Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2002, مقالات, نشرة رعيتي

المرأة المنحنية/ الأحد 8 كانون الاول 2002 / العدد 49

قبل حادثة الشفاء للمرأة المنحنية بفترة لم يعد يسوع يعلّم في مجامع اليهود في الجليل. ربما يعود ذلك الى كون الفريسيين كانوا قد رفضوه. ربما كان هذا خياره ليبقى ملتصقا بالشعب مباشرة. ولكنه في هذه المرة وهو في اليهودية (الجنوب) عاد الى المجمع (الكنيس) للمرة الأخيرة ليعلّم.

          كلمة “المنحنية” الموصوفة بها هذه المرأة تعني انه كان عندها انحناء في العمود الفقري. لما رآها السيد قال لها: “انت مُطْلَقة من مرضك”. عندئذ وضع يده عليها فاستقامت واخذت تمجد الله. كان المفروض ان يفرح جميع الحضور. غير ان رئيس الكنيس كان مغتاظا لأن الشفاء حصل يوم سبت. هذه المسألة (هل يجوز الشفاء في السبت) كانت موضوع جدل عند اليهود. احتج رئيس المجمع الذي كانت وظيفته ان يشرف على الصلاة والوعظ. توجه بنقده لا الى يسوع ولكن الى الشعب كله: لا يجوز الشفاء في السبت. المؤسسة كانت عنده اهم من البشر.

          عند هذا الاعتراض جابه المعلم رئيس المجمع ونعته بالمرائي، بالمنافق وقال: “الا يحل كل واحد منكم في السبت ثوره او حماره من المذود ويمضي به ويسقيه؟”، من باب اولى يجب شفاء الإنسان. المرأة كانت أتت الى المجمع لتصلي. ان شيئا في الشريعة لم يكن يمنع صانع عجائب ان يتمم اعجوبته ولكن الفريسيين اخترعوا تقاليد بشرية وادعوا استنتاجها من شريعة موسى. غير ان السيد علم “ان السبت للإنسان وليس الإنسان للسبت”.

          موقف يسوع أخجل خصومه. خجلوا لأن يسوع أفحمهم. وازداد خجلهم لأن الشعب كان مع يسوع. هؤلاء المعاندون للمعلم كانوا يطلبون المجد الباطل وقواعد بالية. اما الشعب الذي كان قلبه مع الله ففرح.

          هذه الأعجوبة شبيهة بشفاء السيد للرجل الذي كانت يده يابسة، الشفاء الذي ورد ذكره عند مرقس. “فصاروا يراقبونه هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه”. فبعد ان شفا الرب المريض “قال لهم هل يحل في السبت فعل الخير او فعل الشر، تخليص نفس او قتل”. وبسبب من هذه المعجزة “خرج الفريسيون للوقت مع الهيرودوسيين وتشاوروا عليه لكي يهلكوه”.

          هذا التفسير الخاطئ للسبت كان بداءة الموآمرة على المسيح. عبارة “تشاوروا عليه ليهلكوه” تتكرر في الآلام هكذا عند متى: “ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه”. كذلك مرقس يستعمل عبارة “تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله”.

          في الحياة الدينية في كل دين يخترع الناس قواعد ليست من الدين ليكبلوا حرية المؤمنين. ما ورثوه من تقاليد شعبية فولكلورية يريدون فرضه على الجميع. ان يؤتى بصورة الميت في قداس الأربعين او السنة يعتبرونه مقدَّسا (كيف كانوا يعملون قبل دخول التصوير الشمسي الى بلادنا؟). ان يقرع الجرس بعد نهاية القداس هي عندهم عادة مقدسة مع ان وظيفة الجرس ان يذكّر المؤمنين باقتراب موعد الذبيحة. ان يمروا تحت نعش المسيح عادة متأصلة ولا علاقة لها بطقوسنا. ان يذكر الكاهن اسماء الأحياء والأموات في الدورة الكبرى شيء مخالف لعباداتنا اذ يذكرهم الكاهن في الهيكل عند إعداد الذبيحة. تقليد وثني، كامل الوثنية استعمال المفرقعات صباح الفصح. مع ذلك يصعب في كثير من الأماكن ان تردّ الناس عن ذلك. ثوب مار انطونيوس او مار الياس للأطفال عادة غير موجودة في الارثوذكسية، ويطلبون منك ان تبارك الثوب ونحن لا نبارك القماش.

          في بعض الرعايا ان يخلع العريس بعض ثيابه قبل ذهابه الى الكنيسة تقليد بشري لم تأت كتبنا على ذكره. ان يمسح المؤمن الايقونة بيده ثم يقبّل يده شيء يؤذي الايقونة على مر السنين، والكنيسة تقول انت تقبل الايقونة تقبيلا. عادة وثنية تماما في رعايا قليلة تقبيل باب الكنيسة قبل الدخول.

          هناك ديانة شعبية يقوم بها بعض الناس ويظنونها كنسية. هي تخالف التقاليد الرسولية ولا بد من التنقيح. هذه كلها اليهود تقتل معرفتنا الحقيقية للمسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

اعمى أريحا/ الأحد 1 كانون الاول 2002 / العدد 48

في انجيل اليوم اجتاز يسوع نهر الأردن الى اليهودية. كان معه مرافقون: التلاميذ بلا ريب وبعض أتباعه. الى غرب النهر قامت اريحا القديمة وقليلا بعدها اريحا الجديدة الرومانية. بين هذين القسمين من المدينة كان اعمى يستعطي. هذا المرض يعرض الفقراء المصابين به الى الاستعطاء. مرقس يذكر الحادثة ويسمي الأعمى ابن طيماوس.

