Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2002, مقالات, نشرة رعيتي

فلسطين/ الأحد 14 نيسان 2002 / العدد 15

فلسطين كانت دائما عزيزة لكونها الأرض التي عاش عليها السيد فكانت مكان الخلاص والنور الذي جئنا منه. واليوم يزداد تعلقنا بها لكونها تتألم. وكل من ذاق الألم يصبح شريك المسيح في آلامه. ونحن اليوم نصوم. غير ان الشعب الفلسطيني يجوع ويقتلونه ظلما. دمار لا مثيل له وتشريد واحتلال وإبادة. ونحن في كنيسة المسيح قائمون ضد إهدار الدماء وتعريض الناس للجوع والعطش ايا كان المرتكب. نحن مع كل شعب يذوق الذبح. والشعب الفلسطيني كله ذبيح اليوم.

         إلى جانب هذا انتهكت حرمة الكنائس وقُتل أبرياء في الكنائس مما يدل على ان الذين ارتكبوا هذه المجازر لا يفرقون بين اهل هذا الدين واهل ذاك. غير ان ما يوجعنا هو هذا الاقتحام الشامل الذي يبتغي إفناء أمّة بكاملها بما فيها الآمنون من النساء والشيوخ والأطفال. وهؤلاء اعزاء عند الرب واقرباء له. وما يؤسف له ان البشرية عاجزة حتى الآن عن نصرة هؤلاء او انها لا تريد ان تستعمل وسائل الضغط حتى يرفع الحيف عن كاهل المعذبين في الأرض المقدسة مع ان المجتمع الدولي اعترف لهم بدولة. والدولة حقهم لأنها تستشعرهم بوجودهم الحر وتقدم لهم سبيل الازدهار. انهم يريدون ان ينتهي الاحتلال عنهم. وكما فرحنا نحن بزوال الاحتلال عن جنوبنا ينبغي ان نشتهي لهم الحرية والكرامة فإن الإذلال مصدر لليأس والحزن الشديد. ان الاستقلال طريق كل شعب الى قيامته. وكما تمنينا لأنفسنا السلام ندعو لإحلال السلام في فلسطين لأن السلام لا يتجزأ، لأن الحرب الدائرة هناك تنذر ايضا بالخطر علينا وعلى كل منطقة الشرق الحبيبة الى المسيح.

         ما يجري اليوم في فلسطين فوق طاقة الاحتمال. ان الله يريد الحياة لخلائقه واوجدها للحياة ولم يخلقها لتعيش خائفة من الموت. انه اوجدنا للفرح به وبإخوتنا البشر حولنا وما اوجدنا للتشنج والقنوط. فقد قال المخلص: “جئت لتكون لكم الحياة” والكتاب يسمي الموت عدوا، ذلك ان الرب أعدّنا للخلود. الوصية هي “لا تقتل” أكان القاتل فردا ام كان دولة تأمر عسكرها بذبح الأطفال والبالغين.

         موقفنا اننا نرسل سلاما من كل قلوبنا الى اهل فلسطين لأننا نحن المؤمنين بيسوع مع المقهورين ولسنا مع القاهر. ونصلي من اجل ان يلهم الرب القاتلين التوبة. نحن نريد اليهود ان يعيشوا ولا نريد لهم ذلا ولا نرضى بأن يقتلهم احد. غير اننا نريد ان يُحلّ الله في قلوبهم ميلا الى السلام وان يساووا الفلسطينيين بأنفسهم، وكما لليهود ارض يعيشون عليها نرجو ان يدركوا ان يعملوا ليكون للعرب في الأرض المقدسة ارض يعيشون عليها على ما قال كتابنا: “لا تفعل بالآخرين ما لا تريد ان يفعلوا بك”.

         نحن قد ذقنا مرارة التهجير. لا نرضاه اذًا لأحد. فلسطين ارض الفلسطينيين ونرجو ان يعودوا اليها. وكما لا نريد ان يطردنا احد من لبنان لا نريد ان يطردهم احد من بلادهم. ان التشتت في الأرض حزن كبير وسبب للإجرام. ليس لأحد بديل عن بلاده. ونحن في لبنان رفضنا التوطين لأننا، اساسا، نريد للفلسطيني الأرض التي يحبها ويحب التمتع بها.

         لهذا اطلب اليكم – وهم في هذه المحنة – ان تصلوا من اجلهم كل بمفرده واتمنى على الكهنة ان يذكروهم في الذبيحة الإلهية سواء بطلبة تضاف الى الطلبات او في الدورة الكبرى عسى الله يستجيب صلواتنا قبل ان نتبين وسيلة محسوسة مع سائر مواطنينا لرلرفع الظلم عنهم ولدعمهم في ما هو حق له وانتعاش.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

عيد السجود للصليب/ الأحد 7 نيسان 2002 / العدد 14

في هذا الأسبوع نبلغ منتصف الصيام وقد دلت خبرة الكنيسة ان بعضا من المؤمنين – بعد جهاد طويل – يملّون الجهاد. فلئلا تخور قوانا الروحية رتب آباؤنا ان نقيم في هذا اليوم عيدا يشبه يوم الجمعة العظيم فنسجد لآلام السيد ونتخذ منها نفحة قيامية. فنطوف بالصليب حتى وسط الكنيسة ليأتي المؤمن ويعانقه ويأخذ من الرياحين المحيطة به ليفهم ان هذا العناق يعطيه فرحا.

