Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2002, مقالات, نشرة رعيتي

زكا العشار/ الأحد 3 شباط 2002 / العدد 5

العشارون جباة الضرائب في عهد السيد. والجباية الرومانية تلزيم بحيث تحدد الدولة المبلغ الذي تطلبه من مدينة او قرية ويفرض الجابي على كل فرد المبلغ الذي يريده حتى يصل الى المبلغ العام المطلوب. وكان من المألوف ان يأخذ اكثر بكثير مما تطلبه السلطات ويبقي الفرق لنفسه. ورئيس الجباة هو الذي ينظمهم في المنطقة ويأخذ ما يريده من كل واحد منهم.

         زكا كان رئيسا لمجموعة من الجباة. ولكونه كان موظفا عند السلطة الأجنبية، كان اليهود – الى جانب اتهامه بالسرقة – يكرهونه.

         لماذا اراد زكا ان يرى يسوع؟ الفضول لماذا؟ أهو الفضول ام رغبة في الهداية اذ لا بد انه سمع عن المعلم. كان عارفا انه لا يستطيع ان يشق دربه الى يسوع، والجمهور كان يكره العشارين. انما اراد الا يفوت عليه فرصة الرؤية. ماذا يصير بعد الرؤية؟

         تجاوز زكا ما كان يحول بينه وبين مشاهدة السيد. كانت هناك جميزة من التي تزيّن الطرق القائمة بين المدن. وكان من المنتظر ان يسلك السيد الطريق العام ولا يدخل الى ازقة أريحا. فلما ادرك السيد هذه الشجرة رفع طرفه فرأى العشار، وكأن الكاتب يوحي بأن يسوع هو الذي يطلب الخطأة. قال للرجل: “يا زكا اسرع انزل فاليوم ينبغي لي ان أمكث في بيتك”. وكأن السيد احس بأن له دالة على الرجل. فالصديق وحده يدعو نفسه الى بيت صديقه. ما قال: اني سأقوم بزيارة لك قصيرة بل قال “ينبغي لي ان امكث في بيتك”. هي قضية ساعات في النهار وربما كانت سهرة طويلة. ومن وراء الحادثة الى ما يخص كلا منا، يريد يسوع ان يمكث معنا. “ان امكث في بيتك” لا ينتهي معناها بأني سواجهك في منزلك. فالبيت رمز للشيء الوجداني عندنا. انا، يوحي يسوع، اريد لقاء حقيقيا، في العمق.

         ازاء هذه الدعوة يقول لوقا: “فأسرعَ ونزل”. كان السيد قال له: “اسرع انزل”. ما قال لوقا: نزل، ولكنه قال: “اسرع ونزل”. ينفذ حرفيا ما قاله يسوع. ثم يكمل لوقا كلامه: “وقبِله فرحا”. هذا شرف لم يكن يتوقعه. اما كان زكا يحس بأن قبوله يسوع بفرح يُلزمه بكل نتائج الاستقبال؟ المسيح يطلب الطهارة كاملة، وتعليمه عنها شديد وليس عنده أنصاف حلول. لا ينتظر زكا ان يقول له المعلم: قلل من السرعة فتهتدي شيئا فشيئا. يسوع جذري دائما.

         لا يلتفت الى قول اليهود الذين لاموه لكونه اراد ان يحل عند رجل خاطئ. لم يواجه هذا التذمر. يهمه زكا الذي قال للسيد: “ها أنذا يا رب اعطي المساكين…”. فهم زكا العشار ان التوبة تعني اولا لوم الإنسان ماضيه، وثانيا تحركه من الماضي الى حاضر طيب، طاهر. زكا يريد: سأكفر عن كل سيئاتي. لن اعود اليها. حياتي ستكون جديدة. يعطي المساكين نصف ماله فيبقى النصف. ثم اذا غبنتُ (وقد غبن)، أردّ اربعة اضعاف. سيبقى القليل القليل اذًا من ثروتي. ولكني حصلت على حنانك وغفرانك ولا يهمني شيء آخر. فيقول المعلم: “اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”. الوعد بتغيير الحياة هو كل الفرح. واخيرا: “ان ابن البشر انما أتى ليطلب ما قد هلك”.

         ما من انسان مسجل نهائيا على لائحة الهالكين، فإن من ظنه البشر هالكا ينقذه الله بالتوبة ويجعله “خلقة جديدة”. إنجيل زكا ينذر – في ترتيب طقوسنا – ان الصوم قد اقترب، واننا داخلون في فرحه على رجاء الفصح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

أن نحمل الآخَر/ الأحد 20 كانون الثاني 2002 / العدد 3

«احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا أَتِمّوا شريعة المسيح» (غلاطية 6: 2). في مواضع كثيرة يتكلّم بولس على المحبة. أما في هذه الآية فإنه يوضح ان المحبة تقودنا إلى ان نأخذ على عاتقنا الصعوبات التي يعانيها الآخر ونساعده على تجاوزها. وإذا وقع الآخر في أي مأزق علينا أن نعمل لإخراجه منه. «إنها إعادة التقويم لشؤون القريب وأن نهتم لمصالحه» (يوحنا الذهبي الفم في شرحه لسفر التكوين).