          سأل الرجل ما هذا الجمع فلما أخبر بأن يسوع الناصري عابر صرخ “يا ابن داود ارحمني”. ما من شك ان الأعمى كان قد سمع ان الرب شفى عميانا او مرضى بعامة. نداؤه ليسوع يدل على انه كان يعتبره المسيح الآتي. صرخ لأنه لم يكن يعلم مكان يسوع في كل هذا الجمهور. الذين كانوا في الخط الأمامي زجروا الرجل. لشدة تأثره وتوقعه للأعجوبة بقي يصرخ.

          عندئذ يقف يسوع ويأمر بأن يؤتى بالرجل اليه. سأله يسوع: ماذا تريد ان اصنع لك؟ طبعا كان المعلم يعرف ان هذا كان طلب الشحاذ. ولكن المعلم اراده ان يسأل ليؤمن الرجل فيما بعد بالمصدر الذي جاء منه  الشفاء. اذ ذاك قال هذا “ان أبصر” وفي النص اليوناني الأصلي “ان أرى من جديد”. كان يعرف جمال الدنيا وصعوبة العيش عند المكفوف وذل الاستعطاء.

          جواب يسوع: “أبصر” كما ترجمناها تعني “رَ من جديد توا”. اما قول المخلص: “ايمانك خلصك” فلها ان تعني: كن معافىً الآن كليا وباستمرار او تعني الخلاص الروحي او كليهما. يسوع يتجاوز الموضوع الصحي البحت: “ايمانك قد خلصك”.

          الموضوع ليس انتظار الأعجوبة. الانتظار انتظار الشفاء وتخيله والشوق اليه هو مجرد اختلاج نفسي ويستحيل ان يعيد البصر. لا يشفي عطلا عضويا. ما يعنينا قول الكتاب: “آمن بالرب يسوع فتخلص انت واهل بيتك”. النفس تتحرك نحو المسيح ولا تخلص بحركتها. سبب الشفاء هو المسيح لا النفس البشرية. اجل النفس تقبل نعمة الله ولكن “نعمة الله هي المخلصة لجميع الناس”. تعليم كنيستنا عن الخلاص بمعناه الروحي هو ان هناك موآزرة بيننا وبين الله. نحن لسنا علة خلاصنا. نحن نتقبل خلاصا أتمه الله مرة واحدة بيسوع المسيح. انت تنال ما هو موجود او تُقبل على ما هو موجود.

          ثم اذا التمست شفاعة قديس فأنت لا تشفى بقوة منه. انت تشفى فقط بقوة المسيح. القديس يتشفع من اجلك فيلبي الرب نداءه. ليس لأحد في السماء او في الأرض قوة مستقلة عن قوة السيد. لا مانع من الكلام الدارج: هذا شفاه مار جرجس او مار انطونيوس او سواهما على ان نعرف في قلبنا وعقلنا ان القديسين هم شركاؤنا في الصلاة وان من نطلب منه هو يسوع نفسه.

          ثم في حال اوجاعنا الجسدية قد يلبينا الرب وقد لا يلبي حسب مقاصد حكمته. هو في كل حال يلبينا روحيا بمعنى انه يمنحنا التوبة ويطهرنا من خطايانا. وهذا اهم بكثير من عافية الجسد. قد لا نتربى الا بالآلام. قد لا نتوب الا بالوجع. الرب يعرف ما يفيدنا.

          السؤال الشرعي الوحيد عندما يتحدثون، هنا وثمة، عن معجزات هو ان نعرف اذا كان حدث الشفاء قاد الى الله وطاعته. فاذا كان الأهم في امر اعمى اريحا انه نال شفاء نفسه يبقى ان اعظم ما نطلبه ان ترى نفسنا بهاء المسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الحياة الأبدية/ الأحد 24 تشرين الثاني 2002 / العدد 47

الذي دنا الى يسوع في إنجيل اليوم سمي رئيسا في ترجمة عربية او احد الرؤساء او احد الوجهاء. خاطب السيد بقوله: ايها المعلم الصالح. لفظة المعلم تعني ان هذا الرجل كان يعتبر يسوع من الربانيين (يحسبه حاخامًا). غير ان المعّلم في اسرائيل القديم لم يكن احد يسميه صالحا. هذا نعت كان عندهم يطلق على الله وحده. اذا قصد هذا الشاب استعمال هذه الصفة مجاملة فيسوع يرفض المجاملة. لا يعني جواب السيد رفضه ان يُنعَت بالصالح، ولكنه لفت محدثه الى انه اذا سماه صالحا فإنما هذا يجب ان يعني ان يسوع هو عنده اكثر من انسان.

