Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2001, مقالات, نشرة رعيتي

وجه المسيح/ 17 حزيران 2001/ العدد 24

طالعتنا جريدة «النهار» في عدد 5 حزيران بمقال عنوانه: «هل هذا هو الوجه الحقيقي للمسيح؟»، ببناء مجسم يقال انه الأقرب الى وجه المسيح. والمحاولة قائمة على دراسة جمجمة رجل يهودي اعتبر الخبراء انه يمثل النموذج الأنسب للأشخاص الذين عاشوا في فلسطين في وقت المسيح لأن الجمجمة تعود الى القرن الاول.

    طبعا ليست الجماجم خارجة من قالب واحد او ليست هي متشابهة. وفي المجال الأثري ليس من تأريخ قاطع. ولا نعلم اذا كانت الدوائر الاسرائيلية مهتمة بهذا الموضوع كما لا نعلم نياتها.

    هنا لا بد لنا من القول ان المسيحيين الاوائل لم يهتموا إطلاقا للشكل الجسدي الذي كان عليه السيد. فقال بعضهم ان هذا الوجه كان جميلا وقال آخرون العكس. وطبعا ليس في الإنجيل اهتمام بهذا الأمر. وأثبتت الدراسة ان «كفن تورينو» الذي قيل انه كفن السيد هو من القرون الوسطى. كما أثبتت الدراسات ان وصف يسوع المنسوب الى بيلاطس نص غير ثابت. ليس عندنا اذًا اية إشارة عن هيئة المخلّص الجسدية، وبالتأكيد هذا لا يهمّنا.

    هناك تمثال مصنوع بعد قيامة المخلص ببعض عشرات من السنين يصوره فتيا. ولكن هذا عمل فني لا علاقة له بالواقع. كذلك اقدم ايقونة عن الرب محفوظة في متحف اللوفر في باريس هي ايقونة قبطية تعود إلى القرن الخامس. غير ان الايقونة فن ديني، تعليمي، لا يفتش فيها الرسام عن تقليد صورة واقعية اذ ليس عنده هاجس فوتوغرافي. وحيث ان كاتبي الايقونات -وهكذا نسمّي الرسّامين- يتبعون النماذج الاولى ليوحوا فكرة روحية، أتت صورهم متشابهة جدا. الايقونة هي اقرب إلى الرمز من الشكل الجسدي المنظور. هي قراءة لاهوتية لمن نصوّره.

    الفن الاوربي استوحى الايقونة ولو استقل عنها بالأسلوب والصناعة. فالمهم عندما ننظر إلى الايقونة  ان نرتفع روحيا إلى ما هو مصوَّر عليها، وليس عندنا سعي إلى معرفة شيء عن بشرة السيد أو لون عينيه. طبعا كان يشبه اهل هذه المنطقة المشرقية. هذا كل ما يمكن أن نقوله.

    علاقتنا بالرب هي بالروح القدس. نحن لا نعرفه حسب الجسد ولكن حسب الروح كما يقول بولس. اي نعرفه في القلب عندما تنسكب فيه النعمة. ونعرفه كما عرفه تلميذا عمواس «عند كسر الخبز» في المناولة الإلهية وفي الكلمات التي خرجت من فمه. ونعرفه في المحبة اذا عشناها وفي الرباط الكنسي الذي يوحّدنا بالإخوة.

    عندئذ لا تعطينا السينما شيئا عن المعلّم اذا مثّل دوره ممثل ولا تزيدنا ايمانا. هو ليس عندنا مجرّد بشر لنضعه في المسرح. نحن نراه بعد القيامة اي نراه دائما كائنا نورانيا مرتبطا بنا بالروح القدس وقائدا لنا إلى الآب. لنا ان نستمتع فنيا باللوحات التي وضعها كبار الفنانين ورسموا فيها حوادث من الإنجيل ومنها الصلب. هذه لوحات لا ننكر شرعيتها، ولكنها لا تجعلنا نصلّي. نحن لقاؤنا مع السيد في الصلاة وفي الايقونة. كذلك نستمتع بالموسيقى الكلاسيكية التي لحنت قداسا غربيا على نهج تعدد الأصوات. ولكنا لسنا هكذا نصلّي. نصلّي بالروح.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

زيارة البابا لنا/ الأحد 20 أيار 2001/ العدد 20

ايجابي ان الرجل شوهد في شجاعته على اقتحام السفر، وهو على شيخوخة متعبة، وجميل انه شوهد على كثير من طراوته لمن كان قادرا على المشاهدة. في اللقاء الشخصي يسقط شيء من البناية المتكونة فينا عن الآخر. يوحنا بولس الثاني حلم في انسانية افضل وفي كنيسة متلاقية، حلم قلب اية كانت الآراء اللاهوتية. ليس اننا «شعراء» نظن ان جودة الرجل وتواضعه يطبعان كنيسته بصورة آلية. ولكن شخص الأسقف الاول في الكنيسة اللاتينية، بسبب تركيبها وقناعاتها، له اهمية كبرى.

