Category

2009

2009, جريدة النهار, مقالات

الكيان والاقتناء / السبت 8 آب 2009

الروحانيون يقيمون تضادا كاملا بين كيان الإنسان وما يقتنيه، تضادا يصل الى حدّ التناقض والتصادم الفعلي. انت لست ما تملك. ما تملك مقتناك اي خارج عن شخصيّتك ولا يزيد شيئا على وجودها ولا على فعلها. في طفولتي في الأوساط المتأثّرة بالتجارة كان يُقال: «شو بيسْوَ هذا الرجل» والجواب ألف ليرة عثمانية ذهب او مئة او عشرة آلاف. اي انهم كانوا يرون قيمته بما في حيازته. ولست أظن ان السؤال كان مجرّد اصطلاح. كانوا يعتقدون بأن المال وجود يزيد على الوجود. وكان من المألوف ان المالك يصبح من الذوات. لم يكن الفقير ذاتا. وكانوا يقولون ان لهم وجاهة اي ان لهم وجوها اذ الفقير محجوب الوجه لا يظهر الانسان الا بما بين يديه. اجل، المال مصدر طمأنينة. خسارة المال اذًا خسارةُ للطمأنينة عند من قال هذا القول. والواضح ان ثمّة من يطمئن الى كونه محبا واو محبوبا ومن الكبار في الجهاد الروحي من اطمأنّ الى فقره او اذا ربح يفرح لعطاء قرره. هذا لا يفرح اذًا بما جنى ولكن بما ينفق.

الوجيه الفطن، المراقب تبدل سلوك الناس يعرف ان من يتملّقه قد يكون كاذبا ويعرف ان من قال عنه وجيها انما يبتغي المنفعة ومن قال هذا القول يريد نفسه منعما عليها وكثيرا ما لاحظ الوجهاء نفاق من يدور حولهم. كبار القوم كثيرا ما لم يكونوا كذلك حقا. انما جُعلوا كذلك بشبكة من الأكاذيب. انهم يصدقون الأكاذيب. ليستعلوا على المحتاجين والسذج.

المال لا تتقي به شرّ المرض او شرّ النميمة والعداء والموت. وبمالك يكثر حاسدوك ولا تستطيع ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة على قول الناصري واقتناؤه لا يحثّك على الكرم فاذا حزته وكنت كريم النفس فنفسك تمارس الكرم وتدنو من الله وحده ولا يدنو اليك من أحسنت اليهم لأن فقرهم يبقى قامعهم فلا يعودون لشكرك. انت اذًا لا تنمو بهم ولكن عطاءك أنماك.

# #
#

الى المال الجمال حيازة وقيمتك عظيمة بما انت عليه من فضائل جميلا كنت ام قبيحا. والقبيح اذا سمت أخلاقه حتى حدّ الانبهار يعتبره الناس أجمل من الجميل الفارغ. الموضوع مثار عند النساء بخاصة لأنهن العنصر الأخّاذ في الجنس البشري. ليست هذه هي الحال في مملكة الطير. كثيرا ما تباهت المرأة بحسنها كأنها هي أتت به ومن أتى به حصرا الوراثة على تعقيداتها.

# #
#
والموروث يزداد بهاء بالطعام والتروّض على الكياسة والأناقة. الحسن اذا تستمده الحسناء والقليل فيه من تحسينها. اذًا هو ليس منها. تقتنيه وتاليا هو مجرّد صورة لا وجود. الاعتداد اذًا سخافة. وتتعالى الجميلة اذا فرقت بينها وبين وجهها واذا تساوت فيها وقفتها امام المرآة او انحجابها دون المرايا. وتتعالى الى ذروة الفهم اذا اقتنعت بأن كل هذا ذاهب الى التراب. ولعلّ شيخوخة الحسناء هبة من السماء لأن تكاثر الغضن على محياها يوحي لها انها في صباها كانت على ضلال وهنا يصعقنا بولس اذا قال: «من افتخر فليفتخر بالربّ».

