Category

2009

2009, جريدة النهار, مقالات

أن يكون الأسقف بلا لوم / السبت 17 تشرين الأول 2009

من رأى نفسه عدما يصير وجودًا اذا قال له ذلك الروحانيون. لا أحد يأتي الى البهاء الإلهي بقوة نفسه. البهاء يشدّ الى نفسه الإنسان واذا الانسان اقترب منه يحس بأنه لا شيء ويبقى ممحوًا في عيني نفسه حتى يوم الحساب. اجل يجب ان يعرف كلّ منا مواهبه لأن في هذا اعترافا بعطاء الله. ويفنى هذا الإنسان لو ظنّ ان مواهبه ملكه. هي قائمة فقط بالرضاء الإلهي الذي ينتزعها متى شاء.

هكذا نقبل في كنيسة الله كل مسؤولية تفويضًا. وهذا هو معنى الخدمة والخدمة تنزل عليك من فوق. فاذا أُوكلتْ اليك لا تعطيك شعورا بأنك تستحقها. هذا هو معنى الخلق الإلهي أن ربك يوجدك كل يوم «خليقة جديدة». واذا ظننت انك بتّ وعاء لله فلا تنسَ ان «لنا هذا الكنز في آنية خزفية». انت مغبوط اذا وعيت الكنز الذي استودعته وويل لك إن حسبت انك بذاتك اكثر من خزف.
على ضوء هذا أقرأ كلام بولس: «من طمح الى الأسقفيّة تمنى عملا كريما فعلى الأسقف ان يكون منزهًا عن اللوم» (1تيموثاوس 3: 1 و2). لست أبحث الآن عن وظيفة من نسمّيه اليوم أسقفًا. فالتفريق عند كتابة الرسالة بين الأسقف والقس لم يكن واردًا او لم يكن تنظيم الرتب واحدا في كل الكنائس. مع هذا في قراءتنا لكلمة الأسقفية اليوم لنا ان نفهم انها تعني ايضا وظيفة من نسمّيه المطران بالعامية العربية نقلا عن اليونانية ميتروبوليت وهي تعني أسقف العاصمة.

مهما يكن من امر هذا ليس ما يدل ان بولس كان يمدح الطَموح الى الأسقفيّة ويحث الناس على اشتهائها فإنها عطاء الله والشهوة ضد العطاء الإلهي. المعنى كما يبدو انك اذا اشتهيت فاعلم أنك تشتهي شيئا عظيما. لذلك يجب ان تكون بلا لوم. والروحانيون -لا أنت- يكشفون ان كنت بلا لوم.

لا يسوغ لأحد أن يدّعي أهليته لأي منصب لأنه يكون قد حسب نفسه شيئا وتاليا صار لا شيء. واما من كان «يلبس الشمس والقمر تحت قدميه» (رؤيا 12: 1) فهذا يعاينه أكابر الروح كما يعاينون الشمس. الذين يتعاطون شؤون الترشيح لمنصب عالٍ في جماعة الله او في الدنيا هم يشهدون إن كان الرجل بلا لوم.

# #
#
واما من شوهد فيه رجس من عمل الشيطان فلا يجوز التوقف عند اسمه لحظة واحدة اذ من توقف هذه اللحظة يكون قد دخل الرجس. ان من لطمته الأرجاس يقود بالأرجاس لأن الفاسد مفسد بالضرورة. من أتى بالفاسد له مصلحة مع الفاسد أقلها التشابه بين المنادي والمنادى.

من نماذج عدم اللوم يذكر بولس أن المرشح للرئاسة الروحية ينبغي ان يكون »يقظًا رصينًا محتشمًا مضيافًا، صالحًا للتعليم، غير سكير ولا عنيف، بل لطيفًا يكره الخصام«. من لم تتوفر فيه هذه الحسنات يطاله اللوم، ما من مجال لأستفيض بتأمل كل فضيلة. ان يكون يقظًا، ساهرًا على نفسه، ضابطها. هذا شرط لإيقاظ الآخرين ليتخذوا طريق الرب. ليس في الكنيسة نائمون فاليقظة بالصلاة ووعيها والمحبة لكل الناس وتوحيد الأمة المقدسة بالتوبة والبذل الدائم في سبيل الإخوة. اما من غطّ فالكنيسة ليست سريرا لأحد.

أعبر الى كون الرجل صالحا للتعليم فالمسيحية عِلْم وتعليم اذ «في البدء كان الكلمة». الكنيسة التي تكتفي بالطقوس ولا يفهم فيها احد شيئا هي ليست بشيء. ومن لم يوهب التعليم والوعظ لا يحق لأحد ان يحفظه في ذاكرة لمنصب كاهن او أسقف. هذا يُكتفى به مرتلا او راهبا صامتا او خادما في الهيكل وهذه هي مسؤوليات مباركة نكتفي بها عند من سَمّيت. المسيحية شرح للكتاب الإلهي وللعبادات والتراث ومدرسة فيها كل الصفوف وذلك على مدى الحياة. واذا كان المؤمن العادي يُطلب اليه ان يعترف بلسانه كما يقول الرسول، فمن باب أَولى أن يأتي خادم الكلمة كما نسمّيه في رسامته شاهدا لهذه الكلمة. لذلك اشترطت كنيستنا الأنطاكية ان يؤتى الى الأسقفيّة بمن أتمّ علومه اللاهوتية وجالس العلماء. الأخرس لا تُسند اليه في الكنيسة رسالة. قد يكون أعلى من كل منصب بقداسته. عندما أتى بعض المؤمنين الى يوحنا الذهبي الفم بواحد ليجعله كاهنا سألهم عما يعرفون عنه. قالوا انه تقي. اجاب هذا لا يكفيني اذ ينبغي على كل المسيحيين ان يكونوا أتقياء. يجب ان يعرف.
# #
#
»غير عنيف، لطيفا، يكره الخصام» يكون اذ قال الرب: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب». لماذا انتقى السيد المبارك هاتين الفضيلتين ليصف بهما نفسه؟ لأنهما الأعليان. فقط ان كنت متواضعًا يرفعك الله وترفع بتواضعك الآخرين. فقط ان ابتغيت الوداعة وعشتها تذهب الى المذبوحية التي ذهب اليها المخلّص.
لا أعرف الفرق المدلولي بين اللطف والوداعة. في الرسالة الى أهل غلاطية يذكر الرسول اللطف والوداعة معا ويجعلهما من ثمار الروح القدس فينا. واذا عطفنا ذلك على كلام سابق له نفهم ان الروح الإلهي هذا ينتج فينا سلوكا روحيا.

واذا قال بولس عن الأسقف انه يكره الخصام فتأملي في هذا عدة عقود كشف لي أن أشد توبيخ لمؤمن هو الذي لا يرافقه الغضب وان الأفضل منه التذكير اذ الغضب فيه تسلط والتذكير فيه عودة نفسك ومن تلوم الى الله.
عندما يقول الكتاب ان الأسقف ينبغي ان يكون بلا لوم يريد ان مثل هذا الإنسان موجود وان ثمة امورا لا مزاح فيها. المسؤولون الكبار ينبغي ان يفتشوا عنه بمصباح عظيم وان يدققوا في سيرة من يرشحون ومن ينتخبون. وان يضعوا سدودا دون الوصول الى مقامات عليا. والسد يعني ان الملوم لا تجعله شماسا واذا اخطأت في رسامته لا يرتقي الى القسوسية واذا أخطأت لا يرتقي الى الأسقفية فالأسقف التافه يُعرّض الكنيسة التي يرعى الى التفاهة والمحب للمال يجعل الرشاة يتقربون الى الرئيس، وكذلك السارقون ويصبح الهيكل مغارة لصوص.

ولكون القانون الكنسي رأى ان هذه الأخطاء ممكن أن تقع ذكر محاكمة الكهنة والمطارنة وينتج عن ذلك التجريد احيانا اي الطرد. وعندي ان الكنيسة التي لا محاكمة فيها لا حكم فيها للفضيلة. الكنيسة هي المكان الذي نطهر فيه. وقد أراد يسوع ان نطهر بالرسل وبخلفاء الرسل. والفاسد خليفة لخطاياه وليس للقديسين.

الإصلاح في الكنيسة يبدأ من رؤوسها. الكنيسة لا تنتظر ان يتوب الكهنة والأساقفة طويلا. انها لا تقبل ان يستفحل شر من كان ساقطا سقوطا عظيما. هذا عاقبته الطرد.
مرة جرد القديس باسيلوس الكبير كاهنا عن كهنوته بسبب من زنى. بعد سنين عديدة وُجد هذا الكاهن في مأتم فتقدم الى التابوت ولمس الميت فقام الميت. فجاء الى باسيليوس وقال له: هل تريد دليلا أعظم من هذا على اكتسابي قداسة عظيمة لتعيدني الى رعيتي. اجابه القديس: قداستك شأنك مع الله ولكني لا أستطيع ان اعيدك الى رعيتك لأنك أعثرتها فلا يحق لك ان تصبح راعيها من جديد.

من يعطينا أمثال باسيليوس الكبير لنحسّ في ان هذه الجماعة التي نحن منها هي كنيسة المسيح حقا؟


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

المجد الباطل / السبت 10 تشرين الأول 2009

من استكبر فرأى نفسه ذا شأن، من أحس نفسه ذا مقام في السياسة، في الأكاديميّة، في رئاسة كنيسة او إمامة مسجد فهذا وقع في المجد الباطل. من افتخر بعائلته واستعظمها وفاضل بينها وبين سواها يكتسب بذا تفاهة تخرجه في العمق عن اي بهاء ولا يُكسبه علوا. الذي يعرف انما يعرف من اجل الحقيقة وخدمة الناس وليس ليتباهى بما يعرف. الصالح تسحره الحقيقة وتشدّه اليها لأنها بذاتها تهذبنا فما تصير ملكا لأحد. من سكر بما اقتناه وقال انه صاحب ما بين يديه أليس يعلم اننا لسنا مالكين لشيء واننا فقط مؤتمَنون (بفتح الميم الثانية)؟ مَن رأى انه قريب الى الله يرميه الله في الجحيم منذ الآن اذ رأى نفسه أهلا لسكنى الفردوس. وهذه الأهلية ليست عند أحد. من طلب الولاية تهرب منه الولاية اذ حسب نفسه يستحقها فرفع نفسه الى مقاماتها فتأذى بخياله.

