Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2003, مقالات, نشرة رعيتي

موسم التوبة/ الأحد 16 شباط 2003 / العدد 7

التوبة دعوة النفس من الرب الى وجهه في كل حين. ولكن الكنيسة، في تربيتها ايانا، جعلت لنا موسما ملحا يبدأ بأحد الفريسي والعشار، ويحتدم الموسم في الصيام، ويزيد احتداما في الأسبوع العظيم. كل مرحلة إيقاع جديد، فتنتقل بنا مواسمنا من ايقاع الى ايقاع كي لا نسترخي.

          ويبدو نداء التوبة في صلاة السحر من هذا الأحد حتى نهاية الصوم بهذه الترنيمة: “افتَحْ لي ابواب التوبة يا واهب الحياة”. في هذا التدرج رأت الكنيسة ان خير ما تستهل به الحديث عن التوبة هو ان تتكلم على التواضع الذي هو شرطُ اي تغيير في النفس، فقرأت علينا مَثَل الفريسي والعشار من إنجيل لوقا.

          من هم الفريسيون؟ هم مذهب او حركة ضمن الديانة اليهودية تؤمن بوجود الأرواح وقيامة الجسد والثواب والعقاب، وغيرها لم يكن يؤمن بذلك. وكانوا يدّعون ان هناك تقليدا جاء من موسى غير الكتاب المقدس. ما خلا هذه النقطة ما كان يسوع يختلف معهم في العقيدة، ولكن معظمهم سقط في الرياء والاعتزاز بالتقوى.

          اما العشارون فكانوا الذين يتعهدون جمع الضرائب، وبالمناسبة يستغلّون الشعب فيستوفون اكثر مما طُلب منهم.

          الفريسي في المثل يعتبر نفسه طاهرا (ليس كالفاسقين والظالمين) ولا مثل العشار الواقف عن بعد في الهيكل. واقع الرجل في خطيئة العُجب وادعاء الفضيلة. غالبا انه كان على الفضائل التي ينسبها الى نفسه، ولكنه يفاخر بأنه ليس كهذا الجابي الذي يختلس اموال الناس. ويضيف انه يصوم في الأسبوع مرتين، وهذه من النوافل (غير المطلوبة) التي اضافها الفريسيون على الشريعة، ويعشّر كل ما هو له (في حين ان الشريعة لم تطلب تعشير الأعشاب كالشبث والكمون).

          العشار كان مؤمنا انه خاطئ. دخل في حركة التوبة التي بداءتها الاعتراف بالذنب. اما الفريسي فيشهد عن نفسه بطهره وفي هذا كان مترفعًا. لكنه أبطل كل هذا الكمال لكونه تكبر اذ نسب فضيلته الى نفسه ورأى نفسه اعظم من الخاطئ. لهذا صدع يسوع البشرية بقوله: “كل من رفع نفسه اتضع، ومن وضع نفسه ارتفع”. انت امام الله ايا كنت لست بشيء، وانت امام الإخوة لست بشيء اذ يجب ان تعتبرهم جميعا اعظم منك.

          في رؤية فراغنا، نرجو الله ان يملأ فراغنا. كل شيء نعمة ويجب ان ننسب كل خير فينا الى النعمة. كل نعمة من الله تعبر بنا الى الغير ونحن لسنا اصحاب العطاء الإلهي الذي يمر بنا. الله يوزعه بنا ولسنا مالكيه. لذلك لا يستطيع الإنسان ان يفتخر بما ورثه وبما جاز به الى الناس. لذلك قال الرسول: “من افتخر فليفتخر بالرب”.

          العشار الخاطئ صار عظيما لكونه أقر بمعصيته. ومنذ ذلك الحين صار دعاؤه اساسا للدعاء المعروف عندنا باسم دعاء او صلاة يسوع: “يا يسوع المسيح، ابن الله ارحمني انا الخاطئ”. هذا الدعاء مرتكز من مرتكزات الروحانية الارثوذكسية. هي صلاة الاتحاد المثلى. هنا يبدأ درب الإمساك والخشوع وانكسار القلب الى ان يُدخلنا الرب مبرات الصوم المبارك على رجاء نور القيامة.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الكنعانية/ الأحد 9 شباط 2003 / العدد 6

انجيل الكنعانية يؤذن باقتراب الصوم، وبصورة ادق يهيئنا الى انجيل الفريسي والعشار وهو بدء كتاب التريودي الذي يحتوي على الأسابيع الثلاثة السابقة للصيام وعلى كل أسابيعه.

          توجَّه السيد من الجليل الى نواحي او ضواحي صور وصيدا بعد علاقة متأزمة مع هيرودس والفريسيين. فترة قصيرة قضاها في ارض وثنية، في لبنان الحالي: هل أراد ان يتصل بالوثنيين؟ يلتقي المرأة التي يسميها مرقس وثنية من أصل سوري كنعاني. لا نستطيع ان نعرف اين كان هذا اللقاء، أفي جنوب لبنان، ام في شمالي فلسطين. النص يقول ان المرأة خرجت. المرأة كانت غير جاهلة للديانة اليهودية اذ تُسمي المسيح ابن داود. في هذا الفصل، التلاميذ يرافقون السيد. سمعوا انها تستغيث وتقول ان لها ابنة استولى عليها الشيطان فجُنّت.

          يبدو انها صرخت كثيرا لإيمانها بالمعلّم. تضجر التلاميذ من هذا الصراخ. لا يبدو انهم وصلوا الى حنان يسوع. اجاب: “لم أُرسَل الا الى الخراف الضالة من بيت اسرائيل”. هذا الجواب لا يعني ان يسوع الناصري حصر رسالته في الشعب العبري بدليل انه يختم انجيل متى الذي يذكر الحادثة هكذا: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (28: 19). جواب يسوع يعني انه في مرحلة وجوده في البشرة (هنا على الأرض) يعنى باليهود، لأن الرسالة تتم فيهم لتختم بدمه الذي سيهرقونه هم. واما بعد صعوده الى السماء فالروح القدس الذي سيرسله هو يعطي النفحة والقدرة للتلاميذ فينتشر الإنجيل بهم.

