Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2001, مقالات, نشرة رعيتي

روحية مجالس الرعايا/ الأحد 14 تشرين الأول 2001 / العدد 41

هي مجالس لمعاونة الكاهن في خدمة المؤمنين على صعيد الثقافة الروحية وفي مجال تنمية الأوقاف تعزيزا للكاهن وتعزيزا للإخوة المحتاجين.

الأعضاء في هذه المجالس يعيّنهم المطران تعيينا بعد المشاورة مع أهل التقوى، وينص القانون انهم يكونون من المؤمنين المصلّين الفاهمين بشيء من العمق الأمور التي يجب بحثها. ولذلك أتى مجلس الرعية مستقلا عن كل حزبية محلية كانت أم غير محلية.

ومن الواضح ان المطران لا يسأل أحدا عن انتمائه السياسي لأن المطران ليس عنده لائحة بالموالين لهذا أو ذاك من الناس أو المنخرطين في عقيدة سياسية. هناك من يدلّه على من عنده حماسة روحية وخلق جميل. والمطران ليس خصما لأي زعيم أو نافذ ولا يناقش أحدًا في انتمائه الحزبي ويعتبر المؤمنين جميعا إخوة ويأمل الا تتجاوز الخصومة السياسية ولو شريفة اعتاب الكنيسة والا تخل بالمناقشات، فالمسيح يوّحد المؤمنين ولو اختلفوا في شؤون الدنيا. وهو ينظر إلى المحازبين من كل صوب والملتصقين بهذا وذاك من النافذين على انهم أبناء له، لهم جميعا المحبة نفسها والرعاية نفسها.

فأنت لك ان توالي من تشاء وأي حزب تشاء إذا كان لا يقول شيئا ضد العقيدة المسيحية. كذلك ينظر المطران إلى الزعماء في القرية أو في ما هو أوسع من القرية -إذا كانوا أرثوذكسيين- على انهم أبناؤه أيضا ولكنه يريد منهم الا يعتبروا الكنيسة نطاقا لنفوذهم أو تدخلهم لأن في هذا خلطا بين أمور الله وأمور الدنيا ولأن هذا التدخل من شأنه ان يغذي الانفعالات والتشنج.

من الطبيعي ان أحافظ على مجلس الرعية حتى انتهاء ولايته وهي أربع سنوات إذا لم يرتكب هدرا. ونحن نراقب حساباته. وإذا ارتكب احد من الأعضاء خطأ كبيرا فيستغنى عنه هو. ولكن إذا كان الأداء جيدا فلا يكون المطران على هذه الخفة التي تجعلنا نحل المجلس لكون عدد من أعضائه لا يروق هذا أو ذاك من الناس. المجلس ليس مجلس عائلات. انه مؤلف من أفراد نعيّنهم وفق المعلومات التي تردنا من بعد المشاورات. وليس من مشاورة واحدة في العالم يمكن ان تأتي تامة، مصورة للوضع الحقيقي. الاستنساب يلعب دوره في كل تشاور.

المجلس جيد نسبيا وليس مطلقا. لذلك، حفاظا على الكنيسة، يتعاون الجميع معه حتى يحل محله مجلس آخر عند انتهاء مدته. ان مقاطعته فيها أذى كثير لأن فيها انقساما. فأنت تحتمل أداء ناقصا -وكل أداء هو كذلك- بانتظار الأفضل.

وما يهون على الجميع الأمر هو ان المجلس ليست له صفة تقريرية ولكن صفة استشارية. غير أننا لا نستطيع ان نكون في كل مكان. فما كان استشاريا يصبح في الحقيقة تقريريا حتى يبدو الغلط فننقحه.

على هذا الأساس لا يجوز ان «نحرد» من المجلس أو ان نقاطعه ماليا لأن هذا يؤذي الكنيسة ويقلل من مداخيلها ويضعف عملها. أنت لا تعطي المجلس مالك ولكنك تعطيه للكنيسة، التي هي أمّنا جميعا. وإذا قاطعت فأين تكون مشاركتك وكيف تكون أخا؟ ليس احد يضغط على أمه ليفقرها. وليس لأحد ان يفرض رأيه على الجماعة. انه يبديه. وافترض أننا محبّون بعضنا بعضا فلا يكون المجلس حربا على أحد. ولكن بالمقابل لا يحارب احد المجلس القائم.

اما إذا رأى بعض الإخوة انه حسن ان يؤتى بواحد أو أكثر من واحد ليتحسن الأداء فنحن منفتحون للرأي المصيب. أنت تجاهد من الداخل وتناقش داخل المجلس. وليس من كارثة إذا لم نأخذ هذا أو ذاك. كما انه لا يأتي احد بأعجوبة لو قبلناه. ليس المجلس مكانا للنزاعات ولا لسوء النية كما انه ليس بمعصوم. نحن لا نمارس الإكراه، ومن الطبيعي ان نرفض ان يمارس احد علينا الإكراه.