فليس من محبة، إن رأينا الآخر واقعا، أن نطيّب خاطره و«نعزّيه» بكلمات معسولة ولو جاءت من الكتب المقدسة. فقد يكون عارفًا بالكتاب. ولكن إذا اكتفينا بذكر الآيات وأن نؤكد له ان الله معه فلا نكون قد شاركناه أوضاعه وأخذنا بإعادة ترتيبها وإصلاح ما اعوجّ فيها. لا نكون قد سندنا هذا الإنسان عمليا.

النصيحة المدروسة، غير المرتجلة كي يسلك الطريق القويم، هذا أضعف الإيمان. فمن المسائل المطروحة علينا أن نجد عملا لهذا الرجل أو لهذه المرأة. وقد نكون على صلة بأرباب العمل أو يكون صديق لنا على صلة بهم. وقد يكون هذا الإنسان في حاجة إلى مشورة قانونية فنحاول ان نحصل عليها من محامٍ مجانًا. وقد يكون في حاجة إلى مساعدة في أقساط أولاده المدرسية، أو يريد رأيًا روحيا وهو في أحوال زوجية سيئة فنسعفه لاختيار فهيم في هذا الحقل.

التعداد كثير. جل ما أوردتُه من الرسول والقديس يوحنا الذهبي الفم معناه ان المحبة هي أن تفعل شيئًا في سبيل الآخر لا أن تتفرج على حاله وتبكي عليها. هو لا يحتاج إلى من يبكي معه. هو طالب رأي على الأقل وطالب سعي إلى حلول. قد لا يكون في يديك حل ولكنك تكون قد فكرت بوضع محدد. وبذلت جهدك لحلحلة الوضع كما لو كنت أنت واقعا.

وهذا ينطبق بنوع خاص على أولئك الذين يعيشون في الكنيسة معا ويلتفّون بعضهم حول بعض. هؤلاء يلتزم احدهم الآخر بنوع خاص، وكل منهم ينتظر الانتباه من الذين يشاركونه الصلاة لأن الصلاة ان لم تَصِرْ خدمة قد يحسبها أخوك غير صادقة.

ان التعاضد الذي نتكلم عليه يجب ان نترجمه حَضنا للآخر. بادئ بدء ان تسأل عن الوضع الذي صار عليه وتفتقد تطورات المسألة التي تعرف عنها. ليس من صداقة الا إذا تتبعت مشاكل الصَّديق. فإن لم تقدر على حلّها فعلى الأقل تتحسس مصاعب الصديق. ولكن ما يريده الله ان تعتبر قضية الآخر قضيتك وتوليها الاهتمام الكامل لئلا تكون محبتك كلامية.

ليس احد منا يحب ان يبقى وحده. كل إنسان في حالة الضيق الشديد المعنوي أو المادي يفتش عن دفء بشري. قد يكفيه هذا وقد لا تستطيع أنت أكثر من ذلك. وقد يكون جانب كبير من الحياة العائلية شعورا بأن الفريق الآخر يقف إلى جانبنا في الحزن أو الأزمات.

فعندما يقول بولس: «احملوا بعضكم أثقال بعض»، لم يفكر بأن ذلك ينتهي بأن تسأل عن صحة صديقك أو المؤمن الآخر، ولا تنتهي وصية بولس بأنك تناقش الآخر مناقشة فكرية. هذا كله حسن. ولكن المبتغى ان تضع كتفك تحت العبء الذي يحمله الآخر. ان رفع هذا العبء مسؤوليتك كمحب.

والشيء الآخر قول بولس: «وهكذا أَتِمّوا شريعة المسيح»، ذلك ان شريعته هي المحبة، والمحبة التي يريدها المعلم مترجمة بالأفعال.

نحن أعضاء في جسد المسيح الواحد. هذا نترجمه في اننا نجتمع لنأكل جسده ونشرب دمه معا. ولكن المناولة ليست نهاية. هي بدء، والنهاية ان نكون واحدا حقا في الحياة الاجتماعية وان نبدو للناس واحدا في الحب.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد بعد الظهور/ الأحد 13 كانون الثاني 2002 / العدد 2

اللافت كثيرا ان الكنيسة تقرأ خلال سبعة ايام بعد الظهور الإلهي (الغطاس) كل يوم فصلا انجيليًا يتعلق بالمعمودية. ومعمودية السيد مناسبة لظهور الله آبا وابنا وروحا ما يجعل إنجيل اليوم ايضا مشدودا الى الظهور الإلهي اذ يتحدث مقطع اليوم عن النور ايضا وعن التوبة التي يستدعيها هذا النور.

         السيد يترك الناصرة غالبا لأنه رأى مقاومة له فيها، ويختار مدينة كفرناحوم مقرا له. وكان له في ذلك استراتيجية لأن المدينة كانت ملتقى يهود ووثنيين وتاليا منطلقا للبشارة. وبما ان هذه المنطقة وهي واقعة على الشاطئ الشمالي الغربي من بحيرة طبرية وموطنا لسبطي زبولون ونفتاليم، اورد متى قول اشعياء: “ارض زبولون وارض نفتاليم… الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما…”. وكأن الإنجيلي اراد ذلك النور الذي سيأتي المسيح به بواسطة انجيله.

