقول لكل واحد منا: “انا اريد ان اسكن بيتك. فلا تتحجر ولا تراكم خطاياك في قلبك بحيث لا يبقى مكان لي عندك. انا وحدي يمكنني ان املأ قلبك فرحا وان اجعل منك انسانا جديدا. لا تألف خطاياك. اريدك أليفي وصديقي. الخطيئة توهمك بأن فيها لذة. واللذة تذهب اذا انت قضيتها. ولكن ان سكنت انا قلبك فأعزيك الى الأبد، وان تبت توبة صادقة لا تردد فيها لا تعود عطشان الى شهواتك. ان فرحك بي لن يوجهك فيما بعد الى الخطيئة، الى الأشياء العابرة. فأنا قدير فيك اذا اعطيتني قلبك”.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

أعمى أريحا/ الأحد 23 كانون الثاني 2005 / العدد 4

اليوم أحد مرفع الجبن الذي ندخل يوم الاثنين الذي يليه الصيام المبارك. ونرجو الله أن يمتعكم ببركاته وعمق معانيه على قدر مشاركتكم الخِدَم الإلهية المختصة به. ومن صام منكم سوف يحس في نفسه باللمسات الإلهية التي يلمسه الله بها بالكلمات الإلهية أقراءات كانت أم أناشيد أم مزامير. كل شيء موضوع في هذه الخدم حتى نتدرج يوما بعد يوم إلى الأسبوع العظيم المقدس الذي هو المرحلة قبل الأخيرة من الذروة الفصح.

          ولكن خشية ان يظن المؤمن ان ما يقوم به هو إبدال طعام بطعام فقط أرادت الكنيسة ان نغوص على ما هو أعمق فقرأت علينا اليوم فصلا من عظة الجبل كما وردت عند متى، فصلا يتضمن ثلاثة محاور نركز الصوم عليها في عقولنا وقلوبنا.

          المحور الأول الغفران إذ يقول السيد: ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. ان الغفران يؤهلك ان تصوم مع ناس تحبهم اذ تكون قد غفرت لهم خطاياهم. الصوم صوم الجماعة والجماعة في المحبة التي تبذلها والمحبة التي تتلقاها هي الواقفة معا بنوع خاص يوم الخميس العظيم في ذكرى العشاء السري. ولهذا نفتش عمن أحزناه لنستغفره وندخل الصوم مطمئنين.

          المحور الثاني الفرح اذ يقول: لا تكونوا معبسين كالمرائين… فاذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لا تتأفف من الصيام ومما يبدو لك صعبا فيه. انه صعب على الطفل والمريض. كل منهما معفى من الصوم. فرحك ناتج من انك تسعى مع الرب وإلى الرب. أنت انعزلت عن الخطيئة وطلبت البر. هذا وحده يكفي ليجعلك في فرح.

          المحور الثالث. لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض. احد مرامي الصيام ان توفر ثمن ما لا تأكل لتعطيه من كان في حاجة اليه. فاذا كان الصيام مع الجماعة، فهو اولا مع الجماعة المحتاجة. هذه اذا انت اعطيتها تحفظ لك ذلك السماء. ولهذا يقول: اكنزوا لكم كنوزا في السماء. المال الذي تبذله هنا يجيِّر لك وديعة في السماء إلى جانب كل وديعة روحية. انت لا تقدر ان تصوم اذا لم تحبب الآخرين، ولا يسعك ان تحبهم الا اذا شاركتهم اموالك.

          اذًا غفران أولاً حتى ينوجد الآخر أمامك ومعك. ثانيا) الغفران يعطيك فرحا. ثالثا) اذا كنا نصوم كجماعة نقوم بحاجات بعضنا البعض. فاذا اعتبرنا المال كنزنا فقلبنا فيه كما قال السيد. واذا اعتبرنا الآخر كنزنا فقلبنا عليه.

          هذه المدة الطويلة التي نتقشف فيها ونتعب جسديا نفيق فيها روحيا، نعي ضعفاتنا وحاجاتنا واولاها حاجتنا إلى يسوع.

