فيما نحن ندنو من الأسبوع العظيم ينتصب أمامنا وجه هذه المرأة الرائعة التي انتقلت من قاع خطاياها إلى ذروة مجدها. تعاطت الفحشاء منذ الثانية عشرة حبا بالفحشاء وليس طمعا بالمال فيما كانت تتقاضاه. مولودة مسيحية في الريف المصري ولكنها انتهت إلى الإسكندرية المدينة المترفة الواسعة حيث كان لها ان تنطلق إلى ملذاتها.

          يوما وجدت جمهورا يتراكض إلى البحر وفهمت انه مسافر إلى القدس لإحياء عيد رفع الصليب فخطر لها ان تركب البحر ولا تملك أجرة السفينة. هل كان حجها إلى القدس من باب الفضول ام ان شيئا من مسيحيتها استفاق فيها؟ هنا قررت ان تُسلم نفسها لمن شاء من الركاب لتدفع ثمن الرحلة.

          بلغت اورشليم ولكن قوة خفية حالت دون دخولها كنيسة القيامة. تقول سيرتها التي كتبها القديس صفرونيوس بطريرك اورشليم انها رأت من بعد ايقونة  والدة الإله ووعدتها بأنها لن تدنس جسدها فيما بعد فسمعت صوتا من السماء يقول: “إذا عبرتِ الأردن تجدين راحة مجيدة”. سارت في الصحراء حتى بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان على نهر الأردن ثم وجدت مركبا صغيرا نقلها إلى الضفة الأخرى فلازمت المنطقة سبعا وأربعين سنة تقتات من عشب البرية وتصلي كل الوقت.

          بقيت عواصف الميول السابقة تضربها 17 سنة حتى أدركت الهدوء. في ذلك الوقت كان في برية الأردن راهب يدعى زوسيما، والأديرة كانت كثيرة هناك. وكان يظن انه الأكمل بين البشر. غير ان الله اراد ان يبين له من كان اعظم منه. وكانت عادة الرهبان ان يغادروا اديارهم في اليوم الاول من الصوم ليوغلوا في الصحراء كل منهم على انفراد، ويجتمعون أحد الشعانين. وفيما كان يمشي في البادية رأى طيفًا من بعيد وتبين له انه امرأة عارية. خاطبها طالبا ان تقف، فقالت لا استطيع ان استدير اليك فأنا امرأة عارية فإليّ بردائك لاستتر واتمكن من التحدث اليك. فنزع رداءه وألقاه اليها وطرح نفسه على الأرض والتمس بركتها كما التمست هي بركته.

          اعترفت بكل ما جرى في حياتها وقالت له ان يعود اليها السنة المقبلة حاملا القرابين المقدسة وعينت له مكان الموعد. فجاء عند الموعد وناولها. وهذا ما نراه في معظم ايقوناتها. وفي السنة اللاحقة جاء ايضا فوجدها ميتة ويداها مصلبتان على صدرها، ووضعها في حفرة ورقدت في سلام الرب في اول نيسان حيث عيدها الأساسي إلى جانب هذه الذكرى.

          باختصار كلي احببت ان امجد بهذه السطور هذه المرأة العظيمة التي جعلتها الكنيسة في الصوم المقدس نموذجا للتوبة يحتذى به ولتقول لنا ان ما من خطيئة لا تُغفر لان رحمة الله اوسع من كل خطيئة وتذيبها ان اعترفنا بذنوبنا صادقين. ان في الانسان صورة الله كامنة وتتحرك اذا منّ الرب علينا بحنانه. تتحرك عندئذ طاقات الخير فينا وتغمر كمياه الطوفان كل اوساخ المعاصي ولا يبقى فينا الا نور الغفران.

          فاذا ما اخذنا نتوب في هذه الأربعينية المقدسة، يزداد نورنا ونمشي مع كل المؤمنين إلى ضياء القيامة، فلا يبقى فينا الا فاعليتها وتصير حياتنا فصحا ابديا.