Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2002, مقالات, نشرة رعيتي

جميع القديسين/ الأحد 30 حزيران 2002 / العدد 26

لا يفوت احدًا ان الكنيسة وضعت هذه الذكرى الأحد الذي يلي العنصرة لتوحي ان الروح الإلهي الذي حل على الكنيسة انما هو الذي ينشئ القديسين. الكمال الروحي الذي ابتغاه كبار المجاهدين هو عطية الله، والطاعة البشرية هي تفعيل العطاء الإلهي. تعليم كنيستنا ان الخلاص الذي يكسبه الإنسان انما هو بمشاركة النعمة والحرية التي تتقبل النعمة.

         “الله يشاء الكل ان يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا”. تاليا هو يهب النعمة كل انسان، يهبها بلا مقدار، والإنسان يطيع او يتمرد او يهمل. فالسؤال: لماذا هذا في الجحيم وذاك في الملكوت جوابه ان ذاك اختار الهلاك وهذا اختار الخلاص اذ ليس احد محروما من النعمة الإلهية “المخلِّصة لجميع الناس” ان هم شاؤوا.

         الأمر الثاني اننا نعيّد في هذا اليوم للقديسين مجتمعين فإننا طوّبنـا بعضا منهم، الذين عرفنا عظمتهم الروحيـة. رأينا قاماتهم النورانيـة ولم يعطِنا الله ان نرى القداسة في كل الذين كانت فيهم. لهذا نجمعهم جميعا في يوم واحد فنؤكد تعلقنـا بالذين عرفنـاهم والذين لم نعرفهم. يعيّرنا بعض من خارج كنيستنا انها لا تعلن اليـوم قديسين معاصرين. الجـواب اننا طوّبنـا منذ بضع سنوات القديس يوسف الدمشقي ولكن لم تكن لدينا وسائل إعلامية كافية خاصة بنا للتعريف به. والكنائس الارثوذكسية الأخرى (يونانية، روسية ورومانية وسواها) أعلنت باستمرار قديسين من العصر. وفي المجمع المقدس ملف لم يبتّ. هذا أمر يتطلب تمحيصا كبيرا لئلا نستعجل الأمور.

         ومهما يكن من أمر فليس التطويب هو الأهم ولكن أن نكون قديسين فعلا. ربما كان علينا أن نتوب جدا وأن يسطع البرّ في أوساطنا ولا مفر، إذ ذاك، من الاعلان القانوني عن قديسين جدد.

         الأمر الثالث الذي لا بد من تأكيده في العصر الحديث هو ان القداسة ليست محصورة في نمط من العيش. فالمتزوج قادر عليها كغير المتزوج. والمرأة كالرجل. والطبيب والنجار والمحامي والتاجر والنائب والوزير والفلاح كلهم قادرون عليها ومطلوبة منهم جميعا بالقوة نفسها. الذي يمسك عن المشروب كالذي يشرب. ومن يأكل بلا نهم كمن يأكل قليلا.

         لذلك مردود هذا الكلام: “شو انا خوري؟”. هذا يقوله من تنبهه على سوء سلوكه. ان القداسة ليس من شريحة اجتماعية واحدة اقرب الى الطهارة الكبيرة من شريحة اخرى.

         كثيرون يعيشون على هذه الفكرة ان الخطيئة محتومة او ان المساومة بين الخير والشر لا بد منها. الصحيح انك تقدر على كل مهنة وتبقى بارا. ليس من مهنة تحمل الدنس بحد نفسها. في الغنى والفقر اذا جعلنا المسيح يشرف عليهما، في اي موقف سياسي شريف يمكن ان تكون في قلب النقاوة.

         ولكن هذا لا يتحقق الا اذا اردت الكمال الروحي واعتقدت انه ممكن في هذا العالم. اما اذا ارتضيت بالحد الأدنى من “الآدمية” اي الا تخطئ في المحسوس فلن تبلغ القداسة يوما. ان تريد كل البر، كل الطهر وان تسعى اليهما بجد كبير وقناعة تامة فهذا يجعلك مشروع قديس.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة/ الأحد 23 حزيران 2002 / العدد 25

آية اساسية في رسالة اليوم عن الرسل المجتمعين في العلية ان “ظهرت لهم ألسنة متقسمة كأنها من نار فاستقرت على كل واحد منهم” لتوحي ان كل مؤمن معمّد يحل عليه الروح الإلهي وهو يأتي، بخاصة، في سر الميرون. النعمة الإلهية الواحدة يتقبلها المسيحي فتصبح فاعلة بمقدار تلبيته وطاعات.

         وآية اساسية في انجيل اليوم: “لم يكن الروح القدس بعد لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجِّد”. هذه لا يمكن ان تعني انه لم يكن روح قدس قبل موت المسيح وقيامته فإن الروح هو الأقنوم الثالث الأزلي ولكنها تعني انه لم يكن قد أُعطي التلاميذ. ففي خطبة الوداع قال لهم السيد: “انا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم الى الأبد، روح الحق”. والمراد بذلك ان الروح ينزل على التلاميذ من بعد صعود الرب الى السماوات، فإن بعثه مرتبط بتمجيد الطبيعة الإنسانية في المسيح.