لما كنت في السادسة عشرة من عمري وكنت قد تخرجت عرفت ان في احدى الشركات الكبرى وظيفة دنيا تساعدني على العيش. وذهلت اني ما نلت ذلك المنصب الا بعد مروري بمسابقة. تعجبت لأن هذا العمل لم يكن ليتطلّب كل ما كنت حصلته ولكني فرحت بأن القيّمين على هذه الشركة كانوا يسعون الى كفاءة من يعيّنون.

جاءني واحد منذ ايام يطلب مني انتخاب احد القسس أسقفًا على إحدى المدن. طبعا انا أليف لهؤلاء الذين يحسبون انفسهم مؤهَلين لمقام عظيم كهذا. كيف يحسّ هذا الأخ ان روحانيّة المسيح نازلة عليه او انه حصّل علمًا يُدرجه في مصف العارفين وانه محبّ حتى سكب نفسه في سبيل الإخوة وغسل أرجلهم وتاليا محو نفسه في الوجود المشترك؟

من يدفع مواطنين الى التماس مسؤولية نائب الا يعرف ان المتنطح هذا ليس عنده لسان يناقش فيه مشروع قانون؟ دائما أفكر بالمديرية العامة لوزارة النفط ان أنشأناها اذ المدير العام هو التقني. من من شبابنا يحمل دكتوراه في العلوم النفطية من هيوستن مثلا؟ هل كل طالب زواج يعرف نفسه مهيأ للحياة المشتركة ام انه عاجز ان يواجه وضعا اثنينيا؟ هل عرف ملتمس الرهبانية نفسه قادرا على الانعتاق من وطأة الجسد عليه؟ هل كل منا هو في المكان المناسب كما أراد ذلك أفلاطون؟

هذه دنيا مريضة بالمجد الباطل.

# #

#

كتب أحد أمراء مولدافيا لوليّ عهده في القرن الرابع عشر لمّا كانت مولدافيا مستقلة: يا ابني لا تشته ان تصبح أسقفًا ولا رئيس دير ولا أميرًا (هذه الوظيفة كان معدًا ان يشغلها عند وفاة أبيه) لأن كل هذا من مجد العالم. نظريا لك ان تصبح أميرا او ملكا وتبقى على تواضعك. على غرار هذا لا أفهم ان يتمنى بعض الكهنة ان يصبحوا أساقفة لاحتسابهم انهم يكسبون بذا نفوذا وسلطة وهم لم يختبروا مشقّة هذه الرسالة والمظلومية التي يكونون فيها احيانا كثيرا. لماذا هذا التنافس بينهم وبين رفاقهم؟ الا تخفي المنافسة أنهم أفضل من الآخرين؟ من قال لهم هذا؟ انت، راهبا، تبقى قابعا في زاوية من ديرك حتى يبرق لك البطريرك أن المجمع المقدس انتخبك وتلتحق بمكان عملك بنعمة الطاعة اذا نزلت عليك.

في الحياة الدنيا انت تدرس كثيرا وتتفوّق وتلتمع فيدفعك ذووك الى منصب مسؤولية او تناديك الدولة او يعيّنك حزب او كتلة سياسية، ولكنك في لبنان تبرز نفسك اذ ليس فيه من آلية ترشيح تقدّمك بسبب المعرفة. كل تنافس على هذا الصعيد كبرياء. انا أحب في الجمعيات الرهبانية الكاثوليكيةordres  أن يصل الراهب الى الرئاسة العليا وان يُعاد الى أدنى موقع في الترتيب الهيكلي. ذلك لأن الرئاسة عندهم خدمة والموقع الأدنى خدمة. لا تدع المجد يقرع باب قلبك. اذ ذاك، تصبح عبدًا للمجد. اما اذا أفرغت نفسك من هذا الشغف فيأتي الله الى نفسك ويسكنها. كل الموضوع هو هذا هل الله سيّد حياتك أَم الأنا الصلبة، المتقوقعة.

كل قصتنا مع الذات هي هل نحن ندرك ان شيئا لا يُزاد عليها لأنها إن تواضعت فهي كل الوجود. هذا ما أراده الناصري لما قال انك لا تستطيع ان تزيد على قامتك ذراعا واحدا. بهذا السياق لا تقدر ان تملأ نفسك من غير عطائها فإن أعطيتها قويت وجودا.

من هنا أن المال لا يضاف عليك فإن بددته على المساكين كما تقول المزامير: «يدوم برّك الى الأبد». وإن اعتبرته ضروريا فإنك لا تعتبر نفسك الضرورة الوحيدة. القول انك والعالم شيء واحد يعني انك جزء من العالم في حين ان ما هو خارج عنك عبد لك. والعبد لا يسودك، انت تسوده لأنّك حر منه. افهمْ ما قاله آباؤنا الكبار في الكنيسة: انت مؤتمن على المال لأنه ليس ملكك. انت تتصرف به لتجعله في خدمة المحتاجين اليه. هؤلاء بعطائك يصيرون إخوة لك. ليس لك الا الحب لتشعر أنك أخ للآخرين. تحرر اذًا من كل شهوة لأن كل شهوة تفتّتك او تبعثرك.

# #

#

أشد فتكا من اشتهائك المال شغفك بالسلطة، فقد جاء على لسان روحانيّ كبير: «كل سلطة تُفسد والسلطة المطلقة تُفسد مطلقًا». بعض الأحوال تجعلك في موقع السلطة. اقبض عليها وانت حر منها. «فذكّر انّما انت مذكّر. لست عليهم بمسيطر» (الغاشية، 21. 22) وحقيقة الآية ان أمرك ان شئت الأمر هو بالتذكير لأنه يعطى بالمحبة. وأما إن سيطرت عليهم تفصل نفسك عنهم فيبغضونك. اذكر انك لست بإله وانك باللطف وحده تجذب الناس الى إلههم.

لك أن تواجه وتناقش وأن تبرز للناس الحقيقة التي لا بد أن يحسّوا بها نافعة لهم ومنجّية. بكشف الحقيقة يأتي التوافق بل الوفاق والتداخل البشري الصافي. اعتبر ان كل انسان يستحق الحق. قدهُ اليه لا ليكون لك ولكن ليكون للحق. لا تطلب ان ينضمّ أحد اليك. حرّره من نفسك يصرْ من محبّي الله. لا تسأل عن ان تكون محبوبا بل اسعَ فقط أن تحب. غالبا ما يُردّ الودّ اليك بودّ أعظم. مع ذلك لا تطلب التبادل. ادفع الآخر الى ان يسعى الى ربه فيُنعم عليه ربه بالبذل. حسبك انت أن تكون حياتك في حياة الآخرين فيكون مجدك في قلب الله.

تعلّم قول الكتاب: «باطل الأباطيل، كل شيء باطل» (جامعة 2:1). كل شيء باطل ما عداك وما عدا الإخوة في أعماق نفوسهم. الوجود تلا في الذات، والذات لا تصادم مسيطرين. تلاقي الذوات في فقرهم الى الله وفقر الواحد الى الآخر اذ لا شيء خارج القلب. الوجود ملكوت الله في القلوب واذ ذاك، هي واحدة فيه ويصبح كل منها عرشه. اذ ذاك، ينزل عليها المجد الحقيقي. هذا هو وجه الله اليها.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

النظام المجمعي في الكنيسة الشرقيّة / السبت 3 تشرين الأول 2009

النظام الإداري في الكنيسة الأرثوذكسيّة تجسيد لتعليم لاهوتيّ. فالعقيدة عندنا يحفظها الشعب كله اي ان الرؤية لكل الحياة الكنسية هي رؤية الجماعة المؤمنة بما فيها الأساقفة. مع أهميّة المكان الذي يجلس فيها المطران هو يستمع الى ما يقوله الروح للجماعة التي يرعاها. من زاوية هو يأتي منها كما تأتي منه. هذا لا يعني أن المطران يستند الى جمهور رعيته ولكنه يأتي من اتقياء رعيته والممارسين. هؤلاء هم في الحقيقة جسد المسيح بحيث إنهم يؤلّفون المسيح على الأرض.

غير ان الأسقف ليس فقط متصلا بالجماعة الموكلة اليه رعايتها. هو يتصل عضويا بالمطارنة الآخرين الذين يسوسون كنيسة نسمّيها محلّيّة او إقليميّة كما انه متحد بأساقفة العالم كلّه الذين هم على استقامة الرأي. غير أن التحرك الواقعي في اليوميات تحرّك الكنيسة المحليّة مثل الكنيسة الأنطاكية.

هذه يرأسها المجمع المقدس الجامع لكل أساقفة المنطقة والجالس برئاسة البطريرك الذي هو الأول بين متساوين. سر الكهنوت الواحد يجعلهم مجمعا واحدا، والمرجوّ تاليا أنهم على فكر واحد المفروض أنه فكر المسيح. هذه المعية التي يؤلّفون والتي نرجو ان يمدّها الروح القدس بنفحاته حتى تخدم بالروحانية الواحدة كل الشعب المؤمن عن طريق خدمتها للوحدات الروحية التي نسمّيها أبرشيّات. فالمجمع الواحد كالمجمع الأنطاكي المقدس يشرف بسبب اتحاد أعضائه على كل المناطق لكوننا نفترض ان الأساقفة الملتئمين بفكر المسيح لا ينطقون عن هوى وأنهم يسعون الى المسيح منطلقين من الإنجيل. لذلك يضعون في قاعة اجتماعهم كتاب الإنجيل ليذكّرهم بأنهم يقولون قوله وليس لهم قول من خارجه اذا أتوا بقرار او وضعوا منهج عمل او أوضحوا الإيمان او انتخبوا أسقفا جديدا او حاكموا اسقفًا خالف القانون الكنسي.

البطريرك عندنا ضمانة وحدتهم لأنه بلغ عدم الهوى. وبفضل هذا التطهر يعتبرونه الأول بينهم ويظلّون حريصين على احترام موقفه كما يكون هو حريصًا على تبنّي موقفهم اذا بدا عن إجماع. لذلك لا يجتمعون الا بحضوره واذا استدعاه الله اليه لا يجتمعون الا لانتخاب خلف. فليس من مجمع بغياب البطريرك وليس من بطريرك بلا مجمع. وفي حال الشقاق لا يؤلف الذاهبون من المجمع مجمعا مهما كان عددهم. والأقلية في حال الانقسام التي يجالسها البطريرك تكون هي المجمع.

