يفرحني دائما إقبال رمضان لأن المسلمين يتطهّرون فيه وعظماؤهم في التقوى لهم فيه مقامات من عند ربهم وما من شك انهم الى عمق الصلاة أدنى ويطلبون في التلاوات قرباهم من الرحمان.

الحقبة هذه خلوة فضلى للتواصي بالحق والتواصي بالصبر واذا صبرت على جوعك وعطشك فأنت ايضا قابل للناس ولاسيما انهم يسيرون المسيرة التي تسير. ولعل بهاء هذا الالتزام ما جاء على لسان الله في الحديث: «الصوم لي وأنا أجزي به». هذا حج روحي ليس الى البيت بل الى رب البيت كما قالت السيدة رابعة العدوية. رياضة تبتغي وجه الله الذي لا يثبت سواه وتبطل أمامه رغباتنا الدنيا وفي هذا يقول الرسول: «ان الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: ايها الشاب التارك شهوته لأجلي، المبذل شبابه لي، انت عندي كبعض ملائكتي».

السالكون الواجبات والسنن ولوازم الإفطار يعرفون ان هذه ليست آخر المطاف. من الناس من هم أهل يقين ونضال روحي أعمق من الظاهر. المهم الغاية من هذا الذي يمكن اعتباره من الجهاد الأكبر. هو التخلق بخلق من أخلاق الله وهو الصمدية. ذلك لأن من اعتصم في طهارة قلبه غدا في أفق الملائكة ومن تشبه بهم يقرب من ربه فينعكس عليه نورصمديته.

فيما كان شوق المؤمن الى ذروة هذه الرياضة الروحية لا بد ان نلحظ حقيقة القول للإمام الغزالي: «الصوم ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص». اما صوم العموم فهو التقيد بالواجبات المعروفة وهي الكف عن شهوة الطعام والعلاقات الزوجية (في ساعات الإمساك). اما صوم الخصوص فهو كفّ الحواس جميعا عن الآثام وحفظ اللسان وكف السمع عن الإصغاء الى المكروه «لأن كل ما حُرم قوله حُرم الإصغاء اليه». ومن جميل قول الغزالي: «ان لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه فما من وعاء أبغض الى الله عز وجل من بطن مليء من حلال». وفهم هذه القاعدة عند الغزالي ان يأكل الصائم أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم. والسامي من أهل الخصوص هو الذي لا يدري بعد الإفطار أيقبل صومه ام يرد. القضية ليست آلية في الإسلام.

أما خصوص الخصوص فصومهم «صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية والكف عما سوى الله… ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر عما سوى الله عزّ وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا الا دنيا تراد للدين». هذا الكلام يرشدنا الى ان كلّ ركن من أركان الإسلام قائم بالنيّة والإخلاص. لذلك لا يجوز الإحباط اذا ظننا ان هذا او ذاك يكتفي بالظواهر. فالله وحده يدين القلوب. نحن ندعو لمن نحسبهم شكليين في رياضاتهم حتى يمنّ الله عليهم بعمق تقواه حتي يصير العامي في دينه من أهل الخصوص وربما من خصوص الخصوص. لعل صيامه يصير شبيها بصوم مريم المرتبط بالصمت والهدوء فهي القائلة: «اني نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم انسيا». وفي هذا تتجلى حقيقة القائل:

اذا ما المرء صام عن الدنيا فكل شهوره شهر الصيام.

الطريق كلها طريق الاسترحام حسب هذا الدعاء «الهي ربح الصائمون، ونحن عبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجد علينا بفضلك ومنتك، واغفر لنا أجمعين برحمتك، با أرحم الراحمين». اذا تحقق هذا في المرء يغدو نافذة على الحب الإلهي الشامل.

# #
#
كل الشعوب المؤمنة التي تحس بأن لها في الصوم التماسا لتجليات الحقيقة تمارس الصوم. البوذيون يتعاطون نسكا وتطهرا وقمعا للرغبات وهي عندهم تقود الى الموت. في الإنجيل هو توصية وليس أمرا إلهيا. في عدة مواضع في العهد الجديد يقترن الصوم بالصلاة لا ينقطع الصوم عن الصلاة وكأنه داعمها. يستمر هذا التراث في الكنيسة الأولى اذ نقرأ في اعمال الرسل ان الروح القدس كلّم كنيسة أنطاكية فيما كانت تقيم القداس الإلهي وتصوم ويطلب منها إرسال بولس وبرنابا ( أعمال 1:13-6).

في هذه الرحلة الأولى لم يكن من قانون يحدد الأطعمة التي يمتنعون عنها ولكن ابيفانيوس القبرصي في القرن الرابع يقول بالإمساك عن اللحم ومشتقاته ولكنه يقول بوجبة واحدة في اليوم ويتكرّس هذا في مجمع ترولو في اواخر القرن السابع. الإفطار كان عند المسيحيين الى زمن أدركته انا بعد أداء صلاة الغروب.

ولكون الصيام ترتيبا كنسيا اعتبره أباؤنا الزاميا. كانت الكنائس تختلف في شكل انضباطه. يبقى إمساكا اليوم في ساعات محددة وامتناعا عن اللحم والألبان في الكنيسة الأرثوذكسية. غير ان هذه لم تبقَ على شدتها الأولى فأباحت في القرون الوسطئ فاكهة البحر لعدم توفر الخضار والأعشاب في بعض المناطق. وتوسعت كنائس أخرى في مدة الإمساك وأنواع الأطعمة. الإنجيليون وحدهم عندهم صوم طوعي فردي غير مرتبط بحقبة زمنية.

تعددت الأصوام في كل كنيسة. الأرثوذكسيون عندهم أربعة أصوام بالإضافة الى يومَي الأربعاء والجمعة وفي بعض الأعياد. غير ان الواضح ليس فقط في شكل الإمساك ولكنه أولا في تكثيف الصلوات في ما يسمى الصوم الأربعيني المهيء للفصح.

يبقى هذا الصوم أهم الأصوام بمعانيه وجهاداته لأنه مرتبط بالاستعداد لما نسميه الأسبوع العظيم او اسبوع الآلام الذي ينتهي بعيد القيامة التي هي «عيد الأعياد وموسم المواسم». ومن حيث المعنى كل تعييد هام مشتق منها.

من حيث الرؤية يتركّز الصوم عند اليهود على التوبة وهي طلب الله وعند المسيحيين والمسلمين هو التماس وجه الله وهذا يتضمّن التوبة. بهذا يتميّز صوم الموحدين هؤلاء عن صوم البوذيين الذين ليس عندهم ايمان بالله ولا شك عندي ان الإله الواحد الأحد يتقبّل صوم البوذيين كما يتقبّل صوم «ملّة ابراهيم«.

واذا قرأنا الصوم في هذا العصر نراه احتجاجا على الإفراط بالطعام المتفشي في عصر الاستهلاك هذا. انه تأكيد لقول المسيح: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» (متى 4: 4).

الإنسان يحيا بكلمة الله اولا والباقي يُعطاه زيادة.