    من ناحية اخرى ما من شك ان ما شاهده يوحنا بولس عندنا يختلف عما كان يعرفه عنا. فهو يعرف عنا الانقسامات، ولكنه رأى ان المسيحيين على أرض أنطاكية واحد على الرجاء وإن كانوا على هذه الواقعية التي تقول انهم لن يصيروا كنيسة واحدة في المستقبل المنظور. أن يتابعوا مسيرتهم الى الوحدة بلا تسرع غير مسؤول، بعمق فهم، هذا ما ندعو الله ان يمنّ عليهم به.

    في الكلام الكنسي للبابا دعوته ان تتقارب الكنائس في هذه المنطقة من العالم في اتجاه التقارب الحادث في العالم. كيف يُترجم هذا التقارب المناطقي؟ هل يُترجم؟ هذا ما ستكشفه الأيام. ولكن الحدث الأبرز لاهوتيا كان في دمشق خطاب بطريركنا في الكنيسة المريمية. وهذا يتجاوز المناسبة ليقول شيئا أعمّ وأعمق على أمل ان نعود الى هذا الخطاب-الوثيقة.

    ما يميز الوثيقة انها جاءت منفتحة ورقيقة من جهة، وواضحة في ارثوذكسيتها في آن. أُسقف انطاكية من موقعه التاريخي والعقائدي والراجي الوحدة معا خاطب اسقف روما. وكان يجمع هذين الكرسيين لما كانت روما تعيش معنا الوحدة أنّ الجالسين عليهما كانا متحدّرين من بطرس وبولس.

    يجب ان نتأمل في النص البطريركي بكل دقائقه لكونه يرسم سياسة الكرسي وربما الارثوذكسية جمعاء. ولكني اود في هذه العجالة ان ألفت الى المقطع التالي (الذي أنقله عن الفرنسية): «ليس لكرسيّ رسولي ان يعتبر نفسه الضامن الوحيد لاستقامة الرأي. الكنيسة وحدها هي المؤهلة ان تكون ضامنة لكرازتها وان تؤصّلنا في الروح… هذا الإيمان يبقى المعيار للحكم في كل تطور (عقائدي) لاحق. وعلى رغم كون الارثوذكسيين غير مستحقين، فالكنائس الارثوذكسية تعرف ان تعليمها موافق لتراث الآباء وايمان المجامع المسكونية. نؤمن اذًا بكل تواضع ان الكنيسة التي اسسها المسيح ما تزال باقية بكل ملئها في الكنيسة الارثوذكسية».

    هذا هو المقطع العقائدي الكبير في خطاب صاحب الغبطة الذي لا تحجبه عبارات المودّة عند غبطته ولا تحجبها الرؤى الكبيرة على مستوى العالم والوطن والتاريخ. بكلام بسيط، ليست روما كل الكنيسة، ولا تستوعب وحدها الكنيسة الاولى التي أسسها السيد. هذه قائمة في ملئها في الكنيسة الارثوذكسية الحالية.

    خطاب بطريرك انطاكية وسائر المشرق الجالس على كرسي بطرس وبولس أتى آية في الوحدة بين العقيدة الواضحة والصامدة، والأخوّة الكاملة. فالقطيعة والتنابذ أمسيا من الماضي، ونغفر ونحب الذين في الغرب يحبون ربنا يسوع المسيح، ونسير واياهم في خدمة الفقير والغريب والمقهور في كل بلدان العالم، فنتقدم على طرق القربى ونحن امناء لما استلمنا حتى يهبنا يسوع بفضلٍ منه وحدة أن نبدو جسدا واحدا له.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

البابا في دمشق/ الأحد 6 أيار 2001 / العدد 18

هذه كلمة وُضعت قبل وصول بابا رومية الى دمشق، ورجائي انه بلغها امس وزارنا في البطريركية عند بلوغه العاصمة السورية، والمتوقع ان يقيم اليوم (الأحد) الذبيحة الإلهية امام الألوف من المسيحيين ولا سيما من ابناء كنيسته.

    في صلاة الشكر التي تكون قد تمت امس، رحّب به صاحب الغبطة البطريرك اغناطيوس الرابع، وأرجو ان ننشر الخطاب للقراء في حينه. في البدايات لا بد ان نعجب للشجاعة التي يتحلى بها البابا بولس الثاني في قيامه بعشرات الرحلات في العالم كله وكان مريضا وتعبا في السنوات الأخيرة. وكل ذلك اعتقادا منه انه يقوّي الكاثوليك في ايمانهم وانه يوحي للحكومات ما يريد ان يوحيه بدءا من حق الإنجيل عليه.

    وما من شك ان الزيارة تبعث الفرح وتنشط الصلاة عند من سيشاركه الصلاة. ورجاؤنا ان يقوّي حضوره الروابط الأخوية بين محبي المسيح في هذه الديار لأن المهم ان يحيا كل منا روحيا في كنيسته حتى يهيئ الرب القلوب والعقول الى الاتحاد الكامل في أوان رضاه.

