Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2002, مقالات, نشرة رعيتي

الحاكم/ الأحد 22 أيلول 2002 / العدد 38

كثيرا ما استغل الملوك المسيحيون وعبيدهم الاكليريكيون كلام بولس الرسول عن السلطة السياسة ليجعلوا الناس في العبودية “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان الا من الله” (رومية 13: 1). كلام مشروط بقول بولس عن السلطان: “لأنه خادم الله للصلاح”. وبقوله الآخر: “اذ (اي الحاكم) خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر”. ولكن ما موقفا ان لم يكن الحاكم “خادم الله للصلاح؟”. الكنيسة في الوقت الذي كتبت فيه هذه الرسالة لم تكن تحت الاضطهاد. ولكن عندما اضطهدها نيرون وبعد ان سماه يوحنا في سفر الرؤيا بترميز الأرقام 666 قال عنه انه الوحش. هناك اذًا فحص إلهي للحاكم. فهم صالحون او أشرار. واذا استقينا رأينا فيهم من الحقيقة وهي اسم من اسماء الله نحكم نحن عليهم.

         فعلى سبيل المثال اذا كان الحاكم حاقدا او محابيا او مفرقا بين الناس والفئات والمجموعات المختلفة يكون مؤذيا للبلد ويجب ان يهتز حكمه لأنه ينبغي ان يخضع للبلد ولا يخضع البلد له. كيف نهزه تلك مسألة اخرى، ولكن القول الفصل اننا لا نستعمل العنف لأن سلوكنا تجاه الظالمين سلوك رحمة ولكنه ليس سلوك صمت.

         وهذا ما يسمى الحرية. الإنجيل لا يتكلم عن الحرية السياسية اذ لا يتضمن تعليما عن الديموقراطية. هذه انشأها الفكر السياسي. ولكنها جاءت من قيم مسيحية ضاعت في الثورات. والحرية ضرورة من اجل تقويم الاعوجاج. فبعد ان رفضت البشرية نظام الملكية المدعية ان سلطتها من الله كان لا بد ان تجد سلوكا يصحح الاوضاع ويقوّم الاعوجاج. وهذا السلوك هو تلك الحرية التي تمهد كتلة نظمية مبدئيا تستلم الحكم ابتغاء الإصلاح. الحرية لا تفهم الا في ظل الحرية.

         اما القمع فناتج عن الخوف وعن ارادة العناد والاستمرار في القهر. وبالقهر يظلم الحاكم نفسه ويلطخها ويخرب البلد بيديه اي يزيد اسباب اليأس ويحطم آمال الأجيال الطالعة.

         الحاكم يطبق سياسة الله، والله مع الفقراء ومع الأحرار، لأن الفقر الرهيب يعرض صاحبه للخطيئة. لذلك لا يخضع الحاكم لمزاجه ويحاكم ضميره اولاً لكي يكون حاضنا للرعية الوطنية كلها.

         من هنا اننا مع رفضنا الكامل للعنف نوصي باستعمال كل الأساليب الأخرى للضغط على الحكام كالكتابة الصحفية والاعتصمات والإضرابات والتظاهرات لأن هذه وضعها من شأنها ان تردعه.

         وحكم الله يسري على كل السلطات في الدولة بما في ذلك السلطة القضائية. ليس من شيء لا يُمَس. ليس من خطيئة ولا من خطأ ان يُتَّهم القاضي بالرشوة او بالخضوع للسلطة السياسية. هذا ظاهر كثيرا في كل بلدان العالم. فعندما تقول السلطة السياسية لا تمسوا القضاء، الأفضل ان تقول هذا لنفسها. الحاكم الوحيد في الكون هو الله، وصورته فينا ليس الحاكم السياسي ولكن ضميرنا اذا استطعنا ان نعبر عنه بحرية.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

العولمة/ الأحد 15 أيلول 2002 / العدد 37

نبحث في العولمة بسبب من نتائجها الثقافية والروحية اذا نجحت. وهي آتية لا محال تفعيلا للاقتصاد الليبرالي الجديد والسوق العالمية التي تعني تبادل السلع بين الدول جميعا. وما يرافقها انتشار اللغة الانكليزية الرهيب بحيث يظن بعضهم انها قد تطغى على اللغات الأخرى فيزول تراثها. الكثيرون لا يعتقدون ان هذا الطغيان اللغوي ممكن، فالشعوب متمسكة بلغاتها ولو استعملت الانكليزية للتجارة.

ما يخيف حقا هو ان تستبد الدول العظمى بالدول الصغرى اقتصاديا فتستغل مواردها ولا تفيدها كثيرا. ما كانت تحلم به الدول النامية، اي التبادل المتكافئ، لن يكون. فهناك تصميم على ان العالم الأول اي العالم الصناعي يحتكر الصناعات الأساسية والتكنولوجيا العليا. في ظل استعمار متجدد بطرق اخرى قد تُساء معاملة الكبار للمسلمين والعرب، وهذا من شأنه أن يؤذينا نحن مسيحيي الشرق في علاقاتنا مع المسلمين الذين لا يزالون يظنون ان الغرب مسيحي. ونحن نريد ان نبقى شهودًا للمسيح في الحضارة العربية كما كنا دائمًا وأعطيناها الكثير كما أعطتنا الكثير.