لا يمكن لأية هيئة في العالم ان تكون مؤلفة من قديسين. المصلحة تقضي بأن نرتضي الموجود. والإصلاح وارد والإلحاح على الإصلاح وارد. وقلبنا مفتوح لأي اقتراح تحسين حتى تبرز المحبة.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

نظافة الكنيسة والكاهن/ الأحد 7 تشرين الأول 2001/ العدد 40

«ما أَحبَّ مساكنك يا رب القوات» (المزامير) وقوله: «يا رب أحببتُ جمال بيتك»، ان كانا يعنيان البهاء الإلهي القائم في هياكلنا، إنما يتضمنان ان القذارة وانعدام الترتيب ليسا شيئا محببا.

الكنيسة مكان وضع الله اسمه فيه ومُسِح بالميرون عند تكريسه وصار مدى يتجلى فيه وملأته الصلوات سنين كثيرة عشرات أو مئات. وأقيمت فيه بنوع خاص الذبيحة الإلهية الأمر الذي دفع المؤمنين إلى الخشوع والارتفاع الروحي. هذا مكان من أمكنة الملكوت.

ورأينا الأجيال البارة ترممه وتحسنه وتحفظه من السقوط والتصدع وأي أذى يأتي من الطبيعة. وسلك الناس وهم يشعرون ان المحافظة على بيت الله جزء من الأمانة لله. وتقدمنا كثيرا في رعاية الهندسة المعمارية البيزنطية. غير ان معابدنا متفاوتة في نظافتها فهناك كنائس قليلة ليست نظيفة حتى النهاية.

الهيكل وهو المكان الأهم، النظافة الأساسية فيه نظافة المائدة والمذبح. والمائدة مجللة بأغطية واحد منها ظاهر لا تمسه يد إذ لا يضع الكاهن عليه يده. ولا يوضع عليه سوى الإنجيل. ثم لا بد من الانتباه إلى الشمع حتى لا يسقط منه قطرات. وإذا حل شيء من الوساخة فواجب الكاهن ان يزيل هذه الوساخة. كل شيء قابل للتنقية. أية قطعة من قماش قابلة لنقاء كامل.

إلى جانب ذلك ارض الهيكل التي لا ينبغي ان نرى عليها فحما أو بخورا ساقطا ولا أثر لمن يمشي عليها.

هذا كله من مسؤولية الكاهن. يوكل من يشاء للقيام بهذا العمل. له ان يستعين بمن تؤهله مواهبه للإشراف على هذا الموضع السامي. ان هاجسا من هواجس الكاهن ان تكون الأواني الكنسية الموضوعة على المذبح لائقة كليا بالله وغير منفرة للمؤمنين وكذلك الأغطية المتصلة بهذه الأواني.

الكاهن وحده مسؤول مباشرة عن هذه الأدوات المطلوب ان تكون كالبلور لئلا يشكك خادم المذبح إخوته العمانيين ويحسبوه مهملا للخدمة. هذه تربية للكاهن حتى يفهم ان أمور الله كلها تجري بترتيب ولياقة وإتقان.

يتصل بهذا جمال الألبسة الكهنوتية التي يستخدمها في الذبيحة الإلهية والصلوات فلا تبقى ممزقة ولا تعتق كثيرا لأنها جزء من جمال الخدمة.

جبة الكاهن وما إليها ينبغي ان تبقى نظيفة دائما وكل ثيابه. هذا بعض من حبه للترتيب. طبعا نحن لسنا طلاب أناقة ولا الإكثار من هذه الأقمشة فهذا إسراف لا يتجانس مع التقشف. المظهر اللائق وان لم يكن فضيلة الا انه ينسجم مع فكرة اللياقات الخارجية التي يجمل بالإكليريكي ان يتحلى بها. قد يكون هذا أحيانا صورة عن طلبه اللياقة في كل شيء.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

هذا الأحد/ 16 ايلول 2001/ العدد 37

هذا الأحد الذي بعد عيد رفع الصليب يعطينا المعنى العميق لسر الصليب. أن تحمل صليبك اي أتعابك ومشقاتك ماشيا وراء يسوع، أن تكفر بأنانيتك او مركزية الأنا هذا هو السر. أن تخلّص نفسك، وهذه غاية موت يسوع، يعني ان «تُهلكها» اي ان تجاهد جهادا كبيرا، كليا حتى لا تعلق فيك خطيئة. في الحقيقة تُهلك الأنا الطامعة، العابدة نفسها، المستلذّة بما عندها.

          لماذا تفعل هذا، ما مكافأة هذا العناء؟ خلاص النفس. ويذهب الإنجيل إلى ان الإنسان يريد كل شيء في هـذه الدنيا، ان يربح العالم وكل ما فيه من لذات، مـن مال، من مجد. هذا ما يسمى «العالم» بلغة الكتاب. يقول: إن ربحك كل هذا لا يساوي أن تخسر نفسك اي أن تخسر حياتك الروحية وأن يكون المسيح ساكنا فيـك. المسيح أهم من كل ما في دنياك. هذه اشياء مادية وعابرة او هي تدغـدغ كبرياءك وحبك للمجد. بهذا تنتفخ، وفي الحقيقة تبقى فارغا. انت إنْ احببت نفسك حقا وجدّيا تريدها مليئة ولا يملأها فرحا سوى المسيح.