          عند هذا الصدّ الرهيب “أتت وسجدت له قائلة أغتني يا رب”. عند ذاك يواجهها بأقسى ما يمكن من كلام: “ليس حسنا ان يؤخذ خبز البنين ويُلقى للكلاب”. كان يمكن ان تعتبر هذا الجواب جافا حتى الشتيمة. أن يسمى الوثنيون كلابا كان امرا شائعا على افواه الربانيين (الحاخامين). لقد نعتَ العهد القديم بعض المخالفين بالكلاب. في تصوري ان يسوع اراد ان يشد هذه المرأة الى التواضع الكبير وان يجعلها بلومه للوثنية (لا لها شخصيا) كاملة الثقة به. لذلك قالت: “نعم يا رب فإن الكلاب ايضا تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها”. اظهرت كامل اللطف وكامل القبول لشخصه.

          لذلك غيّر يسوع برنامجه الذي لم يكن شاملا الوثنيين. يسوع هو الذي رضخ لإيمانها كما وضّح لمريم في عرس قانا الجليل بعد ان رفض تحويل الماء الى خمر.

          “عظيم إيمانكِ. فليكن لكِ كما اردتِ”. الإيمان ممكـن خارج اسرائيل. الإيمان، لا شريعة موسى، هو الذي يبررنا ويقيمنا في عهد جديد مع الله. والإيمان هنا ايمان بشخص يسوع وفاعليته. لذلك انهى متى المقطع بقوله: “فشُفيت ابنتها من تلك الساعة”. كلمة يسوع تنهي المرض وتنهي الموت. فاليهود والأمم الذين كانوا غرباء بعضهم عن بعض متحدون الآن بقوة هذه الكلمة وجمالها.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الاستنساخ دينيا/ الأحد 2 شباط 2003 / العدد 5

لو فرضنا ان الاستنساخ البشري تم، وهو لم يتم حتى الآن، كيف نحكم عليه بالفكر الإلهي، اذ الله يحكم في كل شيء ولا يحكمه احد؟ قبل كل شيء نقول أن ليس كل إنجاز تكنولوجي مباحا. مثال على ذلك ان العلم قال بفك الذرة ولكنه لم يقل باصطناع القنبلة الذرية التي دمّرت هيروشيما. على الإنسان ان يمتنع عن إبادة البشرية. الأخلاق تشرف على تَقدّم العلم.

ماذا يقول الله الذي علّمنا الأخلاق في ما يتعلق بإنجاب طفل، وتلك هي غاية ما سمي بالاستنساخ التناسلي او التكاثري الذي يتم بجمع بويضة إلى خلية انتزعت منها النواة؟ الله يقول: انا جعلت لكم طريقة لتتكاثروا وهي طريقة التقاء الرجل والمرأة، اذ يقول الرب في سفر التكوين: «ذكرا وأنثى خلقهم»، وهذا بعد ان قال: «خلق الانسان على صورته ومثاله». المعنى اذًا ان الانسان ذكر وانثى مجتمعين او ان الرجل والمرأة يتكاملان في حياة مشتركة هي الزواج الذي ثمرته الاولاد ما خلا حالات العقم. هذه الحياة المشتركة تأتي من حب او ينشأ فيها الحب الذي صار اساسا لميثاق او عهد بين الرجل والمرأة لتغذية هذا الحب واختبار التعاون واقتبال الاولاد ونمو العائلة.

وفي المسيحية هذا الزواج يباركه الله ويكون حاضرا فيه وينعشه. وهذا الحضور الإلهي الجامع للذكر والأنثى نسمّيه سرا لأنه يعبّر عن مشيئة إلهية تجمع الفريقين. فأن يظهر طفل من امرأة او من رجل بلا تجانس بينهما، بلا التقاء كامل، يكون امرا مخالفا للمشيئة الإلهية. لماذا هذا البديل عن شيء موجود وطيّب على قلوب المتزوجين وهو مصدر فرح لهم ويقرّب بينهم ويعطيهم الحافز على التربية والاجتهاد في العمل من اجل العائلة؟ الزواج كما نعرفه -مذ كان الإنسان- مشروع إنساني كبير وارتبطت به الحضارة وجاء منه قديسون، في حين اننا مع الاستنساخ في المجهول الكامل. لا نعرف اذا كان سيطلع لنا انسان سويّ جسدا وعقلا. النعجة «دولي» أتت خلاياها كخلايا امها اي عمرها 7 سنوات. والخطر ان يتكرر هذا في الاستنساخ البشري.

الأمر الرهيب الآخر -اذا تذوق الناس هذا الأسلوب- ان نفك الجنس عن الإنجاب اذ الجنس لن يكون ضروريا لإيلاد الاولاد. عند ذاك يتعاطى محبو الاستنساخ الجنس من اجل نفسه اي معزولا عن ثماره المرجوة. وفي هذا دمار اخلاقي كبير.

إلى هذا عندنا ما يسمى الاستنساخ العلاجي اي ان تؤخذ خلية او مجموعة خلايا من جنين على أمل شفاء مريض. هذا ايضا اختبار غير ثابت النتائج. هنا السؤال الأخلاقي هو هل يجوز التلاعب بالجنين؟ هذا الاختبار يعني قتل الجنين.