         وفي خدمتي الغروب والسحر نقول للصليب انه “المشوق اليه من العالم” وانه “الحامل الحياة” ونقول ان العالم امتلأ به فرحا لكوننا واثقين اننا نلنا به الخلاص، هذا الذي كشفته لنا القيامة. وفي الرسالة الى العبرانيين التي نقرأ منها نذكر ان المسيح كاهن الى الأبد وقد أظهر كهنوته العظيم اذ صار بموته قربانا للآب. ونتمم خدمة الطواف بما يشبه خدمة رفع الصليب في 41 ايلول. والمبتغى من كل ذلك ان نكون متحدين بيسوع. كيف يكون هذا الاتحاد؟

         عن هذا السؤال يجيب إنجيل اليوم: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. نحن مدعوون ان نتبعه. هو جاء من اجل ذلك. شرط ذلك ان نكفر بذاتنا المنغلقة على نفسها، الواقعة في شهواتها. الإنجيل يدعونا ان نزيل العراقيل التي تمنعنا عن رؤية يسوع حياة كاملة لنا. الخطيئة تعني، بالعربية، اننا نخطئ الهدف او اننا، في طريقنا الى السيد، نلتهي بأشياء اخرى فنحيد عن الطريق لكوننا نسينا قوله: “انا الطريق”.

         كل منا يغريه هذا الضعف او ذاك. لم يذكر يسوع الضعفات باسمها: الكذب، الاحتيال، الحقد، الغضب الخ… ذكرها كلها بقوله: فليكفر بنفسه اي بهذه الأنا الحاملة كل هذه الضعفات. لماذا يجب ان نبتعد عن كل شر؟ يقول يسوع: “من اجلي ومن اجل الإنجيل” اي محبة بي وارادتنا على إعطاء التعليم الإنجيلي وتطبيقه. ذلك لأن الذي يحب ذاته أنانيا ليس عنده محل ليحب يسوع او ليحدث الناس عنه.

         وحتى يكشف السيد الخطأ مـن شهوتنا لما هو غيره قال: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. كل غنى العالم وكل نفـوذه وكل ملـذاته ماذا تنفعنا ان خسرنا “الذات” اي هـذه الشخصية الطيبة، المحبة، الطاهرة التي أسلمت ليسوع. وفي خبرة التأئبين ان كل مسرات الدنيا لا تقاس بالفرح الروحي الـذي ينزل علينا اذا احببنا السيد. لا يمكن تشبيه اي شيء نكتسبه مـن ملذاتنا بالنعمـة التي تنزل علينا من الله.

         كان هذا الأحد لنفهم هذه الحقيقة. ننضم الى الصليب اي الى ما يبدو لنا ألما ونقبل صعوبة الإمساك والتقشف والمثابرة على الصلاة لكي نصل الى القيامة. ونفهم في مسيرتنا اليها ان نورها يتخلل هذا الصيام.

         ما ينبغي التروض عليه ان المسيحية تكلف جهدا كبيرا. ولكن اذا بذلنا هذا الجهد نصير محبين له لعلمنا انه تعب من اجل المسيح. يبدأ هذا تعبا. وبعد ذلك يصير سرورا. هذا هو سر الصليب والقيامة ان ما حدث للسيد اي موت وانتصار ينعكس فينا. نميت نحن الخطيئة، نصلبها فنقوم في الفرح حسب قوله المبارك: “انا القيامة والحياة”. لا ننتظر فقط القيامة الأخيرة ولكن نذوقها مسبقا اذ نحيا مع المسيح. وهذا ما سنجده في النفس بين الجمعة العظيم وصباح الفصح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر في الزواج المسيحي/ الأحد 31 آذار 2002 / العدد 13

الزواج مشروع حياة طاهرة، ملتزمة، محبة، ومشروع تربية مسيحية للاولاد اذا جاؤوا. ولذلك أصر بولس على ان من تزوج فليتزوج بالرب اي بحضور يسوع في البيت الناشئ. العائلة هي حضور الله الجامع شخصين اساسا والجامعهما الى بنيهما وبناتهما. هي مكان إشعاع للإيمان. العائلة تسمى عندنا كنيسة صغيرة بناء على قول الكتاب: «انا وبيتي نعبد الرب».

لذلك لا يخطر على بال مسيحي ملتزم ان يقترن بامرأة غير معمّدة، ولاسيما ان الترتيب الكنسي الحالي يمنع هذا بسبب ما فيه من خطر ولاسيما على الاولاد. ويقول القانون الكنسي انه اذا خرج احد الزوجين عن المسيحية يصح فسخ هذا الزواج. والمحزن منذ بضع من السنين ان بعضا من المسمّين ارثوذكسيين المتزوجين يتركون الإيمان للتزوج بامرأة ثانية، واذا انكروا الإيمان يتبعهم اولادهم القصَّر. وهذا الترك يحصل احيانا عند الخيانة الزوجية وولادة طفل يضطر معها الزوج الارثوذكسي ان يتركنا ليُشرعِنَه.

هذا أمر يحصل في خفة كبيرة وعن طيش كبير. احيانا كثيرة يعودون الى احضان الكنيسة بعد ان يكون حصل طلاق مع المرأة الثانية ويكون الخلل دخل الى العائلة.