          المسيح ملء وجودك ولكن المسيح له ثمن في دنيا مغرية ومشوّقة. الخطيئة ساحرة للوهلة الاولى. أن تتركها اذا أتتك التجربة يبدو لك شيئا مزعجا. تظن للوهلة الاولى انك ستصير مجرّدا من جمالات العالم، من شهواته. هذا صحيح اذا كانت الشهوات مؤذية، قائمة على إشباع البطن وإذكاء المجد الباطل. ولكن على قدر اقترابك من يسوع تحسّ ان الفرح به هو اعظم من كل لذات العالم، ان لا معادلة بين ما تخسر ومن تربح لأن في المسيح اللطف والتعزية والفرح والوداعة اي الأشياء العميقة والتي تبقى فيك إلى الأبد.

          عطايا المسيح اليك تجعلك قويا فيه، ثابتا، وتشعر بأن ما يعطيه ملء وليس شيئا جزئيا او تافها او مهترئا.

          واذا سكنَتْ فيك كلمة المسيح وبِتَّ مغتذيا بها وناميا بها تحس بغناك الحقيقي وباستغنائك عن الأشياء العابرة والسخيفة.

          انا ما قلت ان يسوع يطلب اليك الا تأكل ولا تشرب ولا تتزوج ولا تحصل على الأموال الضرورية لمعيشتك. هذه اذا أخذتها باعتدال وضمن شريعته لا تبعدك عنه ولكنك تطوعها له. المهم ان تعرف ان السيد هو قائدك في كل شيء وهو الميزان لكل شيء. تأخذ انت من هذا العالم شرط ان يأخذك المسيح اولا وان تعتبره موجِّها لك في ما تأخذ من هذا العالم وفي ما لا تأخذ.

          الصليب ليس فقط إشارة صليب ولا هو مجرد ايقونة. هذا رمز لما هو أعمق. قلبك هو المصلوب. قلبك هو الذي تبيد فيه الشهوات المظلمة التي تكبّلك وتستعبدك. أن تتحرر منها غير ممكن الا اذا جعلت المسيح مَلِكا على قلبك. عندئذ يهون الجهاد وتستطيب الجهادَ طريقا إلى حبيبك يسوع. عندئذ لا تكون فقط حاملا على كتفيك الصليب. تكون مكلَّلا بالقيامة.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

أقوال رعائية/ الأحد 9 أيلول 2001 / العدد 36

نشأت عندنا عادات لا أجدها في العالم الأرثوذكسي مثل العمادة والإكليل في الأديرة. الدير ليس مكانا للإكليل لأن الناس الذين يعيشون فيه لا يتزوجون وليس من المستَحَب ان يشاهدوا أعراسا عندهم. كذلك العمادة التي تقول قوانيننا القديمة أنها تجري في كنيسة الرعية وليس في كنيسة خاصة.

أهمية التعميد في كنيسة الرعية ان الطفل المُعَمَد تتقبله الرعية عضوا من أعضائها. ولهذا كانت تتم المعمودية في القداس الإلهي فلم تكن دعوات إلى عمادة، فكلّ الرعية تكون مجتمعة وهي التي تتقبل الولد وتجعله عضوا فيها. الإنسان يعتمد ضمن الجماعة ليصير واحدا منها. ما يجري الآن سواء أكان في الدير أم في كنيسة الحي أو الكاتدرائية ان الأهل يدعون أنسباءهم وأصدقاءهم، والمعمودية عملية جماعية تخصنا جميعا ولا تخص الأهل وحدهم.

لقد قُمنا بهذا الاختبار وأدرجنا العمادة في القداس حسب ترتيب موضوع. كذلك أدرجنا الإكليل في القداس بحيث تتقاطع الصلوات الخاصة بالإكليل والصلوات الخاصة بالقداس وتتصل بعضها ببعض. أنت تتكلل ضمن الجماعة ولا تخرج من كنيسة رعيتك.

اليوم نرى ان معظم الناس لا يُصلّون في الإكليل. الأزياء معروضة بفحش كبير فلا حرمة للمعبد. الناس منشغلون بالناس ولا يبدون منشغلين بالكلام الإلهي. حُرمة الزواج ينتهكها الفحش.

يقولون أنا أتكلل في دير أو أُعَمِد ابني في دير لأن هذا نذر. لماذا تنذر هذا النذر؟ هذا كله يأتي من الروح الفردية. وروحنا نحن جماعية. الكنيسة في أبرشيتنا هي كنيسة القرية. وفيها أنت تولد روحيا وتنشأ روحيا وفيها يتم فرح زواجك ويُصَلّى فيها على جثمانك وتُدفَن بقربها.

هناك نذور كثيرة مغلوطة إذ ليس لها أساس في القانون الكنسي. من هذه النذور أن تشتري صورة أو ثريا وترغم وكلاء الوقف على قبولها. وقد لا تكون هذه الصورة أيقونة أرثوذكسية وتزعل إذا رفضناها ونحن مضطرون إلى الرفض. أنت تتبرع إلى الكنيسة بمبلغ من المال ويشتري وكلاء الكنيسة ما هم في حاجة اليه.

أحمد الله على ان المؤمنين عندنا اخذوا يفهمون هذا وطبقنا هذا في نجاح في الجبل المهجر حيث لا يأتيك احد ليفرض عليك كتابة اسمه. من أعطى يعطي الله ولا يفتش على نقش اسمه على أيقونة أو بلاطة. إذا أحسنت فالرب يسجّل لك ذلك في سفر الحياة.