هذا يعيدنا الى موضوع الإجهاض. في كنيستنا الإجهاض محرَّم كليا لأنه قتل. ذلك ان الجنين انسان يتهيأ للظهور، وبعد مرحلة معروفة هو كامل الأعضاء. ونحن لا نعتقد ان الروح تهبط عليه بعد نموّ معيّن، ولكنها قائمة فيه منذ التقاء ما يعطيه الرجل وما تعطيه المرأة.

فالاستنساخ العلاجي جريمة واضحة مثل الاستنساخ التكاثري. كلاهما ضد النظام الذي وضعه الخالق لتكوين البشر. الحياة لها قدسية فلا تباد بالإجهاض ولا يجوز الإتيان بها الا في شراكة المرأة والرجل اي نتيجة المحبة.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

رجاء الوحدة المسيحية/ الأحد 26 كانون الثاني 2003/ العدد4

انتهى في الـ 25 من هذا الشهر اسبوع الصلاة من اجل الوحدة المسيحية. وقد قامت، هنا وهناك، خدم مختلفة على رجاء هذه الوحدة. ولعل بعضا تعبوا من الحواجز القائمة بين الكنائس وكأنها ابدية.

          غير ان ما يميز هذا الأسبوع كما اراده مؤسسوه دعوتهم ان يصلي المؤمنون للوحدة كما الله ارادها اي انهم لم يقدموا صيغة ادارية محددة للعالم المسيحي اذا اجتمع. ومن الواضح ان موضوع الصيغة الإدارية هو الشائك بالدرجة الاولى اذ كل من الكنائس الكبرى يقترح صيغته صورة عن الوحدة. الكثلكة لا ترى وحدة بلا رئاسة البابا العالمية وعصمته. الارثوذكسية لا تفهم الوحدة الا على اساس استقلال البطريركيات في وحدة عقيدة وأسرار.

          طبعا ليس هذا الموضوع الوحيد. هناك فروق اخرى لأن الغرب حدد عقائد في الألفية الثانية التي تلت الانشقاق ولم يجتمع الشرق ليتدارسها ومنها العقيدة المتعلقة بالمقام البابوي. فمن بعد المجمع الفاتيكاني الاول المنعقد السنة الـ 187. ما كان مجرد ممارسة بابوية اي بسط سلطة عالمية للأسقف الروماني على العالم الكاثوليكي أضحى عقيدة ملزمة للمؤمن. فحدث شرخ.

          السؤال الذي يطرح نفسه هو هل نستطيع ان نجد كلاما جديدا يكون فيه لأسقف روما مقامه الشرعي وتبقى فيه لكنائس الشرق وربما لغيرها ذاتية وجود تشعرها بأنها تنسق مع روما ولكنها تبقى أمينة لما استلمته من تراث الرسل والآباء؟

          اذا اردنا وحدة واقعية نحياها في الوحدة والتنوع الشرعي لا بد من ان نلاحظ اننا لا نستطيع ان نذيب الكنيستين في قالب واحد فهناك مسيحية غربية ومسيحية شرقية ولكل منهما خصوصيات. ربما تعلمنا من بقاء الكنائس على معالمها خلال الف سنة ان هناك هامشا كبيرا من الفروق لا مهرب منه. فالغرب لن يعمد بالتغطيش مثلنا ( وفي رأيي هذا هام) ولن يناول بالخبز الخمير (وعندي ان هذا امر هام). هذان مجرد رمزين لوجود ذهنيتين مختلفتين في المسيحية الواحدة.

          هناك ضرورة لنتمسك بالأشياء الضرورية كليا ونهمل الأشياء الأخرى الى حرية الكنيسة الأخرى. ما هو الضروري جدا وما هو الأقل ضرورة؟ هذا امر متروك للمناقشات والتفاوض بين الكنائس.

          مع هذا يجب ان نعلم ان هناك حواجز لا تأتي من الفكر اللاهوتي ولكنها تأتي من القلوب المتنافرة. الارثوذكس يهيمن عليهم في بعض بلدانهم (مثل روسيا واوكرانيا) ان للكثلكة مطامع في البلدان الارثوذكسية. هو نوع من عقدة الصليبية التي يرى الارثوذكسي ان الغرب لا يزال يمارسها عليه. الى جانب ذلك عداوات قومية تحتاج إزالتها الى بعض الوقت. مثل عليها العداوة القائمة بين الكروات والصرب.

          نحن في هذه المنطقة تحررنا كثيرا من هذا ونعيش اجواء ثقة. ولكنا نحتاج الى توعية كبيرة ليفهم كل منا حقيقة كنيسة الآخر. غير ان ما نلحظه في كل الاوساط ان الماروني او الكاثوليكي يسر بالنهضة الروحية الصائرة عندنا وان الارثوذكسي يبتهج مثلا للإصلاح الطقسي الذي تم عند الموارنة. والكل يفرح بالانتاج اللاهوتي والروحي الذي يظهر منذ عدة سنوات عند جميع المسيحيين.

          ما من شك اننا كلما قوينا بالمسيح كل منا في عشيرته نقوى على الخوف القديم او الغطرسة القديمة ونضم الآخر الى قلوبنا. وهذا من شأنه ان ييسر التقارب الفكري عند الفاهمين الى ان يوصلنا الرب الى يوم حنانه في الوحدة الكاملة.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

ديانة الاستنساخ/ الأحد 19 كانون الثاني 2003 / العدد 3

ثلاثة اشخاص يعملون على الاستنساخ البشري منهم بريجيت بواسليه الفرنسية العضو في دين جديد هو دين الرائيليين الذي اسسه فرنسي سمى نفسه رائيل اي نور الله. زعم انه التقى كائنا بشريا جاء من خارج الأرض. وهذا كشف لرائيل ان البشر صُنِعوا خارج الأرض وأُرسلوا اليها من ضمن خمسة وعشرين الف سنة، وسمى هؤلاء إلوهيم وهي تعني الله في التوراة.