نحن ليس بمقدورنا لا من حيث نحن عرب ولا من حيث نحن مسيحيون أن نقاوم ظاهرة العولمة حتى تعطيلها. ولكنا نستطيع أن نحمي أنفسنا روحيًا من ويلاتها. وهذا لا يتوفر الا بنهضة روحية كبيرة تجعلنا نحيا من المسيح في كنيسته وذلك بالتقارب مع الكنائس المسيحية الأخرى التي لا بد ان تذوق هي نهضة فيها. طبعًا ليس من السهل أن تحيا في بلد مقهور وتظهر مقهوريته ليس فقط في اختلال الأمن ولكن في الفقر. ان هذا التردّي الاقتصادي سوف يدفعنا الى الإيمان بالمشاركة الكبيرة بالأموال بين المؤمنين.

قد تأخذنا «موضة» العولمة وترجمتها على كل صعيد في الفن، في التربية. ولا بد أن تبني الكنائس بعض وسائل الإعلام الحديث، وقد دخلت ذلك الحقل منذ الآن.

نحن لا نخشى اي تطور في الحضارة. لقد خشي المسيحيون ظهور العلم الحديث وظنوا انه يناقض الكتاب. تصالحوا الآن مع العلوم. نحن لسنا أعداء التكنولوجيا. نتبنّاها حيث ليست ضد الأخلاق. ولكن لنا موقف من استبداد الشعوب بالشعوب. ونحن ننصر الضعيف. هل يمكن أن تهتدي الدول العظمى الى انها لن تثبت اذا بقيت مستبدة بالصغار؟ هذا ما نرجوه.

لا يجوز أن يظل الصغير مصلوبًا ويموت جوعًا كما هو حاصل في عدة بلدان؟ هناك ملايين من الناس ليس عندهم ماء الشفة نظيفًا. هذا اذا لم نتكلم على أمراض تفتك خصوصًا بشعوب الدول النامية. غير ان مواجهة كل ذلك غير ممكنة الا باستنفار كل قوانا الروحية وتمكننا من تلك المحبة للضعاف وهي التي تدفعنا الى كفاح ثقافي وسياسي في سبيل بشرية واحدة تضيق فيها المسافة بين الغني والفقير، بين أهل هذا الدين وأهل ذاك، هذا اللون او ذاك. يسوع هو مخلّص الانسان والحضارة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الشراهة/ الأحد 8 أيلول 2002/ العدد 36

«لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت» تلك هي الشراهة كما حددها بولس. نحن نفرط في الطعام والشراب خشية الموت. وهذه الخشية عبودية.

أجل هناك تغذية بسبب ما تطلبه الطبيعة، ولكن طلب اللذة المفرطة ليس من الطبيعة التي ورثناها من الله. النهم مطاردة للألم. والمسيحي يقبل الألم طوعا لأنه يقبل الصليب، وفي الصليب تأتي القيامة.

ليس في الجسد مشكلة. انها النفس المشتهية التي تسخّر الجسد لذاتها. هي تتخيل انها تجانبه أو تؤخره باللذة الآنية تعويضا منها عن مواجهته معضلاتها بصدق وشجاعة. فإذا لم نستدخل الله أعماقنا لا بد لنا من «تسليات» الطعام، كمًّا ونوعًا، يجعلنا نتيه عن الأصيل فنجعل ما كان وسيلة للعيش غاية لهذا العيش. ولعل الأخطر من الطعام الخمر التي قال عنها الرسول: «لا تشربوا الخمر التي فيها الدعارة». الشرب المعقول مقبول، ولكن الكلمة الإلهية صريحة: «السكّيرون لا يرثون ملكوت الله». ذلك انك لا ترثه وعقلك ضائع.

إلى هذا يقول العلماء وتقول الخبرة ان الخمر مأخوذةً بإفراط تقود إلى الزنا. بل يصبح البطن عبادة. ذلك انه إله بديل. الخطيئة تستقطب صاحبها وتحوّله عن الشكر. كم من عائلة تصلي قبل الطعام وبعده؟ ولهذا يقول الكتاب: «فإذا أكلتم أو شربتم أو مهما فعلتم، فافعلوا كل شيء لمجد الله». بولس الرسول الذي قال هذا يريد ان يحوّلنا عن كون الطعام مركزا لنا ليجعل الله مركزا. فإذا دعوناه قبل تناول الطعام وبعده نكون كمن يقدّم هذا الطعام قربانا. الطعام يجب ان يصير مائدة محبة لله وللإخوة.

عند ذاك لا يبقى الإنسان مغتذيا من الطعام فقط. يصير متغذيا من ربه. لذلك عندنا دعاء خاص عند الغداء ودعاء عند العشاء.

لا ننسينّ ان إحدى التجارب التي تَعرَّض لها السيد في البرّية هي تجربة الأكل. والسيد ردّها بقوله لإبليس: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان». أجل، لا بد من الخبز، ولكن الأهم منه خبز الكلمة وجسد الرب ودمه.