الشيء الآخر الأساسي هو ان بعض الناس ينفقون كثيرا على أعراسهم والناس يموتون جوعا. في الضائقة التي نمر بها اليوم الإنفاق الكثير على المآدب والاستقبالات شيء فاحش. فليكن للعروسين هذه الشجاعة ان ينفقوا القليل القليل. ان هناء العروسين يبدأ بمحبتهما للفقراء.

ما يؤلمني ان أصحاب العمادة أو الزواج يبالغون في المصروف مبالغة كثيرة بدءا من بطاقة العرس التي صارت أغلى مما يجب. الإكليل يمكن ان يتماشى مع التواضع والخفر. يَجرح الكهنةَ في مناسبات الفرح أنّ أصحاب الاحتفال ينفقون القليل عليهم إذا قيس بما ينفقون على الكوكتيل. مال يهدر على الملذات والمجد الباطل ولا يعطى القليل إحسانا وتقربا من الله.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

إعالة الكاهن/ الأحد 2 أيلول 2001 / العدد 35

ليس السؤال كيف يعيش الكاهن بل السؤال هو هل تحبه الرعية بمقدار كافٍ حتى تغنيه عن البحث عن معيشته. والكتاب يقول: «من يرعى قطيعا ولا يأكل من لبن القطيع؟» (بولس الرسول). أي لبن هذا؟ بولس نفسه يقول: «ان كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات أفيكون عظيما ان نحصد منكم الجسديات؟»، ويريد بذلك سبل العيش.

الفكرة مستندة إلى القانون الكنسي الذي يريد الكاهن الا يفتش عن أسباب رزقه ليتفرغ للتعليم والخدمة والافتقاد. فكر بولس ان المؤمن الذي يتقبل العطاء الروحي من راعيه يساعده على العيش الكريم. فإذا بخل عليه يجعله منشغلا بالمال ويفسده.

وإذا كانت الخدمة الروحية أهم ما عندنا فالأولية في الإنفاق هي للكاهن. انه لا يعطى الراتب الأدنى بحجة أننا نبني كنيسة أو نرممها. بوضوح ما بعده وضوح أقول ان معيشة الكاهن الكريمة هي أهم من كنيسة الحجر لأنها من كنيسة البشر. المشاريع الوقفية مستمرة في بعض الأماكن. وتشييد الكنائس يتطلب زمنا طويلا. في هذه الأثناء كيف يأكل هذا الرجل وكيف تأكل عائلته. أنا لا اعرف عيلة واحدة تقلل من طعام أولادها وأقساطهم المدرسية وطبابتهم لكونها تريد ان تشتري شقة أو ان تبني محلا. ما هو ثابت لديكم، أي أولية الطعام على أي مشروع آخر، هو ثابت بالنسبة إلى الكاهن أيضا.

ما مصادر العيش عند هذا الرجل؟ صار مألوفا عندنا منذ بداءة القرن العشرين ان للكاهن راتبا ثابتا وان المؤمنين يكرمونه إذا قام لهم بخدمة روحية. غير ان الخبرة عندنا تدل على ان القسم الأكبر من المورد ينبغي ان يتكون من الراتب. المؤمنون أحيانا يعطون قليلا. والأفراح والأتراح متغير عددها. تقل أو تكثر ولا يعطي موردها طمأنينة. هناك نزعة سيئة جدا عند بعض مجالس الرعية وهو قولهم: أبونا عنده كذا إكليل وكذا معمودية ليخففوا عن أنفسهم مسؤولية العطاء الكبير. وما يذهلني في تصرف البعض انهم يبخلون من مال هو ليس لهم ولا يبخلون على عيالهم.

القلة مقتنعة ان كاهنا له ولدان أو ثلاثة يحتاج إلى إنفاق ما تنفقه عائلة لها ولدان أو ثلاثة. هذا لا يخطر على بال الكثيرين وكأن هناك نزعة إلى وضع الكاهن تحت وصاية القابضين على أموال الكنيسة. وكأنهم يقولون انه «لازم يكون معتّر» حتى يتعلم التواضع. من قال انه لا يقدر ان يكون متواضعا بلا تعتير؟

ثم الأمر الأساسي الأخير هو ان تحديد المعاش هو بيد المطران بالدرجة الأخيرة لأنه هو القيّم على الأوقاف ووكلاء الوقف هم فقط مستشارون لديه. بدنا نتخلص نهائيا من هذا الكلام المهين للسلطة الروحية: هذا وقف آبائنا وأجدادنا. هذا غير صحيح. هم أعطوا، ولكن بعد عطائهم صارت هذه الأملاك في عهدة الكنيسة كلها وليس في عهدة العائلات.