          الإمساك والصلاة فيه سلاحنا الأمضى لنواجه التجارب ونبعدها عنا. اذا كنت ممتنعًا عن الطعام وبعض ألوانه وهاجمتك التجارب تتذكر انك في حالة حرب روحية فكيف تجمع بين كونك محاربا غالبا وبين ان تطيع نداء الشهوات فيك. من عظمة الصوم انه يقيم تناقضا في عقلك بين جاذبية الله وجاذبية الخطيئة.

          مع ذلك انت معرض للسقوط. ليس الإمساك ضمانة للبر. لذلك لا بد لك من التنبه الكبير حتى تعي حالتك كصائم وتعي حالتك كمواجه للتجارب. لا تتحير بين الرب وعدو الرب. انت حليف المسيح في هذا الزمان المبارك إلى ان ترى قيامته.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

هل هناك من يميت؟ / الأحد 16 كانون الثاني 2005/ العدد 3

الشعب يقول معزيا اهل الميت: “هيك إرادة الله” هذا ناتج من اعتقاد الأقدمين ان الله سبب مباشر للأفعال البشرية او انه هو يأمر بها. ومن هنا قول العهد القديم ان “الله يميت ويحيي”. حتى اكتشف حزقيال النبي ان الفرد مسؤول عن اعماله.

            طبعا الموت لا نقرره نحن. في العهد الجديد لا يقول الرب انه يقرره. يلاحظ الإنجيل فقط ان لعازر مات او مات ابن الأرملة. ولا يقول مرة ان هذا الانسان مات بمشيئة الله. فاذا قلنا ذاك فكأننا نقول ان الله دبر لإنسان معين حادثة سيارة او هو أرسل اليه نوعا من السرطان وقرر ان يفتك به السرطان في تاريخ معين. هذه اشياء في غاية السخف. اجل الله يعنى بكل واحد منا ويتلقى كلا منا عند موته ولكن ليس يمسك سجلا يكتب فيه مسبقا مدة العيش لفلان او فلان ويركب الأسباب كأنها آلة تنقض على الانسان لتضع حدا لحياته.

            لقد وضع الله من بعد سقوط الإنسان قوانين للطبيعة يحكم هذه الطبيعة بموجبها. والإنسان الفرد جزء من آلة الطبيعة فهي التي تسحقه في حركتها او لا تسحقه كما تسحق الحيوان او الزهرة. الله يستعيد الإنسان اليه من موت نتج عن جسد الإنسان الذي هو مجرد مختبر كيميائي او نتج عن الحركات الطبيعية مثل حريق او زلزال. ليس عند الله قصد في إحداث حرائق او زلازل. الله بوضعه قوانين الطبيعة لا يأتي باستثناء ليعزل انسانا ما عن مسيرة الطبيعة. قد يحدث هذا ونسميه اعجوبة او معجزة ولكن هذا لا يحدث لمجرد ان احدا من الناس يريد ذلك. الأعجوبة بيد الله وهو يعرف صالحنا وما يبنينا روحيا. لا يمنعك الله من طلب الأعجوبة ولكنه لا يقيد نفسه بكل طلب منك. هو يقدر ما ينفع خلائقه روحيا. المهم عنده ان تأتي الى الخلاص اي الى خلاص نفسك من الخطيئة.

            ما يريده الله هو ما عبر عنه في إنجيل يوحنا: “قد أتيت لتكون لهم حياة” (10: 10). ولما تكلم بعد هذا بقليل عن خرافه قال: “انا اعطيها حياة ابدية”. ليس من كلام هنا عن حياة في الجسد. من يسوع نستمد حياة لا تفنى بنعمته أعشناها هنا ام عشناها فوق. وهو القائل: “انا القيامة والحياة” (يوحنا 11: 25). هو لا يبدي اي اهتمام بأن تطول حياة امرئ وليس ما يدل اذا طالت انها افضل له. فاذا عمّر طويلا قد تكثر خطاياه. ليس من مقياس يدلنا على ان الحياة الطويلة افضل في العمق لنا ولأنسبائنا.