    نحن من جهتنا نقول السلام لكل انسان، ومن شروط سلامنا نحن أن نحيي الايمان الارثوذكسي الحي في نفوسنا وأن ندعم الوحدة القائمة بين ابرشياتنا الأنطاكية بحيث نسعى الى حرارة الصلاة وعمق المعرفة وتثقيف شعبنا وتحسين اوضاع الرعاية عندنا. واذا وصلنا الى هذه النوعية العالية من الوجود الكنسي، نصبح «رائحة المسيح الزكية» كما يقول الكتاب، ويتعزى بنا المؤمنون من صفوفنا والمؤمنون في الكنائس الاخرى.

    نحن نصلّي ليبارك الرب إقامة الأسقف الروماني في ربوعنا الأنطاكية، وندعو الله ان يمد المسيحيين الكاثوليك على اختلاف طوائفهم بمحبته ونعمته.

    رجاؤنا ان نسهم في جعل المقام البابوي اعمق فهما للكنيسة الارثوذكسية في العالم، وألاّ يبقى نتؤ في العلاقات، فتبقى الارثوذكسية في ديارها ترعى هي ابناءها ولا يرعاهم سواها. هكذا تقوى الثقة بيننا وبين الكنيسة الكاثوليكية حتى لا يشوب التعاون تحفظات في فكرنا او في فكر كنيسة رومية.

    سيلقي البابا سلاما على المسلمين، وهذا من صميم الفكر الكاثوليكي منذ مجمع الفاتيكان الثاني. نحن، طبعا، في ذلك سبّاقون لأننا نحيا مع المسلمين حياة وطنية واحدة ونتكلم لغة واحدة. لقد وضع هذا المجمع نصا في الإسلام وتوحيده واعتبره المفكرون المسلمون جميلا.

    هناك لا يزال الملف العقائدي قائما بيننا وبين الكنيسة الكاثوليكية. هناك ما يخلفنا. وقد دخلنا في الحوار منذ سنوات عديدة، ويبدو الحوار متعثرا الآن. غير اننا نرجو متابعته في تجاوز الصعاب. ومهما يكن أمر الخلاف، فلا شيء يمنع المحبة والصبر والتعاون على سبل الخيرات في هذه الدنيا. وما من شك ان المحبة اذا تأصلت ستكشف لنا طرق التلاقي.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

وحدة الرعية/ أوّل نيسان 2001/ العدد 13

لعل الصعوبة الكبرى التي تعثرنا في الطريق إلى المسيح هي انقساماتنا الداخلية في كثير من القرى اعني بها انقسامات العائلات في ما بينها. ولست أريد الآن ان احلل العصبيات التي تحول دون ان نصير، حقيقةً، رعية واحدة ليسوع في القرية. فلقد قررنا إنشاء مجلس للرعية فأصبح هو المكان الذي يظهر فيه هذا التفسخ فنبطئ المسيرة أو نؤجل الأعمال ونتحاسد ونتباغض ونرتكب النميمة، ننتقد بعضنا بعضا، وذلك ليس للبنيان.

          ويعرقل هذا -حيثما وجد- عمل الكاهن. فإذا لم يكن كثير الحكمة، عظيم النضج فلا يقدر ان يعبر هذه الزواريب ويضطر ان يكتفي بإقامة الصلاة إذ يحس بأنه لا يستطيع ان يجمع الناس في هدوء.

    هل أتوقع الأعجوبة في هذا الصوم حتى نعود إلى الله ونترك كل توتر بيننا لنجعل حياتنا في الرعايا تقوم في جو إنساني طيب وهذا على الأقل وتكون في مناخ من التفاهم والإخاء؟ وليست الغاية فقط ان تتم المشاريع في وئام، وليس هذا الأهم بل الأهم ان تكون القلوب متلاحمة والنيات صافية عارفين ان كنيسة المسيح ملتقانا. وإذا عدت إلى ما نرتله اليوم في الكنيسة: «ليس ملكوت الله طعاما وشرابا، بل بِرّا ونسكا مع قداسة»، فهذا يفرض علينا ان نغير كل مسالكنا وان ننتهج نهج التواضع والوداعة لنصبح مرضيين عند الله. فما نفع الإعمار وإدارة الأموال إذا كانت القرارات لا تُتخذ باحترام الآخر واللطف به بحيث تأتي حجارة الكنائس في ترابطها صورة عن ترابط النفوس بعضها ببعض. ماذا تنفع كنيسة الحجر ان لم يكن عندنا كنيسة بشر؟

    الكنيسة هي انتم وكل منكم فردا فردا. وهي تريد كلا من أبنائها ان يساهم في تكوينها في رأيه ووجوده ومساهمته. وهي لا تستغني عن واحد.

    من أهمل أخا من الإخوة أو جافاه أو قاساه أو استكبر في تعامله وإياه فهذا لا يكون قد دخل إلى هذا الصوم ولا ينتظر العيد. كيف يقال عن أية رعية انها مسيحية ان لم تصغ إلى قول الرب: «بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كنتم تحبون بعضكم بعضًا»؟ كل رعية مدعوة إلى ان تكون قطعة من السماء وتسلك هنا كما يسلك أهل السماء.