أنا يحزنني جدا ان أواجَه بكلام كهذا: هذه قدرتنا. ما معنى هذا الكلام وفي كل رعية كمية من الأغنياء وأموال في المصارف. الصواني لا تعطي، يقولون. طيّب، إذا جاء إلى القداس بين 3 و 8 % من المؤمنين، أيعني ذلك ان الكاهن يجب ان يعيش من الصواني فقط وليس من المؤمنين وفق نظام اشتراكات مثلا؟

هذه الخطوط العريضة لسلوكنا هي ما يرضي الرب.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

أغلاط الإرشاد الروحي/ 22 تموز 2001 / العدد 29

أول غلطة المبالغة في التشدد. أحيانا يرى الأب الروحي انه من المفيد ان يمنع المعترف من المناولة حتى يتثبت ان المعترف تاب. يستمع إليه أسبوعا تلو أسبوع حتى إذا لاحظ تحسنا فيه يعيده إلى القرابين الإلهية.

أما في الأحوال الاعتيادية فالحكمة ضرورية جدا. فهناك مثلا المريض المضطر إلى تناول أدوية عند الصباح يرافقها أحيانا لقمة خبز. ان جسد الرب هو للمرضى كما للأصحاء. أو يكون الابن الروحي غير قاصد المناولة صباحا ثم يشتاق إليها أثناء الخدمة. يقدّر الكاهن ما ينبغي عمله ازاء ذلك. هناك لين في موضوع الصيام. القوانين الكنسية ذات الطابع الانضباطي قائمة لخلاص النفوس. بيد الكاهن الفهيم ان يتدبر شأنها.

بعامة هناك فرق بين التعليم والإرشاد. التعليم نقدمه صارمًا. اما الإنسان الذي يقع في الخطيئة فنستعمل معه الرحمة. هذه تيسّر عودة الابن الشاطر. هناك حزم في اللوم على المعصية وعطف في انتشال الخاطئ من الجب.

يخطئ الأب الروحي إذا استهان بالخطيئة، إذا هوّن الأمر بحجة انه يريد إنقاذ الخاطئ. التخفيف من جسامة الخطيئة كثيرا ما يرمي المعترف في جب أعمق ويفسد تقييمه للأشياء. لا يقال مثلا: أنت كذبت والكذب منتشر، المرة الآتية كن أفضل. هذه مساومة مع الشر قتّالة. لا يقال لمتزوج: أخذتَ حريتك في السفر. أنا أفهمك. احفظ نفسك المرة الآتية. كلام كهذا فاسد جدا. ان تفهم هذا شيء، وان تعذره شيء آخر. الكاهن ليس محللا نفسيا ليدرك كيف جرت الأمور. هو معلّم الشريعة وهذه هي المنقذة.

المرشد يقابل الخطيئة التي تُذكر له بجمال الفضيلة التي لم تتوافر عند الابن الروحي، ويجعل الفضيلة جذابة، ويحاول ان يحببها للابن الروحي. من هذه الزواية، الكاهن يرافق ابنه الروحي بالكلمة الحلوة إلى وجه يسوع، ولا يتصرف كعسكري أو كمن فقد صبره. ينبغي الا تباغته أية خطيئة ولا يصدر عنه أي تأوه أو تنهد أو غضب أمام ما يسمع. كل إنسان، أيا كان، قادر على أية معصية. يستمع بعقله. يفهم سبب المخالفة وظروفها والضعف الذي قاد إليها. ويجابه لا بالتحليل النفسي ولكن بالكلمة الإلهية. لا ينبغي ان يلعب لعبة المحلل النفسي. التحليل ليس مهنته، والمعرفة القليلة به تقود إلى كوارث. أما إذا وجد حقا ان الابن الروحي يحتاج إلى طبيب نفسي فيقوده إليه.

إلى هذا فليس للكاهن ان يقرر شيئا عن ابنه الروحي. ممنوع عليه ان يأمره مثلا بالزواج أو ان يأمره بالترهب. قد يقول له: عندك أهلية للزواج، ولكن لا يحضه عليه كما لا يحضه على الترهب. والأخطر ان يقول له: هذه البنت ملائمة لك أو غير ملائمة. الأب الروحي لا يحمل مسؤولية نجاح أو فشل في الزواج. والأهم انه لا يحمل قائمة بالفتيات ليزوجهن لأبنائه الروحيين.

أيضا وأيضا أريد ان أؤكد ان الابن الروحي ليس عبدا للكاهن. هذا يصغي إلى من يطلب الإرشاد. وفي اليونانية كلمة طاعة مشتقة من كلمة الاستماع. غاية الإرشاد الأساسية ان نوجه المعترف إلى الاستماع إلى  كلمة الله حتى تُحدث هي فينا التغيير. إذًا ليس مِن تسلط على أحد. مرافقة مُحبة وفهيمة تجلب هي الطاعة إلى قول الرب.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

في الإرشاد الروحي/ الأحد 15 تموز 2001 / العدد 28

ليس كل كاهن أبا روحيا. لذلك لا تسمح الكنيسة لكل كاهن ان يقبل الاعتراف. الكاهن الذي يحسب المطران انه بلغ درجة من النضج يعلنه أبا روحيا. في الواقع الكاهن الذي يكون وحده في الرعية يمنحه رئيس الكهنة هذا السلطان ويسميه أبا روحيا مع انه في بعض الأحيان لا يكون قادرا على الإرشاد. تبقى الفكرة الأساسية ان الكاهن لا يصير آليا -برسامته أو بهذه الصلاة الخاصة- أبا روحيا. هذه نعمة من فوق. المهم ان يعرف الكاهن حدوده. فإذا كان قليل المعرفة بالكتاب المقدس أو قليل الخبرة الروحية، الأفضل ان يكتفي بالحل وألا يرشد. عند ذاك يبقى الإنجيل خير مرشد.