يجمع الرجل تبرعات لبناء سفارة قرب القدس، واذا لم تسمح له دولة اسرائيل بذلك يقيمها في الأراضي الفلسطينية. يقول عن نفسه انه «خاتمة الأنبياء» وأخ غير شقيق ليسوع. ولكنه اضاف في برنامج للمؤسسة اللبنانية للإرسال يوم الأحد في 5 كانون الثاني انه يؤمن ايضا بمحمد.

تَبيّن من استقصاء الصحافة الأجنبية ان الرجل ثمرة علاقة غير شرعية وامرأة تدعى ماري. تقول الصحافة الاجنبية انه ملحد. ولكن عنده طقوس احدها شبيه بالمعمودية.

رائيل وبواسليه التي انتمت الى الفرقة يقولان ان الاستنساخ مفتاح الحياة الأبدية (بنقل الدماغ إلى كائن آخر). طبعا مفهوم هذا الدين انها حياة دائمة في تناسخ الأجساد بعضها عن بعض علما ان الدماغ الآخر يتأثر بالبيئة الجديدة والتربية وان المطابقة الكاملة لا يمكن ان تصح في الكائنات الحية المتقلبة حكما.

يصرح دعاة هذا الدين انهم يجتهدون في خلق كائن حي اصطناعيا، 100% في المختبر.

ماذا جرى فعلا عندما اعلنت بواسليه ان الطفلة «حواء» ولدت في 26 كانون الاول الماضي؟ هل ولدت حقا؟ اين هي؟ العملية التي قيل انها تمت أنّ امرأة اميركية عاقرا انتُزع لها خلية من جلدها وبويضة منها، وبعد التقائهما بواسطة حركات كهربائية، وضع الجنين في حشا المرأة، وولدت الطفلة بعملية قيصرية. وسوف يتأكدون علميا من نسبة البنت إلى والدتها (لماذا لا نسميها اختها؟). ولكن تبين من آخر الأخبار ان شركة «كلون ايد» التي يملكها الرائيليون لن تُخضع الطفلة حواء لاختبار الحامض النووي D.N.A وذريعة ذلك الرفض خوف الأهل ان تُخطف منهما الطفلة.

اذا صدقت «الأسقف» بواسليه -كما تسمي نفسها- ستواجهنا اسئلة قانونية ودينية. وسوف اتكلم عن الجانب الديني الأسبوع القادم. ولكن هناك حملة من الرسميين في فرنسا وألمانيا والمجموعة الاوربية وعدة بلدان على هذه التقنية. الرئيس شيراك اعتبر هذه العملية جرما، وينتظر الناس تشريعات في كل مكان ضد الاستنساخ البشري.

في البرنامج التلفيزيوني الذي ذكرتُ وكنتُ فيه مع رائيل وبواسليه (هما تكلما من كندا)، وذكرتُ ان الانسان ذكر وانثى، ردّ عليّ رائيل ان ما عملاه موجود، كانت حجتي عليه ليس كل موجود مباحا. فاذا كان البحث العلمي امرا جيدا، فلا يعني ذلك أن إنتاج كل شيء مباح. ثم عَلّقتُ ان القنبلة الذرية موجودة ولكن استعمالها هو ضد الإنسانية.

هذه الديانة الجديدة التي يقال انها تَعدّ حوالى خمسين الفًا في العالم قد تندثر ولن يوجد كثيرون ليعتقدوا اننا جئنا من خارج هذه الأرض. غير ان الاستنساخ البشري امر خطير جدا بل هو الدمار عينه للإنسانية كما نعرفها.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الذي بعد الظهور الإلهي/ الأحد 12 كانون الثاني 2003 / العدد 2

من العناصر التي نأخذها بعين الاعتبار لمعرفة أهمية عيد هو درجة اهتمام الكنيسة به طقوسيا. فالظهور الإلهي (الغطاس، شعبيا) تقرأ فصول مختلفة متعلقة به: السبت الذي قبله، الأحد الذي قبله، أناجيل 7 و 8 و 9 الشهر، السبت بعد الظهور، الأحد بعد الظهور المنشور اليوم. الغطاس محوري جدا. وبعد إعلان العطلة الرسمية لم يبق من عذر للغياب.

          الكلام اليوم يجري عن حدث بسيط في حياة السيد وهو تركه لمدينة الناصرة واتخاذه كفرناحوم القريبة منها مقرا له. في مدينته الناصرة لم يكن مرغوبا فيه كثيرا. ربما كانت كفرناحوم افضل لاستراتيجية البشارة بسبب من اختلاط شعوب فيها لكونها نقطة تجارية. ولكن لما صار  حدث الانتقال، قرأه متى على خلفية النبي اشعيا: أرض زبولون وارض نفتاليم (الى بقية ما استشهد به الإنجيلي من العهد القديم). والمعروف ان متى كان دائما يحاول ان يسند الحوادث التي جرت للسيد على الأنبياء لأن هاجسه التبشيري كان إقناع اليهود او دعم الإيمان عند من تنصَّر منهم.

          فهذه الأرض التي حول كفرناحوم، التي تنبأ اشعيا انها ستبصر نورًا عظيمًا، رأى متى في اقتباسه المقطع من النبي القديم انها بإطلالة يسوع الناصري عليها ومكثه فيها، انها الآن تبصر النور. وتاليا هذا النور الذي شوهد بظهور الثالوث في نهر الأردن انما هو لا يزال محمولا في شخص يسوع ولن ينطفئ وسيظهر على جبل ثابور ثم يظهر في ثنائي الصلب والقيامة بانتظار سطوعه في اليوم الأخير.