          ماذا يجب ان أعمل تعني هل من عمل معيّن، محدد يجب ان اقوم به. يسوع يحيله الى الوصايا التي سُلمت الى موسى. يجيب الشاب: “كل هذا حفظته منذ صبائي”. هذا تربى على الفضيلة واستمسك بها. انسان ممتاز ولكنه غير كامل. الكمال يتطلب ان يتجرد عن التعلق بأي شيء. رمز ذلك ان يعطي كل شيء: “بع كل شيء ووزعه على المساكين”. هذا تعبير على انك لا تشتهي شيئا في الدنيا. ولكن البوذيين ايضا يفعلون ذلك. فليس الفقر بشيء ولا الغنى. كلام يسوع كان: بع كل شيء وتعال اتبعني. انت لا تتحرر بالفقر ولا تتكبل، ضوروةً، بالغنى. لا تنال الحرية بتوزيع ثروتك ولكن اذا اتبعت يسوع. حبك ليسوع يجعلك تحب من سمّاهم إخوته الصغار اي المساكين. فاذا اكتشفت الرب بحيث تراه ثروتك الوحيدة تستغني عن ثروتك المادية وتنسلخ عن جمالك الجسدي وبهائك العقلي. كل هذه قد تحجب عنك وجه المخلّص الدامي.

          اذا فهمت ان غناك لا شيء وفقرك لا شيء او انك بما تراه في نفسك من فضائل انت ايضا لا شيء، تكون قد اقتربت من الرؤية الكبرى وهي ان الله المحب البشر قد اغناك بابنه وانك صرت حبيبه بالصليب. اما الذين يتمسكون بما عندهم من ثروة وجمال وعلم وذوق ولا يعتبرونها عطايا من الله فإنما نحتوا لأنفسهم صنما يعبدونه. من هنا قول المعلم: “انه لأسهل ان يدخل الجمل في ثقب الإبرة من ان يدخل غني ملكوت الله”.

          هو يريد انك غني بكل هذه اذا استغنيت بها عن الله. انا لست اقول انه يجب ان تحتقر الأشياء المخلوقة او التي يستعملها الإنسان كالمال، ولكن ان ترتفع بها الى الله وان تذهب بها الى الإخوة. المال تعطي منه الكثير ان كان كثيرا وتعطي القدر الذي يجعلك لا تتعلق به ان لم تكن على كثرة منه. الجمال لا تتباهى به ولا تزيده رونقا بصورة فاحشة او متغاوية ولا تجعله وسيلة للتسلط. والذكاء لا تتباهى به ولا تظن انه يعطيك اية ميزة عند الرب.

          اذا كنت انسانا حرا تصبح رقيقا كالخيط كأنك قادر ان تعبر ثقب الإبرة.

          لذلك لا داعي لاعتقاد بعض ان الرب يسوع يبالغ في صعوبة دخول الأغنياء ملكوت السموات. المقصود ذلك الحيوان المسمى الجمل وليس شيئا آخر لتخفيف الصعوبة.

          هل يعني ذلك استحالة الخلاص للأغنياء؟ عندما يقول السيد “ما لا يستطاع عند الناس مستطاع عند الله” لا يعني ان الله قد يخطر بباله ان يخلص الأغنياء ولو بقوا على عشق مالهم. المقصود ان عليهم ان يغيّروا ليس فقط ذهنيتهم ولكن سلوكهم بمحبة الفقراء.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الغني بالله/ الأحد 17 تشرين الثاني 2002 / العدد 46

إنجيل اليوم فحواه مثل من امثال يسوع التي يصم بعضٌ أذنيه عند سماعها لكونه منشغلا بنفسه عن الملكوت، ويفتح بعض اذنيه لسماعها حتى يخلص بها. قصة اليوم ان مزارعا كبيرا أخصبت أرضه قصة مألوفة وان يتأمل بجميع ما فاض عنده من الحبوب في مخازن قمح اعظم مما كان لديه هي رغبة طبيعية جدا. هكذا توظف الأموال. والمال لا بد من توظيفه.

            وان يأمل بعد هذا بشيء من البحبوحة وان يأكل ويشرب على منوال لم يكن لديه فيما قبل فطبيعي جدا. لماذا يسميه الله جاهلا؟ الا يبدو هذا ان الرب ضد توظيف الأموال وضد الادخار؟ “هذه التي اعددتها لمن تكون؟”. الجواب الطبيعي انها تكون لأولادي. غير ان الرب يكمل حديثه مع الرجل اذ يقول: “هكذا من يدخر لنفسه ولا يستغني بالله”.

            الذي الله يلومه هو من يُراكم الأموال ويشعر ان قوته في هذه الدنيا او استمراره هو بها. ربما لما كان هذا الرجل مزارعا صغيرا كان يتكل على الله. السؤال هو هذا: هل يقدر مثل هذا ان يصبح مزارعا كبيرا ويبقى اتكاله على الله؟ مبدئيا هذا ممكن اذا لم يغير نقطة اتكاله. اما اذا سحرته امواله الجديدة وتعلق بها ولم يعد يرى لنفسه غنى آخر، غنى روحيا، يكون هذا الازدياد أفسده.

            اجل لوقا الذي اورد هذا المثل يعطي مكانة كبرى للمساكين. غير انه هنا لا يقول لصاحب الأرض: راوح مكانك ولا تستغل ارضك ولا توسع اهراءك او مخازنك. يقول لا تنسَ ان ثروتك هذه الجديدة لا ترفع شأنك وانك تخطئ اذا انت فقدت اتكالك على الله لتتكل على مال هذه الدنيا.

            القضية قضية قلب. ماذا يملأه؟ هذا يبدو السؤال. غير ان سؤالا آخر يصاحبه: هل من شرط حتى يصير الله صاحب قلبك حقا؟ على صعيد الثروة لا يعني شيئا ان تقول له: انا احبك اذ يجب ان تحب الإخوة. محبة الله لا تكون باللسان. المحبة يمتحنها الله فيك. والامتحان ان تحب المساكين فعليا، بالعمل. كان بإمكان هذا الفلاح الا يحتفظ لنفسه بكل ما ربحه. كان عليه ان يحتفظ لصغار المزارعين الذين كان منهم بحصة من الحنطة تنفعهم للزرع القادم. ولكنه “داخ” بماله المتكاثر ونسي معا الله والأنسباء واهل الضيعة المحتاجين.