         ما هي وظيفته؟ الجواب في هذا: “واما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 14: 26). بأي معنى يعلمنا كل شيء وقد علمنا يسوع كل شيء؟ الشق الثاني من الآية: يذكّركم بكل ما قلته لكم توضح هذا. الروح يعطينا نعمة لكي ندخل كلمات يسوع الى القلب فنحيا بها. ان نجعل كلام يسوع المطلق الى عامة الناس ميراثا شخصيا لنا او طعاما نغتذي به عندما نجوع اليه، تلك هي وظيفة الروح. فالكلمة المكتوبة قد تبقى وحدها في الكتاب او تصير الى الذاكرة فنرددها كما نردد كل علم. اما ان تصير من القلب او القلب كله فهذا عمل الروح اذا استدعيناه. ولهذا نستهل كل خدمة إلهية وكل صلاة فردية بقولنا: “ايها الملك السماوي المعزي، روح الحق، الحاضر في كل مكان هلم واسكن فينا” لقناعتنا ان الروح القدس هو الذي يملأنا من نعمته اولاً لنتمكن من الدعاء. نحن وحدنا ليس لنا ان نجترئ ونخاطب الآب بدالة. انه هو الذي يهبنا الدالة.

         ماذا يعطي هذا وذاك؟ حسب تعليم بولس هو يهبنا المواهب. فهذا موهوب بالتكلم جهارا باسم الله وهذا ما نسميه نبوءة، وذاك له موهبة اخرى او كما نقول في خدمة العيد: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع… روح حكمة، روح فهم، مطهّر للهفوات، مقسّم للمواهب”. اذًا عطايا مختلفة للأفراد، تتكامل بالعيش الجماعي في الكنيسة. غير ان ما يجمع المؤمنين ذوي المواهب المختلفة هو القداسة. الروح هو المكلَّف بإنزال قداسة الثالوث كله على المؤمنين ولولاه لا نتوب ولا نسمو. هذا في ما يتعلق بالأفراد.

         اما في ما يتعلق بالكنيسة كلها فهي لم تكتمل الا بالعنصرة. منها كان الانطلاق بالإنجيل الى العالم. العنصرة كانت معمودية الكنيسة جمعاء. ثم الروح ينشئ سر المعمودية الذي يناله المؤمن. والروح هو الذي يقدس القرابين ويتمم بقية الأسرار وكل الأعمال التقديسية.

         بكلام آخر يأخذ هذا الخلاص الذي أتمه السيد دفعة واحدة ويجعلك تتناوله. بعبارة اخرى هو مفوض التوزيع للكنيسة مجتمعة وللمؤمنين افرادًا.

         أفي الأسرار الإلهية ام في التقديس الفردي نعطى ثمر الروح او إشعاع الثالوث المقدس وهو قوى غير مخلوقة. المؤمن تنسكب فيه “أنهار ماء حي” تفيض من الينبوع الإلهي. الروح القدس من حيث هو اقنوم لا ينقسم ولا نأخذ منه اجزاء. انت تأخذ ما يبثه فيك وما يبثه هو من الآب والابن ومنه. وهكذا تنحدر العنصرة على الكنيسة في كل قداس وتتجدد فيك لترفعك بالقداسة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الآباء/ الأحد 16 حزيران 2002 / العدد 24

في رسالة اليوم استدعى بولس قسوس الكنيسة اي الكهنة الذين من أفسس. وقال لهم ان الروح القدس أقامهم “اساقفة” اي مراقبين لكنيسة الله. فيما بعد صارت كلمة اساقفة تدل على رؤساء الكهنة حصرا. وهم مع الكهنة رعاة اي يلدون المسيحيين بالكلمة والأسرار والخدمة والعناية بكل واحد كما يرعى الأب اولاده.

         في العهد الذي تلا فترة الرسل ظهر من بين هؤلاء اساقفة وكهنة ورهبان بارزون سميناهم آباء الكنيسة لأن هؤلاء وَلَدونا في المسيح اي نقلوا الينا تعليمه في إطار ثقافة العصر الذي كانوا فيه يعيشون لأنه لا بد لك ان تترجم الإنجيل بلغة الناس، حسب مفاهيم الناس. وكان معظم هؤلاء مفسرين للكتاب المقدس. من أبرزهم يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي وهؤلاء ندعوهم باللغة العربية الثلاثة الأقمار اي الذين التمعوا في سماء الكنيسة. كان هذا في القرن الرابع واوائل الخامس.

         غير انهم لم يكونوا وحيدين فقد ظهر غريغوريوس اسقف نيصص وهو أخو باسيليوس ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وغريغوريوس بالاماس وسواهم.

         لم ينحصروا في التفسير ولكنهم ألقوا مواعظ ووضعوا كتبا في اللاهوت. وهي رسائل في مواضيع الخلق والخلاص والأسرار الكنسية كما وضعوا كتبا في الأخلاق وفي النسك. وكلهم كتبوا في الحياة الروحية اي في مكافحة الرذائل واكتساب الفضائل.

         وقد تفاعلوا مع الحياة الكنسية كلها. فكثير مما ألفوه دخل الى العبادة فاستقينا منهم ووضعنا اناشيدنا. غير ان اهم ما فيهم انهم جمعوا التعليم الى القداسة ولذلك سميناهم الآباء القديسين.

         بعضهم اشترك في المجامع المسكونية مثل اثناسيوس الذي كان روح المجمع النيقاوي (325) ووُضع فيه دستور الإيمان. فكانت المجامع تأتي من تعاليمهم كما ان تعاليمهم كانت المجامع تتخذها وتحولها الى عقائد اي كلمات هي لخلاصنا. فالثالوث القدوس الذي اوضحه المجمع الاول والمجمع الثاني (381) كتب فيه آباؤنا كثيرا. فعلى سبيل المثال وضع غريغوريوس اللاهوتي خمس مواعظ عن الثالوث مستقاة من هذين المجمعين. وقد اوضحوا مثلا الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح، وصاغ هذا التعليم المجمع الرابع (451).