    نحن لا نسكن القرية، نحن نسكن الفردوس. بلا هذه الروح ليس عندنا فصح. بلا فصح في القلوب لسنا شيئا. ان نصنع البِرّ كما تدعونا صلاة السَحَر اليوم هو ان نكون في الضيعة كما نكون في القداس «فيمنحنا الرب عوض الأرضيات السماويات». والمقصود بهذا الكلام انه يجعلنا سماويين هنا أي كأننا عائشون في السماء.

    يا أحبائي هل تريدون ان نجعل كنيسة الجبل عروسا للمسيح لا عيب فيها، بهية، نضرة تتلألأ في كل واحد منكم؟ حاولوا جدّيين ان تصالحوا بعضكم بعضا، ان تغفروا وتستغفروا، ان تستمعوا إلى الآخرين بدون محاكمة مسبقة لنياتهم، مستعدين ان تتركوا آراءكم إذا اقتنعتم بصواب فكر آخر. من الغفران ان تنسوا، ان تسعوا إلى الأمام، إلى الأفضل والأفضل هو المسيح.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

بعض القواعد الأساسية/ 18 آذار 2001/العدد 11

يزيد عِلمُنا في هذا الصوم اننا جميعا خدام في كنيسة الرب. خدام للكلمة وخدام للمحبة وذلك في قبول كل منا للآخر في روح الوداعة وصبر لا ينتهي. في هذه المحبة التي تجمعنا قواعد موضوعة من الله وما أنا إلاّ مُذَكِّركم بها.

          أولا- في هذه الكنيسة علينا سادة وهم ليسوا الكاهن انه خادم. وليسوا هم الأعضاء في مجلس الرعية وكلهم خدام، وليس لأحد كرامة إلاّ تلك التي يتخذها من حضوره وتضحياته والسهر على الآخرين. يبقى ان هناك مؤمنين هم وحدهم سادة وهم الفقراء لأن السيد سمّاهم «اخوتي هؤلاء الصغار». كذلك سمّى المرضى والسجناء والعراة. والإخوة الصغار هم المُدَلَلون في العائلة. والأصغر بين الصغار هو المُدَلَل الأكبر.

          من هنا ألفتكم لفتا شديدا إلى ان القسم الكبير من أموال الرعية هو للعناية بهم أطبابة كان هذا أم إعانات مدرسية وما إلى ذلك. أنا لا أحب مجلسًا لا يولي هذا الجانب من الانتباه رعاية خاصة.

          ثانيا- قلتها غير مرة ان عندنا أوليات في العطاء. القاعدة في ترتيب الأوليات وهي إلهية ان البشر أَولى من الحجر. استنتجوا من هذا ان تعزيز الكاهن ماليا أهم من بناء كنيسة وان هذا التعزيز لا يؤجَل حتى تنتهي الكنائس. وان دعمنا للفقراء أهم من بناء كنيسة. هذا القول هو للقديس يوحنا الذهبي الفم. انا يُكَهرِبني ان اسمع: يا حضرة الكاهن انتظر حتى نبني أو يا فقير انتظر حتى ننهي القاعة.

          ثالثا- ليس الكاهن موظفا عند العلمانيين وليس علماني وَلِيَّ نعمة الكاهن ولا يستطيع مجلس الرعية ان يبخل بمال لا يملكه. هذا مال يتولاه وهو ملك الله. لذلك يُستعمل المال بروح الله. مقابل ذلك يسقط الكاهن سقوطا كبيرا إن احتقر أحدَ المؤمنين أو زجره زجرا شديدا أو خَشِيَ كبيرا في القوم أو راعى نافذا أو غنيا ضد القانون الكنسي.

          رابعا- ليست الكنيسة مزرعة عند أحد أو مطرحا لمُسَيطر أو «فشّة خلق» بين الناس. نحن في الكنيسة إخوة ولا يدخل عتبتَها صراعُ السياسات القَرَويَة أو العائلية. هناك إنسان واحد ترجع إليه الأمور وهو الذي وُلّي الرعاية بأمر إلهي.

          خامسا- ليست كارثة ان يُعَيَّن أي إنسان في مجلس رعية، وليست كارثة أن تُنهى ولاية آخر أو ألا تُجدَد المسؤولية لأي إنسان. كلٌّ يموت لذلك يمكن الاستغناء عن أي إنسان. قد لا تصل إليَّ معلومات دقيقة عن المؤمنين الذين أعيِّنهم في المسؤولية. هذه ليست فاجعة. المهم المراقبة من كلِّ جوانبها. افسحوا في المجال للآخرين كي يتعلّموا ويتروّضوا.