طبعا هذا النظام لا مثيل له في أية مؤسسة دنيوية أبرلمانًا كان أم غير ذلك. لذلك كان غير صحيح القول ان الأرثوذكسية ديموقراطية. هي الألفة او الائتلاف بالروح القدس. فكما تطيع أسقفك لأن الله أقامه رئيسا بوضع الأيدي (اي برسامته) كذلك تطيع المجمع المقدس ليس لأنه سلطة قائمة عليك بشكل تمثيليّ او حقوقيّ او جمعيّ ولكن لأنّ الأيدي وُضعت على رأس كل أسقف يوم رسامته. «الأسقف أيقونة المسيح» كما قال القديس إغناطيوس الأنطاكي. بطاعته تطيع المسيح.

# #

#

غير أن الأساقفة بشر تتسرب اليهم أخطاء. اذا أتى الخطأ إساءة الى العقيدة عليك ألا تطيع، وهنا تشكو المجمع الى المجامع الأرثوذكسية الأخرى، واذا أخطأ رئيسك المحليّ الى العقيدة وعلّم البدعة عليك ان تقاطع صلاته وان تعالج أمره مع زملائه ولا سيّما البطريرك. غير أن هذا يحصل قليلا جدا، وفي المئة سنة الأخيرة لم نلحظ شيئا من هذا لأن تحديد العقيدة من اختصاص المجمع المسكوني (العالمي) وليس من اختصاص المجمع الإقليمي.

وقد لا يكون المجمع حكيما في أمر رعائيّ او تدبيري. هذا يُناقَش في دورة لاحقة بشكوى او اعتراض معلّل وتسوّى الأمور إقليميا.

هنا يلعب الكهنة الورعون المثقفون كنسيا والعلمانيون المتديّنون الفاهمون دورا كبيرا. وروحية الأبوة المألوفة تُصلح الأمور ولا سيّما أن العقيدة تقول ان الإكليروس وعامّة الشعب المؤمن جسم واحد يتفاعل أعضاؤه بكلمة الخلاص التي يأتي الدفاع عنها مع حسن النية واستقامة القلوب.

ليس في الكنيسة قيمة للعدد. فأنت لا تطيع المجمع لهذا السبب. انت تقبله لأنه تعبير عن الكنيسة المتطهّرة اي الجماعة المصليّة. فقد رفضت الكنيسة في القرون الأولى مجامع مؤلفة من أكثر من أربعمئة مطران وسمّتها مجامع لصوصيّة. وما أقرّت الا تلك التي اعتبرتها ملهمة بالروح الإلهي. المجمع ليس سيد نفسه لمجرد اجتماعه ولكن ليقيننا أنه مرتبط بالرب. الله اذا ساد المجمع بالنعمة يكون هذا مجمعا إلهيًا وانت تلتزم بالألوهية فقط. الأساقفة وكلاء الأسرار المقدسة كما قال بولس، واذا تصرفوا بخلاف هذا التوكيل يصيرون لا شيء اذ ليس في الكنيسة من سلطة الا لله. في كنيسة المجامع المسكونية السبعة كان المجمع اللاحق يوكّد حقيقة المجمع السابق له، بهذا كنا نقترب من اليقين. ويتثبت اليقين عند قبول الجماعة كلها لما أتى به رؤساء الكهنة اذا اجتمعوا. ما كانت المجامع الكبرى تُعرف بالفهم او باللاهوت العظيم فقط ولذلك نقول في التقويم الآباء القديسون الذين اجتمعوا في نيقية او في القسطنطينيّة. قداسة المجتمعين هي التي تضمن صحة الرأي اذ ليس من فاصل بين الرأي ونقاوة السيرة.

# #

#

هؤلاء الذين نتّكل على طهارتهم مدعوون الى انتخاب في الخدمة عند شغور إحدى الأبرشيات بالوفاة. في بعض الكنائس كما في روسيا مثلا يشترك الكهنة والعامّة في الانتخاب المباشر. في كنائس أخرى هيئات ترشيحيّة مؤلفة من كهنة وعلمانيين تقوم بعمل الترشيح اي انها تقدّم للمجمع المقدس لائحة من الأسماء يختار منها المجمع واحدا. في بلادنا الهيئة المرشحة هي مؤتمر الأبرشية، واذا كان لم يتشكل يقوم المجمع في مرحلة اولى هو نفسه بالترشيح ثم ينتخب متقيّدا بالترشيح. هناك طبعا شروط ينبغي أن تتوفر في المرشّح أهمها حياته الروحية وأخلاقه ثم تحصيله اللاهوتي العالي ثم شرط السن وتدرّج في الخدمة.

غير أن كل هذه الشروط اذا توفرت هي اقتراب من المثال وليست ضمانة. تختار مثلا شخصًا يبدو لك وديعا عفيفا، وممارسة السلطة قد تفسده ويأتيك متسلطا. واذا رأيت الى تحصيله اللاهوتي الجامعي قد تظن أنه يعرف، ويتبيّن بعد ذلك انه ضعيف في ممارسة العقل اللاهوتي. ان الصفات الحسنة المتوفرة في كاهن قد لا تكفي لمعرفة أهليته للأسقفيّة. وقد تظهر فيه حسنات جديدة بسبب من مراسه الجديد ولا بد ان يختلف أعضاء المجمع المقدس عند اختيارهم. فهذا يركز على القدرة اللاهوتية في المرشح، وذلك على مواهبه الرعائية ولو كان ذلك على حساب المعرفة. والآخر يشدد على الإداريات عنده. ما الإداريات؟

ينبغي الا نتعجب من اختلاف المعايير عند السادة الأجلاء. فهذا يجذبه ذكاء المرشح وعلمه، وذاك يهتم بخبرته. ولكون القضية تتوقف على تقدير الأفراد يتعذّر الإجماع المنشود أصلا. غير أن ما يحررك نسبيا من التردد أن تطلب في من تدعوه الى رئاسة الكهنوت محبة للرب متينة وعميقة ويضاف اليها العلم لكون ما يُطلب في الرجل معرفة شؤون الإيمان معرفة دقيقة التماسا للوعظ والتعليم. اما ما يسمّى عندنا التدبير بما للكنيسة من ملك ورزق ومال فقد رأت الكنيسة الأولى ان يعيّن الأسقف المنتخب مدبّرا مطلعا على هذه الأمور، فالإنسان المثقّف لاهوتيا ليس عنده بالضرورة إلمام بشؤون الدنيا. واما الملمّ بها بخاصة وليس عنده العلم بالله وبكلمته فلا يقدر أن يرتجل الكلمة ارتجالا. لذلك يمكن ان تتضافر النيات الحسنة والآراء الثاقبة حول اختيار رجل ممتلئ بحكمة الله ويعطى بقية الحكمة زيادة فيما يختبر الناس والزمان وفيما هو يتكل على الحكماء والأتقياء في رعيته.

المشكلة الكبرى ان إنجيل يسوع المسيح مسلّم الى أناس محاطين بالضعف بضرورة طبعهم البشري وكبار القامات الروحية قلة عزيزة. ولكن الكنيسة في الدنيا لم تبلغ الملكوت ونحن نعرف كما قال الرسول أن «لنا هذا الكنز في آنية خزفيّة». أن تحفظ الوديعة سالمة حتى مجيء الرب يتطلّب سهرا طويلا واحتمال مشقّات في التعزيات التي تنزل عليك من فوق.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الطاعة / السبت 26 أيلول 2009

المسلَّم به في الكتب المقدّسة ان الطاعة لله لأنه المؤمن اي الذي يؤمنك من شرك وتأمنه لصلاحه. ان تتمرد عليه ناتج من عبادتك لنفسك. الطاعة هي اذًا الايمان به وبقدرته ومحبته. انا لا تعجبني الدعوة الى الثقة بالنفس لالتباسها. المؤمن لا يتكل على ذاته مطلقًا ولكنه يتّكل على ايمانه اي على معرفته ان الله ساكن فيه ويمدّه بقوّة من فوق. انت تصحح فكرك بالفكر الإلهي اذ لست محصّنا بالعصمة. وما من عصمة طالعة من البشرة، المتقلبة والضعيفة، الهشّة. انا في المسيحيّة انتمي الى المذهب القائل ان ليس من انسان مصون بوعد إلهي قبل ان يتكلّم. وهذا المذهب يقول ان مجمع الأساقفة لا نطلق عليه وشاح العصمة قبل كلامه على الشأن الإلهي ولكن اذا لاحظنا انه وافق الإيمان الذي «دُفع مرة للقديسين» نعلن حقيقة انكشفت. ما من وليد امرأة يتربّع في الحقيقة تربعا. لذلك جاء في التراث عندنا ان المجمع يؤيّد المجمع السابق لتزداد قناعتنا بهذا الأخير. نحن نرجو ان يلهم الروح الإلهي من اجتمع رجاء. في أمور الحقيقة انت دائما في حالة جهاد. واذا أعلنت ايمانك بما قيل ففي هذا تعترف ان مصدر ايمانك هو الرب. لذلك اذا تكلّم المسيحيون في المجمع المسكوني الثاني على المجمع المسكوني الأول يقولون فيه اجتمع الآباء القديسون بمعنى ان قداستهم هي التي ضمنت صواب فكرهم.

من هذه الزاوية صحت الكلمة الإسلامية «الاجتهاد» التي أفهمها انها مسعى فكري عند العلماء اذ المفترض انهم الى جانب التحصيل العلمي هم مكلّلون بالبِرّ ولا ينطقون عن هوى.

هذا كلّه يعني انك في العقل وفي التقوى مطيع لله واذا أطعت بشرا فلتوفر الدلالات على انهم هم خاضعون لربهم. بطرس الرسول في هذا واضح ان الله أولى من البشر بالطاعة (أعمال الرسل 29:5)، عندما تقول عامة الناس ان الطاعة للوالدين واجبة ماذا يعنون؟ الأولاد يحسبون أن ذويهم يعرفون صالح اولادهم وانهم لا يقهرونهم. غير ان الكتاب المقدس لا يقول بهذا. انه يقول: «اكرم أباك وأمك».
# #
#
الواضح في المسيحية وجود مشيئة الهية ومشيئة بشرية وان الأولى وحدها مطلقة وانها وحدها المرجع. واذا قال المسيح وقلنا بعده انه ذو مشيئتين بحسب قوله لأبيه «لا مشيئتي بل مشيئتك» فلكي نحسم أن المشيئة الإلهيّة في المسيح هي التي طلبها المسيح سيّدة على بشريّته. والوحدة فيه بين الإرادتين لا تتم بسؤدد الإلهية على الناسوتية ولكن بدوام انسجامهما. لذلك قال عن علاقته بأبيه: «انا افعل دائما ما يرضيه» هذا لا يلغي ذاتية اية ارادة فيه ولكن يجمعهما كون السيد طوع إرادته البشريّة بحريته لله.