         انهم استلموا كلام الرب فحافظوا على ما جاءهم في الأناجيل. فالإنجيل ممدود الى كتبهم بأسلوبهم والتعابير التي تلائم العصر وتردّ على الهرطقات. وتقيدوا بما أتى من الرسل بلا اجترار للكلمات ولكن بتفسيرها وتوضيحها.

         هم كتبوا في لغات زمانهم اي اليونانية واللاتينية والسريانية حسب البلدان التي كانوا يعيشون فيها. وآباؤنا الارثوذكسيون العرب الذين كتبوا في الإيمان المسيحي كانوا يستندون اليهم ويترجمون فكرهم لمنفعة العرب المسيحيين وغير المسيحيين.

         اهمية الآباء انهم يغذوننا بالفكر الحي المحيي بما يوافق التقليد الذي تسلموه ويكون هذا لنا سورا حتى لا نقفز خارج الإيمان المستقيم.

         بعض الذين كتبوه ترجم الى العربية قديما ولكن الكثير بقي مخطوطا. غير اننا في العصر الحديث نقلنا الكثير من هذا التراث وأسهم في هذا ابناء كنيستنا وابناء الكنائس الأخرى.

         اجل نحن غير مقيدين بكل حرف مما وضعه الآباء ولكنا مقيدون بما أجمعوا عليه، بالخطوط العريضة التي رسموها. ويأتي كل عصر مبدعا ومجددا ولكن بلا انحراف اذا استند على هذا الذي ورثناه. فالكنيسة متواصلة اجيالها وهي لا تردد الكلام ترداد ببغاء ولكنها تستلهمه وتخاطب الناس بلغة العصر بلا خيانة.

         نحن لم نولد اليوم. نحن مولودون من قديم وبهذا القديم نصبح ناسا جددا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الأعمى/ الأحد 9 حزيران 2002 / العدد 23

في انجيل اليوم اعمى منذ مولده رآه يسوع فسأله تلاميذه قائلين: “يا رب من اخطأ أهذا ام ابواه حتى ولد اعمى؟”. أُخذت هذه الآية عند المؤمنين بالتقمص ان هذا المريض كانت روحه موجودة في جسد آخر أخطأ فيه فعاقبه الله بالعمى لما صار الى جسد آخر. جوابنا عن هذا ان بعض علماء الديانة اليهودية كانوا يقولون انه في بعض الحالات قد يخطئ الإنسان وهو في بطن أمه. اضف الى هذا ان الفكر اليوناني عند افلاطون وغيره القائل بالتقمص لم يصل الى المعتقد اليهودي. واذا افترضنا ان فكرة التقمص وصلت الى التلاميذ ودانوا بها يكون هذا فكرهم هم وليس فكر المعلم. اما جوابه هو: “لا هذا اخطأ ولا أبواه” فمن باب انه يرد على تلاميذه مثلما وضعوا السؤال اي بالعبارات نفسها، ولا يتضمن هذا ان السيد يمكن تأويل جوابه على انه يتضمن عنده اعتقادا بالتقمص.

         هذا التعليم يستحيل التوفيق بينه وبين تعليم يسوع عن القيامة. “الذين عملوا الصالحات يقومون الى قيامة حياة والذين عملوا السيئات الى قيامة دينونة”. وليس من إشارة الى ان الذين عملوا السيئات تذهب نفوسهم الى اجساد اخرى. هم انفسهم يقومون.

         ان الأعجوبة المحكية مطولا لا تقتصر غايتها على سرد المعجزة. فالمعجزات السبع عند يوحنا غايتها التعليم. احدى الأفكار الرئيسية ان الفريسيين هم العميان الحقيقيون الذين رفضوا الإقرار بشيء ثابت لمجرد رفضهم ان يقوم المسيح بأعجوبة يوم السبت وهذا يوم لا عمل فيه. كذلك يقول يوحنا ان اليهود ايضا لم يصدقوا. النص اذًا يضعنا امام مأساة الذين لا يؤمنون مع ان حصول الشيء واضح. فكأن الإنجيلي يقول ان الأعجوبة بحد نفسها لا تجلب الايمان ولكن الإيمان نفسه هو الذي يهيئك لاعتبار الخارقة التي حدثت انها من الله.

         والمؤسف ان الناس يركضون وراء العجائب. يريدون الأشياء الغرائبية. بعضهم يدنو من الله وبعضهم لا يدنو. والقليلون يتوبون ولا معنى إطلاقا لمعجزة لا تزيدك ايمانا.

         ان صميم هذا الفصل الإنجيلي هو اولا ما ورد في الآية الخامسة: “ما دمتُ في العالم فأنا نور العالم”. كذلك الآية 93 الواردة بعد الفصل المتلو في الكنيسة اليوم: “لدينونة أتيت انا الى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون”. والمراد طبعا ان يسوع يقسم البشر الى قسمين: اولا) الذين يدّعون البصر ولكنهم عميان اذ لم يؤمنوا بالمخلص. وثانيا) الذين كانوا عميانا واعترفوا بذلك حتى اذا انكشف لهم نور المسيح آمنوا به.

         وقد نعود نحن الذين آمنا به الى العمى ان قبلنا أفكارا ضد المسيح او اتبعنا من ادعى التبشير باسمه وخرج عن الكنيسة، كذلك نكون عميانا بسبب الخطيئة وهي زيغان البصر وزيغان المعرفة.

         هذا الإنجيل يؤكد تأكيدا خاصا على النور الذي اعلنه المسيح بقيامته. كل هذه الفترة الفصحية كانت نورا لنفوسنا وأكدنا فيها بصورة رائعة ايماننا الفصحي. أنشدنا ألوف المرات للقيامة حتى لا تأتي الغشاوة الى ابصارنا فنبقى في ضياء المسيح الذي نلناه بالمعمودية وحافظنا عليه بالعمل الصالح وبالدراسة.