آباؤنا كانوا لا يتناولون الدسم ولا يعددون الأطباق، ولاحظوا -كما العلماء- ان حجم المعدة والأمعاء يتقلص في حال عدم الإفراط، واكتشفوا الصوم طريقا إلى محاربة الخيالات الدنسة.

ويظهر الشره بالولائم إذا أكثرنا منها. الآباء القديسون كانوا يستضيفون الغرباء ولكن ببساطة وقلة إنفاق. أما نحن فالضيافة عندنا مدعاة إلى حب الظهور والتخمة. كل هذا التسابق في المآدب باطل وضار.

وقد لفتنا آباؤنا ان من لم يَسُدْ جسدَه على هذا الصعيد لا يستطيع ان يرقى إلى الفضائل. اضرب النهم أولاً أي جنون البطن واللسان، واذكر ان «الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك». فكرة الموت إنْ لازمتنا تُحررنا من عبودية البطن الذي سيأكله الدود.

إلى هذا فالولائم الفخمة ظرف لنهرب من البساطة ونهرب من الفكر ومن مواجهة الوجدان. والشراهة تبعدنا عن الفقراء الذين هم سادتنا في الكنيسة كما يقول القديس يوحنا الرحيم. أنت مدعو إلى التقشف لتعطي الفقير طعامه في حين انه يبقى لك من الموائد الفخمة ما ترميه وكأنك تنسى ان الناس جياع. والجائعون في حاجة إلى ان يحيوا وفي حاجة إلى محبتك.

فإذا أمسكت تمتد إليهم، وهكذا تدرك ان الله أبوك وأبوهم. هذا هو سر المشاركة الذي يدعوك المسيح إليه.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

حب الظهور/الأحد 25 آب 2002/ العدد 34

في بركات مريم وصمتها وتواضعها نحن صغار جدا إن أحببنا الظهور. الله لا يُظهر محبيه في هذه الدنيا ولكن في القلوب التي تستطيبهم. من الناس من يفتخر بغناه ويعرضه على الناس لكي يسكروا به. ومنهم من يظهر جماله لكي يؤخذوا به. ومنهم من يعرض ذكاءه لكي يسحرهم. فئة تعتبر ان ثروتها شيء، وفئة أخرى ان حُسْنها (أي جسدها) شيء، والفئة الثالثة ان التماعها شيء.

هذه كلها ليست القلب المفعم بالحضور الإلهي. قد يرى القوم بِرّك، ولكن بِرّك ليس لك. لذلك لا تفتخر به. الله وحده يكشف فضائلك ليتمجد هو فيك. الإنسان الصالح ليس مالكا لصلاحه. انه فيه وديعة، والمودع هو الله.

هذه الفئات الثلاث التي تعتز بما تملك (مالا أو جاها أو حُسْنا أو ثقافة) في العمق لا تؤمن بالرب. «أعطوا مجدا لله». الكتاب، إذ يقول هذا، يحذرنا من المجد الباطل. عندما يستعمل الكتاب هذه العبارة فكأنه يقول ان هذا ليس بمجد. هذا لا يباد فيك الا إذا عرفت مجد المصلوب. لما قال السيد: «مجِّدْني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم» أراد مجد الصليب. كذلك: «الآن تَمجَّد ابن الإنسان (أي على الخشبة) وتَمجَّد الله فيه». ما همَّه ان تظهر قدرة الآب بموت ابنه أي بالمحبة المبذولة من أجل العالم. فإن أنت قبلت آلامك وصبرت استمساكا بيسوع يكون بهاؤه قد نزل عليك. «كل بشر عشب وكل جماله كزهر البرية. العشب ييبس وزهره يذوي… وأما كلمة إلهنا فتبقى إلى الأبد» (إشعياء 40: 6-8).

فإذا كان البشر عشبا فكل ما لهذه البشرة التي فينا (المال والذكاء وسواهما) هو أيضا عشب. يجب إذًا ان نتوارى حتى يعبر بنا جمال الله. وهذا غير ممكن الا إذا اعتبرنا نفسنا لا شيء. هكذا ندخل السر المريمي. العذراء قالت عن ربها: «انه نظر إلى تواضع أَمَته» فرفعها الله إليه وجعلها «أكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا بغير قياس من السيرافيم». لما كانت على الأرض توارت كثيرا ولم ينظر إليها أحد. فلما رفعها الله إليه بتنا ننظر إليها «واقفة على القمر وملتحفة بالشمس».

أجل لا تستطيع ان تُخفي مالك، ولكن لا تعتدّ به ولا تغرِ به أحدا، واهرب من البذخ لأن البذخ يظهرك. أما الحسناء فليس لها ان تتبرج بما يثير الناس، ولتدرك ان القبيحة قد تكون أكثر بهاء في عيني الله. ومن كان وافر العقل فليجعله في خدمة الآخرين ولا يظهر معارفه الا عند الضرورة، عندما تقتضي الخدمة ذلك. يمكن ان تدرك التواضع إذا أحسست ان كل ما في يديك ليس منك وليس لك. كذلك إذا أدركت ان ثقافتك بعضها منك ولكنها ليست لك وانك فقط معْبر. فقد يحلو للناس ما يرونه فيك، ولكن إذا كنت مختفيا وراء جمالاتك تعرف انهم بسببها يمجدون الله فتفرح.