في هذا السياق اللباس عند الرجال والنساء اذا أحسوا بأنهم بهذا يعظمون. واللباس قنية وهو يطغى عليك. كذلك التعري او شبهه طاغ لأن الكسوة خارجيّة وغيابها خارجي. انا لست أجهل ان «المجتمع الراقي» يجمع بين اللباس والمهن والوظائف. فللمحامي والقاضي ما يرتديانه والجندي واستاذ الجامعة في بعض الحفلات. ويبدو ان شيئا من التأثير على الخيال فاعل. غير ان الفرنسيين يقولون ان الراهب لا يكونه ثوبه. اجل هناك طقوسيات متعلّقة بهذا الترتيب تربّى عليه الناس. ولكن علم القاضي بذاته والأقمشة التي يلقيها على جسده لا تكسو فكره ومن المؤكّد ان الراهب من تبتّلت نفسه لله وخرقته لا تجعله متصوّفا. وانت تظهر امام ربّك في اليوم الأخير حافيا عاريا صامتا حتى الخجل ويقرأك ربّك بمحاسنه هو التي هي الحلّة الذهبيّة التي تدخلك الى الملكوت.

# #
#
وعندي ان الثافة نفسها حيازة لأن الأمي والمتأدّب عند الله واحد والميزة الوحيدة فقط للطاهرين والطهرلا علاقة لها بالعلم ويتنزل الطهر من عند ربّك على الجاهل والعالم. في هذه الدنيا وفي مسيرتها أعرف أن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ولكن ليس في العلوم ولا الفلسفة ولا الشعر ولا اي فنّ من الفنون ما يوصلك الى الملكوت.

انا ما قلت سيّان أن تتثقّف والا تتثقّف لأن العقل أمر فخم وجاذبيّة كبرى ولأنك قادر أن تسخّره لخدمة الكلمة الإلهيّة ولأنه بهجة من مباهج النفس وارتياح وجود ولأن الذين قضوا حياتهم يتعلّمون نعمة قائمة بيننا فقد ترهّبوا ترهبا ساطعا. مع ذلك أصرّ على أنّ الذكاء زينة ولو أسكرتك. فكما أن الجمال موروث الذكاء موروث بمعنى ان شيئا حصل في أحشاء أمك فأتت تعاريج دماغك دقيقة وأتت عند سواك غليظة. هناك ركيزة عضويّة ينتصب عليها الذكاء. اجل تروضه بالدراسة والجهد الطويل ولكنك في المنطلق وارثه ويختفي احيانا في الشيخوخة حتى لا تتباهى بما لست انت صانعه.

قالت لي حفيدة أخي منذ أيام ولها من العمر خمس سنوات بعد أن رأتني ماسكا بكتاب: أنت تدرس حتى الآن؟ ندرس، هذا كل ما نستطيع عمله ولكن بدءًآ من إرث اي من قوّة خارجة عن إنسانيّتنا في أبعادها الروحية والخلقيّة. هنا يسعفني ايضا بولس بقوله: «انا ما أنا بنعمة الله». هذا كيانك الحقيقي.

لست أساوي بين المال والجمال. فالأول أكثر خارجية من الثاني ولا أساوي بين الجمال والذكاء فالاول أكثر خارجية من الثاني. والذكاء تستدخله بمقدار كبير. ولكن واحدًا من هذه الثلاثة لا يجلب الحق اليك. هذا ليس من الحيازة. هذا من الكيان حتى يعرّيك الله من كل ما اقتنيت فيراك نورًا ويسر هو وملائكته بك وتعرف في القيامة انك عطاء النعمة.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