          غير أن خاتمة الفصل الذي نقرأه اليوم هو ان يسوع ابتدأ يكرز ويقول توبـوا فقد اقترب ملكـوت السمـوات، وكأن متى يقـول: هذا النـور الذي ظهر بالمسيح ان لم تقتبسوه انتم بالتوبة يكـون وكأنه لم يظهـر. في البدء يعطي المسيح النـور بالكـرازة. تاريخيا، يسوع مبشر جوال، يعطي ما عنده اي كلمة الله. ولكن انتم اذا سمعتموها وقبلتموها فهي تدفعكم الى التـوبـة. فكما جاء الله اليكم بالكلـمة تجيئـون انتم اليه بالتوبة. هذه ليست كلمة تقولونها. فالرب لا ينتظر منكم كلمات. ينتظر رجوعكم الفعلي اي تحول قلوبكم اليه.

          كيف كان يمكن الناس ان يتوبوا آنذاك؟ الجواب انه قد اقترب منهم ملكوت السموات، اي ان الملكوت قد جاء. والملكوت هو اولا الملك ثم يأتي الذين ينضمون الى الملك. فيسوع معكم وبقوة كلمته وشخصيته وحبه يمكنكم ان تلتصقوا به.

          ثم الدعوة التي أَطلقها المعلّم آنذاك يطلقها الآن الينا نحن ابناء الكنيسة لأننا نخونه احيانا. كل خطيئة خيانة لأنها خروج من ملوكية المسيح علينا. الفتور، ادعاء الناس انهم في احضان الله وهم لا يقرأون شيئا من انجيله ولا يحضرون الى كنيسته، كل هذا جنوح عنه وسقوط في الظلمة. غير ان يسوع حاضر ليعود هو اليهم ويضمهم اليه ويضعهم على صدره. ولا يطلب منهم الا ان يقبلوه ويقبلوا ما قال ليحييوا به.

          من استضاء لا يريد العتمات او ان يفقد بصره، فالضياء الإلهي في قلوبنا هو كل حياتنا وهو يعيد الينا البصر لو عمينا. الغطاس بعمقه دائم وهو ان تذكر معموديتك وتعمل بها وتتوجه الى وجه الله الذي يطلبك بحنانه ولطفه.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

في تغيير مجالس الرعايا/ الأحد 5 كانون الثاني 2003 / العدد 1

لما سنّ المجمع المقدس في السنة الـ1973 قانون مجالس الرعايا كانت الفكرة إشراك العلمانيين أكثر فأكثر في النشاط بحيث يتعاطون بإشراف الكاهن ليس فقط الأمور الوقفية ولكن المواضيع التثقيفية والشبابية. وكان من الطبيعي ألا يوضع الكاهن جانبا لأن من كان مسؤولا عن حياتك الروحية يكون أيضا مسؤولا عن الأمور الأخرى ولكن بالتعاون مع إخوته العلمانيين.

ورأى القانون ان يتغير ثلث المجلس كل سنتين لتمكين اكبر عدد ممكن من المشاركة على ان يكونوا من الملازمين للحياة الكنسية لأن النشاط لا يقتصر على الوقف ولكن يتناول كل حياتنا الرعائية. بعد هذا أسقطنا البند المتعلق بالثلث ولكن حددنا ان ولاية المجلس مدتها أربع سنوات. غير ان فكرة تغيير الأعضاء (لا كل الأعضاء بالضرورة) بقيت. والتغيير مؤسّس على ان المجال يجب ان يبقى مفتوحا للأجيال الصاعدة فلا نستهين بشباب احد، وبذلك تكلم بولس الرسول.

ولم يذكر القانون شيئا عن تمثيل عائلي لأن الكنيسة ليست مؤلفة من عائلات ولكن من أفراد -والعلاقة بين المؤمن وكنيسته تمر بمعموديته ولا تمر بعائلته-. ولم يفكر المجمع ببيئات يحتل فيها الشعور العائلي مكانة كبرى. غير أني في هذا الجبل راعيت التحسس العائلي لأنه موجود في القرى. ولكن هذا المعيار لا يطغى علينا ولكن يطغى معيار التقوى والممارسة الكنسية والنضج الشخصي.

ولكن الصعوبة التي اعترضتنا ان بعض الناس يريدون البقاء في أماكنهم لاعتقادهم انهم صالحون للخدمة وأنا في كثير من الأحوال لا أنكر ذلك. ولكن أحدا لا يستطيع وحده ان يعتقد باستمرار صلاحه للمنصب حتى الموت. غيره أيضا صالح. وواجبنا ان ندعو ناسا جددا عندهم كفاءة كثيرة وينبغي ان يحسّوا بأننا في حاجة إلى كفاءتهم هذه، كما ينبغي ان يشعروا ان المسؤولية في المجلس ليست وقفا على احد.

يأتي التعيين إذًا كل أربع سنوات، ومن الموافق لاحتضان كل الأجيال ان نستغني عن بعض القدماء أو ان نستغني عن المجلس كله حسبما يوافق محليا. وفي الحياة المسيحية ليس الشيخ أفضل من الفتى ولا الفتى أفضل من الشيخ. ولكن لا ينبغي ان نعطي شعورا ان هناك ناسا لا يمكن الاستغناء عنهم. فالروح القدس يرسل مواهبه على من يشاء، وما من شك ان كل المؤسسات في حاجة إلى تجديد القوى وإلى أفكار جديدة، ومن الواضح أيضا ان الحكمة ليست وقفا على احد ولا يمضي الا وقت قصير يتدرب فيه الأعضاء الجدد على مسؤولياتهم. عندنا شخص واحد يلازم مكانه هو الأسقف. اما الآخرون فيؤتى بهم عند الحاجة ويستغنى عنهم عند الحاجة إذ ليس لأحد امتياز ولا لأحد وجاهة في الأرض. وجاهتنا هي فقط في ملكوت الله.