         منطلقًا للإنجيل في الجليل كان قول السيد: “توبوا فقد اقترب ملكوت السموات”. التوبة في اللغة العربية هي الرجوع (اي الرجوع الى الله). وكما يفيد الأصل اليوناني هذا الرجوع يتم بتغيير العقلية كلها بحيث يحل الله فكره فيك فتفكر في كل شيء كما الله يفكر. فالناس ليس فقط يرتكبون الخطايا، ولكن الكثير منهم يبرر فكره بالخطيئة ويقبل بالسرقة او الكذب وما اليهما. اما المؤمن فهو الذي انقلب على تفكير الدنيا، ولذلك نصف الإيمان بأنه مستقيم الرأي. فكّر حسنا ومستقيما وبعد ذلك تصرَّف.

         توبوا اذ اقترب الملكوت. الله لا يريد ان يكون فقط ملكا في السماء ولكن ان يسود قلوب الناس هنا. “لتَكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”. عامة الناس تظن ان الملكوت نرثه في السماء في اليوم الأخير. صحيح ان الملكوت يكتمل بعد القيامة عند زوال الشر. اذ ذاك يسطع الله امام البشر جميعا ملِكا بقبول البشرية المفتداة سيادته عليها. غير ان الملكوت بدأ هنا في فلسطين بمجيء يسوع. فالملكوت يأخذ بالسطوع بظهور الملك. ان الملك يعطيه.

         فاذا قلنا في الصلاة الربية: “ليأت ملكوتك”، نقصد ليأت علينا وفينا يوما فيوما وليحل على الإنسانية جميعا. هناك بشر متمردون. كل خاطئ متمرد ولا يريد الله ملِكا عليه.

         اما اذا قبلت انت سيادة الله على قلبك وفي تصرفاتك تتوب اليه. وتأخذ مكانك تحت سيادة الرب.

         الوضع الطبيعي للمهتدي ان يحب اليعيش مع يسوع وفكره وان يغرق في ذكره وفي التحدث اليه، ان يعاشره بدالة وحميمية كما يعاشر الإنسان رفيقه والا يشتهي ان ينفصل عنه لحظة حتى لا يدخل الوسخ اليه ولا يحزن بالخطيئة.

         قد يتخبط التائب احيانا وقد يشك بعطف الله عليه وقد يسقط. اذ ذاك، يجب ان يفحص قلبه ليرى اذا تاب حتى الأعماق ام كانت توبته مجرد رغبة عابرة ناتجة من تأثره بصلاة او بكلمة إرشاد. الزرع الإلهي، اذ ذاك،  لم يتأصل فيه.

         التائب من اقتنع بالمسيح وبحلاوة معايشته في داخل النفس ومن آمن ان المسيح تعزيته ويكفيه، فلا يحن الا الى ما يرضى عنه المسيح. هكذا يكون السيد هو الملك حقا وتكون النفس مسكنا له مع الآب والروح.

         الظهور الإلهي الذي تم على نهر الأردن يصير، اذا ذاك، ظهورا في القلب ومحوّلا له.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الظهور الإلهي على هذه السنة/ الأحد 6 كانون الثاني 2002 / العدد 1

السيد يعتمد، والآب يقول: هذا هو ابني الحبيب، والروح يبـدو بهيئة حمامة. هذا هو ظهور الله ثالوثًا على نهر الأردن وعلى العالم ليقول للعالم انه سيخلص بمحبة الله المنسكبة بدم يسوع. هذا هو ابن الله وابن الانسان معًا. فبدخولـه الماء وخروجـه منـه صورة مسبقة للموت والقيامة. هذه ظهر الله بها في شكل فصيح في العالم.

         هذه كانت البداءة وكانت الأساس حتى يبقى الله ظاهرًا على العالم ولا يبقى العالم وحده، ورجاؤنا ان يعاين البشر ربهم في السنـة الجديدة حتى تكون حقا جديدة. في اليوم الأول من السنة أقمنا عيد الختانة لنستمد منـه لا ختانـة جسديـة أبطلهـا المسيـح ولكـن ختانـة روحية بقطع النفس والحواس عن كل ما يؤذي القلب. وعيد اليوم يكشف لنا ان الخطيئة وحدها تدمر القلب وانه يجب ان نغرقها في ماء المعمودية لنصعـد من الماء احرارا منها الى وجه الآب. ذلك ان المعموديـة عمليـة مستمرة. نحن دائمًا نميت الخطيئـة ونرتفع في الرجاء الى الله ابي ربنا يسوع المسيح.

         واذا تجددنا بالإخلاص للسيد اي في إيمان معمق وصلاة غير منقطعة نستطيع ان نطيعه فيصير كل منا خليقة جديدة. الرب يظهر بسلوكنا الطاهر ويخاطب الناس به. من كان هكذا يكون شاهدًا من شهود الله اي كاشفًا محبة الله للناس وجمال الله وقدرة تعليمه وسلطانه على حياتنا وقبولنا اياه بفرح.

         المسيحية ليست تحريك أفكار ولا جدلا فلسفيا. انها بساطة الانسان النقي الذي يعرف كيف يتجلى الله في هذا الخلق وفي القديسين.