النور / السبت ١ آب ٢٠٠٩

من الطبيعي ان يحتلّ حديث النور من حيث هو نقيض الظلمة مكانة كبرى في النص الديني: «وقال الله ليكن نور» (تكوين 1: 3). لم يقل ليكن النور بأل التعريف المطلقة وهذا وظيفته انه يبدّد الظلمة. لم يهتمّ الكاتب عن علاقته بالشمس. وفي تفسير الكون حدس العلماء ان العالم حسب نظريّة التفجر الكوني Big bang شعاع من نور فلق الكون الأول الذي غدا كرة كقبضة الإنسان فلما هتكها النور صارت العالم الذي نعرف. ولكن ما النور في الفكر الشامل للكتاب المقدّس؟ عندما نقرأ مطلع الإنجيل العائد الى مطلع التكوين نفهم ان «الحياة كانت نور الناس» (1: 4). والحياة التي يتحدّث عنها الإنجيلي هي في الكلمة الذي كان في البدء. نحن هنا مع حياة غير مخلوقة واذا كانت وظيفة النور المخلوق تبديد الظلام فالحياة التي في الكلمة الإلهي هي اياها الحياة الإلهية فينا، انها تنقلنا من العدم الروحي الذي نسقط فيه الى الوجود الروحي.

          في هذا السياق عندنا قولتان للمسيح اولاها «انا نور العالم» (يوحنا 9: 5) وجاء الحديث بالتضاد مع الليل. وثانيتهما: »انتم نور العالم« قالها للتلاميذ (متى 5: 14) وأتت في الشرعة الخلقيّة التي نسمّيها العظة على الجبل. اذا جمعنا الآيتين نرى ان المسيح يكشف نفسه مصدر النور ويدعو ان يستمد احباؤه ضياءه المنطلق.

          النور يسطع بحد نفسه واذا نسيت موضع انبثاقه تبقى في العتمات. نحن في حركة إضاءة واستضاءة واذا استعرضت العهد القديم في المزامير واشعياء وغيرهما ترى هذه الحركيّة كما في قوله: «بنورك نعاين النور» (مزمور 34: 4) ويبدو التأكيد هنا وهناك على نور الصديقين. الأبرار سكناه وخيانة الله هي الظلام. هذا هو ملكوت الفرح والحب.

          يتجلّى هذا في العشاء الأخير الذي أقامه يسوع مع تلاميذه فعندما سُئل المعلّم من الذي يسلمه قال: «هو الذي أغمس انا اللقمة وأعطيه فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا الاسخريوطي… فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلا» (يوحنا ٢٦:١٣-٣٠). في احتسابي ان كلمة ليل يجب ان تؤخذ بمعناها المجازي ايضًا اي ان قلب يهوذا صار مظلما بدليل التضاد مع النور الروحي اذ ان يسوع قال توّا بعد هذه اللفظة: «الآن تمجّد ابن الانسان وتمجّد الله فيه». ويوحنا عنده كثيرا هذه الرمزيّة.

#                              #

#

          ويستمرّ هذا في النظام الطقوسي. الذهب الذي هو خلفيّة الايقونات دائما، الهالة حول رأس القديسين. الشموع المضاءة ، الاستعمال الخاص للشموع في القداس الذي يقيمه الأسقف في الطقس البيزنطي، حمل شمعة عند الطواف بالإنجيل وتلاوته وعند تناول القرابين. وفي خدمة تقام في الصيام في الكنيسة الأرثوذكسيّة يحمل الكاهن شمعة مضاءة امام المؤمنين ويقول: «نور المسيح مضيء للجميع» وهذا يأتي صدًى  لما يقوله في مطلع قداس الفصح: «هلموا خذوا نورًا من النور الذي لا يعتريه مساء». وهذا يتمّ اليوم في النهار حيث لا حاجة الى إنارة. في الكنيسة اللاتينيّة شيء مشابه يوم السبت العظيم الذي يسميه الشعب سبت النور. الأعين شاخصة الى الضوء الحسي فيما القلوب قائمة في النور العقلي الذي هو الحياة.

