كثيرًا ما نتأفف من انهيار المجتمع حولنا، من غياب الدولة أو هزالة العائلة. أي منا يخشى على نفسه وعلى أولاده من السقوط العميم، من ظلم الدول للدول، فهذه كلها تلحق به لأنه يسبح في هذا البحر الهائج وعسير عليه جدًا ان يعزل نفسه عن العاصفة.

هذا يذكرني بهياج المياه التي غرقت عشرات الآلاف في جنوبي آسيا وشرقيها، ما عسى الذين كانوا تحت المياه يفعلون الا ان يغرقوا؟

غير ان الانسان مهما كان متصلاً بهذا العالم المضطرب بثورة الطبيعة وثورة الشعوب ليس أسيرًا الا لثورة شهواته فيه. انه بجسده جزء من آلية العالم، بعض من العناصر الكونية، مذرى كالصوف عند النداف، ولكنه كذلك في جسده، أعصابه تحتمل أو لا تحتمل لأن اعصابه تأتي من فكره. وفكره هادىء أو يهوج.

الانسان وسط الهدير الرهيب قد يبقى صامتًا اذ يصغي الى الكلمة الإلهية اذا كانت وحدها نفحته. الطبيعة ليست ماسكة بالانسان. هي محيطة به. وفي ايماننا ان التراب الذي نرمي فيه بعد آخر رمق ما هو بممسك بنا، هو حافظ أجسادنا فقط ونحن متجنحون على أجنحة الروح التي تنتظر القيامة.

ليس الانسان كائنًا محتومًا لان خياره حر، حر من هذا المختبر الخيميائي الذي هو جسدنا، حر من الأفلاك والأبراج اذا كان لها بعض من تأثير عليه عند ولادته اذ وُلد في اطارها. ومهما يكن من حقيقة هذا الأمر فلسنا نحن مرتهنين له ارتهانًا اذ نتربى على ما هو أفعل في النفس في ما بعد ونتلقى أحرارًا تأثير العائلة واثر المجتمع. فالعائلة لا تحتم علينا سلوكنا كما يحتكم بنا الطعام أو الشراب في أجهزتنا البيولوجية. فتثور انت على والد سيىء أو أم سيئة وترفض تمردهما على الرب وتصبح خيرًا من أمك وأبيك فمن أكل الحصرم لا يضرس اسنان أولاده بالضرورة.

انت حر من الجنين الذي كنته منذ اللحظة الاولى من نشوئك، ما من شك في ان هناك طبائع تأتيك من وضع الجينات التي كانت فيك منذ البدء. قد يكون هناك تهيؤ لهذا النمو أو ذاك. وفي هذا يقول علماء الحياة ان النمو يأخذ هذا الاتجاه أو ذاك بعد ان تنزل عليه مؤثرات خارجية فتتلاقى مع هذا الذي جيء الى الانسان من ذويه أي من وضعهما عند الحمل. ولكن ليس في هذا حتم أو قدر بيولوجي.

#  #

#

كذلك ليس عند الله عسف فلا يروقه الاّ ان تكون حسنًا ولا يحدك بعناصر فيك بيولوجية كانت أم سيكولوجية بحيث تأتي مسلخًا نفسانيًا.

بعض الناس مسوخ عند الولادة. هذا من المختبر الخيميائي الذي هو جسدنا والله ليس بالضرورة صانع عجائب كل حين ليجعلك على صورة أخرى. هكذا تفاعلت مورثات فيك وجعلتك مسخًا . والله يتعامل مع المسوخ وينقذهم على طريقته أي بما يراه مفيدًا لهم ولا ينقذهم بالضرورة من هذا المرئي الرهيب الذي لن نألفه. هناك اسئلة شرعية بسبب مما ننتظره من الوجود. هناك تساؤلات تمليها العاطفة وليس عنها جواب.

وفي ما هو طبيعي لماذا يأتي ولد مفرط الذكاء ويأتي الآخر أبله أو نأتي جميعًا متفاوتين؟ محاولة جوابي ان ليس من فرق عند الله بين مفرط الذكاء وقليل الذكاء لان الخلاص ليس بالذكاء ولكنه بالقلب النقي. لماذا لا تكون الطبيعة كاملة أو كل الناس متفوقين بالجمال والعقل وبهاء القداسة؟ ليس أحد يعرف في ذلك حكمة الله. ولكن كل شيء في هذه الخليقة يسير وكأن كل واحد له وجهته وكل له نفعه. فكم يتاذى المرء من جماله ومن عظمة عقله عندما يستخدمهما للشر. ليس ما نحسبه حسنًا هو دائمًا حسن.

الى هذا كم من معوق نبغوا أو ارتفعت أخلاقهم وجملت نفوسهم. أجل هناك عقبات لنا نتخطاها وهناك عقبات لا نريد تخطيها. ومهما يكن من أمر «ففي السماء والأرض أسرار أعظم من ان تستوعبها كل فلسفتنا» (شكسبير).