التحصيل الديني العميق شرط لمعرفة الخطيئة ولمعرفة ضدها. وهذا يتوافر بقراءات كثيرة في مختلف فروع المعرفة اللاهوتية وفي الأدب النسكي إذا كان القارئ يميز بدقة بين ما يقرأه وما يجب ان يقوله في وضع المؤمن الذي يطلب الإرشاد. كيف ينتقل الأب الروحي من الذي طالعه إلى ما يجب قوله، هذا سؤال كبير. لا ينفع أحدا شيء ان نكرر له ما وجدناه في الكتب. لا يكفي ان نوجه إلى الصدق بل ينبغي ان نوضح كيف يعيشه مثلا المحامي أو التاجر أو المرشّح للنيابة. كيف تكون خصوصيات الفضيلة في كل وضع؟ لا يكفي ان ندعو إلى العفة. فالحديث عنها مع العازب شيء ومع المتزوج شيء آخر. فلا نجتر الكلام النسكي اجترارا وقد كُتب في معظمه لرهبان.

ما من إرشاد ممكن بمجرد التلفظ بكلمات أخلاقية اجتماعية مثل قولك: كيف بتعمل هيك، أو هذا حرام، أو أنت تصلي فكيف ترتكب هذه الخطيئة. من لا يستطيع ان يتكلم من قلب الإنجيل بكلمات يسوع ينبغي ان يسكت.

على مستوى أعلى، عندنا كاهن ذاق حلاوة الرب. لا ينبغي لهذا ان يقول شيئًا إلاّ من خبرته. إذا كان الكاهن رجل صلاة يمكنه ان يرشد إلى الصلاة. ومن كان فقط يؤدي واجباته الطقسية لا يستطيع ان يتكلم على الصلاة. ولكن لا يكفي ان يقول المرشد: صلِّ يا ابني. إذا كان لم يذق هو جمال الصلاة وفهمها ومحاربة الكسل فيها أو الشرود، الأفضل له ان يسكت. الكلام العام، الغامض لا يوصل إلى شيء.

أيا كان الأب الروحي هو يقدم نصائح ولا يعطي أوامر. لا يلغي شخصية المعترف أو المسترشد. هذا ليس عبده. انه ابنه أو أخوه. المعترف يجب ان يبقى واعيا، مميزا الأشياء لكي يظل منتعشا روحيا. لا نعامله كما نعامل مبتدئا بالرهبنة. الأب الروحي لا يضع الناس في قوالب. له ان يكون متشددا أحيانا وليس في كل حين وان يبقى رقيقا، عطوفا في كل الأحوال.

تكريم التائب لأبيه الروحي لا يعني انه يقع في عبادة الشخص أو انه لا يرى نفعا في سواه. وإذا رأى انه لا يستفيد كثيرا يتركه بعد استئذان. والأب الروحي ينبغي ان يحلّ من هذا الرباط الذي يطلب فك الرباط. يجب ان يتصور المرشد ان ابنه الروحي قد يجد مرشدا آخر. الأب الروحي لا يقع في غيرة من بقية الآباء الروحيين.

هذا طبعا يعني انك تختار أباك الروحي حيثما تريد. ليس هو بالضرورة كاهن رعيتك. ولكن قبل ان تتركه تأكد انك تذهب إلى من كان أفضل منه. هناك كهنة حكماء جدا. ليس من الثابت ان كل الرهبان أفضل منهم.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

المجد الباطل/ الأحد 8 تموز 2001/ العدد 27

عند مولد السيد قالت السماء لأهل الأرض: «المجد لله في العلى». إزاء ذلك قتل هيرودس الأطفال حبا بمجده هو. في كل من العهدين يعطى المجد لله. أما الإنسان فينال مجده من الله. الآيات الساطعة والكثيرة تقول ان المجد هو لله. فنعترف نحن به. ثم المجد هو الذي رأيناه على المسيح، وهذا انكشف فيه على الصليب. والمجد يملأ بيت الله. والمجد لشعب الله.

          استمدادا من الله، يقول الكتاب ان الحكماء يرثون مجدا وان متواضع الروح يناله. فخارجا من التقوى والحكمة -وهما من الرب- لا يرى الكتاب المقدس مجدا في أي إنسان آخر. ولذلك قال السيد: «مجدا من الناس لستُ أقبل». ورأى يسوع ان طلب المجد هو من عدم الإيمان. لذلك قال لليهود: «كيف تقدرون ان تؤمنوا وانتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه» (يوحنا 5: 44).

          كثيرون هم الناس الساعون إلى المديح وان يظهروا في عيون البشر. طلب الزعامة والسيطرة هو من عشقنا للمجد الباطل. هذا يطلبه المتزعمون من القوم المحتاجين إلى دعم ومنصب إذ لا ينال منصبا من كان صاحب كفاءة وعلم الا نادرا. القوي يعضد الضعيف لا إكراما له ولكن ليجعله تابعا. والضعيف يسترضي القوي لكونه يخشاه، يخشى قمع المتزعم وظلمه. ويختلف المستضعفون ليس على فكرة أو موضوع ولكن بسبب من ان هذا وذاك لهما زعيمان مختلفان أو ان واحدا يتبع والآخر لا يتبع.