            ان نذكر الله ذكرا كثيرا لا تنتهي بأن نسأله حاجتنا او ان نشكره شكرا طيبا. ان نذكر الله هو ان نقيم مشاركة بيننا وبين الآخرين. الذي عنده ليعطِ الذي ليس عنده او يهتم له، واذا استطاع ان يساعده بواسطة اصدقائه حتى يجد لنفسه عملا، هذا هو التعاضد الذي يمكن ان نقوم به بمقدار قوتنا ومقدار نفوذنا. ان تحس ان الآخر من لحمك ومن عظامك وان تتوجع انت اذا توجع وتعمل لرفع ظلم هذه الحياة عنه هو المبتغى.

            ليس المطلوب ان تقوى وحدك ولكن ان يقوى الآخر من اجل كرامته ومن اجل اولاده حتى يجتنب الذل ويتحرر من الفاقة والمرض. اذكر دائما قول السيد: “كنت جائعا فأطعمتموني، عريانا فكسوتموني”. اذكر اننا بعضنا الى بعض جسد المسيح. في هذا الجسد لا يمكنك ان تقول لواحد: انت أخي. أظهر له هذه الأخوة بصورة ملموسة حتى يثق بكلامك ثم يمجد الآب الذي في السموات. اذا شاركته يمكن ان يحس للمرة الاولى انه أمسى ابنا للملكوت.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

رفات القديسين/ الأحد 10 تشرين الثاني 2002 / العدد 45

هنا وهناك في القديم كانت الذبيحة الإلهية تقام على أضرحة الشهداء لكون الشهداء يقيمون في المجد الإلهي والقداس الإلهي احتفال بالقيامة الآتية. الشهداء يشددونا الى القيامة الأخيرة. ثم اندفع المسيحيون من هذا التكريم الى تكريم القديسين الآخرين الذين كنا نعتبرهم شهداء بيضا (اي بلا سفك دم) اذ أماتوا شهواتهم على الأرض. وفي الواقع احتفظ المسيحيون، هنا وثمة، بالهياكل العظمية لبعض القديسين مثل امبروسيوس اسقف ميلانو والقديس نيقولاوس اسقف ميرا الموضوعة رفاته في باري (ايطاليا).

         وما يميز هذه الهياكل او جزءا منها كالجمجمة او اجزاء من الذراع وسواها ان هذه العظام يفوح منها رائحة زكية كالعطور. أضف الى هذا اننا في حفلة تكريس كنيسة نضع في صلب المائدة المقدسة ذخائر من الشهداء وهذا استمرار لعادة اقامة القداس على قبور الشهداء.

         الفكرة الأساسية هي ان هذه الرفات تنطق بالقيامة المرجوة وتشير اليها. ولكن بسبب الضعف البشري ممكن ان ينشأ الاعتقاد ان هذه الرفات لها فعل في ذاتها كقول بعضهم انا احمل الذخيرة الفلانية (تخيرة بالعامية) وهي تحمينا من كل أذى. هي لا تحميك بلا ايمانك وتوبتك. الخطر تاليا ان نجعل لهذا الإكرام مركزا ممتازا يحِّولنا عن العبادة بالروح والحق.

         هذا في خط الإكرام العام الذي يليق بالقديسين. ومن الواضح عندنا ان كنيستنا تكرّم الذين طوبتهم هي بعد انفصال الكنيستين احداهما عن الأخرى كما تطوب قديسي الألفية الاولى. ذلك لأننا على علاقة روحية مع اولئك الذين كانوا على الايمان الارثوذكسي او استقامة الرأي. ايقونات هؤلاء نقيمها في كنائسنا ومزارات هؤلاء نزور. وهذا لا يمنعك ان تكون معجبا بالجمال الروحي الذي عند المسيحيين الآخرين وان تطلع على سيرته ويكون لك كفرد علاقة به لأن كل إعجاب نوع من العلاقة. غير انه من الثابت ان الانشقاق يجعلنا من حيث الإكرام الجماعي مرتبطين بالذين كانوا على ايماننا.

         غير ان الأهم ان يكون إكرامنا الفردي للقديسين خاضعا لعبادتنا الثالوث المقدس. وهذا التوازن تجده في الطقوس فلا يطغى ذكر مخلوق مهما سما على المسيح المبارك الى الأبد. المسيح هو وحده حياتنا. والقديسون شركاؤنا في الصلاة اليه.

         رُوِي لي مؤخرا ان فلانا يقول: انا اطلب شفاعة قديس ليساعدني على الكلام الى السيد لأن السيد بعيد. هذا يجري في الحكومة حيث تتوسط شخصا نافذا لتصل الى وزير. اما في المجال الروحي فيسوع اقرب اليك من مخلوقاته. انت لا تتوسط القديس بالمعنى الدنيوي. انت تقف معه في الصلاة امام وجه السيد الوحيد.