إذا عرفت نفسك موهوبا اشكر الله. هذا مباح ولكن لا تجعل أحدا يشكرك. يحق لهم فقط ان يشكروا لله ما أعطاك. لا يكونون قد وقفوا عندك. فإنك إن استوقفت أحدا لينظر إليك تكون قد حبسته فيك أو في ما تملك، ولكن إن تواضعت تكون قد وجّهته إلى الآب الذي منه «كل عطية صالحة وكل موهبة كاملة»، وتكون قد التقيته في الله. وهذا اللقاء هو كنيسة أهل السماء الذين لا يزالون على الأرض أحياء.

جاهد جهادا مستميتا حتى تشدّ الناس إلى وجه المسيح ليرتسم على وجوههم نوره. أنت هدفك ان يستضيء البشر بضياء الرب. أنت لست بديل الله. يمكنك ان تصير وجهه إذا أخفيت وجهك. أنت تدمر إيمانهم بربهم إذا لفتّهم إليك لأن الإيمان ان يسكنوا في الله. لهم الحق ان يرتاحوا إليك ان كنت آتيا من فوق. إذ ذاك هذه الدنيا تصير سماء.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

كورنثوس/ الأحد 18 آب 2002 / العدد 33

انشأ بولس هذه الجماعة وكتب اليها هذه الرسالة غالبا سنة 65 اي بعد موت المخلص بقليل. وأخبره عمال او عبيد لامرأة تدعى خلوي ان بين المؤمنين ثلاثة احزاب: واحد لبولس وواحد لأبلّوس وواحد لصفا اي بطرس. تحزبات ذات طابع شخصي وقد لا تخلو من طابع فكري. انصار بولس لا بد انهم كانوا من الذين ضمهم هو الى الكنيسة. ابلّوس كان ذلك المثقف البليغ الاسكندري الذي خلف بولس في التعليم. من الممكن ان بطرس مر هناك في طريقه الى روما او ربما كان أتباعه من أصل يهودي اتخذوا بطرس رمزا للمتمسكين بالشريعة الموسوية.

         لم يتضح عند المفسرين انه كان حزب للمسيح. هم غالبا الفئة التي لا تريد ان تتحزب لأحد من الرسل الثلاثة الذين ذكرنا. بولس يرفض ان يكون له حزب لإيمانه بأننا جميعا للمسيح. لا يريد ولاء شخصيا، عاطفيا له. ويرى انه لا يجوز للجماعة ان تنقسم لكونها موحدة بموت المسيح وقيامته. اي انقسام يبطل صليب المسيح.

         هذا المشهد الانقسامي في بدء المسيحية يناقض كوننا نصير واحدا في جسد المسيح الذي نتناوله. ما هـو المشهد اليوم في كنائس الجبل التي تـؤلفونها انتم؟ هناك سلوكيات تعزي. على الرغم منها خلافات مـن نوعين في بعـض القرى. اولا) نجد في الكنيسة انعكاسات لخلافات حول البلـدية والهيئـة الاختيارية؛ وثانيا) نجد خلافات حول زعماء او سياسيين تنعكس ايضا في حياتنا الكنسية. وكل هذا ينشئ تشنجات تظهر احيانا في مجالس الرعايا. لا نرى اذًا ان الكنيسة تجمع.

         من السهل ان يقال – وهذا ما نسمعه – ان اتركوا عند عتبة الكنيسة خصومات الضيعة. فالخصومة هي في القلب، والقلب هو الذي يجلس مع الشخص في مجلس الرعية. غير ان العيب الأساسي لهذا القلب ان عندنا اناسا متشبثين، قساة لا يعرفون معنى التعاون ولا يحسون بوجودهم الا اذا صدّروا أوامر للآخرين. المحبة هي قبل كل شيء ان تحترم الآخر باحترام رأيه ثم بالمناقشة لا للتنازع ولكن للوصول الى الحقيقة. فاذا كان الأمر ماليا او عقاريا او اجتماعيا، فهناك اولا أدب المناقشة، ولا عيب على احد اذا غيّر رأيه عندما يقتنع بصواب الرأي الآخر.

         غير ان مجرد التهذيب لا يكفي. المحبة اساسية. المحبة تفرض ان تتبع الحق من اية جهة جاء.  ما من موضوع لا يحتمل الاختلاف. فليس من معالجة واحدة لأي وضع. وانت تبقى عظيما اذا قبل الإخوة رأيك او رفضوه. “على المرء ان يسعى”. ليست الحياة حكما لأحد او تحكما.