          والخلاص من هنا كله ان نسعى إلى استقلالنا بالتقوى التي تجعلنا تابعين لله وحده. أحيانا يجعلنا استقلالنا على هامش مجتمعنا أو مغضوبا علينا من القوى النافذة. ولكنا نجد، إذ ذاك، مناعتنا في الله.

          من أَحب الآخرين يريدهم أقوياء لهم ذاتيتهم بالرأي الحر ويعترف بأن كرامتهم تأتيهم من ربهم وان أحدا من البشر لا يعطي أحدا كرامة. من أُحبه حقيقة أريده حرا، حرا مني لأن طاعة لي غير مشروطة انما هي مني احتقار لمن أريده تابعا.

          هذه الظاهرة تقوى في البلدان التي الدولة فيها ضعيفة ولا تحمي للناس حقوقهم. جلّ ما تستطيع الكنيسة ان تفعله هو ان تقرئ الناس الإنجيل الذي يدفعهم إلى ان يطلبوا مجد الله فقط. الكنيسة ليست في صراع مع الأقوياء ولكنها تقول: «أنزلَ (اللهُ) الأعزاءَ عن الكراسي ورفع المتواضعين». تريد مَن ظن نفسه شيئا الا يرى نفسه شيئا وان يلتمس قوة من النعمة فيجعل نفسه أخا للجميع، خادما لهم لا يتوخى منهم جزاء ولا شكورا. تطلب منه الكنيسة خدمة الفقراء والمهمشين حتى لا يخافوا من ضعفهم، حتى لا يقتلهم ضعفهم.

          لو طلبنا جميعا مجد الله لاستقر علينا وتساوينا بما أكرمنا به الله وما استعلينا بسبب من مال أو من سلطان في الأرض. «لا لنا، لا لنا يا رب بل لاسمك أَعطِ المجد».

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

الشيطان/ الأحد 1 تموز 2001/ العدد 26

في اللغة اليونانية يقال له «ذيافولُس» أي المفرِّق، الذي يفرّق بين الإنسان والإنسان. ضده الله الواحد والموحِّد بين البشر بالمحبة التي يُنزلها عليهم فيصيرون بذلك جسدًا واحدًا ولو كان كل منهم مستقلا عن الآخر. انه مستقل ولكنه غير منفصل. أن أعتبرك عدوّي هو ألاّ اعتبرك معي أو فيّ. أنت عدوي أي أنت مرميّ خارجا عني، خارجا عن قلبي.

يمكن ان اعتبرك واحدا معي ولو رأيتك مختلفا عني. وإذا كنت أنا أحبك فليس لأضمك إلي ولكن لأضمك إلى الله. فإذا صرتَ متحركا إلى الله أحبك، فهذا همّي. وإذا كنتُ أنا متحركا إلى الله يكون الله نفسه موعدا لنا. فبسبب من هذا الموعد الذي كلانا مدعو إليه نكون واحدا وتبقى لك أشياؤك ولي أشيائي. غير ان الجامع هو الله. يبقى بيننا تباين أي يبقى لكل منا خصوصيته، ولكن المشترك بيننا وفينا هو الزخم الإلهي الذي يجعلنا تواقين إلى الرب.

وإذا أنا استبعدتك عني، أتركك إلى عزلتك وأترك نفسي في عزلتها أي أكون مدمرا إياك ومدمرا نفسي. أنا، محبا، لا أتوخى ان أستبدّ بك أو ان استعمرك لأني، إذ ذاك، أكون مخضعا إياك لسلطتي، لشهواتي. أي أريد ان أنقـل إليك شهواتي، ان أفسدك بها. إذ ذاك، أنا لست معك. أنا مع نفسي كما هي في خطاياها. ولكني لا استطيع ان أحبك الا إذا تجردتُ من خطيئتي حتى لا تشملك، حتـى لا تنهيك. العداء إذًا هو الموت.

هذا كله من مصلحة الشيطان الذي يريد الموت الروحي لي ولك. هذا الموت هو مملكة الشيطان. يشلحك في مكان ويشلحني في مكان ويسود علي وعليك. ولكن إذا نحن لم نفترق يكون الله هو الجامع لأن وظيفته ان يجعلنا واحدا.

ان يصير كل منا واحدا مع الله ممكن إذا فهمنا «ان الله كله يضم بكليته مستحقيه. والقديسون بكليتهم يعانقون في كيانهم كله الإله كله وليس لهم مكافأة الا الله وحده» (القديس غريغوريوس بالاماس). فالله لا يترك شيئا منه لا يعانقه الإنسان. والقديسون يتنزهون عن كل ما هو غير إلهي فيهم في عناق الله إذ لا يطلبون الا الله لأنفسهم وللآخرين.

وإذا أمسى الله كل شيء فيك وصار أيضا كل شيء في الآخر، فأنت والآخر واحد إذ تكون قد بطلت فيك كل مزاجية وأصبحت نورا ورأيت النور في الآخرين.