         المهم في كل هذا ألاّ نعتبر القديسين أنصاف آلهة واقفين على درجات منتصبة بيننا وبين الله وألاّ نعتبر ان شيئا ماديا (ايقونة، ذخائر) يحتوي بحد نفسه قدرة على الشفاء. الحركة هي من الله الى القلب بالنعمة ثم من القلب الى الله بالدعاء وذلك في شراكة الذين يحبوننا بالمسيح وعلى رأسهم اولئك الذين بلغوا وجهه.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الاستعداد للمناولة/ الأحد 3 تشرين الثاني 2002 / العدد 44

أخذ المؤمنون يتناولون في كل ذبيحة لما اكتشفوا معنى المشاركة وعظمة ان يتغذى المؤمن بجسد الرب. وما من شك أن الأكثرين تنزل عليهم نعمة كثيرة بهذا. غير ان عملا كبيرا كهذا يقتضي تطهرا كبيرا فلا نقترب بشكل آلي ولا بخفة ولكن نتقدم بتوبة صادقة. ليس لأحد منا ان يدين الآخرين ليقول في نفسه: هذا يعمل كذا وكذا، فكيف يجرؤ على التقرب. هذا ليس شغلك. انت تهتم بتنقية نفسك. وبهذا قال الرسول: “اي من أكل هذا الخبز او شرب كأس الرب بدون استحقاق يكون مجرما في جسد الرب ودمه. ولكن ليمتحن الانسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس. لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه” (1 كورنثوس 11: 27و28).

            ماذا يعني الاستحقاق؟ هل من إنسان في الدنيا يستحق التناول حتى لو قام بتوبة حقيقية؟ هذه عند بولس دعوة الى أن يعي الإنسان وضع نفسه وان يندم على ما فعل ويعاهد الرب على الا يكرر الخطيئة عامدا. اجل من المفيد جدا ان يعترف لدى أبيه الروحي او اي كاهن آخر اذا لم يستطع الاتصال بالأب الروحي. وهذا يجب ان يتم بضع مرات في السنة وكل مرة يكون المؤمن قد ارتكب معصية كبيرة يشعر بها انه ابتعد عن الرب.

            اما اذا لم يكن هناك سر اعتراف فلا بد من استعداد طيب وجدي. ان تقضي مساء السبت سهرة طويلة فيها الكثير من الطعام والشراب وكل انواع الحديث فهذا ليس فيه تأهيل لمشاركة في مائدة الرب. ان تختلي إلى يسوع في نفسك يفترض اعتزالا لما هو ضد هدوء النفس.

            هذا هو جانب التعفف الذي يدفعنا الى وجه يسوع. نعبّر عن الحركة الى السيد بأننا نبدأ منذ السبت او عشية الأعياد الحديث مع المخلص. ما من أحد عند بعض الشعوب الأرثوذكسية يتناول إذا لم يحضر صلاة الغروب. أقله تلازم بيتك وتقيم بعض الصلوات (القطع الثابتة في الغروب وصلاة النوم الصغرى متبوعة بالمطالبسي الذي تجده في كتاب السواعي وهي مجموعة الأفاشين التي تدفعنا الى التوبة وتدنينا من جسد الرب).

            وعند الصباح تذهب باكرا إلى الكنيسة. فصلاة السحر تهيئة ولست افهم لماذا أهملناها. ولكن لا بد لك من حضور القداس كاملا. فاذا وصلت متأخرا او في وسط الكلام الجوهري او لحظات قبل المناولة فليس جديا ان تتناول. هذا فيه خفة كثيرة.

            الى جانب الصلاة لا بد من قراءة في العهد الجديد تجعلك تتأملها وتمتلئ من معاني الرب لكي تسكن هي قلبك وتطهره. في الصلاة انت تكلم الرب. بالكتاب المقدس هو يكلمك اي يدخل الى ثنايا النفس ويدعوها الى التوبة. كلام الرب هو يعطيك حياة ابدية. واذا قرأته كل يوم تتنقى نفسك اكثر فأكثر وترى نفسك قريبا من جسد الرب  ودمه.

            المهم وضع نفسك. هل أنت حاقد او مبغض لأحد، ام غفرت؟ واذا ارتكبت بحقه شيئا رديئا، هل استغفرت واحببت؟ انا عرفت جيلا من الكهنة منذ ثلاثين وأربعين سنة كان عندهم السؤال الأساسي: “هل انت زعلان مع أحد”. وكانوا يأمروننا ان نذهب اليه ونستغفر. واذا رفضنا كانوا يمنعوننا عن التناول. هذا يجب ان نحافظ عليه.

            ثم يبقى ما هو متعلق بحشمة النساء. هذا شرط الدخول الى الكنيسة. غير القادرة على الاحتشام لا يليق بها الذهاب الى الكنيسة اصلا. اذا كنا نحن أخوة فلا يجوز للمرأة ان تؤذي الرجل. هي تعرف ما تقضي الحشمة به ولا تحتاج ان يعلمها احد.

            الكل مرحب به امام الكأس المقدس، ولكن الاقتراب منها يتطلب وعيا وفهما وتقديرا لقدسية الأسرار حتى تنزل علينا طهارة يسوع فلا نأكل ونشرب دينونة لأنفسنا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

خطف العروس/ الأحد 27 تشرين الأول 2002 / العدد 43

عندنا عادة قبيحة تُسمّى بالدارج الخطيفة. وهي تذكِّرنا بسبي النساء عند العرب القدامى. طبعا ترافق الفتاة الشاب بإرادتها ويخفيان هذا عن الأهل. ويقول لي الخبثاء ان القضية كلها، في معظم الأحوال، ألاّ يتكبد العروسان نفقات العرس. غير ان القضية في ظاهرها تعني إقصاء الأهل عن حضور الإكليل. وهذا ليس بجميل لأنه مكتوب: «أكرِمْ أباك وأمك».