         ما من شك ان دون تجلي الرب صعوبات. هناك حروب وأمراض فينا اذا كانت شديدة قد تحجب وجه الله عن المصابين بها. هناك فقر مستمر وموت أعزّة. قد تنتشر الحرب ولا تنقطع بسرعة. كل المؤشرات تدل على ان هذه السنة التي ابتدأنا حزينة واننا سنواجه تجارب كثيرة. نحن لنا كلمة الله نواجه بها كل العقبات. واذا عانينا في نفوسنا وأجسادنا سوف نلجأ الى الكلمة والى الصلاة غير المنقطعة ونغتذي بجسد الرب ودمه.

         السنة الـ 2002 ستكون لنا زمانًا من هذا الدهر العابر. ضمن هذا الزمان ستكون لنا أحداث الخلاص، أعيادنا والمحبة الأخوية.

         سنبقى مجاهدين مع يسوع في زمان الناس، في عائلاتنا ومهنتنا وحياتنا الاجتماعية. الله يظهر هنا ايضا من خلال الآلام، في محنة كل واحد وفي حزنه وليس فقط في فرحه. حسن أن يجتمع المحبون ليسوع ليعزوا بعضهم بعضا في المحنة ويتماسكوا. نحن نتابع المسيرة وراء المسيح ولا نمل. “إلى أين نذهب. كلام الحياة الأبدية عندك”. من ينقذنا من الشدة؟ من يمد الينا يد العون لو وقعنا في الجب؟

         دائمًا كان المؤمنون الكبار قلّة. ولكنه قال: “لا تخف ايها القطيع الصغير”. “أنا معكم حتى منتهى الدهر” وسأكون حاضرًا معكم في السنة هذه وأضعكم على صدري وستكونون أقوياء.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

مريم/ الأحد 30 كانون الاول 2001 / العدد 52

في الأيقونة المعتمدة رسميا لميلاد السيد نـراه طفلا مقمطا موضوعا في كهف اسود، والإنجيل لا يقول انه وُلد في كهـف (الحديث عن المغارة أتى لاحقا). غير ان فكرة المكان المظـلم هي فكـرة القبـر المظلم. الميلاد بدء لسر الوحدة بين الله والناس التي حملها يسوع الينا.

         ثم ترى ان العذراء تتوسط الايقونة مستلقية على فراش في حالة تأمل وقامتها كبيرة جدا. والايقونة طبعا لا تهتم بقياسات الجسم ولكنها تبتغي ان تعطي معنى. والمعنى ان هذا السر العظيم تتأمله البتول.

         ليس ان البتول فهمت كليا ما حدث لها او حدث فيها. وقبل الصلب انى لها ان تدرك؟ ولكن كونها الى ابنها وربها في هذا السر وانكشافه جعلنا نقيم لها في 26 من كانون الاول ما سميناه “عيدا جامعا لوالدة الإله”. والواضح في اقتراب الكنيسة الارثوذكسية من والدة الإله اننا نراها دائما خادمة للتجسد وغير منفصلة عنه. لذلك نصورها في الايقونة حاملة له ومن خلاله حاملة ايانا.

         لما أقامت الكنيسة هذا العيد الجامع عيدا يتلو الميلاد اوحت بأنك انت لا تتقبل المولود الإلهي فيك الا اذا عصمك الله من كل مزلة كما عصم مريم وانك لا تحفظ يسوع الا كما حفظَته متخصصة له ومتبتلة.

         مريم صورة لروحك المتعففة، المتواضعة. نفسك هذه هي المطرح الذي تغني فيه المجد الإلهي وتختبر سلامه. نفسك هذه العابدة تمارس ما صنعه المجوس اي تنحني امام المسيح ولا تنحني له الا الفضيلة التي فيك. وهي وحدها هديتك له.

         روحك مريمية اذا تنقت باستمرار. بل روحك هذه المتطهرة مريم جديدة تلد المسيح في العالم بمعنى ان تعاليم المسيح وفضائله وجمالاته تنتقل بتصرفك الحسن الى الناس. وهكذا ينمو المسيح في كل من شاهدك وعاملته بلطف يسوع وتواضعه.

         واذا انتقلت الى السنة الجديدة فليس المهم ان تنتقل الى زمان جديد لأن المهم ان تنقل معك الى العام الجديد بهاء يسوع وكلمته.

         وقد تكون السنة الـ 2..2 مليئة بالأحزان على مستوى العالم وربما في حياتك الشخصية. فاذا مرضت او تعبت بأي نوع من التعب لا تخف لأن يسوع معك. لا تنتظر الكثير من احداث العالم ولا من تحسن كبير في البلد. مهما جرى من احداث فأنت حرّ منها لأن المسيح حررك ولن تكون شقيا. انه لم يعدك بالغنى ولم يعدك بالصحة ولكنه وعدك بأنك – ان كنت معه – لن يستعبدك شيء ولن يقدر انسان ان يستعبدك.