         المؤسف ان درس الكلمة الإلهية في اوساطنا ضعيف، وان بعضا منا تستهويهم البدع المضلة لكونها تفتح لهم الكتب المقدسة. ان النفوس عطشى الى هذه الكلمة. فلماذا لا تتجند كل رعايانا لتعلمها ونقي بها انفسنا من الخطر؟ المسيح يحتاج الينا لنتكلم عنه بصورة وافية وعميقة. الفصح لن يدوم الا اذا دامت فينا الكلمة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الثقة/ الأحد 2 حزيران 2002 / العدد 22

لنقل إن النزعة الفردية هي ان تعيش لنفسك ولا تنظر إلى الجماعة التي تنتمي إليها متعاونا وإياها. الكلام الشعبي هذا يفكر صاحبه بمصلحته فقط. ماذا أجني من فلان أو فلان فأقترب إليه أو أصوّت له. اما كيف أقوّيه وأنتبه إليه لأنه في حاجة، كيف أشجعه وأبرزه لأن الناس محتاجون إليه، فهذا أمر نادر جدا في أوساطنا.

وعندما لا أخرج من حدود عائلتي الكبرى أو عشيرتي لأرى الخير في كل مكان هذا نسمّيه عصبية عائلية، ولكنه في حقيقته نزعة فردية، إذ أتقوى أنا بالصالحين والفاهمين وان لا شيء يحوجني ان أظهر أنا إذا كان غيري أفضل مني. فقد أختفي في الظل، وراحتي فيه من ضميري ومن حبي للآخرين كبيرة. المهم ليس أن يقولوا عني حسنا ولكن أن يقول الله عني حسنا.

أجل لا يعيش الإنسان بلا انضمام إلى احد، بلا صداقة. والصداقة، تحديدا، خروج من الأنا المنغلقة على الذات إلى أنا جماعية. كياني في الصَّديق، وبإرشاده وحنانه يقوى كما يقوى هو بي. أنت تخرج من ذاتك أيضا بالفهم، وتتكون بذلك جماعةُ العارفين.

وليكن جميلا من استطاع ان يكون جميلا. ذلك ان الرب يحب جمالاتنا وهي تنعش الآخرين. وليتكلم بيننا من يعرف الكلمة ليفيد الناس. ما نفع كلامي إن كان كلامي تافها. «أنتم نور العالم». الخطيئة ان نطفئ النور.

لعلّ مردّ هذا الانكماش الخوف من الآخرين. الرومان قالوا قديما: «الإنسان ذئب للإنسان». الموقف الحقوقي ان الإنسان بريء إلى ان يثبت العكس. والموقف الإنجيلي أن نحب بعضنا بعضا ولا نبحث عما إذا كان الآخر يستحق حبنا. أنت تحب بلا شرط في الآخر ولا فيك ولا تنتظر ان يكافئك على شيء. ولكن قد يساعدك على المحبة ان تثق بالآخر منذ البدء.

إذا أتاك إنسان ثق به أولا. بعد المعاملة تعرف إذا استحق منك هذه الثقة. إذا تكلم إنسان صدّقْه منذ البدء لأنه خير لك ان يغشَّك من أن تظلمه بالشك. فإذا رآك تشك به وهو طاهر يصيبه إحباط وربما حزن حزنا شديدا. إذا كنت ذا خبرة طويلة أمكنك معرفة من يقترب إليك في لحظات. ولكنّا لا نملك جميعا هذه الخبرة. وبالثقة تستثير الثقةَ وتنعش نفس الآخر. إلقَ الآخر بحب وتعاون حتى يخيب ظنك به. أنت تحتاج روحيا إلى الآخر كما قد يحتاج إليك روحيا أو ماديا. كم من نفس تنقذ بالثقة. تذكّر قول يوحنا الحبيب: «المحبة تَطرح الخوفَ إلى خارج». كثير من هزالتنا يأتي من الخوف الذي لا يجعل فيك قوة.

كيف تريد بلا ثقة ان نبني الكنيسة، ان نصبح جماعة للمسيح؟ ما الرباط بين أفراد الجماعة ان لم يكن اطمئنان الإنسان إلى الإنسان؟ أنا ما دعوتك إلى إقفال عقلك وعدم التحليل. ليكن عقلك مستنيرا، دقيقا، فاحصا، وفي آن معا استقبل الآخرين في قلبك فهذا قد يفتح قلبك.

أنت لا تعيش بلا دفء. بلا قربى أنت تجفّ. قرباك من أبيك وأمك وإخوتك وأخواتك مفروضة عليك. وقد يكون أنسباؤك سيئين. اجعل لنفسك أصدقاء يكونوا عائلة قلبك.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد الفصح/ الأحد 19 أيار 2002 / العدد 20

لقد ذقنا الفصح ذوقا طيبا. أتكلم هنا على الذين كانوا في الكنائس. خطفتهم القيامة بقدر ما استوعبوا الإنشاد والتلاوات. الله وحده يعرف من كان به مأخوذا ومن وصل إلى العمق. مع ذلك سُرَّ الله بمن أتى في الموسم ولم يأت قبله وهو لا يأتي بعده وكأن فرحنا بالعيد ينقضي مع العيد.