غير ان ما يبعث إلى الطمأنينة ان الفتاة تبقى عند أنسباء لها حتى يتم الإكليل. ولكن الصعوبة عندنا تكمن في ان شروط الزواج احيانا لا تكون مكتملة مثلا من جهة السن. ويكون مكتب الزواج في المطرانية في حرج ولاسيما أنّ قِصَر السن عند اي من العروسين يُعرّض الزواج الى الإبطال.

ويخفى عن الشابين ان القران لا ينحصر بالعروسين بمعنى انه يهم العائلتين وانه نوع من الحلف بينهما. لماذا لا نواجه الأهل بالحقيقة والجهد حتى نصل الى إقناعهما؟

هذه فرصة لأقول ان الزواج في وجهه العملي والاجتماعي لا ينبغي ان يقطع العلاقة مع الأهل. يبقى الإنسان مربوطا بذويه ويحنّ اليهم ويظلّون اساسيين في حياته العاطفية. كذلك اهل زوجته يصبحون اصدقاء له ويحتضنونه. العاطفة نحو الزوجة تكتمل بمحبة ذويها.

غير ان الصعوبة الكبرى التي تعترضنا ان الصبية قد تكون على دِين آخر. وفي فهمنا للزواج والقانون الكنسي انه يتم بين ارثوذكسي وارثوذكسية وانه، توسعا، قد يتم بين طرف ارثوذكسي وطرف مسيحي آخر. نحن لا نفهم الزواج على انه امر يجري على مستوى الطبيعة ولكنه سر إلهي بمعنى ان الحضرة الإلهية ساكنة هذه العائلة الناشئة، وهذا لا يتم الا اذا آمن الطرفان بالمسيح وربّيا اولادهما على محبته.

ما يصدم وحدة الإيمان ان يأتي رجل بفتاة غير مسيحية ويطلب اليك ان تعمِّدها فورا وكأنه لا يعلم قول السيد: «مَن آمنَ واعتمدَ يخلص». هذه قاعدة البالغين. فإذا عمّدْنا الأطفال على دين والدهم لا يحق لنا ان نعمِّد شخصا لا يؤمن بما نؤمن به. ولذلك لا بد له ان يخضع لتعليم لا يمكن ان ينتهي بيومين أو ثلاثة. ولو بقي سنة او سنوات ليتعلم، لا شيء يدلُّك مسبقا على انه سيقبل المسيح سيدا ومخلّصا. الماء المرشوش على انسان بلا إيمان لا يجعله مسيحيا. ونكون نحن مدنِّسين للسر الإلهي وغير مقدّرين عظمة السر.

لذلك لا يمكننا الا ان نرفض خطيفة كهذه. من هنا ان من يشعر بتعلّق بفتاة غير مسيحية يجب ان يمتنع عن الخطيفة ويتصل بكاهن رعيته حتى يقوم بواجب الإرشاد لهذه الفتاة التي اذا آمنت واتمت شرط المعمودية وهو الإيمان نستطيع اجراء المقتضى.

ينبغي ان يفهم الكل اننا بسبب ايماننا بيسوع لا نقدر ان نلين ونعمّد امرأة لا نعرف عن ايمانها شيئا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله/ الأحد 20 تشرين الأول 2002 / العدد 42

«أنتم هيكل الله الحي». هنا الكلام على ان الجماعة هي بعضها مع بعض هيكل الله. والمكان الذي نصلي فيه سُمّي كنيسة لأن كنيسة الله أي الجماعة تجتمع فيه. البشر أولا، والحجر يقدَّس بالمؤمنين الذين فيه لكونهم يشتركون بالذبيحة. هؤلاء يحييهم الله الحي بكلمته وبجسد المسيح.

استشهد بولس بكلام من سفر اللاويين ومن سفر حزقيال بتصرف قليل وجعل الكلام هكذا: «سأسكن فيهم وأَسيرُ بينهم وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا». يبني على هذا ويقول ان وعد الله هذا لشعبه انه سيسكن فيهم ويسير بينهم انما يتحقق الآن في الشعب الذي جدده المسيح بدمه. ومع ان الرب وعد بني إسرائيل انه سيسكن فيهم، ما سمّاهم مرة هيكله. كلمة هيكل في العهد القديم كانت تطلق على هيكل سليمان. يزول هذا الهيكل بعد ان صار ابن الله بشرا. وبحلول الروح القدس تصبح الكنيسة هيكل الله.

ما يلفت في كلام الرسول ان الله ساكن فينا بالروح القدس، وهذا ما سيوضحه بولس بقوله اننا –نحن بناء الله- ننمو «هيكلا مقدسا في الرب… مسكنا لله في الروح» (أفسس 2: 21). هيكل الله في كماله يتحقق في الملكوت: «هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم» (رؤيا 21: 3). وفي الرؤية الأخيرة عندما شاهد يوحنا الحبيب أورشليم المقدسة النازلة من السماء قال: «ولم أرَ فيها هيكلا لأن الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها» (رؤيا 21: 22). نحن الآن لسنا هيكلا ولن نصير هيكلا كاملا الا لأن الله ومسيحه يجعلاننا كذلك. لن نصير هيكلا الا إذا توحدنا بالثالوث المقدس.