اما زواج الشاب او الشابة بفريق غير ارثوذكسي فمن نتائجه الواقعية ان الفتاة في الواقع تنضم الى كنيسة اخرى. بعض الفتيات متمسكات بايمانهن الارثوذكسي ولكنهن مضطرات احيانا او دائما الى الممارسة في كنيسة اخرى بسبب العقلية الشرقية التي تقول ان المرأة تتبع زوجها. والمشاهدة تدل على ان هذه الزوجة في كثرة الأحيان تصل الى الاعتقاد ان الارثوذكسية والمعتقد المسيحي الآخر واحد. وهذا غير صحيح.

اما اذا كان الرجل ارثوذكسيا والمرأة ليست كذلك، ففي بعض الأحوال تنضم الى كنيستنا بقناعة او غير قناعة، وذلك لشعورها بأنها دخلت عائلة ارثوذكسية. في اكثر الأحوال هي لا تعرف شيئا عن عقيدتنا. واحيانا تميل الى الذهاب مع اولادها الى كنيستها. وهذا أفهمه لكونها نشأت على ما نشأت عليه. في هذه الحالة الوحدة العائلية فيها خلل. نحن لسنا وحدنا على هذا الفكر. الكنائس الأخرى ايضا لا تحبذ هذه الزيجات المختلطة.

طبعا المجتمع مختلط والشاب يحب من يحب. كيف نعالج وضعا كهذا بلا تعصب ولا تشنج؟ في الغرب يتعاون الكاهن الارثوذكسي والكاهن غير الارثوذكسي على تدبير الأمور، وفي الغرب لا يعتقدون ان احدا يجب ان يتبع الآخر بلا قناعة ولاسيما ان النظام العلماني عندهم يترك الناس على حريتهم.

يبدو ان الزيجة المختلطة باقية والناس معا في الجامعة وفي العمل والحياة الاجتماعية. ما لا نستطيع ان نتنازل عنه هو ان يبقى الفريق الارثوذكسي على مذهبه رجلا كان ام امرأة. والاولاد يتبعون والدهم حتى سن الرشد ويعمَّدون في كنيسة أبيهم. وهذا ما اتفق عليه البطاركة الشرقيون كلهم. ومن باب حسن المعشر ووحدة العائلة ان يكون الأمر هكذا.

يبقى ان نشدد الإيمان الارثوذكسي في الإنسان حتى يفضّل قرينا له من كنيسته. يبقى ايضا ان نشجع الاختلاط بين عناصرنا في الكنيسة وحركات الشباب فيها وأنديتها. ولذلك نصرّ على ان تكون لنا في كل كنيسة قاعة يتعرف فيها المؤمنون والمؤمنات بعضهم على بعض.

اذا خسرنا العدد قد تضعف الشهادة وتخور قوى الأرثوذكسيين امام تقلص العدد.

السلوك الذي أتبعه في هذه الأبرشية هو اني أُعلّم الفتاة غير المسيحية. بلا تعليم لا أعمّد واحدة. هذا احتقار للسر. فلا يأتني اذًا احد ويقول انا «خطفت» فلانة، تعال وعمدها. هذا لن يكون. يجب ان يفهم شبابنا ان التنصُّر امر صعب ويتطلب وقتا، والإيمان المسيحي لا يأتي به التعليم آليا.

الفتاة المسيحية غير الارثوذكسية لا نمارس عليها اي ضغط. فنحن في حالة حوار وصداقة مع الكنائس الأخرى. ولكن اذا كشفت ايمانها الارثوذكسي من بعد الزواج وأصرت على اعتناق الارثوذكسية فكيف نردها؟

هذه امور دقيقة يجب ان نعالجها برصانة وتفهم، وقصدنا الا تضعف كنيستنا بزيجات ما كان القانون الكنسي يقبلها ولا هو يقبلها صراحة اليوم. ما يحصل الآن ليس قانونيا ولكن نواجه الأمور الواقعية بشيء من التدبير رحمة بالناس وإنقاذا لما يمكن إنقاذه.

ما تمناه آباؤنا هو ألاّ يختلط احد بعنصر آخر في ميدان الزواج. وهذا يبقى الهدف في رعايتنا. ولا أحد يستطيع ان يوآخذنا على حفاظنا على الرعية الموكلة الينا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 24 آذار 2002 / العدد 12

يسمّى الأحد الأول من الصوم أحد الأرثوذكسية وهي استقامة الرأي اذ أعلن في مثل هذا الأحد السنة الـ 843 انتصار الأيقونة بعد ان شنّت عليها الامبراطورية البيزنطية حربا طاحنة دامت حوالى 120 سنة واستشهد فيها ألوف مؤلفة من الرهبان.

         كان المجمع السابع (787) اعلن عقيدة تكريم الأيقونة. وحدثت انتكاسة فيما بعد حتى ثبت إكرام الأيقونة في الاستعمال. وجاء انتصارها نصرا للعقيدة كلها. لذلك سمّي هذا الأحد أحد الأرثوذكسية.

         نحن نكرّم الأيقونة ولا نعبدها. إكرامنا يذهب الى الشخص الممثل عليها (السيد، والدة الإله، القديسون). وهي تحمل الينا حضرتهم في أعماق النفس المصلية. ما تمتاز كنائسنا وبيوتنا أنها مجمّلة بالأيقونات التي هي تعليم مصوّر الى جانب التعليم المكتوب وفي تصويرها خشوع كبير. ويساعد على هذا انها ليست نافرة وانها “مكتوبة” لكي توحي تعليما. ولذلك نستند كثيرا الى التراث الأيقوني لتفسير أعيادنا. وما من شك انها ساعدت على نقل إيماننا الى الأجيال الى جانب الصلوات. بها نرى ان السماء مفتوحة كما يقول انجيل اليوم.