#                         #

#

          من أحب الايات إليّ في القرآن في هذا السياق قوله: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح الصباح في زجاجة كأنها كوكب دريّ يوقَد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة يكاد زيتها يُضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء» (سورة النور، ٣٥). يؤكّد الوحي هنا نورانيّة الله بحدّ نفسه ثم يشبه هذه النورانيّة بنور حسيّ هو نور الزيت ويصعد بحركة حب من جديد الى الله بقوله: «نور على نور». اجل الخالق نور بحدّ ذاته  ولكنه ينعطف على السموات والأرض اذ يخرج الناس من الظلمات الى النور بصورة عامة ويأتي الى التخصيص بقوله: «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور» (المائدة، ٤٤). وفي الإنجيل ايضا هدى ونور (المائدة ٤٦). ويرفض القرآن من يدعي نورا لا يكون الله مصدره اذ قال: «ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور» (سورة النور، ٤٠).

          هذا يشير الى ان مضمون كلمة نور في الأساس في ديانات التوحيد الثلاث واحد اذ النور هو الله وحده من حيث هو مصدر ومنطلق وإنارة هي منه ولو كره الكارهون.

#                         #

#

          اذا كانت الجماعات الدينيّة كلّها تطلب النور واهتداءها به يبقى علينا جميعا واجب تجاه الحقيقة وهو قبل كل شيء ان نحبّ الله ليس فقط في ذاته ولكن في إشعاعاته على الآخرين في نصوصهم التأسيسيّة اذ المفروض على كل من علّم دينه لأبناء دينه ان يكشف النور في دين الآخر فإن هذا لا ينتقص من تعلقنا بديانتنا كما يبدو النور ساقطًا عليها. قبل خوض الحوار بمعناه العقلي الموقف الوجداني القائم على الصدق اولا هو ان نعترف ان هذا الجانب او ذاك من عقائد الآخر او اخلاقياته متصل نور بها او هو فيها وان خيطا من ذهب تاليا يربطنا بعضنا ببعض لأن الصراع هو بين النور والظلمة.

          اذا كنت تدين بدين فلست برافض تحديدا كل شيء آخر. «أدين بدين الحب أنّى توجّهت ركائبه». ان رأيت أنوارا خارج سورك فأنت منها لأنك تطلب الحب الذي يبث رسائله هنا وهناك. هذا هو الانفتاح الحقيقي الذي ينجي نفسك اليوم وفي القيامة. وهذه البركات يمكن ان تحل على عامة الناس وليس فقط على العلماء. فالقلب المستنير يرى ما لا تراه أحيانا عقول عظيمة.

#                        #

#

          قبل ولوج باب الانفتاح الوجداني على الآخر المبتغى ان تجعل نفسك دائما في إشراف الله عليك بحيث يكون وحده سيّد قلبك وتكون باستمرار في حالة التوبة اليه. ما عدا ذلك ليس من نور. ما عدا ذلك انت أسير اللفظ الديني والمعنى اللغوي للكلمات وأداء طقوس لا تحس بدفئها.

          هؤلاء الذين يسيرون في قلوبهم وراء الله، الحاجون الى وجهه المبارك هم جماعته وأحباؤه فإنهم قد استناروا بضيائه كاتنة ما كانت مسالكهم. انا لست أوحّد بين الأديان ولا أقول انها تقول القول الواحد ولكني أرى الله في أتباع الله أنّى كانوا وأتبرّك بهم. من حجّ الى الله، الى كيانه، الى أضوائه فهذا أخي وليس عند المحبّين حدود. ليس المهم فقط ان الله نور ولكن المهم ايضا ان الرب ينير مَت يشاء والنور فيّ يحنّ الى النور فيك.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