         خشيتي من كل من احتسب نفسه شيئا او عائلته شيئا. فقط من عرف انه الى التراب وان عائلته الى التراب يستطيع ان يعيش مع الآخرين. الفذلكات والحرتقات والتطبيقات ليست من شيم المؤمنين بأن المسيح جامعنا الى قلبه بمحبة واحدة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

عيد الرقاد/ الأحد 11 آب 2002 / العدد 32

يذكر سفر اعمال الرسل ان العذراء كانت في علية صهيون مع التلاميذ لما حل الروح القدس عليهم خمسين يوما بعد القيامة. بعد هذا لا يذكر العهد الجديد شيئا عنها، لا عن موتها ولا عن تاريخه. غير ان التقاليد القديمة المدونة في بعض الكتب التي لم تصنف في العهد الجديد تقول انها رقدت بالرب في اورشليم. ثم نلحظ ان قديسَين هما اندراوس الكريتي في القرن السابع ويوحنا الدمشقي في القرن الثامن كتبا عن رقادها وانتقالها الى السماء.

         هذا معتقد انتشر بين المسيحيين وجعل منه عيدا يقع في الخامس عشر من آب. ولكن المجامع المسكونية لم تحوله الى عقيدة ملزمة مثل الثالوث المقدس او تجسد ابن الله. ولكنه دخل في العبادات، في الإنشاد والايقونة. والايقونة تمثلها راقدة وابنها واقفا الى جانب السرير يحمل روحها على ذراعه. وتراها طفلة مقمطة للدلالة على هذه الروح التي قبضها المسيح.

         اجيال كثيرة منذ 15.. سنة تقريبا آمنت بهذا الأمر. ولذا يعتبر جزءا من تراثنا.

         الفكرة التي تهيمن على هذا المعتقد ان التي حملت بيسوع وظللتها نعمة الله العلي عصم الله جسدها من الانحلال ونقلها اليه كما نقل مسيحه اليه. هذه المشاركة الأساسية بينها وبين ابنها جعلتها تموت كما مات السيد وجعلتها تنتقل الى السماء بجسد ممجد كما سنكون نحن بعد القيامة بحيث انها دخلت المجد الإلهي كاملا على طريقة الشهداء. بتعبير آخر هي لا َتمثُل امام الديان العادل بل صارت “اكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا من السيرافيم” وهي اقدس من كل القديسين.

         وبسبب هذا المجد جعلت لها الكنيسة اعيادا كثيرة ما عدا الرقاد. حبل حنة بها عيد، وكذلك مولدها، ولها عيد جامع ثاني الميلاد. ورتبت لها الكنيسة صوما بين اول آب وعيد الرقاد، وفي هذا الصوم تقام، إكراما لها، خدمة معروفة بالبراكليسي اي الابتهال وتقام لها “خدمة المديح الذي لا يجلس فيه” خلال خمسة اسابيع من الصيام الكبير، وهي صلوات مستمدة من عيد البشارة التي اشتركت بها من حيث انها قبلت نداء الملاك لها لتصبح أُمًا للإله الابن.

         هذا الاحتفاء الكبير بها جعلنا نضع ايقونتها على الايقونسطاس (جدار الايقونات الفاصل بين القدس اي الهيكل وصحن الكنيسة) وهذا ما حدا بالمؤمنين ان تقام لها كنائس في كل انحاء العالم المسيحي مخصصة لهذا العيد او ذاك الذي نقيمه لها.

         الى هذا هي مذكورة دائما في صلاة الغروب والسَحَر والقداس الإلهي بكمية من الصلوات لا تحصى لأنها واقفة قرب عرش الرب تشفع دائما بنا.

         ولعل من اهم ما قيل عنها في الكتاب العزيز قول يسوع المصلوب الى تلميذه الحبيب: “هذه امك”. والكلام يتجاوز كون يوحنا هو الذي خاطبه المخلّص بهذا الكلام اذ الإنجيلي لا يسمي نفسه باسمه بل يقول عن نفسه انه التلميذ الحبيب. وتكون العذراء هكذا أمًّا لجميع المؤمنين بيسوع.

         ماذا تعني هذه الأمومة؟ لسنا نعرف ذلك بالدقة. ولكن الكلام في ظاهره يعني ان ثمة علاقة حميمية بيننا وبين العذراء. فمَن تجاهلها في عبادته يكون متجاهلا لبعض من الإنجيل. ألم تقل لإليصابات: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال”؟ ان هذا التطويب لا يعني فقط ان نعظمها عقليا ولكن ان نخاطبها كأبناء في الصلاة والوحدة بها.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم/ الأحد 4 آب 2002 / العدد 31

بعد أن أسهب بولس في الرسالة الى أهل رومية في بحث الإيمان، يبيّن في قراءة اليوم ان هذا الإيمان ينشئ الكنيسة المتعددة الموهبة. وهذا كله من الله. فلا يفتخر أحد على أحد لأن هذه المواهب مجتمعة هي التي تنشئ كنيسة حيّة.

      لا يذكر بولس موهبة الكهنوت اذ لا كنيسة بلا كهنوت. ولكن كنيسة رومية كنيسة ناشئة. عندما كتب اليها لم يكن قد ذهب اليها رسول. كانت المسيحية قد انتشرت منذ ربع قرن تقريبًا قبل كتابة بولس اليها وعرفت بإيمانها الكبير. فكانت غنية في العطايا الروحية.