         الحزن يضغط عليك إذا علمت أن الـ 300 أو 400 شخص الذين حضروا في بعض الرعايا لا يؤلفون الثِمن أو العِشر من مجموعة الرعية. ولا شك أننا لا نغطي كل المناطق في المتن الساحلي بنوع خاص. وليس في مقدورنا أن نبني عددا من الكنائس كبيرا. مع ذلك لا بد من أن يقدم كل المؤمنين إلى جسد الرب ودمه. وهذا يفترض عددا اكبر من الكهنة مدربين روحيا ولاهوتيا. ويتأكلني الخوف من أن الكثيرين من أبنائنا غير مخدومين ولا نستطيع خدمتهم بسبب نقص الكهنة والضعف المادي الذي نحن عليه.

         ربما كان علينا أن نتجاوز الحدود الموضوعة ونقيم العبادة في البيوت. ربما كان علينا أن نرسم كهنة من الذين ينصرفون إلى عمل لهم في المجتمع لنواجه موضوع الرواتب. كل هذا يتطلب منا درسا مستفيضا.

         إن أمنيتي أن الذين أتوا إلى أسبوع الآلام والعيد يستمرون كل احد لخلاص نفوسهم أولا ولتمكيننا من تعزيز الكهنة وإشادة الكنائس. إن ضيق المساحة القائمة عليها كنائسنا (هكذا استطعنا أن نشتريها) يجعلنا نستوعب القليل من المؤمنين لو شاء الكل أن يجيء. نعاني تقصيرا ليس مرده إلى كسلنا فمعظم الكهنة عندنا نشيط وغيور. إن بعضا من تقصيرنا سببه أن الكرم قليل. وفي تتبعي للأمور أرى أن عندنا شبانا حاضرين للخدمة الكهنوتية لو تأمنت معيشتهم.

         هل يظهر بيننا من يََعْي هذه المصاعب ويتآزر لسدّ هذه الثغرة بإيجاد حساب مصرفي مخصص للكهنة الحاليين والكهنة الجدد وسِلك من المتخصصين بالبشارة وجمع الأطفال وتثقيفهم. أنا انتظر ردود فعلكم. غير أن رجائي الملح ألا يعرقل احد أعمال الكهنة بسبب وجاهة يريد أن يمارسها عليهم أو بسبب استئثار بعض النافذين بشؤون الكنيسة وتسلطهم على الكاهن. هذا موجود وأنا أعاني منه معاناة شديدة. ليس أن كل الكهنة غاية في الكمال. ولكن المتَسَلطين من العلمانيين ليسوا قليلين. وهذا يعطل عمل الكاهن الغيور الذي يريد أن يغيّر الأوضاع ولا يُسمح له بذلك. يجب أن يفهم الكل أن الكهنة عندي مطيعون للرئاسة الروحية وان القلة القليلة منهم تعمل حسب مزاجها لأنهم يتلقون توجيهاتي ويعملون بها. ولكن هناك ناسا قامت وجاهَتهم على الكنيسة ويتصرفون كبطاركة على الكهنة. هذه مشكلة كبرى لا تحَلّ إلا بازدياد المحبة وازدياد الفهم.

         ويجب أن يفهم النافذون أن ليس لهم منفردين أن يعملوا ما يريدون. لهم أن يدركوا أن عليهم أن يتصرفوا بتواضع ولين وان الأوقاف ليست ملكهم ولا ملك عيالهم وان المكانة الأولى عند المسيح هي للفقراء وان أمر الرعية تشترك فيه كل العائلات وكلها متساوية بالكرامة والأكرم عند الله من كان تقيا.

         ليس من عائلة واحدة في الرعية انتدبها الله لترعى شؤون العباد. ومن شاء أن يسود الناس فيسودهم عن طريق السياسة لا عن طريق العبادة. كم من مرة قلت لكم أن الأوقاف ليست لأحد ولو كانت موقوفة من أجدادكم وآبائكم. هي ملك للجماعة كلّها وبالدرجة الأولى يتولاها المصلّون. ينبغي فصل السياسة القروية عن رعاية الذين هم للمسيح. هناك -للأسف- جيوب لم نقتحمها بعد لبسط نفوذ المسيح. إن الإقطاع المحلي عدوّنا في الكنيسة. فليبق إقطاعيا من شاء ولكن ليس على حساب الرب.

         وليُفهم مرة نهائية أن من طبيعة مجالس الرعية أن تتغير ليفسح في مجال الخدمة لمن استطاع الخدمة. إن توَلّي الأوقاف يفترض أن هناك من يذهب ويسلّم ما كان عنده من مسؤوليات وان ثمة مجموعات جديدة نأتي بها. ليس في إدارة شؤوننا استمرار لأحد أو وراثة لأحد.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

توما/ الأحد 12 أيار 2002 / العدد 19

تقف العقلية الشعبية عند توما شاكا. ولكن حقيقة توما الكاملة انه آمن من بعد شك. والحقيقة الأعمق انه الشاهد الأقوى على ان الذي ظهر له وللتلاميذ المرة الثانية هو نفسه الذي صلبوه.اذ كان من الممكن لولا توما ان يقال ان هذا الذي تراءى لهم عشية الفصح كان شبحا. ولكن بعد ان قال يسوع لتوما “هاتِ اصبعك الى ههنا وعاين يديّ وهاتِ يدك وضعها في جنبي” لم يبق مجال للشك ان هذا الذي ظهر بعد اسبوع هو نفسه الذي مات على الصليب اذ لا يزال يحمل آثار الصلب.

         ان ايمان توما ظهر في قوله للمعلم “ربي وإلهي”. وحتى ندحض كلام شهود يهوه ان يسوع “رب وإله” بمعنى “السيد” نقول ان ما ورد في الأصل اليوناني جاء مع أداة التعريف “أل”. فربي وإلهي ليسا نكرة. انهما معرّفان بمعنى انت هو الرب لي والإله لي. هذا اقوى اعتراف بألوهية السيد الكاملة التي تجعله مساويا لله الآب.