          وفي كل هذا اسلكوا بخوف الله ورضاه محتملين بعضكم بعضا بالغفران ومُنَقين نفوسكم بالصيام حتى تَلِجوا باب الرحمة. اذكروا ان المسيح شَرَّفكم جميعا بالمعمودية وان كل ترتيب دنيوي أقل أهمية من أن تَقبَلوا بعضكم بعضا بالحنان والرقة.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

أحد استقامة الرأي/ الأحد 4 آذار 2001 / العدد 9

العبارة القديمة عندنا اذا تكلمنا عن الإيمان نقول انه الايمان الارثوذكسي، وفي العربية «المستقيم الرأي»، ومدلوله الآخَر المستقيم التمجيد بمعنى ان الفكر الصحيح يبعث إلى صلاة صحيحة. واذا أقمنا اليوم ذكرى رجوع الايقونات إلى الكنائس بعد أن حطّمها ملوك بيزنطية، نسمّي هذا اليوم احد استقامة الرأي لأن تكريم الايقونـة بعض من الايمان المستقيم الرأي. فالارثوذكسيـة تثبّتـت بانتصار الايقونة ورفعها في معابدنا الأحد الاول من الصوم السنـة الـ 843.

كانت الأيقونة مغيّبة لأن بعض أَباطرة الروم أَعلنوا عليها حربا وسجنوا المؤمنين بها آلافا. الايقونة لها شهداؤها، وبسببٍ مِن حُبّنا لها نشأ هذا الجدار القائم بين الهيكل وصحن الكنيسة الذي سُمّي «الايقونسطاس» اي حامل الايقونات. المؤمنون بسببٍ مِن إكرامهم للصور المقدسة أخذوا يضعونها على حاجز غير مرتفع كان يفصل الهيكل حيث الإكليروس عن صحن الكنيسة حيث العلمانيون. في القرن الخامس عشر اخذ الايقونسطاس شكله المرتفع جدا  في روسيا ثم في كريت والبلاد اليونانية ومنها جاء إلينا.

طبعا قبل حرب الايقونات كانت الفسيفساء (الموزاييك) تزين جدران الكنائس، ومنها صُنعت صور السيد ووالدة الإله والقديسين والأعياد السيدية. وبعد هذا جاء التصوير الجداري (fresques)، وكانت بلادنا مليئة بها في القرن الثاني عشر، وبعضها امّحى أو غطّاها الجهلاء من وكلاء الكنائس. الكنيسة الارثوذكسية دائما كانت مرسومة. كلها ايقونة واسعة مديدة، ولم نعرف يوما نحن الحجر العاري داخليا. كنيستنا ايقونات تدعمها الحجارة.

من معابدنا خرجت الايقونة إلى منازلنا لكوننا أَحسسنا أن البيت كنيسة صغيرة. في روسيا ليس من شخص ارثوذكسي الا وعنده ايقونة شفيعه في المنزل. والذي يتزوج يُهديه ذووه أو الأصدقاء دائما ايقونة تُمثّل احيانا شفيعه وشفيعة عروسته معا.

ما من شك ان الايقونة كانت من اهم العوامل التي شددت الإيمان عندنا في عصور الاضطهاد. كثيرا ما كانت الكنائس في اوربا الشرقية مغلقة بعد سنة 1917. ولكن الايقونة كانت الصلة بين العائلة والإيمان الارثوذكسي. ثم دائما يحملها الارثوذكسي في حقيبته اذا كان مسافرا ويضعها قرب سريره في الفندق. نحن نؤمن انها إطلالة المسيح علينا ونناجيه من خلالها ونعرف اذا قبّلناها اننا نعانقه. الشعوب الارثوذكسية يحسّون انها طريقة الإلفة مع السيد المبارك وأنها ظرف فرح.

إلى جانب الظرف التاريخي الذي حول الذكرى في الأحد الاول، يأتي فرح الايقونة مكلِّلا الأسبوع الاول الذي نمارس فيه تقشُّفا شديدا خاصا.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

هل ضروري الفصح الواحد؟/ الأحد 4 شباط 2001 / العدد 5

منذ القرن الثاني اختلف المسيحيون حول تاريخ الفصح حتى أرسيت قاعدة تعييده في المجمع النيقاوي بحيث يقع يوم الأحد الذي يلي البدر الواقع بدوره بعد الاعتدال الربيعي أي في 21 آذار. وبقينا، شرقا وغربا، نعيّد هكذا حتى إصلاح البابا غريغوريوس الـ13 للتقويم. نحن لم ننقح التقويم، فصارت الهوّة بيننا وبين أهل الغرب في هذا القرن 13 يوما بحيث يختلف 21 آذار غربي عن 21 آذار شرقي، وهذا ما يفسّر وجود تعييدين مختلفين.

في آذار 1997 عقد ممثلون عن كل الكنائس المسيحية مشاورات في حلب. ووافق المجتمعون على اتباع قرار المجمع المسكوني الاول (النيقاوي) القائم، كما قلنا، على حساب الاعتدال الربيعي وتمام البدر. واتفق المجتمعون على ضرورة القيام بالحساب بأدق الوسائل العلمية.

هناك اتجاه مبدئي نحو التوحيد. مع ذلك لا شيء يدل حتى الآن اننا سائرون في هذا المنحى. تصوّري ان هذا الهمّ الظاهر جدا في هذه البلاد ليس همّا كبيرا في البلدان التي هي من لون ديني واحد. حيث الاختلاط يقوى الهمّ.