         غير ان هذا كله يتطلب ان تبقى انسانا مريميا اي حاضنا ليسوع، ماشيا وراءه كالتلاميذ، باقيا معه كالقديسين في السماء، مختلطا به في الكنيسة، في صلواتها. هذا هو جديدك. الأزمنة التي تتقلب ليست بشيء. المسيح فيك الذي لا يتقلب هو كل شيء.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

أقبل العيد/ الأحد 23 كانون الاول 2001 / العدد 51

في هذا الأحد المعروف بأحد النسبة يطل علينا العيد من الإنجيل بصورة واضحة اذ ان متى يذكر أسلاف المسيح منذ ابراهيم مرورا بداود حتى يصل الى الكلام عن مولده. والعيد كما تذكرون كان يقام قديما في يوم واحد مع الغطاس، ولذلك سميت الذكريان عيد الظهور الإلهي، حتى رأت الكنيسة في اواخر القرن الرابع ان تعزل ذكرى الميلاد عن ذكرى المعمودية فكان لنا عيدان كل منهما يدل على ظهور الإله بين الناس.

         المسيح هو ابن الله الظاهر في الجسد لكي نعرف الله به، وذلك تحقيقا لنبوءة اشعياء: “ها العذراء تحبل وتلد ابنا”. الطفل الذي أمامنا في مذود بيت لحم هو المخلص. واسمه يسوع يعني ان الله يحررنا. وهذا يتحقق بتعليمه اولا، ذلك التعليم الإلهي الذي اذا انسكب في القلوب يحييها. ثم كل عمل قام به السيد من شفاء او عطف على الضعاف كان تهيئة للخلاص المزمع ان يبدو على الصليب وفي القيامة.

         من هذه الزاوية كان المسيحيون قديما يقولون: الميلاد فصح صغير بمعنى ان جوهر العيد يتضمن معنى الخلاص الذي سيكون كاملا على الجلجلة.

         كيف يجب ان نعيش العيد؟ كلام الملائكة للرعاة: “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام في أناس المسرة”. فيها الجواب. عندنا اولا تمجيد لله، تعظيمه في قناعتنا، اعترافنا بقدرته على كل شيء، وتلبيته كل ما نطلبه ان كان نافعا لخلاصنا بمجده. هذا التمجيد هو الذي يجعل في قلوبنا سلاما. غير ان الملائكة قالوا: “في اناس المسرة” اي الذين سُرَّ الله بهم، التائبين، المستنيرين.

         اذا سمعنا هذا الكلام في خدمة العيد نرجو ان يهدينا الله الى ذاته فيرفعنا بالتمجيد ويجددنا بالسلام الداخلي.

         كيف نسمع ان قبعنا في بيوتنا صباح العيد ولم نشترك في الذبيحة الإلهية؟ مسرات الدنيا، سهرة العيد، زينته ليست هي العيد. الأضواء الكهربائية في البلد ليست هي العيد. من أحب هذه الأشياء فلتكن له. ولكنها خارجية. العيد هو يسوع الذي نسمعه ويخاطبنا ويضع فرحه فينا.

         ليست لنا تحية ميلادية خاصة. الشعب الصربي استحدث تحية ويقول: “المسيح ولد” والجواب “حقا ولد”. اذا لم نقلها نستطيع على الأقل اذا هنأنا احدا بالعيد او تقبلنا التهنئة ان نفكر بأننا نعايد بسبب من ذلك وليس لأننا في مناسبة اجتماعية.

         هناك شيء آخر يلازم العيد وهو ان يسوع كان صغيرا. كيف نترجم ذلك لأنفسنا؟ ليس في كنيستنا ابتهاج خاص بالأطفال. ولكن الذين جعلهم الله همه هم صغار النفوس، الأذلاء الفقراء المعذبون. هؤلاء يلازمهم الطفل الإلهي، يحملهم في قلبه. ماذا نعمل نحن لنعزي المنكسري القلوب، المتروكين في الأرض الى عزلتهم، الذين لا يتمتعون بدفء العاطفة؟

         هذا هو العيد الذي يدفعنا الى ان نسعى اليهم. الميلاد تربيتنا على المحبة. هذه تمارسها في الحقيقة حولك، كل يوم، بدقة وفي رقة يسوع حتى يشعر كل هؤلاء انهم اخوة له.

         اي مخلوق تحتضنه انت احتضانا صادقا وفعالا تجعله يحس بأنه ليس بعيدا عن المسيح.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

احد الأجداد/ الأحد 16 كانون الاول 2001 / العدد 50

الأحد السابق للميلاد يدعى احد النسبة. ارادت به الكنيسة ان تبين تحدر المسيح من الخط الإيماني الذي بدأ بإبراهيم. غير ان يسوع ليس فقط سليل العهد القديم. انه سليل الإنسانية كلها بما فيها الوثنيون. والفكرة ان ربنا يصب فيه كل البر الذي كان يحمله اهل الشريعة والذين – كالوثنيين الصالحين – كان ضميرهم شريعة لهم. ولذا وضعت أحد الأجداد قبل أحد النسبة.

         هؤلاء كلهم كانوا يتوقون الى مخلّص. كانوا جالسين بصورة سرية حول مائدة الرب التي سيمدها يسوع للإنسانية بحبه وبموته. والوثنيون معذورون ان لم يلبوا. غير ان اليهود لا عذر لهم لأنهم كانوا يعرفون الأنبياء الذين رأوا الى مجد المسيح وتكلموا عنه. فأخذ هذا يعتذر، وذاك يعتذر عن تلبية الدعوة الى العشاء، وهو عشاء الخلاص. الذين رفضوا الدعوة لم يستطيعوا ان يأكلوا من الطيبات التي أعدت لهم.

