يتعامل يسوع مع جابي ضرائب غني لأنه كان رئيسًا للجباة أي ملتزم الضريبة التي تؤدّى للرومان. هذا هو معنى العشّار. أي يفرض الضريبة كما يشاء. كانت الضريبة مفروضة على مدينة أو قرية ومحددة كلها. ولكن العشّار يجمعها من الأفراد وكثيرًا ما كان يتقاضى منهم مبالغ تفوق المجموعة المطلوبة منه.

            “كان يلتمس أن يرى يسوع”. الكلام الذي سمعه منه جذبه إليه. ولكن بسبب قصر قامته لم يتمكّن من تمييز وجهه عن وجوه مرافقيه وكانوا جمعًا غفيرًا. ألهمه قلبه أن يصعد الى جميزة كانت على الطريق الذي كان السيّد سيمرّ به. “فلما انتهى يسوع الى الموضع رفع طرفه فرآه”. اي ان المعلم كان عارفا بأن على الشجرة رجلا سوف يهتم هو به. عند ذاك قال له الرب: “يا زكا اسرع انزل فاليوم ينبغي ان امكث في بيتك”. عرف يسوع اسمه اي عرف قلبه. قال “اسرع انزل”. لا يبقَ عائق بيني وبينك. لن اقول لك كلمتين على السريع، عندنا حديث طويل يستغرق ان اتعشى عندك وان أساهرك.

            ماذا يقول الكتاب بعد هذا الأمر؟ يقول: “فأسرع ونزل”. يسوع استعمل كلمتين: “اسرع انزل”. لبى زكا الأمر كما صدر من المعلم. “وقبله فرحا”. سُرَّ لكلمة السيد ودخل الفرح الى قلبه. اي انه اقتبل ان تقوم العلاقة بينه وبين المسيح. تم كل شيء بهذا الفرح. اكتملت توبة الرجل بلحظة.

            فلما اجتمعا في البيت قال هذا الانسان ليسوع: “هاءنذا يا رب اعطي المساكين نصف اموالي”. فهم ان حبه للمعلم يستتبع عملا وليس فقط مجرد سرور باللقاء. ثم قال: “ان كنت قد غبنت احدًا في شيء ارد اربعة أضعاف”. طبعا لم يكن زكا يتذكر اسماء الذين غبنهم. ولكنه عبّر بهذه الطريقة ليوحي بأنه مستعد ان يعطي الكثير الكثير حتى لا يبقى ما يثقل ضميره.

            عند ذاك قال يسوع: “اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت”. خلاص الرجل ابتدأ عند يسوع، عند نظرة يسوع الى هذا الانسان. ولكن ارتضاء زكا ليسوع جعل هذا الخلاص قابلا للتطبيق. هذا نسميه في الكنيسة الارثوذكسية “مشاركة” بين النعمة والطاعة. النعمة يجب ان يتبعها تنفيذ من الانسان. لا يقدر الانسان على شيء بلا هبة الله. ولكنا اذا لم نتقبل العطاء الإلهي المجاني بفرح ولم ننتقل الى الطاعة تبقى النعمة في قلب الله غير فاعلة. اجل قال بولس: “بالنعمة انتم مخلَّصون”. ولكن هذا القول يفترض قبولنا لعطية الله. لا يستطيع انسان ان يخلّص نفسه ما لم يرضَ الله عنه. ولكن الله يبقى كأنه مكتوف اليدين ان لم تستلم يدا الانسان عطية الله.

            واخيرا قال السيد: “ان ابن البشر انما أتى ليطلب ويخلص ما قد هلك”. في الرؤية البشرية هناك من يبدو وكأنه هلك نهائيا لأن شيئا لا يدل على توبته. ولكن يسوع يفتقد الخاطئ ويرحمه لأنه “يريد ان يخلصوا والى معرفة الحق يقبلوا”. البار والخاطئ كلاهما ابنان لله. ولا يميز الله بين رحمته للبار ورحمته للخاطئ. كلهم محبوب بالمحبة الإلهية الواحدة. ويذهب الراعي لافتقاد الخروف الضال لأنه يريده في الحظيرة ولا يسر بأن يهلك واحد من القطيع. “يخلّص ما قد هلك” اي ما اعتبره الناس هالكا نهائيا.

            لا احد يهلك نهائيا اية كانت معاصيه.   فعندما تصدمه او تجرحه وتحزنه يكفيه ان يفكر بكرم الرب. عند ذاك تمحى خطاياه توا وكأنها لم تكن.

            زكا مثال لكل واحد منا اذا أصر على البقاء في خطاياه. فلو اقترفنا اعظم الشرور لا يغضب الله علينا غضبا نهائيا اذ لا يريدنا ابناء غضب. كنا في الخطيئة جهالا ناسين الله وقدرته على العطاء وعلى تزكيتنا. وزكا تعني المزكى. ليس من انسان يستحيل على الله ان يزكيه. والله يطلبنا كما طلب العشار ويقول لكل واحد منا: “انا اريد ان اسكن بيتك. فلا تتحجر ولا تراكم خطاياك في قلبك بحيث لا يبقى مكان لي عندك. انا وحدي يمكنني ان املأ قلبك فرحا وان اجعل منك انسانا جديدا. لا تألف خطاياك. اريدك أليفي وصديقي. الخطيئة توهمك بأن فيها لذة. واللذة تذهب اذا انت قضيتها. ولكن ان سكنت انا قلبك فأعزيك الى الأبد، وان تبت توبة صادقة لا تردد فيها لا تعود عطشان الى شهواتك. ان فرحك بي لن يوجهك فيما بعد الى الخطيئة، الى الأشياء العابرة. فأنا قدير فيك اذا اعطيتني قلبك”.