كنائس المسيح في لبنان / السبت ٢٥ تموز ٢٠٠٩

لن يأتي هذا الكلام حديثا عما سُمّي المسيحيّة اللبنانيّة لكون المسيحيّة تُنعت بذاتها ولا ينعتها وطن. دليل ذلك أن معظم الكنائس عندنا تنسب نفسها الى أنطاكية ويحمل كل بطريرك فيها لقب ببطريرك أنطاكية وسائر المشرقا. وهنا خمسة بطاركة يحملون هذا اللقب مع ان سدّة أنطاكية واحدة. واحد منهم اذًا يستحقّ هذا اللقب وليس هنا المجال لأعرّف عنه. جميعنا  أو معظمنا في الواقع او في الأمنية أنطاكيّ اذ بفي أنطاكية تسمّى التلاميذ اول مرّة بالمسيحيينا (أعمال الرسل 11: 26) تلك المدينة كانت عاصمة الولاية الرومانية المعروفة آذاك بسوريا. أنطاكيون تاليا، المسيحيون القاطنون اليوم سوريا ولبنان وكيليكيا (جنوب تركيا الحالية) والعراق وفي القرون الخمسة الأولى قبرص. هذا اذا لم نذكر الشتات او المغتربات.

         المسيحية القديمة كانت مرتّبة إداريّا على أساس بطريركيات خمس: رومية، القسطنطينية، الإسكندريّة، أنطاكية، اورشليم. نحن في هذا الإطار. بعد نشوء لبنان الكبير بقيت كنيستنا أنطاكيّة ليس بالنسبة الى قومية ولكن بالنسبة الى مدينة وهكذا تعُرف الكنائس. وأتحدّث مع كنيسة أنطاكية ومعها الكنائس المحيطة بها وسُمّيت مجموعة هذه الأبرشيات الكنيسة الأنطاكيّة.

         وعند الانشقاق الأول السنة الـ451 الذي أظهر ما يسمى اليوم الروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس، احتفظت كل منهما بالتسمية. كذلك عند تفجّر الكنيسة الأرثوذكسية السنة الـ١٧٢٤ الى أرثوذكسيين وروم كاثوليك، ظلّت كل واحدة منهما  ذات بطريرك أنطاكي. هذا هو الواقع التاريخي الذي لن أناقش فيه محتواه العقدي.

         منذ سنوات قليلة تفاهم الروم والسريان أن كلاًّ منهما يستطيع ان يتقبل الأسرار المقدسة في الكنيسة الأخرى عندما لا يجد في منطقته كاهنا او كنيسة من طقسه، وهذا يعني بوضوح انه يعترف بالكاهن الآخر وبالأسرار التي يقيمها. وقبل تحديد الكنيسة الكاثوليكية العالمية عقيدة رئاسة البابا على العالم كلّه وعصمته ما كان شيء في المبدأ يمنع الأرثوذكسيين والروم الكاثوليك الملكيين أن يتشاركوا بالأسرار المقدسة بعضهم عند بعض. ولهذا السبب لم يكفّر أحد آخر قبل السنة الـ ١٨٧٠ التي ظهرت فيها العقيدة البابويّة بوضوح. لم يكن بين الكنيستين تكفير. ويقول بعض العلماء الغربيين ان الكنيسة الكاثوليكيّة لا تستهدف بالحرم الصادر عن المجمع الفاتيكاني الأول الا أهل الغرب الذين رفضوا الرئاسة البابويّة والعصمة، وهذا لا يتضمّن حرمًا للأرثوذكس.

#                          #

#

         ليس هناك اذًا تهمة بالهرطقة اي بالشذوذ العقدي، ولكن بقي الانفصال الواقعي. وهنا لا بدّ لي من أن أذكّر بالموقف الذي وقفه القديس باسيليوس الكبير بقوله ان الهرطقة او البدعة تحصل خارج الكنيسة، وان الانشقاق هو الحاصل في الكنيسة نفسها. غير ان هذا كلّه يقتضي توضيحا جديدا من الكنائس.