      هذا الإيمان الواحد ينشئ النبوءة، والنبوءة في العهد الجديد ليست حديثًا عن المستقبل ولكنها كشف إرادة الله للجماعة، للرعية الرومانية هنا. فالنبي بهذا المعنى هو من كانت له قوة التحذير والتوعية والتوجيه والتوبيخ. والنبي طبعًا هو من استند على الإيمان الذي يسكبه الروح القدس.

      اما الخدمة فلا بد انها تعني اولا خدمة الكلمة. ولا خدمة لأحد ما لم يكن ممتلئا من الكلمة. ولكنها أخذت معنى خدمة الفقراء. ولما ظهرت رتبة الشمامسة سُمّوا خدامًا بالمعنيين: المعنى الطقوسي لأنهم كانوا يشتركون بالقداس الإلهي، والمعنى العملي لأن وظيفة رئيسة لهم كانت العناية بالفقراء.

      اما المعلّم فهو الذي يعرف الإنجيل الذي لم يكن قد دُوّن في ذلك الوقت ولكنه كان تقليدًا شفهيا مُختَزلا في ما سُمّي “انجيل بولس”. النبي هو المُلهم في الآن الذي يتكلم فيه. واما المعلّم فلا، فهو الذي فهم المبادئ المسيحية الأساسية وعرف ارتباطها بعضها ببعض.

      الواعظ يأخذ التعاليم الأساسية ويشرحها ويثقف الناس بها. المعلّم هو الانسان النظري، المتماسك الأفكار، يلقن التعليم كأستاذ. اما الواعظ فيوزع الانجيل على الرعية المجتمعة حسب حاجاتها. هو نظري وعملي معًا.

      اما المتصدق فينبغي أن يكون بسيطًا لا يستعلي على من يُحسن اليهم. غير التصدق الفردي عندنا الصدقة الجماعية التي أخذت الكنيسة تنظمها.

      المدبر الذي يدبّر بالرب وينذر ويتعب بالكلمة والتعليم.

      هذه المواهب كانت تتلاقى وتتقاطع، وقد يكون المؤمن عنده أكثر من موهبة واحدة. واعتقادنا ان الذي جمع أكثر من موهبة هو الذي صار قسًّا ومسؤولا عن الجماعة.

      بعد هذه الخدم التي تجعل وحدة الجماعة، انتقل بولس الى كون هذه المواهب لا يمكن تفعيلها بلا المحبة فأكد عليها ورأى انها تقود الى إكرام الواحد للآخر اي الى الاعتراف بموهبته، وهذا يجب ان يظهر في الاجتهاد، في التغلب الداخلي على ما يمنع المحبة التي تجعلنا “حادّين بالروح”، عابدين، فرحين، صابرين. هذه الفضائل ان ظهرت تدلّ على ان مواهب الروح القدس المذكورة اولا هي حقيقية لا وهم فيها. ودليل الصدق ان نؤآسي القديسين اي فقراء اورشليم، مضيفين للغرباء اي      المسيحيين الوافدين الى رومية من أطراف العالم. ولعلّ بولس كان يتوقع الاضطهاد الذي حلّ فعليًا بعد سنوات قليلة على عهد نيرون. المضطهِدون يجب ألا نلعنهم بل ان نباركهم لكي يسطع في المدينة نور المسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

في روح مجالس الرعية/ الأحد 28 تموز 2002 / العدد 30

كان لي خال استلم منذ ستين سنة وحده كل أوقاف مدينة طرابلس فرفع مواردها عشرة أضعاف في بضع سنين. وكان يبني كثيرا. سألته غير مرة: ماذا ينفعك مال الوقف؟ قال لنبني. فقلت له وبعد البناء ماذا تفعل به. قال لنبني.

طبعا فيما كان خالي يضيف عقارا على عقار كان الفقراء يتضورون جوعا وكان إحساسي أن بعضا من العائلات كانت تقبض بضع ليرات في الشهر لإسكاتها ولم تكن خطة لرفع شأنها الحياتي. وكانوا يعتقدون آنذاك انه محكوم على الناس أن يبقوا فقراء أو أغنياء. ولا يزال شعوري أن بعضا من متولّي أمورنا الوقفية يهربون من الفقراء بالحجر. لذلك سُررت سرورا عظيما لما اتخذ مجلس الرعية في منصورية المتن قرارا مسلكيًا سجله في محضر إحدى جلساته: البشر قبل الحجر، وقرارًا آخر يجعل الفقراء الهاجس الأول.

المال يعطي شعورا بالقوة والحجر بالثبات. هذا هو الإنسان العتيق فينا، الإنسان المشتهي هذه الدنيا. ولكن الذي يشعر بأن الفقراء همه الأول هذا يعرف انه يثبت في ملكوت الله. إن عبارة «نحافظ على الوقف» عبارة على الأقل ناقصة لأن السؤال لماذا تريد أن تحافظ؟ لم أسمع أحدا قال لي مرة: أنا أحافظ على الوقف ليدر عليّ مالا حتى أبدده على المساكين. هذه هي كلمة المزامير: «بدَّدَ، أعطى المساكين، فيدوم بره إلى الأبد». نحن لسنا وراء تثبيت أقدامنا في الأرض، ولكن وراء تثبيت عقولنا وقلوبنا في السماء.