         هل نحن مثل هؤلاء لا نلبي الدعوة حقيقة باتباعنا الإنجيل الذي عرفناه وذقنا حلاوة يسوع ولكنا لم نشأ ان نستمر على هذه الحلاوة طوال حياتنا وفضلنا عليه طعاما لا شبع فيه فلم نأكل طعاما إلهيا؟

         كيف نأكل الخبز السماوي؟ عن هذا السؤال يجيب بولس في رسالة اليوم انكم اذا شئتم ان تظهروا مع المسيح في المجد فيجب ان تتطهروا. والتطهر ليس مزحة. يتطلب انضباطا كبيرا وان نطرح كل شهوة رديئة. وآباؤنا فرّقوا بين الشهوة الحلال كالطعام الذي لا ترافقه شراهة وبين الشهوات المؤذية للنفس فسمّاها النص في مرحلة اولى: “الزنى والنجاسة والهوى والطمع”. وذكّر اهل كولوسي الذين أرسلت اليهم هذه الكلمات انهم كانوا هكذا في وثنيتهم وانهم بعد ان صاروا للمسيح فلا محل عندهم للشهوات الرديئة. فيعود في لائحة ثانية للخطايا ويذكر “الغضب والسخط والخبث والكلام القبيح والكذب”.

         هذه القبائح منتشرة في مجتمعنا المسيحي. لاحظت ان الكثيرين لا يستطيعون ان يتكلموا بهدوء وانهم يجرحون مشاعر بعضهم البعض ويظنون السوء في الآخرين. وأكاد اقول ان الصدق الكامل قليل في مجتمعنا واننا على العموم في حالة غضب اي في حالة تجريح. فالبر الذي كان عند ابرار الوثنية او عند الملحدين المهذبين اللطفاء ليس عندنا. وكأن المسيحية لم تغيرنا بشيء.

         ازاء هذا السقوط الذي حذر منه بولس اهل كولوسي (وهو لم يتهمهم صراحة انهم سقطوا فيه) يدعوهم أن “البسوا الانسان الجديد الذي يتجدد للمعرفة على صورة خالقه”. هم يعرفون انهم لبسوا هذا الإنسان عند معموديتهم وقبلوها آنذاك عن وعي. وكان هذا لباسا ابيض. غير ان الرسول خشي عليهم ان يكونوا قد طرحوا الطهارة عن نفوسهم ويرمز الى هذا بقوله ان من ارتكب هذه الفواحش انما يكون قد لطخ ثوبه اي صار كأنه لم يعمَّد. ويذكّرهم بأن المعمودية هي تجديد الكيان وان غايتها ان نعرف الله اي ان نعيش معه ونصير على صورته. وهذا ما يوحدنا ويجعلنا كنيسة واحدة بارة حيث ينتفي الفرق بين اليوناني واليهودي، بين اي عرق وعرق آخر، بين العبد والحر، ويبدو المسيح كل شيء وفي الجميع.

         هذا ما يعيد آخر الرسالة الى اولها اي ان نصير جميعا في المجد كما المسيح في المجد. طبعا يعرف بولس ان هذا لن يصير كاملا الا في اليوم الأخير. ولكن عندما نعلم ان عيد الميلاد كان يقام قديما ضمن عيد الظهور الإلهي في 6 كانون الثاني، لنا ان نفهم ان الميلاد القادم علينا انما يطلب الله فيه الينا ان نكون ايضا على نوع من المجد اي كارهين للرذيلة محبين للخير، فرحين بانتصارنا على الخطيئة وهكذا نستحق ان نكون مشاركين في العيد، جالسين حول مائدة العشاء السري التي دعانا الله اليها.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

التشاور/ الأحد 9 كانون الأول 2001 / العدد 49

كل الكنيسة تقوم على اننا واحد. هذا ما يسمى جسد المسيح بحيث لا يستغني احدنا عن الآخر. فلو كان اخوك قليل المعرفة الا انه قد يكون عظيما في المحبة. وان انت تأنيت عليه وكلّمته بالمنطق قد يصير اكبر عطاء في عقله. وان كان اهوج وعاملته برفق قد يقترب من الوداعة فالتعاون. لا تلغ احدا لأنك بذلك تكون قد تصرفت كأن العالم هو لك وحدك وكأن الله اخطأ لما خلق سواك وسمح بأن يكون كما هو.

         في هذا المعنى قال بولس: “ان قالت الرِجل لأني لست يدا لست من الجسد. أفلم تكن لذلك من الجسد… لو كان الجسد عينا فأين السمع؟” (1 كورنثوس 12: 15-17). ولهذا دعانا الإنجيل الى ان نكون دائما في حالة التشاور وان يكون عندنا فكر المسيح. وفي هذا المنحى اراد ان يجتمع الإخوة ويتحاوروا وألا يستقل احد برأيه. فرأي الآخر قد يزيدك وضوحا وقد يأتي تنقيحا لرأيك فتخرج الحقيقة او الأمر النافع من هذا التقابل. ولهذا اوجد القانون مجلس الرعية ليكلم احدنا الآخر فلا يتفرد احد برأي ولا يفرض رأيا على الإخوة. فالتفرد يجرح من الذي لم يُدعَ الى الاجتماع، وكأنه يقال له انه  غير نافع او كأن رأيه متميز فنخشاه.