هكذا جوهر كلّ النضال الروحي الذي قام به القديس مكسيموس المعترف الراقد السنة الـ 662 ومات من اجله بعد تعذيب.

في الإنسان خضوعه لله ينفي كل عسف واعتباطية بمعنى ان لا قدسيّة لإرادتك ما لم تكن متطوعا لله دائما. انت لا تختار ما تشاء. انت حرّ بالكلمة الإلهية فقط لذلك قال المعلم: «وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يوحنا 8: 32). طاعتك للحق وحدها تبعدك عن التحزّب. اي متتبع لتاريخ الكنيسة يلحظ ان أهل البدع كانوا في معظم الأحوال تابعين لأهوائهم وغرباء عن الجهاد الروحي اي انهم كانوا مستكبرين. صاحب البدعة يغلف خطاياه باللاهوت وبتلاوة الآيات. من هنا تفهم ان تفسيرها احيانا خاضع للسياسة. ولكون الله عظيما انت كنت تحتاج في أزمنة الإيمان ان تغلف كل كراهيتك للآخر اي سياستك بلباس ديني. ما كان الدين الأذية. انت كنت الأذية.
# #
#
ما سميته طاعة كان في الحقيقة محبة. لما قال يسوع الناصري: «من سخّرك ميلا امشِ معه ميلين» (متى 41:5) أراد أن تضع نفسك في تصرف الآخر. فقد اعتبر هذا انه في حاجة ان تمشي معه في الطريق ربما لأنه لا يعرفها او لأنه كان في حاجة الى إنس. واذا لبيته تكون في حالة طاعة لله.

هكذا اذا قال بولس: «أطيعوا بعضكم بعضًا» فلأنك تحس أن الآخر في حاجة اليك مسبقا تشعر انه لا يريد استعبادك او استغلالك وانه فقير اليك. اجعل، اذ ذاك، نفسك حقًا فقيرا اليه. في إطار هذه القولة نفهم كل ما قاله الرسول عن الزواج. فاذا قال: «ايها الرجال أحبوا نساءكم كما أحبّ المسيح الكنيسة» وبعدها قال: «ايتها النساء اخضعن لرجالكن» فلا نلحظ فرقًا بين «احبوا» وبين «اخضعن» لأن الحب ينقذ والطاعة تنقذ بسبب من ان الطاعة المتبادلة كانت القاعدة على ضوء هذا التبادل تفهم العلاقة. واذا كانت الزوجة محبوبة حتى الموت كما أراد بولس فهل يعتريها خوف مما سمي الخضوع؟
واذا تكلّمنا في الكنيسة عن الطاعة للأسقف فليس لأن هذا عظيم بسبب من مقامه ولكن لكون الكنيسة أتت به الى هذه الخدمة بعد ان رأت انه «بلا لوم» (1تيموثاوس3: 2). قد يبدو يوما انه ملوم. لذلك جاء في القانون الكنسي انه خاضع للمحاكمة وانه قد يُخلَع (بضم الياء). هكذا في الرهبانية يُطاع رئيس الدير ليس لمجرّد مقامه ولكن الإخوة أرادوه عليهم رئيسا لفضائله. هم يطيعون فضائله ويعرفون انه لا ينطق الا بكلمة الرب. واذا نطق بخلاف هذا فالرئاسة الروحية التي تعلوه تخلعه ايضًا.

اجل يتسرّب الاستبداد للطبائع البشريّة. إزاء ذلك يقول بولس ايضًا: «ايها الإخوة، إن انسبق إنسان فأُخِذ في زلّة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة» ( غلاطية 6: 1). الروحانيون ملح الأرض ويواجهون أصحاب المقامات حسب قول الياس النبي: «حيّ هو الله الذي انا واقف أمامه» (1ملوك 18: 15). ليس في دنيا الحياة الروحية من انقلاب. الله وحده قادر ان يكسر الطغاة. وانت تصلي لذهابهم. الصالحون والصالحات يكرهون الجور. ان شهادتهم تسحق الظالمين بالحق. لذلك تظهر في الكنيسة والعالم حركات تجدد تأتي بوجوه حسنة هي إطلالات الله على دنياه.

ليس المجال هنا لأقول شيئا عن السلطان الجائر ولا عن الثورات. المهم ان نجتنب الفتنة والدمار اذ تكون الثورة. اذ ذاك، انحرفت عن غاياتها. في الواقع هكذا فعل معظم الثورات. اذ اكتفت فعليا بقيام بشر على بشر واستعاضة فئة على فئة ولم يحصل تغيير.

المهم ان تطيع الله والناس الذين هم له والإصلاح يأتي بهذه الروح. الرب يسودك مباشرة او يسودك بأحبائه واحباؤه لا يحكمونك الا بعد ان طوعوا انفسهم له. تراهم بمقامهم سادة وهم بنقاوتهم يكونون مطيعين لك.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

إطلالات من إيطاليا / السبت ١٩ أيلول ٢٠٠٩

تتكثف النعمة لتنزل حيث تشاء. في قرية نائية محشورة بين تورينو وسلسلة جبال الألب يقوم دير يجذب اليه شحنة محبات مقولة بلاهوت ويضم، هذه المرة، مئتي وخمسين مؤمنا من كل مناطق الأرض ليتقدسوا معا ويعقلوا معا ايمانهم عسى يقولونه اذا عادوا للناس ليفرح المعطي والمتلقي معا ويزول انقسام الكنيسة في حلم او رجاء.

         Bose المشلوحة هناك تقول منذ سبع عشرة سنة كلمة الله في سبكها الأرثوذكسي وهي على المذهب الكاثوليكي، لها على استقامة الرأي، كل صيف، مؤتمر تتناول فيه جانبا من الروحانية البيزنطية تصوغها كلمات لاهوتيين من كنيستنا أمن روسيا ام من البلقان ام من عندنا جاؤوا واليهم اثنان او ثلاثة من الإخوة اللاتين استشرقوا فكريا ليتقابسوا ويستنير بهم زملاء لهم او متدرجون فيستضيء كل بالآخر وكأن ثمّة مائدة تنزل من السماء على أولهم وعلى آخرهم ليدنو كل واحد الى المعرفة والحب درجة او درجات.

         ويرمّموا ما تعثّر بناؤه في الماضي او في مواضع أخرى مفروض انها أرض بناء. ولكن الكنيسة بطيئة الصعود او ضاق مداها. الكنيسة جرح مفتوح. في بوزه كنائس الى التضميد، ذلك الذي يتيح لك الرؤية ولو شحّ النظر عند العتاق الذين لا تذهب عنهم بصيرة يشاهدون فيها القيامة المقبلة.

#                       #

#

         انت تتوقع جمهرة كهنة ورهبان وراهبات وأساقفة من كل صوب كما تنتظر أحاديث جانبيّة قائمة على ذكر المسيح ومن اليه من أهل السماء والأرض وتحس بالفرح المشرق وعذاب الانشقاق، وعلى ذلك انت تذوق وحدة وجود لا بد ان يكشفها العطاء الإلهي في ما فيه من رحمة. وكلما ازداد عمقك قوي وجعك. والأقربون الى العامة يقولون لك: لماذا نحن هكذا؟ ما الذي يفرّقنا؟ واذا اخذت تشرح لهم النصوص التي تنأى بالواحد عن الآخر يتساءلون اذا كان أهل العلم يذبحون بعقولهم القلوب او اذا كان الجالسون على أرائك السلطة يتناحرون من اجل المسك بالسلطة. هل الذين استووا على العلم غير صادقين؟

         لست أعلم ما دعا رهابين في الكثلكة ان يخصّصوا أسبوعا في السنة للفكر الأرثوذكسي وهم يعفّون عن السجال وعن أحلام الضمّ الجانح. عندما تعتزل مع الأكبرين تلحظ انهم إخوة في الذهن لا في القلب وحده اي انهم من الارثوذكسية على قاب قوسين او ادنى او هكذا أقرأهم وليسوا في هذا الدير الوحيد وتبقى شبه ارثوذكسي في كنيستك ولك هواك في فهم الكثلكة ولا تُكفّر من كان على غيرها من أهل التراث القديم.

         قد لا نكون بعيدين في الذهن على الأقل من حل معقول.  ان هناك من يقول ان المجامع المسمّاة مسكونية هي التي كنّا فيها معا وهي سبعة، واما تلك التي عقدها كل فريق منفردا فيعرضها على الفريق الآخر في اجتماع جامع ما يعني أن ما حدده أحدنا على انفراد يحتاج الى مصادقة من الآخر، والقبول المشترك يفترض تفسيرا جديدا.

         لا بد أن يستدعي هذا تعديلا في البنية الإدارية بحيث لا تطغى كنيسة على كنيسة اي بحيث لا يُفرض عليك ما كان عن تراثك بعيدا او ما كان مضمونه غير قابل للانصهار اذا اعتبرت الانصهار الفكري خيانة.

         وحدة تقوم على ايضاح وتنوير وصدق وتواضع يمكنها ان تُغني الآخرين بلا اعتداد ولا سيطرة ولا ابتلاع.

#                          #

#

         بين التاسع والثاني عشر من ايلول انعقد المؤتمر السابع عشر عنوانه: «الكفاح الروحي في التقليد الأرثوذكسي». حاضر فيه ثلاثة عشر ارثوذكسيا وثلاثة كاثوليكيين من إيطاليا وروسيا وطور سيناء وفرنسا وإنكلترة واليونان وصربيا وأميركا ولبنان. تناولوا موضوع الجهاد الروحي في أسسه الإنجيليّة وتراث الآباء ولاسيّما من جانب النسك عندهم.

         كيف تكافح الخطيئة والأهواء، ذلك كان الحديث كله. والهوى بلغة الرهابين القدامى هو ما يجعلك منفعلا بالتجارب التي تحلّ فيك وتنبت فيها الخطيئة فتصرعك.