المطرانية رازحة تحت عبء إحسانها. والإخوة الذين يطلبون إحسانا بسبب من مرض أو التأخر عن دفع الإيجار لمسكنهم أو أقساط أولادهم يأتونني من رعايا تملك مالا في المصارف. لماذا نكثر هذه الودائع؟ لماذا يتصرف بعض في الإمساك بالأموال وكأنهم يبخلون بأموالهم الخاصة؟ هناك تسلط على المحتاجين واضح أو إهمال لهم إذا كنا لا ننهرهم أو نتضجر منهم؟

هذا ليس كل المصيبة. المصيبة الكبرى هو أن نريد المسؤولية المالية إلى العائلات، والقانون يسندها إلى الأتقياء الموهوبين روح الخدمة والملمّين بأساليبها، وقد تكون عائلتك خالية من هؤلاء الموهوبين أو تكون روح الخدمة ضعيفة فيها. أنت تريد إذًا لعائلتك السلطة، ولا تجد ميدانا للسلطة إلا في الكنيسة. أو قد لا يكون في أهل بيتك مَن عنده روح الشورى أو قدرة على المناقشة الهادئة. وإذا كنت حقا محبا لله وتؤثر مجد المسيح في قريتك، فلا تتمسك بعائلتك في هذا المجال، وأَقلِع عن فكرة التمثيل العائلي، لأن كنيسة يسوع الفقير وإنكاره للمجد يخدمها فقط الودعاء العارفون بالأصول.

ولعل الخطأ الأفتك في العائلية أن تظن أن الكنيسة مؤلفة من عائلات في حين أنها مؤلفة من أفراد. مرات عديدة شعرت بالذل لما كان يقال لي: أنت لست فقط كاهنا (أو مطرانا) ولكنك واحد من العيلة. هؤلاء ما كانوا يرون أن شرف الكهنوت الذي أنا حامله أهم من انتمائي إلى عيلتهم.

إذا لم نتحرر من كابوس العيلة، نحن لسنا للمسيح. «مَن أَحبَّ أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني». نحن لم نولد من لحم ودم ولا من شهوة رجل وامرأة، نحن وُلدنا من الله، وليس بيننا من شراكة إلا لكوننا صرنا أبناء الله.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 21 تموز 2002 العدد 29

الأحد 21 تموز 2002                   العدد 29

وجد علماء الآثار في تل حوم – وهي غالبا كفرناحوم – مجمعا يهوديا يعود الى القرن الثاني، قام – على ما يظن – على المجمع الذي بناه قائد المئة الذي يتحدث عنه إنجيل اليوم. كان ضابطا رومانيا يأمر مئة جندي. هذا الجيش كان قوى أمن داخلي.

         وعلى كون الرجل وثنيا، آمن بأن يسوع كان قادرا على صنع العجائب. جاء ليطلب شفاء “فتاه” التي تعني الخادم والابن معا. لوقا الذي اورد الحادثة يقول ان هذا الفتى عبد الضابط. اهتمامه به خارج عن المألوف لأن العبد كان شيئا من الأشياء ولم يكن له في الشريعة الرومانية مكانة انسان له حقوق. قائد المئة اعتبره انسانا كأنه مواطن حر.

         كيف عرف قائد المئة ان ليسوع قوة الشفاء؟ الرواية التي يرويها لوقا تقول ان الرجل بعث بشيوخ اليهود الى السيد ليأتي ويشفي ذلك العبد. كان اذًا مطلعا على موقف بعض اليهود الايجابي من المعلم. لا ندري اذا كان يشاطرهم ايمانهم بالإله الواحد. ولكنه كان يؤمن بأن هذا المعلم الجليلي الجديد كان على علاقة مع الله تمكّنه من الشفاء.

         قال السيد للضباط: انا آتي وأشفيه. الرجل لم يكن يطلب انتقال يسوع الى البيت، فقال: “لست مستحقا ان تدخل تحت سقف بيتي”. ظاهر الكلام ان الرجل يعرف خطيئته فتواضع وأقرّ بها ضمنا. ولكن كان يعلم ان اليهود لا يدخلون عادة بيوت الوثنيين. فقال: لا داعي ان تأتي. يكفيك ان تقول كلمة فيبرأ فتاي. ثم أخذ من حياته المهنية صورة العلاقة بين الضابط والعسكري وان الاول يأمر فيطاع. وهكذا يستطيع يسوع ان يأمر من بعيد.

         عند ذاك تعجب يسوع من رجل ايمانه اقوى من ايمان بني اسرائيل حتى قال: “سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب. واما بنو الملكوت فيُلقَون في الظلمة البرانية”. هنا أشار السيد الى انه تأتي ساعة حيث الغرباء عن الموعد وعن الكلام الإلهي يؤمنون بيسوع ويصبحون هم ابناء الملكوت ويُطرح اليهود خارجا.

