اللافت كثيرا ان الكنيسة تقرأ خلال سبعة ايام بعد الظهور الإلهي (الغطاس) كل يوم فصلا انجيليًا يتعلق بالمعمودية. ومعمودية السيد مناسبة لظهور الله آبا وابنا وروحا ما يجعل إنجيل اليوم ايضا مشدودا الى الظهور الإلهي اذ يتحدث مقطع اليوم عن النور ايضا وعن التوبة التي يستدعيها هذا النور.

         السيد يترك الناصرة غالبا لأنه رأى مقاومة له فيها، ويختار مدينة كفرناحوم مقرا له. وكان له في ذلك استراتيجية لأن المدينة كانت ملتقى يهود ووثنيين وتاليا منطلقا للبشارة. وبما ان هذه المنطقة وهي واقعة على الشاطئ الشمالي الغربي من بحيرة طبرية وموطنا لسبطي زبولون ونفتاليم، اورد متى قول اشعياء: “ارض زبولون وارض نفتاليم… الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما…”. وكأن الإنجيلي اراد ذلك النور الذي سيأتي المسيح به بواسطة انجيله.

         منطلقًا للإنجيل في الجليل كان قول السيد: “توبوا فقد اقترب ملكوت السموات”. التوبة في اللغة العربية هي الرجوع (اي الرجوع الى الله). وكما يفيد الأصل اليوناني هذا الرجوع يتم بتغيير العقلية كلها بحيث يحل الله فكره فيك فتفكر في كل شيء كما الله يفكر. فالناس ليس فقط يرتكبون الخطايا، ولكن الكثير منهم يبرر فكره بالخطيئة ويقبل بالسرقة او الكذب وما اليهما. اما المؤمن فهو الذي انقلب على تفكير الدنيا، ولذلك نصف الإيمان بأنه مستقيم الرأي. فكّر حسنا ومستقيما وبعد ذلك تصرَّف.

         توبوا اذ اقترب الملكوت. الله لا يريد ان يكون فقط ملكا في السماء ولكن ان يسود قلوب الناس هنا. “لتَكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”. عامة الناس تظن ان الملكوت نرثه في السماء في اليوم الأخير. صحيح ان الملكوت يكتمل بعد القيامة عند زوال الشر. اذ ذاك يسطع الله امام البشر جميعا ملِكا بقبول البشرية المفتداة سيادته عليها. غير ان الملكوت بدأ هنا في فلسطين بمجيء يسوع. فالملكوت يأخذ بالسطوع بظهور الملك. ان الملك يعطيه.

         فاذا قلنا في الصلاة الربية: “ليأت ملكوتك”، نقصد ليأت علينا وفينا يوما فيوما وليحل على الإنسانية جميعا. هناك بشر متمردون. كل خاطئ متمرد ولا يريد الله ملِكا عليه.

         اما اذا قبلت انت سيادة الله على قلبك وفي تصرفاتك تتوب اليه. وتأخذ مكانك تحت سيادة الرب.

         الوضع الطبيعي للمهتدي ان يحب اليعيش مع يسوع وفكره وان يغرق في ذكره وفي التحدث اليه، ان يعاشره بدالة وحميمية كما يعاشر الإنسان رفيقه والا يشتهي ان ينفصل عنه لحظة حتى لا يدخل الوسخ اليه ولا يحزن بالخطيئة.

         قد يتخبط التائب احيانا وقد يشك بعطف الله عليه وقد يسقط. اذ ذاك، يجب ان يفحص قلبه ليرى اذا تاب حتى الأعماق ام كانت توبته مجرد رغبة عابرة ناتجة من تأثره بصلاة او بكلمة إرشاد. الزرع الإلهي، اذ ذاك،  لم يتأصل فيه.

         التائب من اقتنع بالمسيح وبحلاوة معايشته في داخل النفس ومن آمن ان المسيح تعزيته ويكفيه، فلا يحن الا الى ما يرضى عنه المسيح. هكذا يكون السيد هو الملك حقا وتكون النفس مسكنا له مع الآب والروح.

         الظهور الإلهي الذي تم على نهر الأردن يصير، اذا ذاك، ظهورا في القلب ومحوّلا له.