فإذا كنا كذلك اليوم بالنعمة وعلى رجاء اكتمالها فينا، يطلب الرسول ان نعتزل الخطيئة وألا نمسّ نجسا. هذا هو شرط ان يكون لنا أبا ونكون له بنين وبنات غير مولودين من رغبة بشرية فينا بل مولودون من الروح القدس. ولذلك يحرضنا الرسول الإلهي ان «نطهر أنفسنا من كل أدناس الجسد والروح ونكمل القداسة بخوف الله».

في مواضع عديدة، يسمي بولس النجاسات التي يتندس بها الخاطئ. وقد عرفتها الوصايا القديمة والعظة على الجبل. وقد تناولها الآباء النساك واحدة واحدة وبيّنوا أضرارها، ويكفي الإنسان ان يفحص قلبه ليرى فيه أصول الخطايا، وهذه الأصول نسميها الأهواء وكشف لنا آباؤنا السبل إلى مكافحتها حتى نتزين بالفضائل المضادة لها ويتمكن كل منا بعد الجهاد ان يصير هيكلا لله ويذوق به الفرح والهدوء. وقد سمينا الآباء الذين قاموا بجهاد عظيم مستميت «هدوئيين» أي أهل الصفاء، الذين لا تعكر نفوسهم معصية. فالحرب الروحية ليس فيها استرخاء ومزاح. أنها جهاد حتى الدم. وليس لنا ان نترك أنفسنا بلا رقابة وبلا يقظة لحسابنا ان المسيح أحلّنا بموته في بر مقيم. المسيح لا يخلصك بلا تعاونك معه. لذلك دعانا إلى حمل الصليب كل منا بمفرده. الخلاص عمل شاق مصحوب بفرح الانتصار على الخطيئة. في صلوات الصوم نقول: «ارحمني أنا الواقع»، وفي كل خدمة نردد: «يا رب ارحم». أجل نحن أمام مشهد قيامة المسيح. ولكن هذه القيامة يجب ان تتحقق فينا، فإن لم نطهر أنفسنا كل يوم تصير القيامة شيئا لاغيا.

ان الخلاص الذي نلناه بيسوع لن يكتمل فينا الا في اليوم الأخير. فرحك هو بالمسيح الذي يحل فيك. المسيح اليوم وفي قلبك هو معك لتحيا بكلمته وتنقذها بالطاعة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

أرملة ناين/ الأحد 6 تشرين الاول 2002 / العدد 40

ناين بلدة صغيرة نظن انها كانت واقعة على بعد بضعة كيلومترات من الناصرة. جنازة اي واقع الموت يقابلها واقع الحياة الجديدة التي هي يسوع. الحياة تقابل الموت، تدمره. الميت شاب، وفي الشرق يتفجعون كثيرا اذا غاب شاب، ولاسيما اذا كان وحيدا. يتحسرون على امه الأرملة التي صارت وحدها كليا.

         لا يقول الكتاب ان السيد حزن على فقدان هذا الشاب بل يقول انه تحنن على أمه. وإنجيل لوقا تلعب فيه المرأة دورا كبيرا. انه انجيل مريمي بامتياز وانجيل المحسنات الى يسوع وحركته. والنساء في حاجة الى رقة خاصة من المعلم في مجتمع ذكوري. يا ليت رجالنا اتخذوا من السيد حنانه وكانوا جميعا اقل غلظة مع نسائهم.

         عند هذا المشهد دنا الرب ولمس النعش. الله هو الذي يبادر الى شفائك والى الغفران والتذكير والتوعية. يسوع هو دائما في حالة الدنو اليك ولاسيما اذا كنت في مأزق او وقعت او نسيته لأنه هو الراعي الذي  يسعى وراء الخروف الضال في جبال هذا الوجود ووعورة طرقه.

         “لمس النعش”. يدنو يسوع حتى يوحد نفسه بك. هذا ما فرضه التجسد. فبعد ان أقام في جسدنا اخذ يقترب ويقترب حتى لا يدعنا في هذا الوهم الوثني ان الآلهة تسكن أعالي الجبال او الوهم اليهودي انه يظهر بالرعد وبالحروب. المسيح هو معنا في حالة ملامسة.

         يقول للشاب لك اقول قم فاستوى الميت. هنا اراد الإنجيلي ان يوضح ان ليسوع قوة الله وانه يحكم الموت مباشرة كما يحكم الحياة. عند هذا استوى الميت (جلس) وبدأ يتكلم. امر يسوع نافذ للفور.

         ثمرة الأعجوبة كانت ان شهد الشعب للمسيح. “لقد قام فينا نبي عظيم”. هذا ما كان يمكن ان يصلوا اليه. لم يكن باستطاعتهم قبل قيامة المسيح ان يقولوا فيه شيئا آخر. فالإيمان بالسيد كان ايمانا متدرجا كان يكفيهم في هذه الحقبة ان يعتبروا المسيح نبيا عظيما وقد شاء التدبير الإلهي ان ينتقل بالناس آنذاك من بشرية يسوع المنظورة الى ألوهيته. ولعل الطريقة التربوية في الكنيسة وعند القارئين للإنجيل ان تصعد بالمؤمنين مما يقرأنوها من خطب الرب وعجائبه الى رؤيته إلها.

