الأحد السابق للميلاد يدعى احد النسبة. ارادت به الكنيسة ان تبين تحدر المسيح من الخط الإيماني الذي بدأ بإبراهيم. غير ان يسوع ليس فقط سليل العهد القديم. انه سليل الإنسانية كلها بما فيها الوثنيون. والفكرة ان ربنا يصب فيه كل البر الذي كان يحمله اهل الشريعة والذين – كالوثنيين الصالحين – كان ضميرهم شريعة لهم. ولذا وضعت أحد الأجداد قبل أحد النسبة.
هؤلاء كلهم كانوا يتوقون الى مخلّص. كانوا جالسين بصورة سرية حول مائدة الرب التي سيمدها يسوع للإنسانية بحبه وبموته. والوثنيون معذورون ان لم يلبوا. غير ان اليهود لا عذر لهم لأنهم كانوا يعرفون الأنبياء الذين رأوا الى مجد المسيح وتكلموا عنه. فأخذ هذا يعتذر، وذاك يعتذر عن تلبية الدعوة الى العشاء، وهو عشاء الخلاص. الذين رفضوا الدعوة لم يستطيعوا ان يأكلوا من الطيبات التي أعدت لهم.
هل نحن مثل هؤلاء لا نلبي الدعوة حقيقة باتباعنا الإنجيل الذي عرفناه وذقنا حلاوة يسوع ولكنا لم نشأ ان نستمر على هذه الحلاوة طوال حياتنا وفضلنا عليه طعاما لا شبع فيه فلم نأكل طعاما إلهيا؟
كيف نأكل الخبز السماوي؟ عن هذا السؤال يجيب بولس في رسالة اليوم انكم اذا شئتم ان تظهروا مع المسيح في المجد فيجب ان تتطهروا. والتطهر ليس مزحة. يتطلب انضباطا كبيرا وان نطرح كل شهوة رديئة. وآباؤنا فرّقوا بين الشهوة الحلال كالطعام الذي لا ترافقه شراهة وبين الشهوات المؤذية للنفس فسمّاها النص في مرحلة اولى: “الزنى والنجاسة والهوى والطمع”. وذكّر اهل كولوسي الذين أرسلت اليهم هذه الكلمات انهم كانوا هكذا في وثنيتهم وانهم بعد ان صاروا للمسيح فلا محل عندهم للشهوات الرديئة. فيعود في لائحة ثانية للخطايا ويذكر “الغضب والسخط والخبث والكلام القبيح والكذب”.
هذه القبائح منتشرة في مجتمعنا المسيحي. لاحظت ان الكثيرين لا يستطيعون ان يتكلموا بهدوء وانهم يجرحون مشاعر بعضهم البعض ويظنون السوء في الآخرين. وأكاد اقول ان الصدق الكامل قليل في مجتمعنا واننا على العموم في حالة غضب اي في حالة تجريح. فالبر الذي كان عند ابرار الوثنية او عند الملحدين المهذبين اللطفاء ليس عندنا. وكأن المسيحية لم تغيرنا بشيء.
ازاء هذا السقوط الذي حذر منه بولس اهل كولوسي (وهو لم يتهمهم صراحة انهم سقطوا فيه) يدعوهم أن “البسوا الانسان الجديد الذي يتجدد للمعرفة على صورة خالقه”. هم يعرفون انهم لبسوا هذا الإنسان عند معموديتهم وقبلوها آنذاك عن وعي. وكان هذا لباسا ابيض. غير ان الرسول خشي عليهم ان يكونوا قد طرحوا الطهارة عن نفوسهم ويرمز الى هذا بقوله ان من ارتكب هذه الفواحش انما يكون قد لطخ ثوبه اي صار كأنه لم يعمَّد. ويذكّرهم بأن المعمودية هي تجديد الكيان وان غايتها ان نعرف الله اي ان نعيش معه ونصير على صورته. وهذا ما يوحدنا ويجعلنا كنيسة واحدة بارة حيث ينتفي الفرق بين اليوناني واليهودي، بين اي عرق وعرق آخر، بين العبد والحر، ويبدو المسيح كل شيء وفي الجميع.
هذا ما يعيد آخر الرسالة الى اولها اي ان نصير جميعا في المجد كما المسيح في المجد. طبعا يعرف بولس ان هذا لن يصير كاملا الا في اليوم الأخير. ولكن عندما نعلم ان عيد الميلاد كان يقام قديما ضمن عيد الظهور الإلهي في 6 كانون الثاني، لنا ان نفهم ان الميلاد القادم علينا انما يطلب الله فيه الينا ان نكون ايضا على نوع من المجد اي كارهين للرذيلة محبين للخير، فرحين بانتصارنا على الخطيئة وهكذا نستحق ان نكون مشاركين في العيد، جالسين حول مائدة العشاء السري التي دعانا الله اليها.