         واذا كان من شخص يستشار فهو رئيس الأبرشية لأنه موضوع فيها بقوة المسيح. ومن لا يؤمن بهذا فليس له ان يكون عضوا في اي نشاط كنسي. ولهذا اوصى القديس اغناطيوس الأنطاكي في اوائل المسيحية الا يعمل الإخوة شيئا بلا مشورة الأسقف ليس لأنه أمار ولكن لكونه الأخ الاول بسبب الوكالة الإلهية التي يحمل ونفترض فيه انه غير منحاز ولأنه طبيعي ان يكون بعيدا عن العصبيات المحلية. في كل حال هذه هي كنيستنا.

         ومتروك للإخوة في مجالس الرعايا البت في ما هو عادي او يومي، ولكن اذا شعروا ان للأمر المعروض اهمية خاصة فلا بد من استشارة العقلاء والأتقياء في الرعية من جهة ولا بد من موافقة المطران من جهة اخرى. والقضية لا تنحصر في البيع والشراء، فهذا امر مبتوت في القانون الكنسي وقوانين الدولة. ولكنها تشمل كل امر جديد ذي اهمية.

         هناك قلة تتمنع من استشارتنا بقولها: “الاوقاف اوقافنا. ما علاقة المطران بهذا؟”. الحقيقة ان الوقف ليس ملكا جماعيا للرعية. انه ملك الله. في سجلات الدولة التي تتعاطى الشؤون الدنيا لا بد ان يقال: هذا وقف القرية الفلانية. وفي الحقيقة ما تعودناه ان نكتب: هذا وقف الروم الارثوذكس في القرية الفلانية. هذا مكان الوقف، ولكن الملكية تبقى لله. ومن اراده الرب وارادته الدولة هو ان المطران متولي الوقف.

         انا اقول شيئا بسيطا وهو الا يستغني احدنا عن الآخر لكوننا جسدا واحدا للمسيح.

         الأمر الآخر والأكثر اهمية ان وكلاء الوقف ليسوا اسيادا على الكاهن. فهم لا يعطونه من مالهم الخاص. هم مؤتمنون على مال الجماعة، وليس عليهم ان يأمروا الكاهن بشيء. هم ليسوا رقباء عليه. هو رقيب عليهم. وعليهم ان يكلموه بكل وقار وبنوة لا ان يحسسوه بمنّة. “نحن نعطيك ونحن عم نعيّشك” كلام ليس فيه وقار. هم مجرد ناس ينقلون اليه مال الكنيسة. اذا تحققتُ بعد اليوم ان وكيلا من وكلاء يتصرف هكذا أنزع عنه وكالتي في لحظة.

         تشاوروا بعضكم مع بعض وشاوروا وكونوا متواضعين.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

الحائزون على الدنيا/ الأحد 25 تشرين الثاني 2001/ العدد 47

صعوبة الإنسان ان ينضم إلى الملكوت هو انه يجب الانضمام إلى نفسه. هو مركز الوجود لا الله. الرجل الغني موضوع إنجيلنا اليوم (لوقا 18: 18-27) ظن انه مركز لكونه حفظ الوصايا. ولكن عندما اشترط عليه يسوع ان يبيع كل شيء ليتبعه تراجع. ان يتجرد من كل شيء يعني انه فقد هيمنته على هذا الوجود. هو يهمه هذا الوجود مع حفظ الوصايا. الله والعالم معا. الله وعشق المال معا. لم يصل هذا الغني إلى عراء يسوع على الصليب أي ان يكون قلبه خاليا من كل شيء ما عدا الرب. المال قوة. إذًا الله ليس كل القوة.

المال طريق إلى قوة أعظم منه هي قوة السياسة. ان تسعى إلى دعم الكبار ليس سيئا في بلد تركيبته سيئة. ولكن ان تسعى في كل الوسائل، في مدح النافذين مثلا، في الرشوة، في أي نوع من أنواع الإغراء، فهذه سياسة على الطريقة اللبنانية حيث الشاطر هو كل شيء وحيث مطواعيتنا لرؤساء وهذه الأمة هي كل شيء.

هذا الشاعر بقدرته أو هذا القادر على الكثير لا تسحره قدرة الله الا إذا مرض أو مرض واحد من أولاده. القوي يستغني. هل يعني ذلك انه يجب ان تتخلى عن قوتك في الحكومة أو الدوائر؟ لا، ولكن استعملها بخوف الله فلا تمنن أحدا ولا تظلم ولا تشتر بها ضمير أحد.

هناك سلطة كبيرة هي سلطة الجمال عند النساء. الحسناء كثيرا ما تتباهى فجمالها غنى ونفوذ في الأرض وقد يكون لها مطلب سخيف في المعاملات ولكنها تلبّى. ولا يردّ زوجها سلطانها ولو كانت على خطأ. والتباهي يسير بها إلى الانتفاخ والغرور وتاليا إلى الفراغ.

وهناك لون آخر من التسلط وهو تسلط العلماء والمثقفين والأذكياء. العلم سلطان على أنصاف المتعلمين والبسطاء. والذكاء موقع من مواقع الافتخار مع انه مجرد هبة من الطبيعة صقلتَها أنت بجهودك ولكنك ورثتها بقانون الميراث الطبيعي.