         هذا كلّه يتطلّب البحث بالأساس اللاهوتي للجهاد حتى تنصرف الى القيام به. والكفاح يستهدف اقتناء الصلاة وأن تُطوّع قلبك لها. وتعي إن علمت هذا أنه عليك اجتناب النسك المتشدد، فيتبيّن لك ما عليك ان تقوم به اليوم في وضع بشري متدهور. وهنا لا بد أن ترى الى كفاح للهوى تقوده بالجسد لا قهرا للجسد. تأتي هنا الشراهة والبحث النفسي فيها الى جانب البحث الروحي.

         بعد هذا تطلّ على علاقة الكفاح الروحي ووحدة الكنيسة. الغفلة في الكنائس وبعض من قادتها أسهمت في انغلاق فيها وانقسام. واذا عرفت كثيرا عن هذا بكيت كثيرا ما يعني ان نفحة الوحدة هي القداسة لأنها وحدة بشر كما يسلكون. هي وحدة على الأرض وإن نزلت عليك من فوق. عُهد هذا البحث الى لبنانيّ.

         جهاد في الكنائس وجهاد من أجل العالم المعاصر. كيف ينزل الله الى العالم، كيف يحيا به العالم. كيف تُروحن العالم كما هو وتنتشله من كل سقطاته دون اعتزال في دنيا وهميّة وانت قائم على العلم وقيّم على التكنولوجيا. عُهد بهذا الى أسقف أرثوذكسي بريطانيّ الجنسية. أوربا في اهتدائها نافعة للشرق.

         الى هذا شاركنا الرهبان صلاتهم باللغة الايطالية. فهمنا منها ما فهمنا. ولكنا ما كنّا غافلين بالكلية اذ تعرف انت الانجيل وبولس والمزامير لكونها مرقمة وتَسْكنك نفحات من ايقونات بيزنطية جاءتك على إبداع كبير كأن الغرب الكاثوليكي يريد أن يعشقنا عن طريق الجمال ولكنك تفهم ايضا حبه عن طريق التواضع.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

عيد ارتفاع الصليب / السبت 12 أيلول 2009

غدًا عيد ارتفاع الصليب حادثتان أوجدتاه. اولاها في القرن الرابع حيث وجدت القديسة هيلانة ام قسطنطين امبراطور الروم صليب المخلّص الذي كان مغمورا في التراب، والحادثة الثانية ان أعاد الأمبراطور هرقل ذلك الصليب من بلاد الفرس الذين كانوا قد أخذوه من أورشليم. فرح المسيحيون بالحادثتين وفهموهما رحمة من الله لهم. لن أعلّق على هذين الكشفين لأني أودّ تجاوز الواقعين في محسوسيتهما لولوج الجوهر.

تبديدا لكل لبس وددت أن أقول ان الصليب لا أهميّة له الّا بالمصلوب. كل الديانات ذات رموز وخطاب رموزي. لا يهمّني اذا كانت ذخيرة الصليب التي تضعها ضمن صليب فضيّ في عنقك جاءت حقا من صليب يسوع. لا أحد يمكن ان يثبت ذلك ولكن يجب ان يهمّك ان كنت مسيحيا ان تعترف بأن موت الناصري وانبعاثه هما كل المسيحيّة. وان كل عبادة او طقس او عقيدة هي من باب تعزيز ذلك الموت وتلك القيامة.

هذه قاعدتنا وهذا مدانا ولهذا نشهد. واذا تكلّمت خارج هذا الإيمان باحثا تاريخيا لا أحد اذا اتخذ منهج التاريخ المحض يستطيع ان يُخرج الأناجيل من باب التوثيق. لستَ مضطرًا ان تؤمن بالإنجيل لتثبت ان الإنسان يسوع الناصري عرف هذه الميتة. الأناجيل صحف ذلك الزمان والإنجيليون الأربعة ثلاثة منهم شهود وواحد تقصّى شهادات الشهود. انت مستقلا عن معنى الصلب أفداء هو أم خلاص لا مهرب لك من ان تقول ان المسمى يسوع الناصري او الجليلي ألقي القبض عليه وحاكمه اليهود والرومان وحمّله بيلاطس البنطي الوالي خشبة ليُصلب عليها فرُفع على تلّة الجلجلة مسمّرًا ومطعونًا جنبه بحربة وتأكد الوالي هذا الموت وقبر الرجل.

# #
#
حادثة الصلب من الإيمان بسبب معانيها. يبدأ ايمانك الحقيقي من قبول المعنى.

معنى الموت ليسوع الناصري انه ارتضى ان يحمل خطيئة العالم، ان يصير هو خطيئة لكي يحيا من يؤمن به بلا خطيئة، لينبعث الإنسان كلّ يوم من غضب الله عليه ليمكث في الرضاء الإلهي.

خشبة من خشبتين. الأولى عمودية والثانية أفقيّة. أما العمودية التي طرح عليها المسيح فتدل على ان السيّد ممدود من الأرض الى السماء وممدودون معه أحباؤه بالاتجاه نفسه. اما الأفقيّة التي كانت ذراعا المعلّم ممدودتين عليها فتدلّ على ان يسوع يضمّ بهما او فيهما كل المسكونة اليه دائما ولأنه يرتفع دائما. سمينا هذا العيد ارتفاع الصليب. ما هذا الا كلاما رمزيا. الحق اننا في ارتفاع المصلوب من اجل حياة العالم.

جاء في الكتب المقدسة عندنا عبارات من شأنها ان تضلّل. مأخوذة من العهد القديم ولكن يجب ان تُقرأ على خلفيّة العهد الجديد. كلمة كفّارة التي يعني ظاهرها ان يسوع مات بدلا عنا يمكن ان يتعثّر القارئ بها فيفهمها بمعنى حقوقي معروف عندنا في قانون الجزاء. هذا ليس له أساس في العقيدة. وقد قيل في الغرب في القرون الوسطى ان الخطيئة أثارت غضب الله وهذا الغضب لا يزول الا اذا أزاله إله ليتمّ التساوي بين الغضب والتكفير عنه. هذا ربما تعلق به حتى اليوم بعض المتشنجين في ايمانهم او من يحبون انهاء الثأر بالفدية على ما هو مألوف في مناطق قبليّة. هذا ايضًا لا أساس له.

وان كنا لا نزال نستخدم كلمة فادٍ فليس بارتباطها بهذا الفكر القانوني ولكنا نترجم بها اللفظة اليونانيّة التي تعني المحرر. المسيح يعتقنا من خوف الموت كما ورد في الرسالة الى العبرانيين: «ويُعتق اولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كلّ حياتهم تحت العبوديّة» (15:2).

اذا تغلّبت على مخافة الموت فأنت مقيم في الحياة. كلّ المسيحيّة تقوم على تناقض الموت والحياة وليس فقط الموت الروحي والحياة الروحيّة ولكن على التناقض بين الموت الجسدي والحياة التي تؤتانا من القيامة في اليوم الأخير.

الشيء الوحيد الذي يخشاه الإنسان هو الموت. يخشى حادثة آلة والمرض والغيبوبة. كلّ هذا موت. واذا لم يستطع ان يواجه هذا بصورة حقيقيّة فهو واقع في الخوف ابدًا. لا يتعزّى أحد ان قلت له هذا لا بد من حدوثه. الله سيّد على اللابد اي انه يقضي على المواتية هنا. كيف تتحرر منها ولو كان لها يوما ما تعبير بيولوجي؟ لا مفر من الموت الا بالمحبوبيّة. يجب ان يحبك إله لتحس بأنك محبوب. لا أحد يعوض عن الإله مصدرا كاملا لحيويتك. هذا كشفه يسوع الناصري بصورة بليغة بمعنى انه أدخل الحياة التي كان يحملها الى مملكة الموت. فجّر الموت من الداخل. «وطئ الموت بالموت» كما يقول النشيد الفصحي.

وفيما كان المسيح يدخل الحياة الى كل نطاق الموت أدخل معها المحبّة، والحياة هي المحبّة. بهذه وحدها تخرج انت من العدم. ارتضاء يسوع قتله إن هو الا تعبير عمّا جاء في الكتاب: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد» (يوحنا 16:3).

بهذا لم يبقَ محل للسؤال لماذا كل هذا التحرك الإلهي، لماذا هذه الستراتيجيّة الإلهيّة، كل هذه الخضة؟ اما كان ممكنا لله ان يعبّر عن حبه بغير هذه الطريقة؟ طريقة اخرى تأتي من سؤال افتراضي. الأمور صارت هكذا لأن الله حكمته في هذا. حكمته تجلت في ان يتجسّد الكلمة ويتأنسن ليكون لصيقا بالإنسان، ليفهم البشر ان الرب ردم كل هوة كانت بينه وبين بنيه. هل من سبيل أفصح من ان يلازمنا الله في دنيانا، في جسدنا، في اوجاعه، في موتنا، في قبرنا؟

المسيحي يعرف في كل ألم ان مسيحه شريك له ويعرف انه لا يُلقى وحده في التابوت وان شيئا فيه لا يقضي عليه تراب الأرض. انه يعرف انه ليس عبدا نهائيا لوطأة الدنيا. هو يقع في الخطيئة ولكنه ناهض الى البر لأنه يحمل في نفسه طاقة الحب. ويستطيع ان يغفر الى ما لا نهاية وان يذوق الفرح في أمراضه والكمال في عاهته ويختبر في القداس «كمال ملكوت السموات والدالة لدى الله لا لمحاكمة ولا لدينونة» لأنه قد انتقل بقيامة المخلّص من الموت الى الحياة.

هذا هو عيد الغد.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الأب يواكيم مبارك بيننا / السبت 5 أيلول 2009

يضجع الآن الأب يواكيم مبارك في تراب لبنان مع آبائه. كنا نشتاقه ان يعود وهو أَحَبَّ ان يسكن حضن الأرض الأم. بهذا يحس المستبقَون ان هذا الذي اغترب لا يزال لصيقًا بهم حتى يبوّقَ البوق الأخير «فيقوم الأموات عادمي الفساد».

عشنا زمنا باريسيا واحدا أثناء تحصيل كل منّا اللاهوت ولم نلتق. ربما عاد السبب الى اني لم أقرأه هناك. كان لنا هنا اول لقاء لا يمكنكم تصديقه، وكان هذا في صيف الـ1955 أوالـ1956 اذ كنت أتمشّى في شارع عزمي في الفيحاء ووجدتني على يسار طريقي امام كاهن أسمر لباسه أوربي فقلت له: ألستَ انت يواكيم مبارك؟ قال ألست انت جورج خضر؟ ثم قال: انتظر هنا الأب جان دانيالو لأصطحبه الى كفرصغاب. اتريد ان تساهرنا؟ أحيينا الليل كله في مسامرة فكر.