         على كل هذا العرض لم يكن هاجسي ان أبحث في ما يسمّى الكنيسانيّة اي اللاهوت المتعلّق بكيان الكنيسة. همّي الحقيقي ان أقول بخلاف ما يؤكّده بعض العلماء غير المسيحيين ان المسيحيين ليسوا منقسمين حول التجسّد او طبيعة المسيح. كلّ المسيحيين في العالم يؤمنون أن المسيح إله تام وإنسان تام في شخصيّة واحدة. وهذا ما رآه ما لا يقل عن اثني عشر لاهوتيًا شرقيًا في القرون الوسيطة ومنهم ابن العبري السرياني المذهب في القرن الثالث عشر. كلّ هؤلاء أوضحوا أن الخلاف لفظيّ بمعنى انك اذا قلت ان السيّد ذو طبيعتين إلهيّة وإنسانيّة أو قلت انه ذو طبيعة إلهية واحدة متجسّدة فمدلولك واحد وإيمانك واحد.

         ومن العلماء المعاصرين من ذهب أن النساطرة بصرف النظر عن تعابيرهم لا يجزّئون المسيح الى طبيعة  إلهيّة وطبيعة بشريّة منفصلتين. وقد أكّدت الكنيسة الغربيّة في مفاوضاتها واياهم أنهم على رأي مستقيم.

#                    #

#     

         المسيحيون في صلب العقيدة بالمسيح وفي صلب الثالوث(ماذا بعدهما) هم واحد ولكنهم اصبحوا في الواقع التنظيمي مختلفين. كيف نحلّ هذه المعضلة ليس هاجسي في هذا المقال. المشكلة باتت الى حد بعيد إثنية احيانا او لغويّة (بين الروم الملكيين والروم الأرثوذكس ليس شيء من هذا) او انتساب ما تاريخي غامض الهويّة في كثير من الأحوال ما أنشأ طوائف مختلفة. السريان الكاثوليك والموارنة واحد كليا طقوسيا وفي الانتماء الى الكرسي البابوي. التمايز التنظيمي ناتج اذًا من شيء آخر له تفسير سوسيولوجي- تاريخي وليس له تفسير لاهوتي.

         لماذا نحمل الى اليوم عناصر بشريّة تفرقنا. أليست هذه جلودًا ميتة تحجب الكيان الحي؟ أليس ضمن هذه الجلود الميتة عناصر سياسيّة او قراءات مختلفة للعمل السياسي؟ هل دخلت الدنيا وأزمنة الناس جسد المسيح ولبسنا ثيابًا ليست لنا؟

         ما يحيينا  أن ندرك الوحدة الأصلية لنا من المسيح وفيه، وان نسير الى قيامته معا وننشئ حياة مشتركة قائمة على التجدّد الواحد بالروح القدس غير مهملين التنوّع الطقوسي ومتحرّرين بآن معا من الميثولوجيا التاريخيّة والتمايزات الإثنية واللغويّة وما اليها صابّين اهتماماتنا على القداسة، فرحين بعضنا ببعض وجامعين قوانا الروحيّة لتقوية عهدنا مع المسيح.

         وعندما يكون هذا سيرنا، لا نخشى تهديدا او لا نرى تهديدا. سيموت بعض منّا في العراق. سيظلّ أتباع يسوع ٢٪ في فلسطين والأردن. ستقع المظلوميّة او الدونية على بعض. هذا ليس إصلاحه في السياسة. هذا تغيّره المحبّة بيننا والتي نقدّمها للآخرين واثقين بقوتنا الروحية والشهادة الدائمة للإنجيل.