يضاف إلى هذا ان مسؤولية الرعية مرتبطة بكل مؤمن أكان في المجلس أم لم يكن. فله ان يبدي رأيه وكثيرا ما يؤثّر رأيه أكان عضوا في المجلس أم لم يكن. لا يجوز ان نعطي الشعور ان مكان أي واحد مطوَّب له حتى يموت. أحيانًا كثيرة لا يشعر المؤمن النشيط والطاهر والفهيم أنه يُرحَّب به، ولا تشعر الرعية بالضرورة أن يُدعى هذا الانسان إلى تولي الأمور. فتداول المسؤولية رمز لأهمية الأجيال الصاعدة.

ان نغير الأعضاء أمر فيه صحة كثيرة وأمل. وينبغي ان نتدرب على فكرة ان أحدا ليس أبديا في مكان. لقد آن لكم ان تدركوا ان هذه المطرانية تتصرف بمحبة لكم جميعا ولو أخطأت في اختيار الأشخاص. وما يزيدكم إدراكا ان أمورنا لن تستقيم الا إذا حاولت المطرانية ان تستعين بأشخاص جدد ترى فيهم مواهب دون ان تنكر المواهب في المجالس القائمة.

نحن في حاجة ماسة إلى تغيير بسبب تقديرنا للأجيال الصاعدة وجعلها تحس أننا لا نهملها في تدبير الشؤون المحلية. وإذا كانت الثقة الكاملة هي التي تجمعنا فلا داعي إلى خضة أو إلى حزن. إذا كنتم موقنين ان التعسف لا مكانة له في هذه الأبرشية وان رائدنا هو المحبة وحدها تقبلون الأعضاء الجدد كما قبلتم القدامى. كل شيء هو للبنيان ولتقدم هذه الكنيسة نحو المسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن ومكانه/ الأحد 29 كانون الأول 2002 / العدد 52

في المعتقد الأرثوذكسي ان رئيس الكهنة هو كاهن كل رعية وكل مذبح، وان من نسمّيه «الخوري» هو القس الذي ينتدبه الأسقف لرعاية جماعة محددة. والمألوف ان يلازم الخوري رعيته إذا كان رساليا ونشيطا وسليم البنية تمكنه من خدمة كاملة. فغايتنا الرعية وغذاؤها الروحي وتغطية حاجاتها. وعند هذا يسقط كل اعتبار آخر.

الأمر الثاني ان الفعلة قليلون وأننا نربي كهنة جددا يدعوهم الرب ان يملأوا الكنائس التي تستخدم كاهنا معيَّنا أصلا على رعية آخرى. فمن الطبيعي إذا ظهر كاهن جديد ان يملأ الشغور أولا لسبب قانوني معروف وهو ان الكاهن يقيم ذبيحة واحدة في اليوم الواحد، وثانيا لأن الرعاية الحقيقية تجعل عددا محددا من المؤمنين يقوم بخدمتهم كاهن واحد. في الأساس مئتا بيت أو أكثر بقليل هو العدد الأقصى من البيوت التي يمكن ان يعرفها رجل واحد ويدرس أحوالها وحاجاتها الروحية والتعليمية عملا بقول المخلّص: «اني أدعو خرافي بأسمائها». الصلة الحميمية بين الكاهن وأبنائه أساسية. فيأتي التنظيم مبدئيا هكذا: إما ان تقسَم الرعايا وتبنى لها كنائس، أو يجتمع أكثر من كاهن في كنيسة واحدة حسب نظام تقدم واحد على الآخرين.

الأمر الثالث ان التقدم في السن أو تأخر الصحة تضطرنا إلى ان يلازم الكاهنَ كاهنٌ أفتى ليتحمل مسؤوليات لم يبق الكاهن القديم قادرا على تحملها. وهنا يقتضي التعقل والإخلاص ان نفهم ان الشيخ ليس كالفتى من حيث النشاط العملي الشامل (افتقاد كثير، تعليم الشبيبة والطفولة، زيارة المرضى في المستشفيات). وربما كان الكاهن المسن أعظم قدرا من ناحية الحكمة وربما التقوى. ولكن الخدمة لا تقوم بمجرد الحكمة مع جسد معرض إلى الزوال.

طبعا هذا كله يتطلب تدبيرا خاصا من حيث إعالة الكهنة لأن أحدا لا يريد ان يحتاجوا، والكاهن غير العاجز لا يطيق ألاّ يلازم المذبح. غير ان هذا يفرض على الرعية أو على إدارة الأبرشية ان تؤمّن معيشة كل اكليريكي أيا كان حجم نشاطه.

الأمر الرابع أننا إذا ربينا كهنة جددا فلا بد لنا من تعيينهم في مكان ما. ولا نريد ان نخسر مواهبهم وألاّ نستغلّ علمهم. لا يمكن ان نترك رعية بلا علم وبلا سهرات إنجيلية. نحن مسؤولون عن إيصال البشارة إلى كل مخلوق، ولذا أوجدنا معهد لاهوت في البلمند ليعمّ الإنجيل كل الناس.

نحن في حاجة إلى تأسيس رعايا جديدة. فالأرثوذكسيون باتوا منتشرين في كل مكان. وهناك مناطق لا يرعاها احد. فنحن مضطرون إلى إنشاء كنائس جديدة، وتاليا إلى اقتطاع أحياء عن الكنائس الكثيف عدد أبنائها، أو إلى إكثار القداديس في الكنيسة الواحدة بكهنة جدد.

يضاف إلى هذا أننا قد نضطر أحيانا إلى نقل كهنة من مكانهم إلى مكان آخر، فقد يكون احدهم أكثر أهلية لخدمة رعية اخرى وذلك لأسباب نحن نقدّرها. والنقل ليس عقابا لأحد. الذي لا يؤتى به إلى مجلس تأديبيّ لمخالفة ارتكبها ليس معاقَبا. في عملية النقل يعود المطران إلى حكمته في تدبير الشؤون، ولاسيما ان الكاهن مندوبه ورئيس الكهنة يعرف إلى أي مكان يجب انتدابه. الأمر ليس محزنا، وخادم الرب لا يحزن. ومن الواضح ان المطرانية تأخذ بعين الاعتبار وضع الرجل وعائلته والبيئة التي يمكن ان ينسجم فيها.