الدنيا عاصفة وقد نجا بعض من «التسونامي» الذي عصف ببعض من ارضنا. لا أحد يعرف لماذا أو كيف نجوا. هناك دائمًا من ينجو من ظلم المجتمع أو تعسف الدولة أو من تذمر زوجته أو من خيانة الرجل. هناك من يخلص من السرطان ومن حوادث سير مريعة. أعرف انسانًا كان نائمًا في سريره وجاء جهاز مخابرات وأطلق على وجهه عدة رصاصات ولم يصب بأذى ورأيت على صورة شمسية ثقوب الرصاص على وسادته بشكل دائرة. لماذا لم يصب طلق واحدة؟ أهذا من غباوة المخابرات أم من رحمة الله أم الرحمة الإلهية جعلت في هؤلاء الجنود غباوة محمودة؟

#  #

#

أخذت اقرأ منذ أيام مقاطع من شبلي الشميل ولم أر مثل سخفه عندما كان يذكر الدين. كان رجلاً أميًا في هذا الموضوع وكأنه لم يقرأ في الدين شيئًا أو كأنه أراد ان يصبح سجين الفكر الالحادي المستورد الذي ظنه غاية في الذكاء. وصرت اقرأ لهذا الرعيل الذي رافق الشميل وهم يتفاوتون في الجهل ونحن جعلناهم روادًا لكونهم تكلموا على الحرية والديموقراطية والاشتراكية وما اليها ولم يستطيعوا ان يخرجوا من هذا الذي ظنوه في الفكر الفرنسي تفوقًا عقليًا على البسطاء الأتقياء في بلدنا.

كان يكفي ان تقرأ بعض الكتب في اللغات الأجنبية لترى نفسك حصيفًا واذا بك مستكبر سطحي تدغدغك فلسفة هزيلة.

لماذا تأتي هكذا تفهًا في بلاغة وغيرك أعمق منك انسانيًا ولو كان دونك قراءة. هناك تحزب عقلاني يبدو في هذه المرحلة أو تلك وليس فيه تحرك وجداني عظيم. هنا أيضًا ليس عندنا شيء محتوم.

عندنا اليوم علماء كبار ملحدون وقرأت لهم ولكن عندنا علماء مؤمنون. لا يعرف أحد لماذا اعتنق بعضهم الكفر واعتنق بعضهم الإيمان. لا أحد يعرف تحرك العقل فهو ليس محتوما. نحن نؤمن ان المؤمن تنزل عليه نعمة ربه. والنعمة حرة بحرية الله. وستبقى هذه الدنيا على حريتها في اختيار الجحود وفي اختيار اليقين الإلهي.

لكن المؤمن مهيأ لرؤية الخطأ ورؤية القباحات وهبوب رياح عاصفة في مجتمعه ودولته والحياة السياسية كلها. وقد نهبط الى أسفل دركات الممكن. وأحيانًا نقارن. غير ان العارفين بالأمور يقولون لنا ان العنف ساد كل العصور وما من شك في ان عدد السنين التي كان العالم فيها في حروب أضخم بكثير من تلك التي عمّ فيها السلام. وحسباني ان الأمانة الزوجية كانت في عصر أدركته عادة اجتماعية راسخة قائمة على قناعة دينية أكثر من قيامها على حب زوجي لاهب. ولعل الخوف في مجال هذه الفضيلة وتلك هو الذي يفسر بقاء الناس على الفضيلة. لكن الأشرار كانوا دائمًا والضعفاء والخائفين من العقاب كذلك والله كان عندهم المعاقب الأكبر. وفي جو كهذا يكون الدين خفيفًا والبر ظاهريًا. يبقى ان ليس من تفسير واحد آحادي لكل ما يظهر واننا قادرون على ان ننشأ كل يوم خلائق جديدة غير مصبوبين من مورثات او محكومين من نجم ولا من عادات في الطفولة ألفناها تقيدنا الى النفس الأخير.

#  #

#

الانسان حرية وان يكون جالسًا في السماء إله يحمل سجلاً يعين فيه متعسفًا من يخلص ومن لا يخلص ضرب من الحماقة عندنا لا بعدها حماقة. وان تكون من طائفة الناجين أو من طائفة الهالكين لان أمك ولدتك على ملة من الملل هو أشد ما وصل اليه الانسان من عبودية للنصوص أو من تفسير أحمق لها. لا شيء حتميا يصل بك الى السماء أو الجنة أو يصل بك الى جهنم النار. فقد تكون على بهاء الله أنى تكون ولا يحتاج الله الى دين يجعلك عليه لتنجو. فهو يأخذ احباءه الى الملكوت لأنه استطاب وجوههم ووجوههم من البر الذي في نفوسهم. فليس أحد معينًا سلفًا لمصير أبدي ولا يدخل أحد باب الملكوت بسبب من جهد مهما كان عظيمًا ولكنا داخلون بسبب من الرحمة فقط. وهذا تعليم آبائنا بلا منازع.

وأنت تنجو في العاصفة من العاصفة كما تنجو من تخبطات نفسك ومن دولتك وعائلتك وبيئتك. انت تنحو فقط بمحبتك وهي فيك القوة التي توحي اليك انك لا تأتي من عمى الأقدار ولكن من رأفات ربك.