كانت تجمعنا عصبية الشمال على لطفها. سألته مرة: كيف يجيء شاب مارونيّ من الجبل الى دراسة الإسلاميات. قال: بدأت رحلتي الى معرفة الإسلام منذ طفولتي اذ كان أبي يصطحبني الى محلات رفعت الحلاب لنأكل حلوى وهناك كنت أقرأ هذه الجملة: «كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله». وأبي كما تعلم كان خوري الضيعة. اجابني عن سؤالي: هذه آية من القرآن. فسألته ما القرآن، واخذ يشرح لي هذا حتى رأيت نفسي في رشدي غارقا في الإسلاميات. داعبته هكذا: الحلوى الطرابلسية اتت بك الى كل هذا العلم.

ومع اني دخلت انا الى هذا المجال، أحسست اني لم أبلغ إحاطته بهذه المعرفة او استلذاذه لهذه المادة. ذهلت مرة وانا في مجموعة من مسيحيين ومسلمين في جنيف بعد ان دعوناه إماما لصلاتنا وظننت انه سيتلو لنا فصلا من الإنجيل، ذهلت لكونه اخذ يقرأ علينا سورة الرحمان اذ لا يزال يطن في أذني: «فبأي آلاء ربكما تكذبان». لحظت ان الفريق المسلم ارتضى تلاوة قرآنية من كاهن مسيحي وذلك في لقاء مشترك. آنذاك كنت أتولى تدريس الإسلام في البلمند، فرأيت ان يتعهّد المادة من بعدي الأب يواكيم فتعهدها وأصدر فيها كتابه الصغير «الإسلام» مع مقدمة وضعها المغفور له الشيخ صبحي الصالح. آذاك اي في منتصف الستينات كانت بين دارسي الإسلام من مسيحيين ومسلمين مجاورة تصل الى حد التحابّ.

لم يمس عقيدته المسيحية بشيء، وهذا لم يثنه عن تعابير في التقوى من الكنيسة اللاتينيّة، كدت أعلم انها دخيلة على الكنيسة المارونية. غير انه في كهولته وضع «الخماسية المارونية» في خمسة اجزاء بالفرنسية في مناخ صداقات بيروتية ما كان بعض الأرثوذكسيين مقصيين عنها، وأظن ان الخماسية قوّت فيه النزعة الى التصوّف السرياني القديم الذي كانت روحه متجلببة به لما فارقنا.

كان يرتاح الى هذا الإنتاج الضخم . على هذه الصورة أتت الخماسية الإسلامية – المسيحية. تبدو ان الموسوعة عند مبارك أقرب الى ذوقه من الكتب الصغيرة. غير أن الرجل لم يكن ليفنى في العلم. القلب عنده كان الأهم. فمن وراء الإسلاميات مثلا كان يقصد العائلة الإبراهيميّة كما سمّاها ماسينيون اي لقاء اليهود والمسيحيين والمسلمين. ما كان يجذبه الى ابراهيم هو قول الله: «آمن ابراهيم بالله فحُسب له ايمانه برا». هذا صدى لما قاله يعقوب ابو الأسباط: «اني رأيت الله وجها لوجه ونجيَتْ نفسي». لا العلم اذًا بل الخلاص. ولاهوت هذه الجماعة او تلك مسعى خلاص كائنا ما كانت التسمية.

أظنّ ان الإسلام قاد مبارك الى ما كان يسمّيه arabité، ولعله هو الذي جعلها عُربة لا عروبة اذ لم أكن أعرفه عروبيّ الهوى. واللفظة arabité  نحتها ليوبولد سنغور. ولكوني مشيت مثله في هذا الخط الثقافي حاضرنا في أمسية واحدة في باريس عن العربة. كان عربي الاندفاع من حيث انه كان ضدّ الاستعمار وأراد للبنان تبنيا صادقا للعالم العربي. ما كان عنده حرج من اختلاط ما بين العروبة والإسلام. ولو شئت ان ابالغ قليلا لقلت انه كان يرتاح في الإسلام. هذا لم يمنعه من القيام بركيعات مسيحية نظامية. أظنّ انه كان يحب في خلوته ان تتمازج العربية والسريانية كما كان يريد الا يهمل الارثوذكسيون اليونانية. ما كان يريد ان تفنى اللغات القديمة عند المسيحيين في العربية. القديم كثيرا ما يحييك. أظنّ ان البطريرك بولس مسعد الماروني في الشقة التي سكنها في استانبول سمع من الطابق العلوي من يرتل بالسريانيّة فعلم بعد استقصاء انه كان احمد فارس الشدياق.

كان واضحا عندي ان الأب يواكيم لم ينغلق ابدًا في الأكاديميّة. اجل تحركات القلب يجب ان تنضبط، والذهن اذا جفّ يموت ويميت. كان يواكيم رائعا في التنقّل بين العقل والقلب. كان يحب الإطلالات على التراثات المختلفة على حبّه العظيم للكثلكة في وجهها الغربي.

على كل هذا العلم كان قريبا من البسطاء يخدم في تواضع كاهن قروي. هذا الذي كان من الموارنة الذين تعملقوا منذ انشاء الكلية المارونية في روما لم يسكره مجد العالم. القديس سمعان العمودي وسائر العموديين في كنيسة أنطاكية كانوا أحبّ اليه من اللاهوتيين مجموعين. هو وبعض علماء المارونية يقرأونها امتدادا لسمعان العمودي وللحركة الرهبانية الممتدة منه. هذه الرؤية تلتقي بحلم قنوبين عنده، فاشتدت وطأة الصومعة عليه ولكنه لم يستطع ان يعود حقا الى قنوبين حتى صلي عليه فيه. لاحقته بادية الشام الغنية بالأديار الى فرنسا. ما سكنت هذه البادية جسدك ايها الناسك العظيم حتى عاد جسدك الطاهر الى الرؤية التي تخترق التراب حتى الشمس. لقد شربت من نتاج الكرمة في ملكوت ابيك لما تواريت عن عيوننا، غير اننا اياك مبصرون في القلب وما استخلفت في الدراسات.

انت تأصّلت في قاديشا وعلوتها. جئت من لبنان وعانقت العالم. همّك فقراء الأرض وأن يتعزّوا في فراديس يُنزلها الله عليهم. أستشفعك يا يواكيم. بوركت تبريكا كبيرا الى يوم يبعثون.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الصيام / السبت 29 آب 2009

يفرحني دائما إقبال رمضان لأن المسلمين يتطهّرون فيه وعظماؤهم في التقوى لهم فيه مقامات من عند ربهم وما من شك انهم الى عمق الصلاة أدنى ويطلبون في التلاوات قرباهم من الرحمان.

الحقبة هذه خلوة فضلى للتواصي بالحق والتواصي بالصبر واذا صبرت على جوعك وعطشك فأنت ايضا قابل للناس ولاسيما انهم يسيرون المسيرة التي تسير. ولعل بهاء هذا الالتزام ما جاء على لسان الله في الحديث: «الصوم لي وأنا أجزي به». هذا حج روحي ليس الى البيت بل الى رب البيت كما قالت السيدة رابعة العدوية. رياضة تبتغي وجه الله الذي لا يثبت سواه وتبطل أمامه رغباتنا الدنيا وفي هذا يقول الرسول: «ان الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: ايها الشاب التارك شهوته لأجلي، المبذل شبابه لي، انت عندي كبعض ملائكتي».

السالكون الواجبات والسنن ولوازم الإفطار يعرفون ان هذه ليست آخر المطاف. من الناس من هم أهل يقين ونضال روحي أعمق من الظاهر. المهم الغاية من هذا الذي يمكن اعتباره من الجهاد الأكبر. هو التخلق بخلق من أخلاق الله وهو الصمدية. ذلك لأن من اعتصم في طهارة قلبه غدا في أفق الملائكة ومن تشبه بهم يقرب من ربه فينعكس عليه نورصمديته.

فيما كان شوق المؤمن الى ذروة هذه الرياضة الروحية لا بد ان نلحظ حقيقة القول للإمام الغزالي: «الصوم ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص». اما صوم العموم فهو التقيد بالواجبات المعروفة وهي الكف عن شهوة الطعام والعلاقات الزوجية (في ساعات الإمساك). اما صوم الخصوص فهو كفّ الحواس جميعا عن الآثام وحفظ اللسان وكف السمع عن الإصغاء الى المكروه «لأن كل ما حُرم قوله حُرم الإصغاء اليه». ومن جميل قول الغزالي: «ان لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه فما من وعاء أبغض الى الله عز وجل من بطن مليء من حلال». وفهم هذه القاعدة عند الغزالي ان يأكل الصائم أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم. والسامي من أهل الخصوص هو الذي لا يدري بعد الإفطار أيقبل صومه ام يرد. القضية ليست آلية في الإسلام.

أما خصوص الخصوص فصومهم «صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية والكف عما سوى الله… ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر عما سوى الله عزّ وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا الا دنيا تراد للدين». هذا الكلام يرشدنا الى ان كلّ ركن من أركان الإسلام قائم بالنيّة والإخلاص. لذلك لا يجوز الإحباط اذا ظننا ان هذا او ذاك يكتفي بالظواهر. فالله وحده يدين القلوب. نحن ندعو لمن نحسبهم شكليين في رياضاتهم حتى يمنّ الله عليهم بعمق تقواه حتي يصير العامي في دينه من أهل الخصوص وربما من خصوص الخصوص. لعل صيامه يصير شبيها بصوم مريم المرتبط بالصمت والهدوء فهي القائلة: «اني نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم انسيا». وفي هذا تتجلى حقيقة القائل:

اذا ما المرء صام عن الدنيا فكل شهوره شهر الصيام.

الطريق كلها طريق الاسترحام حسب هذا الدعاء «الهي ربح الصائمون، ونحن عبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجد علينا بفضلك ومنتك، واغفر لنا أجمعين برحمتك، با أرحم الراحمين». اذا تحقق هذا في المرء يغدو نافذة على الحب الإلهي الشامل.