            نحن نتعامل مع الموجود اي مع الحياة او الموت. واذا مات عزيز نرتب حياتنا على ان هذا العزيز صار خارج سمعنا وبصرنا ومعشرنا. هذا صعب وموجع لأننا كنا نستطيب هذا الصديق. والرب لم يطلب الا نتوجع ولكنا نحمل القريب الينا في الصلاة لنصبر على الألم.

            في الواقع يخف الألم في اليوم الثالث ويخف في الأربعين واذا لم يكن الميت غاليا جدا يقول العلماء ان الحزن الشديد يزول بعد سنة. وليس مفيدا ابدا ان نستبقيه عاطفيا فينا اذا اخذ هو يغيب. العلاقة يجب ان تتحول الى علاقة صلاة اي الى بقاء في جسد المسيح.

            عندما يقول السيد لا يسقط عصفور على الأرض الا بإذن ابيكم او لا يسقط شعرة الا بإذن ابيكم هذا يشير الى العناية الإلهية ولا يعني ان الله يأمر بإسقاط عصفور او إسقاط شعرة. نحن نموت بأذنه ولا نموت بقراره الا اذا اعتبرنا انه وضع قراره ضمن آلة الكون. هذا الكون يميت والله يعطينا الحياة الأبدية ويردنا اليه بحبه.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الظهور الإلهي/ الأحد 9 كانون الثاني 2005 / العدد 2

لا نزال نحيا في بركات عيد الظهور (الغطاس). ومتى الإنجيلي يقتبس قولة من اشعياء النبي: “ارض زبولون وارض نفتاليم” (وهما مقاطعتان) سميتا على اسمين اسماء الأسباط الاثني عشر الذين تقاسموا ارض فلسطين عندما دخلها بنو اسرائيل. وقال اشعياء ان اهلها “أبصر نورا عظيما”. متى كان ذلك؟ متى يقول ان هذا حصل لما أنارها يسوع بمعموديته وليس في ايام اشعياء. بعد هذا الكشف اخذ الإنجيلي يقول ان هناك “ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السموات”. والمعنى الواضح ان الملكوت صار بينكم لأن الملك معكم وسيعلن ملكه صراحة على الصليب.

            والمعمودية نفسها ما كانت الا صورة عن موت المسيح وقيامته اذ رسم موته بصورة دخوله في الماء كما رسم بخروجه من الماء قيامته. وان تتوبوا يعني ان تُغرقوا شهواتكم كأنها في ماء وتستيقظوا للبر. ان معمودية السيد تنعكس فينا توبة. اجل نعتمد اذا كنا صغارا ولكن هذه العملية دعوة الى ان نكون معمَّدين باستمرار، وهذا لا يتم الا بالتوبة وهي تعني باللغة الرجوع، الرجوع من خطايانا الى وجه المسيح حتى يأخذنا بالرؤية ونعيش بها. فاذا عرفنا اننا مرئيون من المسيح نراه نحن، ولا رؤية لنا اذا كانت الخطيئة تعمي بصائرنا فالمسيح نراه ببصيرة القلب. وكل منا عند ذاك يسمع ما سمعه السيد: “انت ابني الحبيب”. فنحن نصير محبوبين بالحبيب الوحيد يسوع. وندرك، عند ذاك، ان لنا أبا واحدا وهو الذي في السماء. لذلك نستهل الصلاة الربية بقولنا له: “ابانا الذي في السموات ليتقدس اسمك…”.

            نحن نسمع في قلوبنا اننا ابناء اذ نعرف اننا لم نبقَ عبيدا للخطيئة ولكن صرنا عبيدا للبر. وذلك يتم اذا ارسل الآب روح ابنه علينا كما ارسله على المسيح. المسيح يصور نفسه فينا بالروح القدس ويصير كل منا بالنعمة مسيحا اي ممسوحا بالنعمة. وبدء ذلك يكون بالميرون المقدس. والمسحة تدوم فينا اذا قبلناها بالرجوع الى الله.