         اذا أنت أسلمت ليسوع في حال الضيق وبعد تعب روحي وبعد ان عرفته “نورا من نور” وإلها حقا من إله حق فاعرف انه قريب منك حتى الالتصاق وانه يكفيك لمسة من روحه حتى تقوم وتنتعش. واعرف انك عزيز كالوحيد وان السيد لا يهملك كما يهملك البشر. المسيح يتعذب ان لم تعد لأنه يريد خلاصك، وخلاصك بالعودة اليه.

         لاحظوا ان الذين شاهدوا ابن الأرملة يقوم مجدوا الله. نحن اذا اخذنا منه نعمة علينا ان نشكر اولا لنعيد كل عطاء الى ينبوعه، وهذا الشكر نفسه يكتمل بالتسبيح الذي هو الدعاء الأكبر اذ نكون، اذ ذاك، كالملائكة محيطين بالعرش الإلهي. صلاة الطلب وصلاة الشكر إشارتان على اننا لا نزال في هذا العالم. صلاة التمجيد او التسبيح تدل اننا انتقلنا الى وجه الآب.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الحريات/ الأحد 29 أيلول 2002 / العدد 39

هي تعني اولا الحرية الدينية بمعناها الشامل (التعليم، العبادات، نشر الكتب، الإعلام الديني) كما تعني الحرية النقابية وحرية التظاهر وتأليف الأحزاب وما الى ذلك. هل لله كلام في هذا؟  ليس من حديث مباشر حتى عن الحرية الدينية في الكتاب المقدس. بالعكس هناك كلام عن الاضطهاد والصبر عليه. ولكن في الرسالة الى اهل رومية حديث عن ان الحاكم انما أقيم من اجل الصلاح وفي سفر الرؤيا نيرون ورقمه 666 يسمى الوحش. هناك اذًا رفض للظلم دون ان تطلق دعوة لإزاحة الظالم عن طريق التمرد.

         ولكن التاريخ المسيحي منذ القديم يتحدث عن احتجاج المسيحيين على الاضطهاد عن طريق رسائل مرفوعة الى الملوك. وبعد هذا نجد، بين الفترة والفترة، من وبخ الملوك. ولما اخذت الديموقراطيات تظهر، بخاصة، مع الثورة الفرنسية انتقل الحكم من الملوك الى الشعب بواسطة نواب ينتخبهم وحكومة تنبثق عن النواب ويمارس عليها المجلس الرقابة. نحن لا نقول ان الله يأمر بالديموقراطية. هذا غير مكتوب ولكن هذا هو التعبير الطبيعي عن الحريات التي تحترم كرامة الإنسان وتعطيه حق التعبير عن فكره والتزامه. فصارت الانسانية مقتنعة مع تطور الأزمنة ان الحرية اقرب الى الفكر الإلهي من القمع، ذلك ان احدا لا يحتكر المعرفة فتتواجه الأفكار في البرلمان والندوات السياسية والأحزاب والصحف. وبسبب من التنوع يتناقش الناس على رجاء الوصول الى الأحسن.

         هذا لا يعني ان الأكثرية على حق. ولكن الأكثرية يمكن في المناقشة وفي تغيير النواب ان تصبح أقلية. وهكذا تحتك الأفكار والمواقف وبسبب هذا التشاور البرلماني يجوز ان يمر الحل الأصلح في ظرف معين.

         ضد هذا الاستبداد من اية جهة أتى. اجل في الديموقراطية او في نظام مستبد يمكن ظهور المصالح الشخصية والهدر والرشوة وما الى ذلك. كل نظام يمكن إفساده ويمكن قمع بعض الناس في الديموقراطيات بطرق غير ديموقراطية. ولكن في ظلها لك حظ في إصلاحها وذلك ضمن انظمتها في حين انك ان هدمتها لتأتي بنظام مستبد تضيق فسحة الحركات المطلبية والتغيير ويكثر الظلم.

         فقضية الحريات مرتبطة الى حد كبير بالأشخاص. هناك حكام يحبون الشورى وحكام لا يحبون الشورى. وهناك تأثيرات من الخارج تبطل فعليا الديموقراطية التي عندك.

         ليس اذًا ما يضمن حسن سير الديموقراطية نحو الحريات. في الأخير الحاكم الصالح ليس هذا او ذاك ممن يأتي بهم النظام. ان الحاكم الصالح من أتى من اخلاقه. فلا يضمن حريتك الا من آمن انه في حاجة اليك لكي يكتمل بك. فالاعتراف بالحريات هو الاعتراف بأنك لا تعاقَب اذا اخطأت ولكنك تخسر الجولة في عالم السياسة.

         من احس بجمالات الحرية في ممارسة دينه او حياته الاجتماعية وأحس انه ينمو ويبدع لا يمكن ان يقبل بالظلم. طبعا هناك شرط اساسي الا نقتل واحدا من قوى الأمن ولا حاكما مستبدا. لك فقط الوسائل السلمية، التجمع، القوى الضاغطة، الكتابة. ان تقبل الظلم – ايا كان – افضل من الاعتداء على اي مسؤول كبير او صغير.

         اجل هذه الحريات ليست تلك التي قال عنها يسوع: “تعرفون الحق والحق يحرركم”. ولكن الظرف الطبيعي الذي يؤهلك للنمو الروحي هو السلام. الحريات كما تعاش في البلدان الراقية هبة من الله، هذا اذا كانت صادقة وتمتع بها الناس كلهم واذا أريدت للشعوب جميعا.

Continue reading