ومن الواضح أننا لا نستطيع ان نستفتي جماعة بكاملها في هذا الموضوع. فلا يستطيع المطران ان يشرح لكل إنسان الأسباب التي دعته إلى نقل احد الكهنة. هذا يعطل العمل الرعائي كليا. ان النقل ليس فيه خفض لأهمية احد الاكليريكيين. جل ما في الأمر أننا في حاجة إلى كَرَم أكثر إذا أضيف كاهن ثان أو ثالث. وعلى هذا نتعاون.

السؤال هو هذا: إذا أردتم ان يكون لنا وجود أرثوذكسي فاعل فينبغي ان تبذلوا الكثير. أنا لا اتحمل وجود عدد من أبنائنا لا تصل إليهم كلمة المسيح والأسرار المقدسة. الآن نحن قادرون ان نملأ بعض الشواغر. بعد سنوات قليلة أرجو ان يوفقنا الرب لملء كل الشواغر. أرجو ان تفهموني وان تتعاونوا وان تثقوا ان كل تدبير جديد صادر فقط عن محبتي لكم أجمعين. لا أطيق ان اتحمل ان يبقى أولادنا جياعا وألاّ نستطيع ان نسدّ جوعهم.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد النسبة/ الأحد 22 كانون الاول 2002 / العدد 51

القراء الذين أرادهم متى لإنجيله هم اليهود او المتنصرون من اليهود. لذلك كان هاجسه الأساسي في مطلع إنجيله ان يبين لهم ان يسوع الذي يدعو اليه هو المسيح الذي ارتجاه انبياؤهم وانه تاليا مصب التوراة وملخصها. اراد ان يقول ان انسانية السيد، منحدرة من مجموعة آباء اهمهم داود وإبراهيم وان الكتاب هكذا تكلم. ومن هنا انك لا تستطيع ان تسلخ المسيح عمن سبقه. يسوع وريث الشريعة والأنبياء ومنجز الكلمة الإلهية القديمة. وكان يجب ان يطلع في اسرائيل لأن النبوءة ظهرت فيه. اما اذا شوَّه اليهود من بعد مجيء المخلص الرسالة التي ورثوها، فهذه خطيئتهم، وهذا لا يلغي ارتباط المسيح بالأنبياء الذين تحدثوا عنه. فالعهد القديم كتابنا نحن، كتابنا حسب فهمنا نحن، فلا نكبه اذا قرأه الذين أرسل اليهم بخلاف مقاصد الله التي عرفناها في المسيح.

          عندنا هنا لائحة اجداد للسيد معظمها مأخوذ من العهد القديم، ولكن كتب العهد القديم انقطعت قبل المسيح بقرن ونصف قرن. الأسماء الأخرى مأخوذة من “شجرة العائلة” وكان كثير من اليهود يحتفظون بها.     ويفصل متى الأسماء على ثلاث مراحل تنتهي الأخيرة بيوسف. وكل مرحلة فيها 14 جيلا، وهذا الرقم – حسب علم الجمّل المعروف ايضا عند العرب – هو رمز لاسم داود الذي يكتب في العبرية هكذا: “دَود” وحرف الدال رمزه 6 كما ان حرف الواو رمزه 4 ومجموعها 14. ويكون أتى متى بهذا الرقم ليتحكم اسم داود بلائحة النسب.

          وهناك افتراض آخر ان الـ 42 جيلا هي 6 سبعات ليدل على ان الزمن الذي يليهما وهو سابع سبعة زمان الكمال عندهم وهو زمن المسيح.

          ثم كلمة ميلاد كما هي مترجمة هنا يجب ان نفهمها “نَسَب”. وهذا غالبا ما أراده متى اعتمادا منه على سفر التكوين في الترجمة السبعينية: “هذا كتاب اصل البشر”، فكأن الإنجيلي اراد ان المسيح غاية البشرية وخاتم النبوءة. اجل تنتهي اللائحة بيوسف لأن الإنسان يُنسب الى ابيه، او المظنون انه ابوه اي يوسف، ولا يمكن في شريعة اليهود الا ان يُنسب الى ابيه. غير ان مريم هي من قبيلة يوسف ومن بيته اذ لا يتزوج الرجل عندهم الا من اهل بيته. ويؤكد بولس الرسول على ان السيد “صار من نسل داود من جهة الجسد” (رومية 1: 3). وبسبب بتولية مريم يكون هذا تأكيدا على ان الرب يسوع منحدر من داود.

          من جهة اخرى وبخلاف العادة يذكر متى ثلاث نساء في النسب هي راحاب الزانية وراعوث التي كانت اجنبية وبيتشبع المسمّاة “التي كانت لأوريا” واتخذها داود زوجة له على حياة زوجها. فلا يأبى متى ذكر تلك النساء ليقول ان المسيح أتى من بشر عاديين فيهم خطأة فإنه هو المخلص.

          اما السؤال الذي يبدو شائكا فقوله عن يوسف انه “لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” فهو تأكيد على انه لم يعرفها قبل ولادتها يسوع، ولا يعني، لغويا، انه عرفها فيما بعد. ينفي الاتصال السابق للمولد ولا يؤكد شيئا بعده. فاذا سألتك مثلا: اين كنت حتى الساعة الثامنة مساء، وأجبتني كنت في بيتي، فلا يعني هذا انك غادرته بعد ذلك. تكون قد اجبت عن سؤالي وسكتَّ عما فعلت بعد ذلك. اهم المخطوطات لا يرد فيه لفظة البكر.