            الغطاس الذي تقبّله السيد تقبلناه بالمعمودية بدءا وليس نهاية. والنهاية فوق في السماء من بعد قيامتنا من بين الأموات. عملية مستمرة وضع الرب يسوع أساسها بموته وقيامته فكانت البشارة بشهادة الدم. او بشارة الحياة الصالحة.

            لذلك يحتاج المؤمن الى المؤمن، ولذلك كان من الضروري ان يلتقي المؤمنون في الكنيسة فتنزل عليهم عنصرة كل يوم أحد وما أقيمت الذبيحة. وفيها نصير واحدا بتناولنا جسد الرب ودمه. وبلا ذلك نحن مبعثرون بهموم الحياة وغناها وملذاتها. نحن نصير في القداس الإلهي جسد الرب اي ملتصقين به ومنتظرين منه ان نصير به واحدا بعضنا مع البعض الآخر.

            عيد الظهور الذي هو العيد الأجلّ من بعد الفصح يصير عيدنا الشخصي ليس فقط يوم الذكرى ولكنه يصير عيدا موصولا.

            يظهر ابن الله للمرة الاولى سريا في قلوبنا يوم الميلاد طفلا فقيرا، معلما التواضع. ويظهر بنور جلي يوم عماده واحدا مع الآب والروح القدس ومتهيئًا لسر موته والقيامة. وهكذا تتجاوب الأعياد كما يتجاوب اللحن واللحن او كما تتجاوب الصلاة والصلاة حتى ندرك ان خلاصنا هو بالمسيح وحده فلا نفتش عن خلاص لنا وانتعاش وفرح الا اذا اعطينا الآخرين المسيح بحبنا لهم وهدايتنا لهم.

            الحياة المسيحية واحدة طوال حياتنا. ونبرزها بهذا العيد او ذاك وبالخدمة الإلهية الموصولة ودرسنا للكتاب الإلهي المحيي وعيشنا شركاء بعضنا لبعض ولاسيما للفقراء. لا الترتيل وحده ولا الصلاة وحدها مع ان كل نفحاتنا تأتي من الصلاة، ولكن باستمرار موت الخطيئة فينا وانبعاثنا بالرجاء حتى يكون الله الكل في الكل ويصبح الكون في آخر مطافه التاريخي مطرحا لله.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

السنة الجديدة/ الأحد 2 كانون الثاني 2005 /العدد الأول

في طقوسنا الكنسية رأس السنة هو في أول أيلول. أما أول كانون الثاني فهو بدء السنة المدنية التي تعود إلى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر. وليس عندنا في هذا اليوم عيد اسمه رأس السنة. ولكن عندنا عيد ختانة الرب يسوع وعيد القديس باسيليوس الكبير. غير أن هذا اليوم يعتبره الناس مفْصلا ويطلق الناس الرصاص عند منتصف الليل ابتهاجا بالجديد الذي يأملونه. ولكن ما الجديد؟ اثنا عشر شهرا غالبا ما ستكون مثل السنوات السابقة فيها فقر شديد وعنف كبير وليس في الحياة السياسية الدولية أو المحلية ما يبشر بالخير. مع ذلك نريد أن نعتقد أنها فسحة أمل لأن الإنسان في ضيقه يرجو الخيرات. وعندنا نحن المؤمنين أن البركات تأتي من الله الذي يخترق الزمان وله القدرة أن يُنزل عليه نعمته. يمكن أن تحدث أعجوبة وان تتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية بحيث يقلّ الفقر ويعمّ السلام العالم. ورجاؤنا ما قالته الملائكة: «المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام في أناسِ المسرةِ» أي الذين سُرَّ الله بهم لأنهم صالحون.

