تعتبر كتبنا الطقوسية هذا الأحد عيدا، آخر الأعياد بانتظار الفصح. ولكنه عيد يقوم على تنبيه شديد: “ان الرب يوافي فمن ذا يحتمل خوفه او من يظهر امام وجهه. لكن ايتها النفس كوني مستعدة لاستقباله”. الخدمة (غروب وسحر) تشدد على الرهبة عن حق لئلا يستهين الإنسان بالرحمة ولا يبقى جديا في مكافحة الخطئية. مع ذلك نستغيث ونعود الى الاسترحام.
في التصنيف الأدبي هذا النص مثل، اذ يشبّه متى الأبرار الى خراف وهي بيضاء في بلادنا، ويشبّه الأشرار الى ماعز وهي سوداء عندنا.
يبدأ المثل بعبارة: “متى جاء ابن البشر على عرش الآب”. ابن البشر هو المسيح الممجد بالصليب والقيامة والجالس على عرش الآب. العرش الإلهي الذي هو مطـرح المجـد يصير في مقابلـة البشـر والمسيـح مطـرح الدينـونـة. ما الدينـونـة؟ هي المواجهة الأخيرة، بين الله والإنسان كما يعرف الله الإنسان. اي هي المواجهة مع الحقيقة حيث لا نقـدر ان نتوهم (والخاطئ يميل الى تبرئـة نفسه اي الى الوهم). وهي مواجهة للأبرار لأنهم ايضا لا يعرفون عظمتهم لكونهم متواضعين. وهذا ما سيقوله المثل.
على اي شيء ندان في هذا النص؟ النص لا يستغرق كل موضوع الدينونة لأننا سندان ايضا على الوزنات كما ورد في المثل السابق توا لإنجيل الدينونـة بحيث يأتي فكر متى اننا ندان على استعمال الوزنات وندان ايضا على المحبـة. يقول يسوع للأبرار: “اني جعت فأطعمتـوني الخ…”. هنا يدمج السيد نفسه بالجائع والعطشان والغريب والعريان والسجين اي بكل محتاجي الأرض.
قلب المثل ان الله في هؤلاء بحبه اياهم. هذا شيء جديد كليا في تـاريخ الأديان. انت اذا كنت مع الجائع لا تكـون فقط معـه، انت مع يسوع. وتاليا تعامل المحتاج كما لو كنت تعامل المسيـح اي في كل قدرتك على محبته. المفروض ان المؤمن يحب المعلـم الإلهي حبا جما. اذًا تحب الجائع والسجين والمريض وغيرهم حبا جميعا.
الأتقياء ينتظرون ان يسألهم السيد عن صلواتهم وأصوامهم. هذا السؤال غير وارد في إنجيل الدينونة ليس لأن الصلاة والصوم غير مهمـين ولكن ان لم يقودا الإنسان الى الالتحام بأخيه الإنسان لا يكونان عميقين او صادقين. حجر المحك لحقيقتنا الروحية المحبة.
رد الأبرار على يسوع: متى رأيناك جائعا فأطعمناك الخ… رد صحيح بمعنى ان الذي يفعل الخير لا يفكر دائما انه يعامل يسوع الماكث في هذا المحتاج. يسوع لا يطلب ان نراه بوعي كامنا في كل محتاج. هو دمج نفسه بالمحتاج. وهو تقبل العطاء الذي قمت انت به. التعليم الجديد هنا هو التعليم عن وحدة المسيح بكل فقير ومريض وسجين وغريب وبوحدتهم جميعا بيسوع، كأن المعلم يقول ان هؤلاء المتروكين، المرميين خارج عاطفة البشر هم زملائي او جماعتي بامتياز.
جواب الأشرار عن سؤاله متى رأيناك جائعا ومريضا ومحبوسا الخ… ولم نخدمك هو هذا: لأنكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه. وكأنه يقول: انا لم اطلب اليكم ان تحبوني مباشرة اذ لم تروني. أنا طلبت اليكم ان تحبوا المهمشين والمستضعفين الذين ليس احد يحبهم ولم تنفتح قلوبكم لهم. كنتم بلا قلوب. الملكوت ملكوت القلوب.