كل هذا الذي ذكرناه حيازة في الدنيا. الجمال والذكاء والمال والسلطان السياسي، كل هذا من هذا العالم، ولا شيء من هذا له قيمة عند الله وعند المقربين إليه. وإذا كان لك شيء من هذا وكان لك به زهو فاعرف انك لن تذوق ملكوت الله. لا شيء من هذه ينفعك بذرّة لتتقدس. فقط إنْ صرت فقيرا إلى الله ومُوقنا بأن فقرك وحده يجلب عليك الغنى الإلهي تصير جميلا من نوع آخر وذكيا من نوع آخر. المتواضعون لهم ذكاء خاص وقدرة خاصة لم يسمع بها أكابر القوم وأكابر الثقافة. المستكبرون صاروا من هذه الدنيا، من ترابها. الذين جمّلهم تواضع يسوع يراهم معلقين عراة مثله على صليبه، متحفزين إلى القيامة.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

العصبية العائلية/ 21 تشرين الأول 2001 / العدد 42

من اشد الصعوبات في حياة أبرشية مؤلفة من قرى العصبية العائلية، وقد عرّف العصبية ابن خلدون بقوله انها «التناصر بين ذوي الأرحام»، وعندنا في الجبل هذا يعني المنحدرين من جد واحد قد يكون والد الوالد أو جد قديم. وهذا معروف بلغة الجبل بالأجباب أو الجباب. وهي جمع الجب أي البئر. وحاولت وأنا أتعاطى الأجباب كل يوم ان افهم سبب تسمية الفرع العائلي جبا ففهمت ان البئر سميت جبا لأنها قُطعت قطعا. ولعل التسمية العامية تعني الفرع المقطوع.

          عندنا مجموعة بيوت من عائلة كبرى اسمها عند العرب قبيلة أو عشيرة وبين أفرادها تماسك وتعاضد حتى حد العصبية وهي مسافة كبيرة أو صغيرة تقيمها أنت بينك وبين الآخرين وتتحكم بالعاطفة. ومن الواضح في الجبال انك اقرب إلى أهل جبك منك إلى الجباب الأخرى ما لم تظهر مودة تقوى على الشعور العائلي.

          لست أريد اليوم ان أكلمكم عن الأذى الكبير الناتج من العصبية العائلية في سلبياتها أكان هذا في حياتنا الوطنية أم حياتنا الكنسية. فإذا لم تقم علاقات ود بين العائلات فالرعية موجودة ظاهرا ولا يراها المسيح واحدة. ويصعب التعامل كثيرا مع وضع كهذا. نحن دعاؤنا إلى الله ان يجعل المحبة في قلوبنا فيبقى التماسك البناء ومن تعابيره الإحسان إلى فقراء العائلة ولكن ليس من تعابيره التمظهر وطلب المجد والسيطرة على احد. يعني هذا ان نحسب الكنيسة مجموعة قبائل تتقارب أحيانا أو تتباعد في روح هذه الدنيا وفي انفعالات لا عقل فيها. والانفعال لا ينشئ التآلف والتآزر الضروريين لكل عمل مشترك.

          ولعل الأهم ان يحس المرء انه شخص وليس جزءا من قبيلة وعلاقته بالأشخاص الآخرين باعتبارهم أعضاء في جسد المسيح. إذا كنت معمدا فأنت ابن الله الآب ولا تجيء من لحم ودم ولكنك تجيء من النعمة الإلهية، وكل إنسان آخر أخوك. وقد تتعاون مع الغريب في العمل الكنسي، وليس من غريب لأن دم المسيح الذي اخذته أنت بالمناولة الإلهية اخذه ذاك أيضا وصرتما من دم إلهي واحد.

          أمام العائلية البغيضة يسأل المؤمن نفسه: ما هو فكر المسيح؟ هل كان السيد يولي أهمية ما للعائلة حتى هذه الصغيرة المؤلفة من والدين وأولادهما؟ هو تكلم على المحبة بحيث اعتبر ان الله الآب هو وحده أبونا جميعا. وأكد وصية موسى: «أكرم أباك وأمك». وقال ان والد الابن الشاطر تحنن عليه وكشف صعوبة العلاقة بين هذا الوالد والابن الآخر. انه لم يقل مرة: ابن خالك أو عمك أقرب إليك من الغريب. وإذا كان الغريب أحوج إليك من النسيب، فتهمل النسيب وتخدم من كان في حاجة إليك.

          إلى هذا نقرأ ان السيد اجتمع إليه جمع. «ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا انه مختل». وبعد هذا ضاقت الحلقة «فجاء حينئذ إخوته وأمه ووقفوا خارجا وارسلوا إليه يدعونه». أي ان هؤلاء الأنسباء ما أرادوه ان يبشر. فعلم السيد بهذا وقال عن مؤيديه: «ها أمي وإخوتي» (مرقس، الإصحاح 3). هنا لم يقم يسوع أي وزن للقرابة الجسدية.

          وفي موضع آخر يقول: «جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها… وأعداء الإنسان أهل بيته» (متى10: 35 و36). والمعنى ان ذويك ان كانوا ضد يسوع فأنت ضدهم ولا يجمعكم الا المسيح. هذا اللحم والدم كلاهما إلى التراب.

Continue reading