وكأن أنشودة الملائكة ليست تمني سلام لكل البشرية ولكن فقط لأولئك الذين أحبهم ربهم وأحبوه. فالملائكة تكلموا إذًا على سلام القلوب بالنقاوة وما تكلموا على سلام في دنيا السياسة. هذا ليس عنه وعد. السنة إذًا تجعلها أنت جديدة في نفسك إذا جددت نفسك بالنعمة. وهذا السلام الداخلي تعيشه أنت ولو معذبا ولو استمرت الحرب في العراق وفلسطين مثلا وأثر هذا على لبنان. أنت لا ترجو سنة جديدة ولكن تجديد ذاتك وتنقيتها تتجدد بها قلوب كثيرة.

قد تنتهي الحروب بقرار ويرتفـع مستوى العيش بمـجمـوعـة قـرارات متخـذة في البلـد وخـارج البلـد ويبقى نـاس أشرار يصنعون حروبـا بلا سلاح. وقد يـكون جرح القلوب أعمق من تلك التي تأتي بها الحروب.

فكّر منذ الآن كيف تتوب وكيف تتكتل مع التائبين لتكونوا ذلك القطيع الصغير المؤمن الذي لا يخاف لأنه أُعطي الملكوت. و«الملكوت في داخلكم» على ما قال السيد. ولكن إذا بقينا على صعيد الحياة المجتمعية، لك ان تعمل مع الآخرين لتحسين الوضع بكل الوسائل السياسية المشروعة أقله في بلدك الصغير لترى ان أشياء كثيرة تجددت لتتعزى بها ولا تظل تحت ضغط اليأس والحزن.

هناك إذًا جهدان مترافقان: جهد روحي كبير، عميق وجدّي، وجهد في المجتمع المدني عن طريق النضال الوطني الذي يطلبه الله منك ليحيا الناس بشيء من اليسر والراحة ويسعوا إلى سعادة عائلاتهم والوطن الذي يحتضنها. والتوبة التي تكون قد نزلت عليك تجعلك مواطنا صالحا ومقداما لأن السيئين لا يستطيعون ان ينشئوا بلدا سويا أو دولة هي في خدمة مواطنيها. فإذا كثر الإثم وفترت المحبة فلا جديد في الأمة وليس من دولة راقية.

لا شيء جديدا خارجا عنك وليس في المجتمع جديد إذا كانت القلوب ساقطة وليس فيها حرارة ولا كان في الأقوال دسم.

يمكن ان تتصور تصافي القلوب والفرح بالسلام ورُقيًّا حضاريا كبيرا تصل فيها دول متجاورة إلى التراص فيما بينها حتى تصبح مصرّة على عدم الحرب وعلى النمو الاقتصادي المشترك وهذا ما حصل في أوربا الغربية بين ألمانيا وفرنسا اللتين خاضتا ثلاث حروب بينهما حتى فهمتا ان السلام نافع لهما. وربما تم ذلك يوما في المجموعة الأوربية الكبيرة. لماذا لا يستطيع العرب أن يفعلوا ذلك؟

ينبغي ان تفهم الدول الغنية ان من مصلحتها ان تدعم الشعوب الضعيفة التي يقودها القمع الذي تعانيه إلى مظاهر العنف وما قد يسمى إرهابا. ينبغي ان تفهم الدول الغنية ان مصلحتها في رقي الأمم جميعا. ليس عند الله شيء ضد ان يرتب العالم شؤونه بإدراكه أن حاجة الجميع هي إلى المشاركة في الخيرات والمشاركة في الإنتاج الفكري والفني. هذا يعني إيمانا من القيمين على الشعوب ان التنافس في الحسنى يأتي في صالح الجميع. علينا ان نرجو يوما لا يحتاج فيه الإنسان إلى تأكيد نفسه بالسلاح بل إلى تأكيد نفسه وسواه بالحب.

عند ذاك كل سنة جديدة تصير أعظم جدة من التي سبقتها. أما مساهمتنا نحن المؤمنين فأن نهيئ بالتقوى العقول إلى هذه القناعة. فإذا أحسست بأهمية الله عندك تشتهيه للآخرين.

Continue reading