         عندما ينتقدنا آخرون قائلين كيف تصورون وقد حرّم الله ذلك في العهد القديم، في الوصية الثانية، جوابنا ان التحريم آنذاك كان يخشى منه جعل صورة أو تمثال للإله. نحن لا نصنع هذا. لا نمثّل جوهر الله. فبعد ان اتخذ ابن الله جسدا صار بإمكاننا ان نظهره بإنسانيته المنظورة. فلا خوف من الوقوع بالوثنية بعد ان ألححنا في المجمع السابع ان ليس عندنا للأيقونة عبادة ولكن عندنا تكريم.

         هذا التكريم جزء من الأرثوذكسية الكاملة. ولهذا نكرر اليوم تمسكنا بكل العقيدة التي يختصرها دستور الإيمان في المجمعين الأول والثاني. ثم جاءت العقائد الأخرى مثل طبيعتي المسيح في المجمع الرابع توضح دستور الإيمان. وأخيرا جاءت العبادات والممارسات تترجم العقيدة.

         ولكون العقيدة الأرثوذكسية سليمة لا شائكة فيها فلا نساويها بالعقائد الأخرى ولا نحضر اجتماعات البدع الجديدة المنحرفة التي تدعي ان لها معرفة صحيحة للإنجيل. نحن حفظنا الإنجيل بهذه العقيدة ولا يستطيع غريب ان يعلمنا إياه.

         ومن باب الإخلاص لإيماننا الكامل نذهب يوم الأحد الى كنيسة ارثوذكسية ولا نتصرف كالكسالى الذين “يستقربون” كنيسة اخرى في حيّهم. كل الطقوس وراءها لاهوت معين واعتقادات معينة. فلا نستطيع ان نؤمن بالاثوذكسية ونستمع باستمرار الى أقوال كنيسة اخرى اذ لا يجوز ان يتضارب إيمانك الذي في قلبك مع كلمات تختلف كثيرا او قليلا عمّا تؤمن انت به.

         لنا محبة كاملة لغير الأرثوذكسيين. العقيدة شيء ورثناه ونتمنى ان يأخذه الآخرون. ان تحب الآخرين لا يعني ان تقيم شعائرهم وطقوسهم. الأرثوذكسية التي في الذاكرة وحدها ولا تعاش في طقوسها لا بد لها ان تذبل.

         إيمانك تعلنه باصطفافك مع اخوتك الأرثوذكسيين في كنيسة واحدة صباح كل أحد.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

عشيّة الصوم/ الأحد 17 آذار 2002 / العدد 11

الأحد الأخير قبل الصيام هو اليوم الذي نستغفر فيه بعضنا بعضا في صلاة الغروب لأن المحبة الأخوية ان لم تنوجد بيننا يكون الصيام كله شيئا متعلقا بالجوف الذي قال بولس الرسول ان الله سيبيده، يجب ان ننفذ اذا من النظام النباتي في الأكل الى روح النظام. لذلك نقرأ من لوقا كلام الرب: “إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم ابوكم السماوي ايضا”.

         في بدايات المسيحية في روما كانوا يمسكون عن الطعام من وقت الى آخر لإطعام المساكين. الآخر هو الأساسي في رياضات الصوم. والصدقة جزء منه اساسي. لقد فقدنا في الواقع هذا البعد من أبعاد صيامنا. يبقى ان الذي لا حياد عنه هو الغفران الذي يتم في الطقوس نفسها على رجاء ان يكون قد تم في القلوب. فاذا كنت حاقدا على أخيك فلن يستر لك الصيام هذه الخطيئة. اخوك هو المسيح المترجم لك في الظاهر. المسيح موجود في ذات اخيك كما قرأنا الأحد الماضي: “كنت جائعا فأطعمتوني”. فاذا أساء اليك لا تتكبر. انه جرح نفسه بالمعصية وانت لا يجرحك احد لأن يسوع يضمد دائما جراحاتك.

         الشيء الثاني الذي يريده هذا الفصل الإنجيلي ألاّ نكون معبسين كالمرائين، ألاّ نظهر متعبين من الجهاد، ألاّ نفتخر على الذين لا يصومون، ألاّ نظن أننا صرنا بالصيام ابرارا. ولكن اذا انوجدنا في مكان وقُدم الينا زفر نتمسك بانضباطنا ويمكن ان نقول اننا صائمون. ليس في هذا رياء.

         هناك التزام بقواعد الصوم كما وضعها آباؤنا. ان كنت سليم البنية تعمل كما تعمل الجماعة. اما المريض فقد حرره القانون من الصيام. هذا اذا اوجب عليك طبيبك ان تأكل لحما او مشتقاته. ولكن الأطباء – في كثير من الأحوال – لا يرون نظامنا ضد الصحة. ومن حسن التصرف ان تناقش الأمر مع الكاهن او ابيك الروحي.

