اذا كان مثل الابن الشاطر هو مثل التوبة الكبرى، فلا شك انه يتبع منطقيا مثل الفريسي والعشار الذي هو إنجيل توبة ايضا اذ لا توبة ان اعتبرت نفسك عظيما فتكبرت. في اللغة “الشاطر” من نزح عن اهله وانفصل. فاذا عاد يعود الى أبيه.

         فالحديث الحقيقي ليس عن شاب ضال بقي ملازما لبيت اهله. انه كلام اساسي على من ترك المنزل الوالدي وجرح شعور ابيه، ثم انضم اليه بعد توبة. فكرة الابن الشاطر هي فكرة علاقة بين والد وولده. تبدأ بالانفصال وتنتهي بالرجوع. نحن اذا اخطأنا لا نفسد انفسنا فقط. نصدم الله ذاته.

         الخطيئة كانت في الاغتراب الذي طلبه الفتى. قسمة المال التي ارادها ناتجة عن حبه للابتعاد. الكتاب يقول ان هذا الابن “سافر الى بلد بعيد”. هناك بذر ماله عائشا في الخلاعة. هل الخلاعة هي فقط الزنى؟ لماذا اختار لوقا هذه الخطيئة؟ عندما اتهم الأنبياء بني اسرائيل، انهم زنوا مع آلهة اخرى ارادوا ان يقولوا انهم تركوا التصاقهم بالإله الوحيد الذي هو عريسهم.          الخلاعة في اللغة ان تنخلع عن واحد. في هذه الحال انخلع الولد عن والده. هذه في العمق كانت خطيئته. الباقي تفاصيل او نتائج.

         يفصّل لوقا ان هذا الشاب اصابه العوز. الجوع الذي تعرض له شيء يدل على ان الشبع الذي يقابل الحاجة انما سيجده عند أبيه. يحتاج الى الرجوع. يقول الإنجيل “رجع الى نفسه”، الى وعيه نفسه محطَّما، فأخذ يفكر انه لما كان في البيت كان منتعشا، ممتلئا بالخيرات وبالعطف.

         يجب ان يعود على الطريق نفسها التي سلكها من بعد ترك. ليس من طريق اخرى. فاذا قرأنا المثل الإنجيلي في خط الصيام المقبل يكون الرجوع خلال اربعين يوما الى المسيح القائم من بين الأموات. بعد حركة الوعي التي صارت له، كان عليه ان ينفذ توبته اذ لا يكفي ان يعي انه اخطأ. يجب ان يعترف ليتم صدقه. “اقوم وأمضي الى ابي واقول له يا ابت اخطأت الى السماء وامامك”.

         اذا انت اخطأت الى انسان، لا يكفي ان تعترف بذلك لله. يجب ان تعترف للشخص الذي صدمته او جرحته، لأنك بذلك فقط تتواضع وتكون صادقا معه ومع نفسك.

         واذا تبت فلك الغفران. لاحظوا قول الإنجيل: “وفيما هو غير بعيد رآه ابوه فتحنن عليه وألقى بنفسه على عنقه وقبّله”. الله دائما ينتظر عودتنا. هذا معنى قول لوقا عن الوالد انه رآه. اي اعتبره ابنه وتحنن لأن الحنان شيء من طبيعة الله. فكما ان الوالد هو الذي كان ينتظر وهو الذي غفر قبل ان يستغفره ابنه هكذا الآب. انه يضمنا الى صدره ولا يسألنا عن شيء.

         لم يعاقب الوالد وليده. لم يسأله: لماذا ذهبت؟ ماذا حل بك في البلد البعيد؟ كيف عشت؟ هل اعوزك شيء؟ رآه امامه حيا وفهم انه سيتمتع بما في البيت الأبوي من دفء. وفي الواقع سيظهر الفرح. فهذا الفتى “كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد”.

         ذبح له العجل المسمن. المسيح هو الحَمَل الذبيح من اجلنا في الفصح الآتي. امام انتظارنا اياه هل نبقى على الضلال ام نكره الخطيئة لنحبه ونحيا معه؟