أما الشيطان فوظيفته ألاّ يريك الآخرين نورا وان يريك عيوبهم حتى تكرههم لعيوبهم فينطفئ النور فيك وتبغضهم لتؤكد ما اعتبرته ذاتك وهو ليس بذاتك ولكنه عيوبك.

الرعية المتفرقة ليس المسيح يسودها. حاكمها هو الشيطان. وإذا صلّت فلا تصلي لله ولكن الحاقد فيها يعبد نفسه. فترى الناس يتقدمون إلى جسد الرب وليس الرب بينهم ولا تستطيع المناولة ان تعطيهم الرب. هم لم يأخذوا شيئا، ويقول بولس انهم اخذوا دينونة فيهم، وتقول الصلوات المهيئة للمناولة عندنا انهم اخذوا النـار أي انهم يكونون قد ابتلعوا جهنما فيهم.

السؤال المطروح عليك هو: مَن حاكمك؟ هل هو إبليس أم هو المسيح؟

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

كيف أقرأ سيرة قديس/ 24 حزيران 2001/العدد 25

عندنا كتاب اسمه السنكسار وهو يعني مجموعة سيَر القديسين على مدى 365 يومًا. كما ان الدارسين لتاريخ الكنيسة يطالعون فيه سيرة الآباء العظام مثل باسيليوس ويوحنا الذهبي الفم ونعرف تفاصيل حياتهم بدقة.

    هؤلاء لعبوا دورًا كبيرًا في الأحداث الكنسية، فسيرتهم والأحداث كالمجامع المسكونية منسوجة معًا. ففكرهم غذّى المجامع او تغذّى به. فعلى سبيل المثال لا بدّ من قراءة ما كتبه عن الأيقونة القديس يوحنا الدمشقي حتى تُفهم عقيدة الأيقونة. الآباء الكبار عندهم الفكر وفيهم قداسة الحياة. ونفحة القداسة هي ايضا في ما كتبوا. ولكن أكثر القديسين لم يكتبوا واهتدينا بطهارتهم.

    نستند اذًا على المراجع التاريخية القديمة والتي يعمل عليها العلماء كما يعملون على اي نص تاريخيّ. والباحثون الجدد قد ينقّحون معلومات عن هذا او ذاك، فيثبت انه وُلد هنا ولم يولد هناك مثلا، أو مات في هذه السنة ولم يمت قبلها. هذه أشياء لا تهمّ التقوى، ونحن نتوخى ان نزداد تقوى عندما نقرأ.

    غير ان هناك احيانًا مبالغات في السرد فيقال مثلا ان مار نقولا لم يرضع حليب امه يومي الاربعاء والجمعة. لا يفوت أحدا ان هذا الكلام أتى من رغبة الكاتب ان يُرجع «نسك» القديس إلى أيام رضاعته. فالواضح انها مبالغة شعرية لا ينبغي نقلها على انها حادثة ولكنها كلام مجازي.

    هكذا في سير الشهداء، فالحديث مثلا عن القديس جاورجيوس انه أنقذ ابنة الملك من التنين، من المؤكد ان هذا حديث تعليمي، فليس من ابنة ملك وليس من تنين لأن علم الحيوان لا يعرف حيوانًا بهذا الاسم. نحن امام قصة تعليمية مغلفة برموز. ودليل ذلك ان أقدم أيقونات مار جرجس تمثّله بلا حصان ولا تنين.

    كذلك هناك مبالغات شديدة في وصف العذابات عند الشهداء، وهذا من رغبة الكاتب ان يظهر قديسه عظيمًا جدًا.

    فعلى هذا المنوال تأتي الروايات عن الشهداء متشابهة وعن رؤساء الكهنة متشابهة. تأتي نموذجية كما ان الخدمة الإلهية (غروب وسَحَر) المخصصة لرئيس كهنة او شهيد او بارّ (راهب) في خطوطها العريضة واحدة في كل فئة من القديسين.

    كذلك تأتي الأيقونة في كل فئة متقاربة كثيرًا مع الأيقونة الاخرى لكون الأيقونة تعليمية ولا تهتم لتفاصيل الثياب او الوجه. ان كنت تألف انت التصوير الأرثوذكسي، تعرف توا ان هذا رئيس كهنة او شهيد او بارّ، ويجيئك اسم القديس لتعرف الشخص المرسوم بصورة كاملة.

    اذا كنت قادرًا على اقتناء كتاب السنكسار أو كراسا عن القديس نُشر هنا أو هناك فاقرأه قبل ذهابك إلى القداس لتفهم القِطع أو الأناشيد. والأهم من كل ذلك ان تقتدي بالقديس ما استطعت. شجاعة الشهداء مثلا تعلّمك ان تعترف بالمسيح قدام الناس تعليما وشهادة. الأبرار يوحون اليك جدية الجهاد الروحي المرير الذي قاموا به. أنت لا تتشبه بالقديس الراهب في طعامه،  وليس عليك متزوجا ان تقمع جسدك كما قمعه. ولكن تبقى الروح الواحدة والمحبة الواحدة.

            تقول في نفسك بعد قراءة السنكسار: هكذا يجب ان أصير. ثم تقول: احب أن أصير هكذا في حرية أبناء الله.

Continue reading