         هناك حالات تفرض عليك الحكمة. المرأة الحامل قد تكون في حاجة الى الزفر او المرأة المرضعة، لست اعلم. هذا امر يناقش مع الطبيب. ولكن الولد الذي في حالة النمو ويحتاج الى بروتيين حيواني او حليب هو حر من ترتيب الصيام. هناك مراعاة لبعض الأحوال. واذا اضطر احد في العائلة الى الزفر بسبب المرض فقد يتعذر على العائلة ان تهيئ اطباقا مختلفة. هذا تتدبره العائلة في حكمتها وليس على احد في هذا حرج.

         وينتهي القسم الأخير من هذا الفصل الإنجيلي بالتحريض على عدم عشق المال بقوله: “حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. المعنى ان السيد لا يريدنا ان نعتبر المال كنزنا الحقيقي لأنه، اذ ذاك، يسيطر على القلب ويستعبده.

         ضع يسوعَ في قلبك واجعله هو كنزك الحقيقي فيسيطر هو على نفسك وعلى إرادتك. اذا صُمت عندئذ تكون عشير المسيح. المطلوب من كل هذا التمرين – والإمساك مجرد تمرين – ان تجعل بينك وبين المعلم الإلهي قربى لأن هذه القربى هي التي تقودك الى القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد مرفع اللحم/ الأحد 10 آذار 2002 / العدد 10

تعتبر كتبنا الطقوسية هذا الأحد عيدا، آخر الأعياد بانتظار الفصح. ولكنه عيد يقوم على تنبيه شديد: “ان الرب يوافي فمن ذا يحتمل خوفه او من يظهر امام وجهه. لكن ايتها النفس كوني مستعدة لاستقباله”. الخدمة (غروب وسحر) تشدد على الرهبة عن حق لئلا يستهين الإنسان بالرحمة ولا يبقى جديا في مكافحة الخطئية. مع ذلك نستغيث ونعود الى الاسترحام.

         في التصنيف الأدبي هذا النص مثل، اذ يشبّه متى الأبرار الى خراف وهي بيضاء في بلادنا، ويشبّه الأشرار الى ماعز وهي سوداء عندنا.

         يبدأ المثل بعبارة: “متى جاء ابن البشر على عرش الآب”. ابن البشر هو المسيح الممجد بالصليب والقيامة والجالس على عرش الآب. العرش الإلهي الذي هو مطـرح المجـد يصير في مقابلـة البشـر والمسيـح مطـرح الدينـونـة. ما الدينـونـة؟ هي المواجهة الأخيرة، بين الله والإنسان كما يعرف الله الإنسان. اي هي المواجهة مع الحقيقة حيث لا نقـدر ان نتوهم (والخاطئ يميل الى تبرئـة نفسه اي الى الوهم). وهي مواجهة للأبرار لأنهم ايضا لا يعرفون عظمتهم لكونهم متواضعين. وهذا ما سيقوله المثل.

         على اي شيء ندان في هذا النص؟ النص لا يستغرق كل موضوع الدينونة لأننا سندان ايضا على الوزنات كما ورد في المثل السابق توا لإنجيل الدينونـة بحيث يأتي فكر متى اننا ندان على استعمال الوزنات وندان ايضا على المحبـة. يقول يسوع للأبرار: “اني جعت فأطعمتـوني الخ…”. هنا يدمج السيد نفسه بالجائع والعطشان والغريب والعريان والسجين اي بكل محتاجي الأرض.

         قلب المثل ان الله في هؤلاء بحبه اياهم. هذا شيء جديد كليا في تـاريخ الأديان. انت اذا كنت مع الجائع لا تكـون فقط معـه، انت مع يسوع. وتاليا تعامل المحتاج كما لو كنت تعامل المسيـح اي في كل قدرتك على محبته. المفروض ان المؤمن يحب المعلـم الإلهي حبا جما. اذًا تحب الجائع والسجين والمريض وغيرهم حبا جميعا.

         الأتقياء ينتظرون ان يسألهم السيد عن صلواتهم وأصوامهم. هذا السؤال غير وارد في إنجيل الدينونة ليس لأن الصلاة والصوم غير مهمـين ولكن ان لم يقودا الإنسان الى الالتحام بأخيه الإنسان لا يكونان عميقين او صادقين. حجر المحك لحقيقتنا الروحية المحبة.

         رد الأبرار على يسوع: متى رأيناك جائعا فأطعمناك الخ… رد صحيح بمعنى ان الذي يفعل الخير لا يفكر دائما انه يعامل يسوع الماكث في هذا المحتاج. يسوع لا يطلب ان نراه بوعي كامنا في كل محتاج. هو دمج نفسه بالمحتاج. وهو تقبل العطاء الذي قمت انت به. التعليم الجديد هنا هو التعليم عن وحدة المسيح بكل فقير ومريض وسجين وغريب وبوحدتهم جميعا بيسوع، كأن المعلم يقول ان هؤلاء المتروكين، المرميين خارج عاطفة البشر هم زملائي او جماعتي بامتياز.

         جواب الأشرار عن سؤاله متى رأيناك جائعا ومريضا ومحبوسا الخ… ولم نخدمك هو هذا: لأنكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه. وكأنه يقول: انا لم اطلب اليكم ان تحبوني مباشرة اذ لم تروني. أنا طلبت اليكم ان تحبوا المهمشين والمستضعفين الذين ليس احد يحبهم ولم تنفتح قلوبكم لهم. كنتم بلا قلوب. الملكوت ملكوت القلوب.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 3 آذار 2002 / العدد 9

اذا كان مثل الابن الشاطر هو مثل التوبة الكبرى، فلا شك انه يتبع منطقيا مثل الفريسي والعشار الذي هو إنجيل توبة ايضا اذ لا توبة ان اعتبرت نفسك عظيما فتكبرت. في اللغة “الشاطر” من نزح عن اهله وانفصل. فاذا عاد يعود الى أبيه.