الأمر الثاني ان هناك بلدانا التاعت في الماضي من تغيير تاريخ الميلاد فكيف بالعيد الكبير. في اليونان عدد ضخم من المؤمنين لم يقبل قرار الإدارة الكنسية ان تتبنى الحساب الغربي للميلاد. الصعوبة عندنا نحن الارثوذكسيين ان قرارا كهذا يقتضي تشاورا وتوافقا بين كنائسنا. ولكن اذا افترضنا ان الرئاسات الروحية توافقت، فلا شيء يدل ان الشعوب ستتبع. هناك دروس ميدانية تدل إن الشعب قابل أو غير قابل.

ولكن قبل الحل العالمي الشامل ممكن التفكير بحلول مناطقية. في هذا السبيل أباح البابا بولس السادس في الستينات لكاثوليك الشرق ان يعيّدوا مع الارثوذكس إنْ كانوا اكثرية. وعلى هذا المنوال صار العيد واحدا في مصر وفي الأردن وفلسطين (اي منطقة بطريركية اورشليم).

هنا تقاربنا كثيرا وأوشكت الطوائف الكاثوليكية ان تشاركنا تاريخا واحدا حتى قالت إحدى مرجعياتها إنها تريد ان تقوم باستفتاء المؤمنين حول الموضوع. لم نسمع بنتيجة هذا الاستفتاء. الواضح طبعا اننا مضطرون ان نحافظ على الأخوّة الارثوذكسية في العالم قبل ايجاد حل عالمي.

غير ان مرادي اليوم ان اقول ان عامة الشعب تولي هذه القضية اهمية لا تستحقها. فها الإنجيليون والغربيون يعيّدون معا، وهذا لم يقرِّبهم لاهوتيا وفكريا. ونحن والكاثوليك اقرب بعضنا الى بعض مما نحن من الإنجيليين، والفرق في التعييد لم يزد شيئا على خلافاتنا.

الذين يَدْعون الى وحدة التاريخ يقولون: نريد ان نشعر بوحدتنا. ولكن هل هذه وحدتنا. اذا أقمنا السنة الـ2002 العيد معا، فهل تزول من واقع الكنائس الخلافات في ما بينها (سلطة البابا العالمية وعصمته) دون ان نتطرق إلى خلافات اخرى.

نتخدر بوحدة العيد، وقد يوحي الينا هذا ان المشاكل قد حُلَّت، وتكون الحقيقة اننا قد صرنا في مشهد وحدة ولسنا في واقع وحدة. واقع الحال اليوم أن صعوبات جمة نشبت بيننا مؤخرا على ارض الواقع (صدامات في اوربا الشرقية) وعلى مستوى اللاهوت (إقصاؤنا من عضوية الكنيسة الجامعة). ماذا ينفع فرح العيد الواحد في حالة التباعد الفكري بيننا؟

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

ذمّ الكاهن/ 28 كانون الثاني 2001 / العدد 4

لكون الكاهن، في إقامته للأسرار، أيقونة المسيح يكون مَن ذمَّه علنًا يذم المسيح. وقال الله: «رئيس شعبكَ لا تَقُلْ فيه سوءًا» (أعمال الرسل 23: 5). ان كان لك لوم عليه اذهب إليه وعاتبه بروح الوداعة ولكن عاتبه بوضوح. وان ارتكب خطأ كبيرا ولم يصلح نفسه، لك ان تشكو أمره للمطران. هذه هي الحدود التي تتحرك أنت بينها.

فإذا كانت النميمة بحق أي إنسان سيئة، فالنميمة بحق الكاهن إذا انتشرت تهدم الرعية وتُضيع الثقة بينها وبين راعيها. الكاهن المذموم قد تهبط عزيمته وتهبط معها عزائم المؤمنين. وربما انسحب هذا على كهنة آخرين. نميل في هذه البلاد إلى تعميم التهمة أحيانا.

ربما انطلقت النميمة من رغبتنا في ان يكون الكاهن قديسا. هذه الأمنية صالحة. ولكن إذا لاحظنا فيه ضعفا، فلا يشفى إذا انتقدناه أمام الناس. يشفيه علاجنا له، اهتمامنا به، إحساننا إليه. أقم رابطا متينا بينك وبين الكاهن. ادعه إلى بيتك ولا تنتظر ان يمر بك يوما في السنة. وإذا كان صاحب كلمة حلوة فأصغ إليه حتى يشعر انك في حاجة إليه. ولا تحزن إذا مال إلى آخر أكثر من ميله إليك. فقد يسرّ في عزلته بذلك.

ادفعه إلى التثقيف. الخطر ان يملّ الكتاب بانشغاله بالخدم الإلهية، بالأعراس والمآتم وافتقاد البيوت. شجّعه على الاستمرار بالدراسة حتى يتقن بذلك عمله. ماذا ينفع الكاهن بلا فهم، ماذا يعطي؟ أثر فيه الاهتمام بالكتب حتى يزودك بمعرفة ليس عندك أنت العلماني وقت لتحصيلها.