          كنائس المسيح في لبنان ليست قوتها في أية حماية. لقد جرّبنا الحمايات منذ اتفاقات فرنسا والباب العالي في القرن السادس عشر ومتنا. نحن ليس لنا قوة على الأرض نحيا بها. نحن عندنا قوّة الكلمة ولهب القلوب المُحبة الغافرة. المسيحيون المتراكمون بعضهم على بعض قلنا انهم ركام تراب. المسيحيون الذين يجعلهم الروح الإلهي وجه المسيح في الكون سيطلعون دائما من الضيق ومن خطاياهم ويزدادون حبا بانتصار الحب على البغض والمعرفة على الجهل. كل مسعى دنيويّ لهم ليخرجوا من مآزقهم لا يزيدهم الا يأسا ومرارة. لقد قال لهم المعلّم انهم ليسوا من هذا العالم، وكلما تشبّثوا به أغرقتهم أوحاله.

لقد جعل لهم مسيحهم منطقا غير منطق عقلاء الأزمنة السيئة. دائما خرّبوا حياتهم لما عانقوا عقليّة هذه الدنيا وحالفوا شياطينها. المحزن فيهم انهم لا يعرفون انهم نزلوا من فوق وأنهم منذ الآن سكان السماء إن فهموا. فليتّحدوا بهذا الفهم ليكون لهم بهاؤه، وليستضيئوا به ويضيئوا بسطوع هذا الذي قال لهم: «أنا نور العالم». هو قال لهم ايضًا: «أنتم نور العالم». ليسوا شيئا آخر إن علموا.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

تأملات في الحالة الدينيّة / السبت 18 تموز 2009

لبنان ينتمي هيكليا الآن الى ديانتين لأن نظام المتصرفيّة هكذا شاء ولأن الاحتلال المصري هكذا شاء ولأن الفرنسيين ارتضوا ذلك في عهدهم وقَبِل ذلك منشئو الاستقلال في حين ان الدين لله كما قال المعلّم بطرس البستاني اي لا علاقة له عند المسيحيين بالسياسة وله علاقة بها عند المسلمين اذا كانوا وحدهم في الوطن واستحبوا في هذاالعصر نظاما شرعيا وعودة الى اعتبار أنفسهم خير أمة أُخرجت للناس واعتبار أهل الكتاب أهل ذمّة. ولكن العثمانيين ألغوا في منتصف القرن التاسع عشر نظام أهل الذمّة الى الأبد والمسلمون في بلاد الشام استحبوا ذلك.

هذا هو الإطار الرسمي. اما نفحة القلوب فقد قرر اللبنانيون ان يستمدوها من ان الدين والدنيا واحد وبهذا المعنى أسلموا جميعا، كما قرروا ان تجمعهم اللياقات ولطف الحديث، وبهذا المعنى صاروا حضاريا ينتمون الى سلوكية الموحدين الدروز. واذا فطنوا ان يلطفوا علاقاتهم يذكرون كثيرا لفظة محبة ومن هذا المنظار باتوا ثقافيا مسيحيين. اي انهم اتفقوا ضمنا ان يكون إله ما ملهما لتصرّفهم المجتمعي وقد التقوا على الا يذكروا خلافاتهم الدينيّة حتى يتغلّبوا على صراع الثقافات ويعيشوا في ظلّ ثقافة اجتماعية أقلّه لسانيا. لست أوحي انهم في العمق يدينون بالتقية والكتمان ولكن التقية ساحرتهم لكي يجتمعوا على هذه الكومة العجيبة الغريبة التي تسمى لبنان.

ولكوني مسيحيا لا يقبلني أحد ان ألقي دروسا على كل المواطنين في تكوّن مجتمع واحد لا طائفي ولا سيّما أني أنتمي الى كنيسة أقليّة لا بروز لها في هذا التجمّع المتركم او المتلاصق والذي ليس تجمّعا مدنيا على الطريقة الأوربية التي لا دخل فيها للأديان في تنظيم الانتخابات والإدارة.