         فالحديث الحقيقي ليس عن شاب ضال بقي ملازما لبيت اهله. انه كلام اساسي على من ترك المنزل الوالدي وجرح شعور ابيه، ثم انضم اليه بعد توبة. فكرة الابن الشاطر هي فكرة علاقة بين والد وولده. تبدأ بالانفصال وتنتهي بالرجوع. نحن اذا اخطأنا لا نفسد انفسنا فقط. نصدم الله ذاته.

         الخطيئة كانت في الاغتراب الذي طلبه الفتى. قسمة المال التي ارادها ناتجة عن حبه للابتعاد. الكتاب يقول ان هذا الابن “سافر الى بلد بعيد”. هناك بذر ماله عائشا في الخلاعة. هل الخلاعة هي فقط الزنى؟ لماذا اختار لوقا هذه الخطيئة؟ عندما اتهم الأنبياء بني اسرائيل، انهم زنوا مع آلهة اخرى ارادوا ان يقولوا انهم تركوا التصاقهم بالإله الوحيد الذي هو عريسهم.          الخلاعة في اللغة ان تنخلع عن واحد. في هذه الحال انخلع الولد عن والده. هذه في العمق كانت خطيئته. الباقي تفاصيل او نتائج.

         يفصّل لوقا ان هذا الشاب اصابه العوز. الجوع الذي تعرض له شيء يدل على ان الشبع الذي يقابل الحاجة انما سيجده عند أبيه. يحتاج الى الرجوع. يقول الإنجيل “رجع الى نفسه”، الى وعيه نفسه محطَّما، فأخذ يفكر انه لما كان في البيت كان منتعشا، ممتلئا بالخيرات وبالعطف.

         يجب ان يعود على الطريق نفسها التي سلكها من بعد ترك. ليس من طريق اخرى. فاذا قرأنا المثل الإنجيلي في خط الصيام المقبل يكون الرجوع خلال اربعين يوما الى المسيح القائم من بين الأموات. بعد حركة الوعي التي صارت له، كان عليه ان ينفذ توبته اذ لا يكفي ان يعي انه اخطأ. يجب ان يعترف ليتم صدقه. “اقوم وأمضي الى ابي واقول له يا ابت اخطأت الى السماء وامامك”.

         اذا انت اخطأت الى انسان، لا يكفي ان تعترف بذلك لله. يجب ان تعترف للشخص الذي صدمته او جرحته، لأنك بذلك فقط تتواضع وتكون صادقا معه ومع نفسك.

         واذا تبت فلك الغفران. لاحظوا قول الإنجيل: “وفيما هو غير بعيد رآه ابوه فتحنن عليه وألقى بنفسه على عنقه وقبّله”. الله دائما ينتظر عودتنا. هذا معنى قول لوقا عن الوالد انه رآه. اي اعتبره ابنه وتحنن لأن الحنان شيء من طبيعة الله. فكما ان الوالد هو الذي كان ينتظر وهو الذي غفر قبل ان يستغفره ابنه هكذا الآب. انه يضمنا الى صدره ولا يسألنا عن شيء.

         لم يعاقب الوالد وليده. لم يسأله: لماذا ذهبت؟ ماذا حل بك في البلد البعيد؟ كيف عشت؟ هل اعوزك شيء؟ رآه امامه حيا وفهم انه سيتمتع بما في البيت الأبوي من دفء. وفي الواقع سيظهر الفرح. فهذا الفتى “كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد”.

         ذبح له العجل المسمن. المسيح هو الحَمَل الذبيح من اجلنا في الفصح الآتي. امام انتظارنا اياه هل نبقى على الضلال ام نكره الخطيئة لنحبه ونحيا معه؟

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الفريسي والعشار/ الأحد 24 شباط 2002 / العدد 8

معنى هذا المثل الإنجيلي نستمده من الآية التي سبقت هذا الفصل وهي هذه: “وقال (يسوع) لقوم واثقين بأنفسهم انهم أبرار ويحتقرون الآخرين هذا المثل”. هل كان هؤلاء فقط من الفريسيين؟ ربما كان السامعون من جملة اليهود. سرد القصة يبدأ بأن رجلا فريسيا وآخر عشارا (اي جابيا) صعدا الى هيكل اورشليم ليس في صلاة الجماعة ولكن بصورة فردية كما يحصل عندنا لمن يزور الكنيسة خارج الخدمة الإلهية.

         الفريسيون حركة او حزب أصولي بين اليهود يؤمنون بالقيامة والملائكة والأرواح بخلاف بقية اليهود الذين كانوا ينكرون القيامة ومنهم من ينكرها حتى اليوم. فلم يكن للسيد اعتراض على عقيدتهم بل كان قوله بالقيامة في خطهم المعتقدي. مأخذ الرب عليهم رياؤهم وادعاؤهم البر وما كان اكثرهم على ذلك. “انهم يقولون ولا يفعلون”. هذا من الإصحاح الـ 23 من متى الشهير بالويلات التي يوجهها المعلم اليهم: “ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون”. سبب تبكيتهم: “تظهرون للناس ابرارا ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثما”. انجيلنا اليوم يزداد وضوحه ان قرأنا من جديد هذا الإصحاح 23 من متى.