         ان يسوع تنازل لشك توما وكشف له علامات الموت. لم يقل له انك على خطأ لكونك طلبت ان ترى ولكنه قال انا لن اظهر على هذه الطريقة لكل الأجيال الآتية. انا صاعد الى أبي. هؤلاء لن يروا فطوبى لهم.

         غير ان المسيحيين بعد العصر الرسولي لن اتركهم بلا علامة. علامتهم ستكون الكلمة التي يبشر بها تلاميذي. والكلمة نور وحياة. وهي تنتقل اليهم بالروح القدس وبعجائب الرسل التي ستدوَّن ودونت في كتاب اعمال الرسل. ومن بعد الرسل سيقوم بعض القديسين بعجائب. والأهم منها الشهداء الذين ستقتلهم الامبراطورية الرومانية خلال ثلاثة قرون ويقتلهم ناس آخرون في بلدان كثيرة وفي كل زمان. ولن يخلو زمان لا يستشهد فيه المؤمنون به. ان صمود الشهداء وشجاعتهم هما القوة الكبيرة التي تأتي بمؤمنين جدد.

         وأبلغ كلمة تصل الى الناس هي قداسة القديسين. فمن رأى صبرهم وطهارتهم ولطفهم سيتساءل: كيف صار هؤلاء كذلك؟ من هو الذي وراء فضائلهم؟ كيف استغنوا عن كل شيء في الدنيا ليتعلقوا بالمسيح؟ أليس ان فرحهم به فاق كل لذة كان يمكنهم ان يجنوها؟

         كل هذا نوع مـن الـرؤية. سيشاهد الوثنيـون في كل جيل ان الذي يحدث مع أتقى المسيحيين وأنبلهم هو “تغيير يمين العلي”. سيفهمـون ان هؤلاء الطيبين هم زرع المسيح. فلولا كلمته وحبه حتى الموت لما كانوا كذلك.

         نحن ما بقينا الفي سنة ننتشر ونتسع بمجرد اننا توالدنا وصار اولادنا مسيحيين بالوراثة. فهناك من تركنا وهناك من انضم الينا بالغا وفهيما. وهناك من كانت أفعاله سيئة وكان فكره ضالا وهؤلاء جاؤوا الينا بالتوبة بعد ان سمعونا وبعد ان شاهدونا نتصرف تصرف ناس إلهامهم من فوق.

         اجل هناك من خان وتركنا ولكن هناك من احتمل عذابات لا تطاق في بلدان اضطهدتنا وهناك من احتمل قهرا وتضييقا في بلدان لم تضطهدنا مباشرة. ومع ذلك بقينا وسنبقى لأننا ذقنا طعم القيامة وذقنا جمال العيش مع يسوع وحلاوة الخصال الطيبة التي وحده سكبها علينا.

         ان فعل قيامته متواصل. “طوبى للذين لم يروني وآمنوا” تدل على اولئك الذين صاروا عظاما روحيا لكون القيامة انتقلت اليهم حبا وتجديدا.

         قد يشك هذا او ذاك في فترة من حياته ويطلب علامات للتيقن. ولكن اذا رأى مسيحيا عظيما يدرك ان احدا جعله هكذا عظيما وان هذا الذي يغير النفوس بحلاوته هو يسوع المبارك.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 5 أيار 2002 / العدد 18

كان الفصح العبري يجمع في اورشليم اهل موسى ليذبحوا الحَمَل الفصحي. هذا العيد ذكرى لخروجهم من مصر. اما اليوم فالآب يجمع احباء المسيح ليتحدوا به وهو حَمَلُ الله. والذكرى مزدوجة للآلام والقيامة معا ولا ينفصلان. وتحرر المسيحيين تحرر من الموت والخطيئة. فصحنا يعني العبور الى الحياة الجديدة، الى الآب.

         في العشاء السري يستعمل يسوع الخبز والخمر اللذين كان اليهود يستعملونهما. ولكن استباقا لما سوف يتم على الصليب يجعل الخبزَ جسدَه والخمرَ دمَه في الفصح المسيحي المنفذ في كل قداس نتخذ المسيح ذاته ونحيا به.

         مات الرب عشية السبت وقام بعد انقضاء السبت، يوم الأحد. في ذلك اليوم التقى تلاميذه. في اليوم نفسه أقام مع اثنين منهم وليمة شبيهة بالعشاء السري (وعرَفاه عند كسر الخبز). “وتراءى آخر الأمر للأحد عشر وهم على الطعام” (مرقس 16: 14). لذلك اخذ التلاميذ يجتمعون اليوم الاول من الأسبوع فسُمّي الأحد بسبب من ذلك “يوم الرب” يجمع فيه السيد نفسُه تلاميذه ليذكروا قيامته ويترجّوا مجيئه الأخير.

         فالفصح الاول كان يقام كل احد ولا يزال. اما الفصح السنوي فجاء بعد ذلك في القرن الاول للميلاد على الغالب اذ نعرف نقاشا حول تاريخه في مطالع القرن الثاني. في تلك الليلة اي بين غروب سبت النور وفجر العيد كانت تتم المعموديات تأسيسًا على كلام بولس: “او تجهلون اننا، وقد اعتمدنا جميعا في يسوع المسيح، انما اعتمدنا في موته فدُفِنّا معه في موته بالمعمودية لنحيا نحن ايضا حياة جديدة كما أُقيم المسيحُ من بين الأموات بمجد الآب؟” (رومية 6: 3و4).