         هذا ما سيصبح تعليم بولس القائل ان الإنسان يُبرَّر بالإيمان وليس بأعمال الناموس. فليس لليهودي ان يفتخر بأنه من ابناء ابراهيم فإن “الله قادر ان يجعل من هذه الحجارة اولادا لإبراهيم”.

         هذا الوثني علّمنا ان نثق بيسوع ثقة كاملة، ان نؤمن ليس فقط انه غالب للمرض ولكنه غالب للخطيئة. فالخاطئ هو المفلوج الحقيقي. والثقة تزيدنا حبا للمسيح، والحب الذي يجمعنا بيسوع قائم على ايماننا بأنه كامل القدرة وانه يرفع عنا كل تعب وكل حزن وكل وجع، ويجعلنا له اصدقاء بعد ان استعبدتنا الخطيئة.

         ونتربى على المحبة اذا عرفنا بصلواتنا وقراءتنا للكتاب الإلهي ما صنعه المسيح لنا. ديانتنا تقوم كلها على هذا الشعور المتبادل بيننا وبين الرب والذي وصل الى ذروته على الصليب وفي القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الآباء/ الأحد 14 تموز 2002/ العدد 27

القراءة الإنجيلية اليوم جزء من العظة على الجبل كما وردت عند متى. ويستهلها بقول السيد لتلاميذه: “انتم نور العالم”. لا شك ان هذا النور مصدره المسيح نفسه كما ان نور القمر يأتي من الشمس. وقد قال الرب: “انا هو نور العالم” (يوحنا 8: 12 و 9: 5). وفي العهد القديم سمي الله نورا وكذلك التوراة.

         النور له وظيفة وهي ان يشع. لذلك يوضع على المنارة اي على مكان مرتفع في اية قاعة من البيت. وظيفة النور الذي يضيء في قلوب التلاميذ وعقولهم ان يحمل بسلوكهم وأقوالهم النور الى الناس. هذا شيء يحصل تلقائيا لأن الرسل لكونهم حاملي الكلمة في حالة تواصل مع الناس. بهذا الاحتكاك يرى الناس اعمال الرسل (ومن بعدهم المسيحيين) ولكن الغاية ليست تمجيد الرسول كاهنا كان ام علمانيا ولكن ان يمجدوا الآب. حامل الإنجيل لا يدعو الى شخصه احدا. يدعو السامعين الى المسيح.

         ثم ينتقل الى موضوع آخر بقوله: “لا تظنوا اني جئت لأحلّ الناموس والأنبياء. اني لم آتِ لأحل لكن لأتم”. ظاهر هذا الكلام يعني ان يسوع يقبل كل ما أتت به ديانة العهد القديم. ومن الواضح ان السيد يؤمن بأن هذا الكتاب موحى به من الله وانه تاليا لا يلغي حرفا واحدا فيه. الكل يذكر بعد هذا المقطع قول يسوع: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل… واما انا فأقول لكم ان كل من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم”. يسوع لا ينقض ولكن يعمق. يريد مكافحة الخطيئة من شروشها. كذلك ما يتعلق بالزنى. الرب يريد ان يضربه من اصوله فيبين ان الشهوة منبع الخطيئة.

         لقد قيلت اشياء كثيرة في الإنجيل عن السبت وكيف مانع الفريسيون الرب من ان يشفي في السبوت. هو ما قال: وصية السبت غلط. قال لا تنطبق في حالات الشفاء، فأنا لا أنقض السبت، ولكني اخفف الصرامة التي اوجدها العلماء فمنعوا حتى الشفاء. بعد هذا، في الكنيسة، سقط السبت من ذاته.

         عندما امتدت الكنيسة الى الأمم الوثنية ظهر هذا السؤال: هل يتهود هؤلاء اولاً ثم يُعمدون؟ مجمع الرسل في اورشليم قرر ان الناموس لا يُفرض على المسيحيين الجدد وظهر فهم روحي لنواميس العهد القديم. فالختان لم يعد ملزما اذ حلت المعمودية محله. والذبائح الدموية أُبطلت بدم المسيح. ما قيل ان هذه كانت خطأ في ايام الوحي بها. قيل تجاوزناها الى ما هو روحي.

         يبقى قول المعلم: “اما الذي يعمل ويعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات”. هنا يكشف يسوع ان التعليم لا يكفيك وحده لتصير انت نورا للعالم. ينبغي ان تعمل العمل الصالح الذي بينت المسيحية انه نابع من المحبة. فاذا كان التعليم يشير الى ايمان صاحبه فالعمل يدل على ان هذا الإيمان حي ويحيي صاحبه وسامعيه. المسيحية هي إيمان ومحبة لا ينفصلان. هي كلمة نتممها في واقع حياتنا.

         والنور يشع كثيرا ان تعاونا في الكنيسة على تعليم الإيمان وعلى تنفيذه، مشتركين، بالعمل الصالح. وهكذا سلك آباؤنا القديسون الذين نعيد لهم اليوم. كانوا لاهوتيين وابرارا معا.

Continue reading