         العشارون هم ملتزمو جمع الأعشار او الضرائب. موظفون عند الرومان، وكانوا قساة على المكلَّفين اي يمارسون الهدر ويحتفظون بمبلغ من المال المجبي في جيوبهم.

         اخذ الفريسي واقفا في حضرة الله يلوم الخطأة ويمدح نفسه: انا لست مثل سائر الناس. يصفهم خَطَفة اي سراقين او جشعين (وفي هذا تلميح واضح الى الجابي الذي كان كذلك). هذه فضائل عظيمة كان يسلك الرجل بها. اللوم كان انه يفتخر بها وليس هو مصدرها بل الله. الأمر الثاني افتخاره بالنوافل اعني فرائض لم يفرضها الله في العهد القديم (أصوم في الأسبوع مرتين اي الاثنين والخميس). والأمر الثالث انه يعشّر كل ما هو له اي يقدم للسلطات اكثر مما فرضته الشريعة مثـل النعنع والشبث (وهو الشومار) والكمـون وهذه من النباتات التي لم يكن مطلوبا ان يعطى عشرها للدولة.

         مقابل ذلك الجابي الذي وقف عن بعد لأنه كان يحس انه لا يستطيع ان يتصدر في الهيكل. “ولم يرد ان يرفع عينيه الى السماء” وهي الوقفة الطبيعية لليهودي في الصلاة. يرى نفسه دون بقية الناس. لذلك اعترف بخطاياه جميعا بكلمة واحدة: “اللهم ارحمني انا الخاطئ”.

         “هذا نزل مبررا دون ذاك”. انت لا تستطيع ان تعتد بحسناتك. كبرياؤك هي الخطيئة الكبرى وهي تلغي امام الله كل حسنة عندك. لا تستطيع ان ترفع نفسك. الله وحده يبررك.

         واذا لم تكن على شيء من الفضيلة واعترفت بذلك اي اذا تواضعت فيرفعك الله. التواضع قمة كل الفضائل.

         حتى تظهر الكنيسة اهمية هذا التعليم، نستهل في هذا اليوم في صلاة السحر الترنيمة: “افتح لي ابواب التوبة يا واهب الحياة”، وتلازمنا منذ احد الفريسي والعشار الى الآحاد اللاحقة قبل الصيام وأثناء الصيام كله.

         يتضح من هذا ان الموسم الطقوسي الذي دشناه اليوم والمعروف بالتريودي انما هو موسم توبة، فكأننا نريد ان نقول ان كل تطهر نقصده من اليوم الى سبت النور لا نحصل عليه الا بالتواضع الذي كانت قمته على الصليب.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

المرأة الكنعانية/ الأحد 17 شباط 2002 / العدد 7

خرج يسوع من المنطقة اليهودية الى منطقة وثنية سماها الانجيل “نواحي صور وصيدا”. يلتقي امرأة كنعانية والكتاب يتكلم عن قومها بشيء من اللوم. سمّته ابن داود وهو لقب من ألقاب المسيح.

         طلبت شفاء ابنتها. لم يجبها المعلم. هذا يبدو قسوة. التلاميذ ارادوا استبعادها عنه. اذ ذاك، قال لهم: “لم أُرسَل الا الى الخراف الضالة من بيت اسرائيل”. يبدو المعنى اني اثناء قيامي برسالتي على الأرض تنحصر هذه الرسالة باليهود حتى اذا جاء الروح القدس بعد موت المعلم وقيامته تمتد الرسالة الى الأمم. وهذا ما يؤكده قوله في آخر متى: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”.

         يمكن ان نفهم ان الرسالة ولو كانت عالمية بمضمونها الا ان مقاصد الآب ان تكون مهمة السيد على مرحلتين: الاولى عندما كان الرب لا يزال في البشرة، والثانية اذا انطلق عنا الى الآب.

         هل سمعت ما قال للرسل؟ ربما، ولكنها، في أية حال، أصرت ان يشفي المعلم ابنتها. عند ذاك، جاءت كلمته صداعة: “ليس حسنا ان يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب”. نجد في تعليم بعض الربانيين اي علماء الدين اليهودي ان الوثنيين مدعوون احيانا كلابًا.

         الظاهر ان يسوع يؤكد نجاسة الوثنيين فالكلب كان حيوانا نجسا. والمؤمن ليس كغير المؤمن. ليس ان يسوع يشتم المرأة. انه يستعمل اللغة التي كان اليهود يستعملونها.

         عند هذه القسوة المستغربة تجيبه المرأة بتواضع كبير: “نعم يا رب، فإن الكلاب ايضا تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد اربابها”. وكأنها تقول: انتم تعتبرون انفسكم شعبا مميزا بإيمانه بالله. واذا اجاز لكم هذا الموقف استعلاء عقائديا فأنا اقبل دونية الوثنيين. فعلى رغم هذه الدونية انا اريد شفاء ابنتي. عندئذ قال لها المعلم: “يا امرأة عظيم ايمانك”.

         يعترف هنا المسيح ان الإيمان ينزل برحمة الرب على اليهود وعلى الأمم. وكأنه يقول: انا اخترق من اجلك القواعد الموضوعة وألبي طلبك.