ادفعه إلى التقوى. هذه يمكن ان تزيد بالجهد البشري، باليقظة على النفس فهو قدوة ومرجع سلوك. لك ان تطلب منه أجمل سلوك حتى تَحْسن الرعية به وتسلك طريق الخلاص. انه يرعاها أولا بطهارته ثم يرعاها بكلمته والكلمة تصير عنده خدمة.

لا تتذمر ان لم يكن كاهنك أعظم كاهن في العالم. ولكن إن تآزرت والإخوة في الرعية حتى لا تضعوا على عاتق الأب الروحي نيرا ثقيلا فقد يتجنح في الأجواء العالية وينزل إليكم أعظم محبة.

شغل الرعية على نفسها ان تكون مرتبطة بالحب الإلهي في ما بين أعضائها بحيث لا يكون هناك نزاعات فلا تتعب نفسها ولا تتعب الراعي. عند الخصومات يجب ان تنتظر الرعية تأديبا لها. ليس احد فوق اللوم، وقلة هي فوق التوبيخ. فليتصرف المؤمنون مع الكاهن بتلك الوداعة التي تفرحه وتشجعه على ان يقوم بخدمة أعظم.

الله نصيب الكاهن. لا تدفعوه ببخلكم ان يسعى إلى المال سعيا مَرَضيا. لا تجعلوا له فرصة للتكالب فتذمّوه. متّعوه بشيء من البحبوحة حتى لا يكون له عذر في إهمالكم. وفوق كل شيء كونوا أعفّاء اللسان.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

الحماة والكنّة/ 21 كانون الثاني 2001/ العدد 3

لا يوْلي يسوع أهمية كبرى للعلاقات العائلية من حيث انها ترتيب اجتماعي. العائلة في العهد الجديد مطرح نعيش فيه المحبة التي من المسيح. انت َتحِنُّ على الذين هم حولك وتخدمهم. انهم الميدان الذي تمارس فيه العطاء اولا. اما العواطف الجيّاشة، المحتدمة فليست لها عند المسيح أهمية. وفي كل حال انتسابنا الى الحقيقة يجعلنا نتحرر من وطأة هذه العلاقات علينا. فقد يكون أخوك بعيدا عن المسيح. اذ ذاك تشعر بقربى اقوى مع آخر. الرابط الروحي اقوى من الرباط الدموي.

          لهذا قال السيد: «لا تظنوا اني جئت لأحمل السلام الى الأرض، ما جئت لأحمل سلاما بل سيفا: جئت لأفرّق بين المرء وأبيه والبنت وامها، والكنّة وحماتها». تكلم على اكثر من ثنائي. فالانسان وابوه ثنائي اوّل، الابن خاضع فيه لأبيه حسب التقاليد اليهودية. كذلك العلاقة بين الكنّة وحماتها علاقة خضوع. جاء السيد ليقول: هذه الهيكلية العشائرية لا وجود لها وليس من خضوع. العلاقة يجب ان تكون في المسيح للتخلص من تسلّط الحماة على كنّتها او تسلّط الكنّة على حماتها.

          لماذا هذا التسلط من جهة هذه او جهة تلك وارد؟ هذا كان يحدث كثيرا لأن العائلات المتفرّعة من جدٍّ واحد كانت تعيش في بيت واحد. وكما ان الجدّ كان يشعر انه ابو العشيرة، كذلك كانت زوجته تشعر بذلك وتأتي الزوجات الصبايا تحت اجنحتها لتبقى الجدّة السيدة الوحيدة في البيت المشترك.

          والأمر الذي كان يزيد الوضع تعقيدا ان الشاب اما ان يكون متعلقا بزوجته حتى العمى ويساعدها على أمه، او كان متعلقا بأمه بصورة مَرَضِيّة ويساعدها على زوجته، وتعيش هذه القبيلة قاهرة من جهة ومقهورة من جهة. العقلية القديمة السائدة هي ان الكنة تدخل ليس فقط بيت زوجها ولكن بيت ابيه. ولذلك سُمّيت بالعربية كنّة اي مكنونة كما اللؤلؤة في الصَدَفة. ولهذا اخذت تخسر اسم عائلتها في اوربا وتتبنى كنية زوجها.

          ما قد يُسَهل العلاقة بين الحماة والكنة اليوم او يجعلها اقرب الى السلامة ان العائلة الناشئة تعيش في شقة مستقلة. والأفضل الا تكون في بناية واحدة فكأنها لم تستقل كل الاستقلال. مع ذلك لا يعني هذا انها لا تريد ان تبسط هذه السيطرة ذاتها على امرأته. اي لا تكون قد اعترفت بقول الله: «ويترك الانسان أباه وامه ويلتصق بامرأته». هذه المرأة لم تفطم وليدها فطما نهائيا وتريد أن تكتسب لها ابنة بالإضافة الى بقية بناتها. تريد ان توسع عائلتها لكونها لا تقبل سلطة غير سلطتها.