# #
#
كل الشعوب المؤمنة التي تحس بأن لها في الصوم التماسا لتجليات الحقيقة تمارس الصوم. البوذيون يتعاطون نسكا وتطهرا وقمعا للرغبات وهي عندهم تقود الى الموت. في الإنجيل هو توصية وليس أمرا إلهيا. في عدة مواضع في العهد الجديد يقترن الصوم بالصلاة لا ينقطع الصوم عن الصلاة وكأنه داعمها. يستمر هذا التراث في الكنيسة الأولى اذ نقرأ في اعمال الرسل ان الروح القدس كلّم كنيسة أنطاكية فيما كانت تقيم القداس الإلهي وتصوم ويطلب منها إرسال بولس وبرنابا ( أعمال 1:13-6).

في هذه الرحلة الأولى لم يكن من قانون يحدد الأطعمة التي يمتنعون عنها ولكن ابيفانيوس القبرصي في القرن الرابع يقول بالإمساك عن اللحم ومشتقاته ولكنه يقول بوجبة واحدة في اليوم ويتكرّس هذا في مجمع ترولو في اواخر القرن السابع. الإفطار كان عند المسيحيين الى زمن أدركته انا بعد أداء صلاة الغروب.

ولكون الصيام ترتيبا كنسيا اعتبره أباؤنا الزاميا. كانت الكنائس تختلف في شكل انضباطه. يبقى إمساكا اليوم في ساعات محددة وامتناعا عن اللحم والألبان في الكنيسة الأرثوذكسية. غير ان هذه لم تبقَ على شدتها الأولى فأباحت في القرون الوسطئ فاكهة البحر لعدم توفر الخضار والأعشاب في بعض المناطق. وتوسعت كنائس أخرى في مدة الإمساك وأنواع الأطعمة. الإنجيليون وحدهم عندهم صوم طوعي فردي غير مرتبط بحقبة زمنية.

تعددت الأصوام في كل كنيسة. الأرثوذكسيون عندهم أربعة أصوام بالإضافة الى يومَي الأربعاء والجمعة وفي بعض الأعياد. غير ان الواضح ليس فقط في شكل الإمساك ولكنه أولا في تكثيف الصلوات في ما يسمى الصوم الأربعيني المهيء للفصح.

يبقى هذا الصوم أهم الأصوام بمعانيه وجهاداته لأنه مرتبط بالاستعداد لما نسميه الأسبوع العظيم او اسبوع الآلام الذي ينتهي بعيد القيامة التي هي «عيد الأعياد وموسم المواسم». ومن حيث المعنى كل تعييد هام مشتق منها.

من حيث الرؤية يتركّز الصوم عند اليهود على التوبة وهي طلب الله وعند المسيحيين والمسلمين هو التماس وجه الله وهذا يتضمّن التوبة. بهذا يتميّز صوم الموحدين هؤلاء عن صوم البوذيين الذين ليس عندهم ايمان بالله ولا شك عندي ان الإله الواحد الأحد يتقبّل صوم البوذيين كما يتقبّل صوم «ملّة ابراهيم«.

واذا قرأنا الصوم في هذا العصر نراه احتجاجا على الإفراط بالطعام المتفشي في عصر الاستهلاك هذا. انه تأكيد لقول المسيح: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» (متى 4: 4).

الإنسان يحيا بكلمة الله اولا والباقي يُعطاه زيادة.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الله وأهل السياسة / السبت 22 آب 2009

لما سأل القضاة سقراط قبل أن يحكموا عليه بالموت: «ما دليلك على انك مع الحقيقة» أجابهم: لأني فقير. لذلك شدّد تلميذه أفلاطون على أن الحكام يؤخذون من الفلاسفة وبتعريفه عن الفلسفة يقول انها معرفة الحق والخير والجمال. ولما تحدّث المفكّر الليبي العظيم ابراهيم الكوني عن فهم السياسة في حضارة الشمس التي ورثها الطوارق في الصحراء الكبرى قال: «فأبناء الشمس (اهل رغ) هم الذين يحكمون، ولكنهم برغم ذلك لا يملكون، ليقينهم بأن الامتلاك نجاسة لا تليق بأصحاب سلطان ينتمون بسلالتهم الى الإله الذي يملك كل شيء لأنهم لن يستطيعوا ان يعصموا أنفسهم من الدنس الدنيوي القرين بأي ملكية» (انظر كتابه: بيان في لغة اللاهوت، الجزء الأول ص 100 و101).


ربما كان حكام الدنيا احيانا اغنياء وليس لي ان أرفضهم بالكلية. ربما كان بعضهم تقيا. ولكي لا اثقل على احد لاسيّما اني لا اعرف الحكام ولا أعاشرهم اقول انهم لا يقدرون ان يعدلوا في الرعية اذا ابتغوا المال هدفًا او وسيلة وما استعملوه مختلطا بالحكم اذ الحكم من العقل فقط ومن القلب النقي وليس فيه تجارة.

التجارة بحدّ نفسها شريفة قائمة على اني أبيعك سلعة لتعطيني مالا. ليس عن هذه انا متكلّم فقد لا يكون فيها غشّ او خداع او كذب فأتقاضى منك ما هو معروف عند الأخلاقيين بالربح المشروع اي ما يتناسب وثمن البضاعة. اعرف ان ليس من تعريف قانوني للربح المشروع. هناك حسب الأسواق كم من المال ليؤمّن معيشة التاجر بشيء من البحبوحة ولكن ليس بالغنى الفاحش اذ الشاري يكون، اذ ذاك، مغبونا. والمفروض في التبادل الاقتصادي الا يكون طرف من طرفين مظلوما.

اما السياسة فليست من عالم الاقتناء ولا من عالم اليسر. هي فقط خدمة اي من عالم الحب. وعندما تقول انها تعاش في عالم المؤسسات من حيث هي إدارة فالمراد بهذا انها ليست علاقة الفرد بالفرد ولكن من العلاقة الموضوعية القائمة بين المواطن والدولة. والدولة جسم او هيكليّة او آلة في خدمة المواطن. وهي لا تعظم نفسها ولكنها تنعش ابناء الوطن اذا كانت داخلية وفي وجهها الخارجي انها علاقة نديّة بين دولة ودولة وهنا ينتفي الظلم. السياسة اذًا دنيا روابط في اختلاط الأحياء في ما بينهم. تأتي من كيان الحاكم وكيان المحكوم اي انها في الصميم وجدانية تقوم على التساوي في الكرامة والإكرام بين من تسلّمها وبين الذي تُسلّم نفسها له اي ليس فيها من هو فوق ومن هو تحت فينتفي فيها عنصر الدونية اي عنصر المستغِل والمستغَل والاستغلال يكون بالمال او بالاستبداد.

# #
# وما من استبداد بلا مال وروحية الاستبداد غالبا ما كانت قرينة بالابتزاز تغذي نفسها به وفي ذلك استكبار اكيد من جهة وذلّ اكيد من الجهة الأخرى. وهذا ما يعزّز الفوقيّة من جهة والدونية من جهة مقابلة. وهذا ممكن في الديموقراطية الظاهرية. الديموقراطية ممكن اقترانها بعدم الحرية وتشكيل طغمة تقوم على الكسب وطغمة تقوم على الحرمان وهذا فيه مرارة للمحروم وبذرة لتمرده وتشكيل جماعة ناقمة تتغذى بالحسد وبطاقة كبيرة على الفتنة. من يكون، عند ذاك، زارع الفتنة؟

في الديموقراطية الزائفة من يكون مسؤولاً عن الثورات وعن الدم الذي يرافقها عادة؟ من هو صانع الثورات الحقيقي، الظالم أَم المظلوم؟ كل بحث عن تقديم البلد خارج العدل بحث باطل. متى تفسد السياسة؟ تفسد في الشرخ القائم بين اهل الحكم ومن يسودون.

لست أنكر الطهر في الجماعة الحاكمة في هذا او ذاك. منهم قديسون ما في ذلك ريب والسياسة احتراف ممكن في عالم النقاوة. ولكنها احيانا يكون فيها لعنة. ويل لمن يلعنهم المواطن الفقير لأن هذا الله يستمع الى شكواه ويرى شقاءه وبكاء بنيه. إشعياء النبي يقرن الظلم بالمعصية والاغتصاب، ويرى بطرس في رسالته الأولى ان المظلوم متألّم كما يشهد حزقيال ان الإنسان يظلم بكثرة آثامه.

أليس من الظلم الا يستطيع اولادك ان يقتاتوا او ان يتعلّموا او ان يستشفوا؟ أليس هذا من مسؤولية الدولة؟ أهو من العدالة ألا يشرب الناس بما فيه الكفاية او ألّا تُضاء منازلهم.

ان أتى الناس بك نائبًا او جيء بك وزيرا أفليس لتصير خادما للشعب اي ان تنسى ما يعود عليك بالنفع او بالنفوذ. اما سمعتم ما قاله المسيح: «ما جئت لأخدَم (بفتح الدال) بل لأخدُم (بضم الدال) وأبذل نفسي فداءً عن كثيرين»؟

انا أفهم ان يشتهي احدنا النيابة او الوزارة ولكن غاية هذا المشتهى عطاء نفسه لأهل بلده وقد يبقى بعد بلوغه المنصب على عسر او شبه عسر لأنه، سياسيا، راهب ولا يملك احدا ويكتفي براتبه. كل ما زاد عن الراتب سرقة. عليك اذًا باليقظة حتى لا تموت روحك.

انا أرجو القادرين الموهوبين ان يدخلوا عالم السياسة ليقوم البلد بهم، لنصير جسما واحدا في الوطن الواحد. كم أحلم بأن يصبح النواب ساجدين لله فيما هم يشترعون. اذ ذاك يصبحون أهل دين وساسة من أجل الآخرة. اذ ذاك تسد الهوّة بين الدنيا والآخرة.