         فالإيمان كان قبل موسى وقبل الشريعة حسب قول الكتاب قديما: “آمن ابراهيم بالله فحُسب له ذلك برًا”. هذا ما سيردده بولس الرسول في رسالتيه الى اهل رومية والى اهل غلاطية.

         انتم الوثنيين ستصيرون ايضا ابناء الله بالإيمان وسيبرركم الإيمان ولن تُفرض عليكم أعمال الناموس الموسوي. وهذا ما سيقرره فيما بعد مجمع اورشليم.

         فالطريق الذي سلكه منطق يسوع يبدو كالآتي: يا امرأة انتم ما كنتم في عهد مع الله. انتم لستم على شيء ما دمتم في دنس الوثنية. فاذا دخلتم العهد الجديد الذي انا احمله للعالم تجدون الخلاص وينهار “حائط العداوة الفاصل” بين اليهود والأمم لأني انا اكون لحمتكم واكون وحدتكم.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

مجالس الرعايا والفقراء/ الأحد 10 شباط 2002 / العدد 6

عضوية مجلس الرعية ليست تشريفا لأحد. انها تكليف للعمل. لذلك لا ينبغي ان يتمسك احد بهذه العضوية. انها تمنح لمن نرى فيه أهلية، وقد نخطئ الاختيار. ولا يجوز ان يبقى احد مدة طويلة في المجلس ليتاح للآخرين الخدمة ويتمرن عليها العدد الأكبر من المؤمنين الأكفياء. فإذا انقضت ولاية المجلس ولم يجدد لأحد الأعضاء فهذا ليس نكرانا لفضائله، والتغيير ليس فيه ما يحزن. انه فرصة للآخرين. ان تأليف المجلس لا ينبغي ان يحدث أية خضة في الرعية. ولا ينبغي ان يشكل الأمر وجع رأس للمطران. أي احتجاج في هذا الموضوع متعب جدا لنا.

ثم صار علينا ان نفهم اننا جميعا خدام «ليكون الفضل لله لا منا» كما يقول بولس الرسول. يتبع هذا ان الوكيل ليس رئيسا للكاهن أو رئيسا لغيره من الأعضاء. ولا أحب ان اسمع على لسان احد: أنا بنيت، وأنا أعطي الكاهن راتبه. فلا مِنَّة لأحد على أحد ولاسيما أن أحدا لا ينفق من جيبه شيئا. وما وُلّي مجلس على كل الرعية، فهناك نشاطات مستقلة عنه ولاسيما عمل الشبيبة. وعلى المجلس ان يضع بتصرف شبابنا القاعات القائمة، وليس على احد ان يتبع مزاج هذا الوكيل أو ذاك. المجلس يحتضن كل نشاط يباركه المطران أو الكاهن.

ثم لا تقتصر مسؤولية المجلس على البناء أو الترميم. مسؤوليته الأولى في موضوع المال تأمين راتب الكاهن. هذا نريده معززا بحيث لا يشكو العوز. المجلس لا يقرر وحده في هذا الشأن إذ يفرض عليه القانون وضع موازنة توافق عليها المطرانية. المجلس يقترح على رئيس الكهنة معاش الكاهن. المطران يقرره. ذلك ان المجلس لا يملك الوقف ولا احد يملكه. الله وحده هو المالك. أنا أنزعج جدا من قول البعض: هذا ما وقفه أجدادنا. عندما وقف جدك الوقف يكون قد تخلى عنه، وأنت لست وريث جدك في الإدارة.

بعد تأمين حاجة الكاهن يأتي الفقراء أحباء يسوع والمدللون عنده. فمن دلّله المسيح يكون مدللا عند أعضاء المجلس. أنا استقبل فقراء كثيرين من هذه القرية وتلك. هذه مسؤولية القرية وليست مسؤولية المطرانية ولاسيما ان 90% من القرى أو أكثر لا تساهم بنفقات الأبرشية. وفي بعض الرعايا بحبوحة، ومع ذلك هي تهمل فقراءها. هم سادتنا كما قال القديس يوحنا الرحيم. لا تكدسوا أموالكم في المصارف. هذا ضد الإنجيل. ان السيد يريد ان تنفقوا أموالكم على المحتاجين لكي يشعروا بأن الكنيسة أمهم. لو كنا نعنى بالفقراء عناية حقيقية لما بقيت كنائسنا شاغرة يوم الأحد. المحتاج يحس انه على هامش الطائفة.

والعذر الذي لا أَقبله ان يقال للفقير: عندنا مشروع بناء يجب ان يكتمل. سؤالي إليكم: كيف يعيش هذا قبل ان ينتهي مشروعكم؟ البناء يستغرق سنين. في هذه الأثناء هذا يجب ان يأكل وان يعلّم أولاده. أولادنا أهم من كل كنائسكم. الكنيسة هي بشر لا حجر. وعوضا عن ان تفتخروا بمعابد جميلة وكبيرة، افتخروا بحبكم بعضكم بعضا. إذًا أَنفقوا باستمرار على الفقراء، وإذا بقي شيء من المال تقومون بمشاريع البناء.

أرجو ان تقلعوا عن التفكير العتيق الذي ألفتموه و«ليكن فيكم الفكر الذي كان في المسيح يسوع». بهذا تخلصون وبهذا تشهدون انكم وكلاء صالحون.

نحن نحتاج إلى انتفاضة روحية تظهرون بها انكم تحبون كاهنكم وتحبون من كان ضعيفا ماليا. لا تُحزنوا روح الرب.

Continue reading