وحتى اذا كانت هذه اللفظة اصلية، فلا تحتم انه كان لمريم بعد يسوع اولاد آخرون. البكر كما ورد في العهد القديم تعني “فاتح الرحم” ولا تعني بالضرورة انه جاءه إخوة. هاجس متى ان يتحدث عن يسوع وينتهي عنده. اما عبارة “إخوة يسوع” الواردة في الإنجيل فلا تدل بالضرورة في اللغة العبرية على اشقاء ولكنها تشمل ايضا انسباء. ففي سفر التكوين 12: 5 نقرأ ان لوط هو ابن اخي ابراهيم، وفي 13: 8 يسمى لوط اخا ابراهيم. كلمة “اخ” اذًا اوسع مما عندنا بالعربية.

          اما دوام بتولية مريم فهي من التقليد الشريف. في كل عباداتنا سميت مريم الدائمة البتولية، وثبّت هذا المجمع المسكوني الخامس.

          على هذا ندخل في سر ميلاد المخلص.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الأجداد/ الأحد 15 كانون الاول 2002 / العدد 50

          الأحد السابق لعيد الميلاد يسمى احد النسبة. والأحد السابق له – هذا الذي نحن فيه – يسمى احد الأجداد. فاذا كنا في احد النسبة نتكلم على اتصال المسيح بمن سبقه منذ ابراهيم، ففي هذا الأحد نتكلم على اتصاله ايضا بالذين سبقوه منذ آدم، اي ليس فقط في الشعب العبري ولكن في كل الشعوب. لذلك تبدأ الطروبارية اليوم هكذا: “لقد زكيت بالإيمان الآباء القدماء وبهم سبقت فخطبت البيعة (اي الكنيسة) التي من الأمم (اي الوثنية). ذلك ان المسيح تهيأت له الشعوب كلها وليس فقط الشعب العبراني بالأنبياء. فالشعب اليوناني استعد للمخلص بالفلسفة وبالجمال وهكذا قال آباؤنا ولاسيما القديس يوستينس الشهيد الفيلسوف في القرن الثاني واكليمنضس الاسكندري في القرن الثالث. قالوا اشياء فيها خير وفيها حقيقة. وكما كان السيد قائما في النبوءات، هكذا كان قائما في حقائق الأديان القديمة ولو مجتزأة.

          الأساطير نفسها التي ظهرت حول البحر الأبيض المتوسط في سومر مثلا او عبادة الإله الواحد عند اخناتون في مصر او النسك البوذي على خطره او الإله تموز على الشاطئ الفينيقي كانت تؤلف نسيجا فكريا جعل العقول اكثر تقبلا للمسيح. نحن ما ألغينا كل شيء قديم. عمّدناه اي نقضنا الجانب السلبي او المائت في الحضارات القديمة وذقنا ما هو متهيئ منها لاستقبال الإنجيل.

          القراءة الإنجيلية اليوم هي مَثَل انسان صنع عشاء عظيما ودعا اليه الكثيرين فأخذوا يستعفون الواحد تلو الآخر “فغضب رب البيت وقال لعبده اخرج سريعا الى شوارع المدينة وأزقتها وأَدخِل المساكين والجدع والعميان والعرج الى ههنا”.

          ان اتخاذ الكنيسة هذا الفصل في احد الأجداد يؤيد تفسيرا جاء به علماء التفسير الذين قالوا ان “شوارع المدينة وأزقتها” والمعوقين الذين ذكرهم لوقا انما تدل جميعا على الأمم الوثنية التي قصدها الرسل بعد خيانة اسرائيل. “يبقى ايضا محل” وليس الملكوت محلا فقط لليهود. وتشكلت الكنيسة فعليًا في غالبيتها من الأمم والقليل من اعضائها جاء من اليهود.

          اما اليوم فالمسيح قد يجيء الى اذهاننا من الفلسفات والآداب والفنون التي دخل اليها من حضارة الشعوب المسيحية. فقد لا نكون آمنّا ايمانا عميقا لكوننا لم نختبر حياة الكنيسة، ونكون قد اقبلنا الى الشعر والأدب او تأثرنا بمطالعات غريبة ليست بالضرورة ضد الإيمان، او قد يأتي الينا انسان معاصر من ديانته، مما يهجئ فيها حضور المسيح. يجب ان نعمّد الفكر الحديث والمواقف الحديثة بحيث يسقط الفاسد فيها ويبقى الصالح دون ان نقيم اختلاطا بين ما هو للمسيح وما كان ضد المسيح. ونرى اليوم من يقتبس من الفكر الهندي بخاصة في حركات تأملية على المذهب الهندي. مثل ذلك “التأمل التجاوزي” وحركة الايزوتريك. قد يكون في بعض هذه التنظيمات ذكر للمسيح ولكنه ذكر خاطئ.

          امام الوثنية الهاجمة في شتى صورها يتوجه الينا بولس في رسالة اليوم قائلا: “متى ظهر المسيح الذي هو حياتنا فأنتم ايضا تظهرون حينئذ معه في المجد”. اجل يتكلم الرسول على المجيء الثاني، ولكن، بوضع الكنيسة هذه القراءة اليوم، يحق لنا ان نفهم هذا الكلام على انه يعني عيد الظهور بمعناه الشامل اي في الميلاد والغطاس. ما ينتظرنا في العيد ان نتحرر من الوثنية الكامنة في النفس التي يذكر منها بولس بعض الرذائل ويقول عن رذيلة منها انها “عبادة وثن”.

          فعند ظهور المسيح الذي نعيّد له بعد قليل كونوا لابسين “الانسان الجديد”. فعندما ترون المسيح كل شيء فيكم، يكون قد ظهر فعليا، ويأتي العيد رمزا لظهوره.

Continue reading