مرة سألت كبيرا في إدارة احدى الجامعات في بيروت وكان صديقا لي: ما الإدارة؟ ظننت انه سيقول انها مكاتب وملفات ومحاسبة وما الى ذلك. ذهلت لما أجابني: الإدارة محبة. السياسة نوع من الإدارة او فيها إدارة. هل يكون مستغربا ان نقول ان السياسة محبة؟ القوانين الوضعيّة وحدها لا تجمع الناس. هي تقمع الأشرار وتهذب الأخيار او تدعمهم وتدفع الجميع الى بعض رجاء. ولكن العمل السياسي هو قبل كل شيء ان يحب الحاكم شركاءه في الوطن وكما غسل المسيح ارجل تلاميذه ان يؤمن السياسي بأنه غاسل أرجل. بهذا وحده يعظم.
معنى ذلك ان السياسة لا تقوم فقط على الأحزاب ولو كانت هذه ضروريّة ولا تقوم على علم السياسة او احترافها ولكنها اولا ذوبان في الآخرين. هذا لا يبطل الجانب التقني فيها ولكن ليست كلها تقنيات وليست فقط تآزرا او تخاصما بين الكتل. وان خاصمت فغايتك الوحدة. الأنظومات الشمسيّة والنباتات والحيوانات كلها تقوم معا على وحدة الكون لأن الكون منسق وبلا حكمة فيه يزول.

ونتنافس او نتسابق في دنيا السياسة لنصير الى اتحاد، ذلك الذي يجعلنا في البلد جماعة عظيمة مترابطة في الداخل وطامحة الى تعزيز الحضارة في العالم.
كل الوطن وكل تاريخه ومسعاه مسيرة الى السماء بوسائل الأرض وما فيها من فضائل وقوة فكر وبهاء قلوب. ليس الجهد السياسي منتهى. انه تطهير النفس للجالسين في المقامات ولكل أهلنا في سيرهم الى الخير والوئام والعطاء في كل مجالات الإنتاج. هذا يتطلّب ذوقا روحيا مرهفًا. من لم يكن ذواقة للقيم العليا لا يحق له ان يتنطح للإسهام في بناء الأمة. والأمة العظيمة ثمرة عملنا الواحد في المجال الوطني حتى تصير الناس جميعا الى الفرح.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

سرّ مريم / السبت 15 آب 2009

اليوم تعيّد الكنيستان الشرقيّة والغربيّة لرقاد مريم. الرقاد مصطلح مسيحي يدلّ على الموت. هذا العيد أيّا كان السبب التاريخي الذي أنشأه لا نفهمه الا صدى لموت المسيح وانبعاثه اذ أرادت الكنيسة ان ننظر الى المدى المريميّ على انه حضور للمسيح في شخص أمّه.

في الكنيسة الكاثوليكيّة فرق بين صعود المسيحascension  وإصعاد مريمassomption . المصطلح المريميّ هذا لا يعني اذًا حركة قائمة على انتقالها من ذاتها ولكن على حركة نقل الله اياها الى السماء بالنفس والجسد دون ذكر لموتها كما في العقيدة الكاثوليكيّة (منذ السنة 1950) أَم اتخاذ الله اياها الى المجد من بعد موت كما في الموقف الأرثوذكسي الطقوسي دون دخول في تحديد عقدي. غير ان خلاصة الموقف الأرثوذكسي ان مريم قائمة في المجد هذا الذي أدركه الشهداء. هي وهم في حالة استباقية للقيامة من حيث انهم -منذ الآن- تجاوزوا المحاكمة والدينونة.

على رغم أهمية العذراء ليس من عقيدة حولها في الكنيسة الواحدة غير إطلاق لقب «والدة الإله» عليها. استعملت هذه العبارة في مجمع أفسس المنعقد السنة الـ 431 دحضا لموقف نسطوريوس الذي قال انها أُمّ المسيح بسبب من انه نسَب اليه اعتقاده بفصل الألوهية عن البشريّة في المسيح. بهذه الصيغة شاءت الكنيسة ان تقول فقط ان الصبي الذي كان في أحشاء البتول هو إله وانسان معا ولا يعني إطلاقا انها والدة الألوهية فيه. العقيدة لا تتعلق في الواقع بشخص مريم. انها كلام عن شخصية المسيح فقط. ليس عندنا كلام عقائدي عن مريم. كل ما جاء عنها هو ما ورد في سرد البشارة والميلاد وزيارتها لأليصابات في روايتَي متى ولوقا. والبهاء العظيم في قولنا عنها هو تَقرّبنا منها في الإكرام والتعظيم في لغة شعرية، حميميّة، حارّة تسمو كل القوالب العقليّة التي يستعملها محترفو اللاهوت.

عند متى لم يكن من اتصال بينها وبين يوسف قبل إيلادها يسوع. متى أراد الكلام عن المولد البتوليّ ولم يقل شيئا عن علاقة بينهما بعد الميلاد. هذا ما يعنيه الأصل اليوناني بقوله «انه لم يعرفها حتى وَلدت ابنها» لفظة ابنها البكر غير واردة في الأصل. أضيفت بخطأ في النسخ، لعلها استعارة لعبارة «البكر من بين الأموات» التي جاء بها الكتاب عن المسيح في سياق الحديث عن كونه منقذ البشر من الموت. اما عبارة «إخوة يسوع» الواردة في الكتاب فتسمح اللغة العبرية باعتبارهم أنسباء له. كانت هذه تسمية جارية في المجتمع اليهودي آنذاك وعبارة «الدائمة البتوليّة» معروفة في الأوساط المسيحيّة في افريقيا منذ القرن الثاني فكانت من التراث قبل ورودها في المجمع المسكوني الخامس.

# #
#
رائع الحديث عنها في كنائس الشرق. ولكني غير مطّلع بالقدر الكافي على التراثات السريانيّة والأرمنيّة والإثيوبيّة لأقارن بينها وبين العبادات البيزنطيّة. في هذه العبادة لا تخلو صلاة عن ذكرها واستشفاعها الى درجة تجعلني أقول ان عدد الصلوات المتحدّثة عنها قد لا تقلّ عن الربع او الخمس من مجموع رتبنا الطقوسيّة. واذا أردت الاختزال أشير الى خدمة مدائحها في الكنيسة البيزنطيّة المكتوبة شعرا يونانيا والمستمدّ عمقها من العهد الجديد. هذه الكثافة كثافة حب لا تُضعف إطلاقا مركزية المسيح. من هنا ليس من مجال لتأليه مريم. هذه بدعة لم تقع كنيسة واحدة فيها طوال الأزمنة الغابرة. والكنيسة الرسميّة ليست مسؤولة عن استغراق الشعب الأمّي دينيا في غلوّ الإعلاء لمقامها.

يبقى مقامها الحقيقي اذا تجاهلتَه تكون مقاوما للكلمة. في التسبحة التي نطقت بها عند زيارتها لأليصابات قالت: «ها منذ الآن تُطوّبني جميع الأجيال» (لوقا 1: 48). هي ما ألغت التركيز على المسيح ولكن ضمّت نفسها اليه. في توازن روحيّ وفهم لاهوتيّ صحيح انت قادر أن ترى المخلّص وتراها الى جانبه. في تطويبك اياها لا شيء يضطرّك الى تقوى منحرفة. في هذا السياق أدركت الكنيسة انك تخاطب العذراء، والكنائس الحافظة لتراث الأقدمين تحسّ ان هذا يدفع الى التحدّث اليها لكونها حية في صلاة.

كلامها الى نسيبتها أُمّ يوحنا المعمدان مؤَسّس على لقائها بجبرائيل عند البشارة. قال لها الملاك: «لا تخافي يا مريم لأنك وَجدتِ نعمة عند الله». تفهم هذا بالاستناد الى اليونانيّة: انك محظيّة عند الله.

اخيرا يقول لها: «الروح القدس يحلّ عليك ونعمة الله تُظلّلك». اللفظة الأخيرة من المظلّة في العهد القديم التي يسكنها المجد الإلهي. انتِ غدوت الهيكل الحقيقي للحضرة الإلهيّة بعد زوال هيكل سليمان. ولما أكّد لها الملاك انها في عذريّتها ستلد القدوس أجابته بنَعم اذ قالت: «هوذا انا أَمة الرب، ليكن لي حسب قولك».

هذه أطاعت فيما لم يكن واضحا لديها كيف تتم فيها المعجزة. كان جوابها صورة لكل سلوك بشريّ يتضمّن طاعة لله غير شرطية بفهم او بغير فهم. من كان هكذا مريميّ النفس يلد المسيح في العالم من جديد على ما قاله مكسيموس المعترف. والطاعة الكاملة انسحاق كامل اذ تقيم الله امام عينيك ولا تعتبر نفسك شيئا. مريم قائدة في مملكة المتواضعين.

بعد البشارة والميلاد ذكرها الكتاب قليلا. بانت في عرس قانا الجليل خادمة للفرح وواثقة بأن يسوع سيحوّل الماء خمرًا. اما المشهد الأخير فهو وجودها عند الصليب مع التلميذ الذي كان يسوع يحبه واقفا. اذ ذاك قال لأمه: «يا امرأة هوذا ابنك، ثم قال للتلميذ: هوذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ الى خاصته».

نحن لا نعرف على وجه التدقيق مَن كان هذا التلميذ. التقليد الكنسي يقول انه يوحنا الإنجيلي، ولكن هذا لا يهمّنا إن أردنا ان نسبر غور النص في الانجيل الرابع. عندنا التلميذ الذي اصطفاه المعلّم من المصفّ الرسولي وهو منعوت فقط بأنه حبيب. لنا ان نفهم من الأسلوب الرمزي الذي يستعمله الإنجيل الرابع ان هذا التلميذ نموذج لكل تلميذ حبيب من ذلك الزمن الى منتهى الدهر. هذا مريم أُمّه ويأخذها الى خاصته اي الى بيت قلبه. ما معنى هذه الأمومة؟ واضح المعنى اننا اذا أحببنا يسوع نصبح محضوني مريم. هذه معايشة روحيّة لا أعرف كل مداها ولكني -قارئا للنص- أفهم انها حقيقيّة وان أقلّ ما فيها ان بيني وبين مريم حديثًا.

ما يؤيّد تفسيري انها كانت في عليّة العنصرة على ما ورد في سفر الأعمال (1: 14) اي انها كانت في الكنيسة التي كانت كلها مجتمعة في العليّة. اذا أكملت التلاوة تقرأ ان الروح القدس حلّ عليها اذ «امتلأ الجميع من الروح القدس» (اعمال 2: 4). واذا عمّقت فهمي أدرك تاليا ان مريم قائمة حيث الكنيسة قائمة وانها في الكنيسة حاملة للروح القدس. أهي مغامرة في التفسير إن قلت انك كلما تقبّلت الروح القدس تكون العذراء الى جانبك وتصبح روحا بتوليا؟ هذا سرّها وسرّ الروح.


Continue reading