         غير ان الفصح الأخير، العبور الأخير الى الآب هو الذي نقيمه في السماء بعد قيامتنا. فبعد ان قال السيد لتلاميذه: “خذوا فكلوا…” ثم قال “اشربوا منها كلكم…” ختم بقوله: “لن اشرب بعد الآن من عصير الكرمة هذا حتى ذلك اليوم الذي فيه أشربه معكم في ملكوت ابي” (متى 26: 29). هي الوليمة السماوية التي فيها نشرب خمر محبته.

         ما تم على الصليب خلاصا تاما وانكشف خلاصا في قيامة الرب وما سوف يحقَّق نهائيا في الحياة الأبدية، كل هذا مجتمعا هو الفصح. هذا كله يبدد ظلمات النفس اذ يضرب جذور الخطيئة فينا ويجعل كلا منا “خليقة جديدة”. هذا هو الفرح الذي لا يَنتقص منه شيئا ايُّ مرض وايُّ حزن وايةُ سقطة. وهذا ما اعطى المسيحيين قوة ليستشهدوا. شهادة الدم هي الكلام الأفصح عن القيامة. وجهود كل مسيحي يغلب التجربة التي تداهمه هو كلام يوميّ في الفصح.

         فاذا قلنا للسيد: “قم يا الله واحكمْ في الأرض” فإنما نعني اننا واثقون انه مالك قلوبنا وانه يحييها كل يوم. ولهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “ان صمتم او لم تصوموا فافرحوا اليوم. المائدة مملوءة فتمتعوا كلكم… لا يخافن احد الموت فإن موت المخلص قد حررنا… اين انتصارك يا جحيم؟… قام المسيح فانبثت الحياة. قام المسيح فليس في القبور من ميت…”.

         القياميون لا يخشون شيئا ولا يخشون احدا. انهم لقد أخذهم ربهم الى الحياة الجديدة. نعرف الآن اننا احرار فلا نجعل انفسنا عبيدا لشهواتنا. نسير على الأرض ولكن ليس كسائر اهل الأرض. واذا كان يقيننا ان المسيح قام من بين الأموات، نؤمن نحن ايضا اننا سنقوم كما قام. “فإن لم يكن للأموات من قيامة، فإن المسيح لم يقم ايضا” (1 كورنثوس 15: 13). ثم يعزز بولس حجّته بقوله: “واذا لم يكن المسيح قد قام، فإيمانكم باطل ولا تزالون بخطاياكم”. ثم يكمل الرسول: “وكما يموت جميع الناس في آدم فكذلك سيحيون جميعا في المسيح”.

         القيامة مبعـث ايماننا وداعمة له. وايماننا عندما يصير فينا محبة نتنقى به نحس ان طهارتنا ابتدأت فينا لما غـلب السيد الخطيئة. انها لن تتحكم فينا اذا عرفنا ان المسيح انتصر وانه منتصر الى الأبد في نفسه وفينا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم/ الأحد 28 نيسان 2002 / العدد 17

ايا كان إهمالنا في الصوم ندخل الآن اسبوع الفرح العظيم الذي يكلله فجر القيامة. اليوم يدخل ابن الانسان اورشليم متواضعا ويعلنه الأطفال ومن له قلب طفل ملكا على الإنسانية. يدخل لكونه ارتضى الموت بسبب حبه للبشر. وبدءا من مساء اليوم على مدى ثلاث امسيات نعلنه ختنا اي عريسًا للنفس، لكل نفس قررت ان تطيعه.

         سيأخذنا الإنشاد وتأخذنا التلاوات المقدسة لنقرب من يسوع اكثر فأكثر عسى يدخلنا الى قلبه ويعطف علينا ويغفر. والتحذير امامنا هو: “انظري يا نفسي ألاّ تستغرقي في النوم”. لقد نمنا في الخطيئة نوما كثيرا. المجال امامنا ان نفيق من هذا السبات الطويل. سوف ينزل علينا النور ان استمعنا الى الأناجيل والمزامير وما اليها وأسلمنا لكلمة الله بلا تردد. هذا هو الوقت الذي نذهب فيه الى الكاهن لنكبّ امام المسيح كل خطايانا حتى يحل الخميس العظيم لنأكل الفصح. انه جسد الرب الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.

         سنمشي وراء يسوع خطوة خطوة ونرفض الهوة التي اقمناها بيننا وبينه حتى نسمع الأناجيل مساء الخميس ونتشبع من خطبة الوداع التي هي الإنجيل الاول ثم نصغي الى الأناجيل الباقية ونتقبل الترتيلة: “اليوم عُلّق على خشبة”. نقول “اليوم” لنعني ان موت المعلم الذي وقع قبل الفي سنة انما هو حي فينا الآن وان الخلاص الذي اعطاه نهائيا آنذاك انما نتقبله الآن. نحن مجددا في استلام يسوع ولن نقبّله قبلة غاشة ولكنا نعطيه قبلة الحبيب، والحبيب لا يخون.

         ولما كان يوم الجمعة عطلة رسمية وعطلة لمعظم الناس سنذهب الى الكنيسة صباحا للمشاركة في الساعات الملكوتية وصلاة الغروب فإن هذه الخدمة على دسم روحي يجعلها قمة في هذا الأسبوع المقدس مليئة بالتعليم بالمزامير المختارة بصورة بديعة وببعض اناجيل الآلام ايضا حتى نطوف بايقونة المسيح الدفين (الإبيتافيون) بانتظار تقاريظ الجناز بدءا بـ “يا يسوع الحياة في قبر وضعت” ونقترب من هذه الصورة في آخر الخدمة ونقبل وجه يسوع وقدميه لنقول له اننا اتخذناه نهائيا مخلصا لنا.