          بالمقابل قد تكون الكنّة عطشى الى السلطة وتريد الاّ يشاركها فيها احد ولو على سبيل النصيحة. تكون متعلقة بزوجها بصورة غير سليمة. نحن لم نتعلم بعد ان نحترم حرية الآخر وان يقرر أموره بلا الرجوع الينا. قد نرى انه يخطئ او ان الخطأ ينتظره. هذا جزء من حزننا ولكنه جزء من حياتنا. الحماة يجب ان تتعلم ان تختفي، والكنة لا بد لها ان تعترف بأن زوجها عليه حتى آخر حياته ان يُكرِمَ أباه وامه.

          هذا التوازن ممكن بالمسيح فقط. «يجب ان ينمو هذا وانا ان أنقص». الجيل الجديد يجب ان يضطلع بحريته ولو اخطأ. المسِنّون يعلّمونه قليلا. المسيح في الأجيال كلها يعلمنا كل شيء.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

وقت المجيء إلى الكنيسة/ الأحد 7 كانون الثاني 2001 / العدد 1

نصل إلى الكنيسة في بداءة الخدمة الإلهيـة. في الكنيسة الأولى كانت الجماعة تصل كلها قبل الكاهن ويدخل هو حاملا الإنجيل ويقول: «الحكمة فلنستقم»، أي ما أَحمله بيدي هو الحكمة فقفوا لتستقبلوها. الكلام الإلهي الذي نقوله أو نرتله أو نمثله مع الحركة هو مائدة، والمدعوون يأتون إلى مائدة الصَّديق في وقت معين.

وإذا كانت الدعوة هي إلى القداس الإلهي فهو حركة واحدة لها بدء ونهاية. وكل ما في القداس طعام متعدد الوجوه من الطلبات والترتيلات وقراءتَي العهد الجديد حتى كلام التقديس والمناولة والختم. وكل مراحل الخدمة متداخلة. فعند الإنجيل مثلا يطهرك الكلام الإلهي وتتوب لتتمكن من ان تتناول باستحقاق، فيكون مخالفا لتسلسل المراحل ان تتقدم توًّا إلى القرابين المقدسة ولم تتهيأ بما سبق.

وإذا أردت ان تعيش الأحد عيشا كاملا تأتي منذ صلاة السَحَر لتدخل في جو القيامة. والقيامة تنبسط في أذنيك مليئة المعاني. ولكن هذا حديث آخر.

وإذا دُعيتَ إلى إكليل فأنت أصلا ذاهب لتطلب من اجل العروسين لا لتهنئتهما فقط عند الأخير. والتهنئة لها مكان آخر. ما أقبحه منظرا ان نرى المؤمنين يتوافدون خلال ساعة كاملة يتم فيها القداس. في هذه الأبرشية وقت ابتداء الخدمة صباح الأحد هو العاشرة أو قبلها بقليل. لماذا التباطؤ؟ ماذا كنت تفعل قبل هذا؟ إذا كانت القصة قصة فطور، فهذا غير وارد إذ أنت مقبل إلى المناولة الإلهية. وإذا كان البطء نتيجة سهر الليل، فهذا يعني انك محب للسهر أكثر من حبك للقداس. ان تباطؤ أي شخص من عائلتك لا يعذرك. علّم ذويك الانضباط بالوقت لأن ذلك في كل المناسبات جزء من التهذيب وفي موضوع صلاتك جزء من التقوى.

الإنسان الملتهب بمحبة الله لا يفوّت كلمة من كلماته. قد تفوتك كلمة إنقاذ للوضع الذي تتألم منه. قد تجد من بعض الكلمات جوابا عن تساؤلات كانت لك مقلقة. أرجو الا تنسى أيضا انك لست وحدك في الوجود وان القداس صباح الأحد وفي الأعياد هو المطرح الذي تلتقي فيه الجماعة أمام وجه الله. أنت تتكوّن من شيئين: ان يراك الرب على مائدته، وان يراك الإخوة سندا لهم فينظر إليكم المسيح على انكم جسده أي امتداده المنظور. أما أن تذهب متى يحلو لمزاجك، فهذا يعني انك لا تريد ان تكيّف عقلك بالمسيح وانك تقابله متى أنت رغبت في حين انه يريد هو ان يستقبلك في كل ذبيحة وفي كل موسم.

اما الاحتجاج بأن ظروفك لم تسمح لك فأمر مردود. لأن ظروفك دائما تسمح لك بأن تستقبل صديقا تحبه. وان كنت في المهاجر وتوفي عزيز هنا فتترك كل شيء لحضور مأتم. أنا اعرف بلادًا يقطع فيها المؤمنون ساعة وساعتين بالسيارة ليصلوا إلى اقرب كنيسة من كنائسنا. وأنت تترك كنيسة أرثوذكسية لا تبعد عنك أكثر من ربع ساعة لتذهب إلى كنيسة أخرى لأنها قائمة في شارعك. وعذرك في هذا ان المذاهب المسيحية واحدة.

ان موضوع الوقت ودقة الوقت موضوع أساسي في تربيتنا وجزء أساسي من انتمائنا الروحي. إذا انضبطت بالوقت تثبت انك إنسان جدّي.

Continue reading