         وفي كل هذا نعرف ان الحياة الإلهية دخلت به مملكة الموت وانها أبطلت الموت، لنقول له انه غالب كل شكل من اشكال الموت فينا وقد علمنا اننا “دفنا معه لنسير الى موته حتى كما قام يسوع من بين الأموات نسلك نحن ايضا في حياة جديدة”. في هذه الخدمة العظيمة لا نبكي عليه. فإن المسيح “سبَتَ بالجسد بواسطة سر التدبير الصائر بالموت ثم عَاد بواسطة القيامة الى ما كان ومنحنا حياة ابدية”.

         ثم يحل السبت العظيم الذي كنا نقيمه قديما في الليل وفيه يعمّد “المستنيرون” الذين علمتهم الكنيسة ليتقبلوا المعمودية عند غروب الفصح في بيت المعمودية القائم خارج الكنيسة، وبعد المعمودية يدخلون الكنيسة فنستقبلهم بقول بولس: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم”. وفيما هم كانوا يقتبلون العماد نقرأ من العهد القديم ما يتعلق بالعماد. اذ ذاك نهتف للسيد المبارك: “قم يا الله واحكم في الأرض”.

         كلنا شوق الى القيامة التي عبّرت عن الحياة الجديدة. وبعد الطلبات التي تلي الإنجيل نقول: “ليصمت كل جسد بشري” لأن الكلام المباح الآن هو ان المسيح قام من بين الأموات. وهذه هي الكلمة الوحيدة المخلّصة للعالم. ولن يزيد عليها بشري كلمة واحدة.

         بعد هذا لا يبقى علينا سوى ان ننتظر فجر القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد التواضع/ الأحد 21 نيسان 2002 / العدد 16

في هذا الإنجيل ينبئ يسوع مرة ثالثة بموته. نحن صاعدون معه الى اورشليم. يقوى شعورنا باقتراب الآلام. ما سيذوقه من اوجاع محكيّ عنه هنا. القيامة التي ينالها من الآب معلنة هنا ايضا.

         امام هذا الإعلان عن المحنة الرهيبة التي سيمرّ بها، ينبري ابنا زبدى ليطلبا اليه ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن يساره في مجده بمعنى المجد السياسي الذي كانا هما يحلمان فيه. اذ ان المسيح في المفهوم اليهودي زعيم قومي يحرر – في ذلك الوقت – شعبه من الرومان.

         أَسكتهما يسوع بقوله: “انكما لا تعلمان ما تطلبان”. انا لست منقذا وطنيا. انا منجّي النفوس من الخطيئة ومحررها من الموت الأبدي. ثم يسألهما ان كانا مستعدين ليتألما معه (الكأس التي أَشربها، الصبغة التي أَصطبغ بها). لا شيء يدل انهما فهما هذا الكلام حق الفهم. اجابا نحن مستعدان. ولكن كان للسيد لغة ولهما لغة اخرى. بقي الالتباس.

         عند ذاك غضب عليهما التلاميذ. ربما كان هذا حسدا. ربما اشتهى الكل المشاركة في مُلكٍ ارضي. عند ذاك سفّه يسوع كل الرسل بقولـه: “إن رؤساء الأمم يسودونهم (ويريد بذلك الأمم الوثنية) وعظماءهم يتسلطون عليهم”. يسوع كـان واضحا عنده ان سياسة الشعوب كلها تسلُّط من الحكام، وان سعي التلاميذ الى سلطة في هذا العالم لا تخـرج عن شهـوة الملك. ولهذا تـابع: “من اراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما”. الانسان التابع لي يتكون من خدمته ولا يتكون من سلطانـه. خذوني اذًا قـدوة “فإن ابن البشر لم يأت ليُخدم بل ليخدُم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين”.

         انا جئت خادما للكل. انا سأظهر لكم عند العشاء السري اني غاسل أرجل. انا، ابن الله، تبدو ألوهيتي للإنسانية بأني اجعل نفسي متألما عنها. ستنظرون اليّ معلقا على الخشبة اي ملعونا حسب الناموس وحقيـرا. المؤمنون الذين عرفوا اني مخلّصهم وذاقوا حلاوة الخلاص سيفهمون ان مجدي كان على الصليب. انا قلبت كل الموازين التي اصطلـح عليها البشر. فقد باتت العظمة بالتواضع، وجاءت الحياة، حياتكم من موتي. الذين يعرفـونني لا يستـولون على شيء ولا يستعبدون احدا ولا يهزأون بأحد ولا يحقرون احدا ولا يستعلون. احبائي سيصيرون غاسلي ارجل. يتحملون بصبر ووداعة كل شيء حتى يعلو الآخر. المؤمن بي سيفتش دائما كيف يكسر كبرياءه، كيف يبذل نفسه عن الآخرين.

         بعد ايام قليلة سنرافق يسوع في دخوله اورشليم لنحصل على الحب الذي جاء ليعطيه. وبعد هذا ايضا نرى القيامة. ولكن هذا لن يكون الا اذا اكتسبنا التواضع الحقيقي ليس فقط امام السيد ولكن امام الإخوة. “لقد تناهى الليل واقترب النهار”. فلندخل النهار الذي لا يعتريه مساء.

         المؤمن بيسوع يتبع يسوع حتى النهاية، حتى الموت ويقدم نفسه عن كل انسان حتى الموت اذا اقتضى الأمر ذلك. وكما قام السيد من بين الأموات نقوم نحن في حياة جديدة ممتلئة من النور. ليس بعد هذا الا فرح الفصح.

Continue reading