لن أتكلّم في هذا المجال الضيّق على العلمانية التي لا يقبلها أحد نظريا ولا يقبلها واقعيا خوفا على التصرفات الطائفيّة التي تخلط بين الدين والدنيا والتي تؤمن مصالح الجميع. سأخاطب اذًا في هذه العجالة المسيحيين المؤمنين الذي ليس عليهم لوثة من دنياهم لأكلمهم بكلمات دينهم وهم بين سمو عقيدتهم وروحانيّتهم وتقواهم من جهة وبين هذا العيش الذي سمي مشتركا في الدستور وأدبيات الحرب الأهلية وهي أدبيات مرتكزة على هذا الدهر وليس على الدهر الآتي كما نقول في اللاهوت.

ٍ# #
#
لإخوتي هؤلاء الممارسين منهم والكسالى أقول إنّ المسيحيين بلا مسيح كومة تراب فاذا قال كتابهم ان الايمان ينقل الجبال فمن باب أولى انه يذري التراب.

يجرحني المتسائلون عن بقاء المسيحيين في هذا البلد بعد ان تقلّص عددهم. لهؤلاء أقول: متى اهتمت المسيحيّة بالعدد مع علمي انه سيبقى عدد من المسيحيين مستنير ولكونه مستنيرا سيكون أكثر فاعليّة من كومة التراب. ماذا يفعلون بقول السيّد: »سأكون معكم حتى منتهى الدهر«؟ بولس الرسول لما كتب رسالة دسمة الى أهل رومية كان الذين يعرفهم بولس في المدينة الأبدية ستة عشر انسانا وارتقب منهم انهم بقوة الإنجيل الذي فيهم سينتشرون في كلّ الامبراطوريّة الرومانيّة وفعليا أخذوها في مطلع القرن الرابع. ولكنهم احتلوها بلا سيف ولا سياسة في ذلك الزمان. ألم يقرأ أهلنا ما جاء في كتابهم ان المحبة تطرح الخوف الى خارج؟ انا واثق ان عشرة آلاف مسيحي اذا كانوا من القديسين سيفرضون وجودهم بفاعليّة أعظم من المليون او المليون ونصف القاطنين اليوم هذا البلد.

الكارثة هي هذه ان احدا لا يعتقد ان الانجيل غير المتلبس ثوبا سياسيا أفضل من كل الركض السياسي الذي يقوم به مسيحيون كبار للحفاظ على انفسهم والرعيّة. الى هذا ليس عند المسيحيين تفوق علمي او مهني اليوم ولا ذلك الذكاء المفرط الذي يجعلهم الطليعة كما كانوا قبل خمسين او ستين سنة من اليوم. لقد أخفقوا في اللعب السياسي لما كانوا أكثرية وقد يتسامون سياسيا او يبرزون اذا قل عددهم وعظمت نوعيّتهم بما فيها الحياة الثقافية. وعندئذ لا يكونون في حاجة الى المبارزة السياسيّة.

وقد تجد أتقياء او ممارسين يخافون لأنهم لا يؤمنون حقا ان النقاوة التي تؤخذ من الإنجيل والعبادة هي لا اسكتبارهم التي تقيمهم في اللبنانية الفاعلة وذلك في وسط العالم العربي. عروبة غير لفظيّة تجعلهم ايضا في قلب المجتمع الإسلامي اللبناني وربما خارج الإسلام اللبناني. دائما ذهلت لإعجاب المثقفين المسلمين في ديار العرب بلبنان. أليس هذا لاعتقادهم بأن لبنان فيه نكهة مسيحية تروقهم؟
# #
#

واذا ذكرت الإسلام اللبناني الذي نلامسه على الأقل ونداخله في عيش نريده واحدا فهو إسلام واحد. واذا تلاعب المسيحيون ليلتصقوا بالسنّة او بالشيعة أقول لهم بملء الفم انهم أغبياء. الخلاف بين السنّة والشيعة حول الإمامة أمر يخص المسلمين وليس لنا في السجال الذي يدور بينهم منذ مأساة كربلاء علاقة.
نحن لسنا وسطاء بين المسلمين وهم لا يقبلون وساطتنا. وتكون ذروة الغباء أن نظن ان حلفا حصريا بيننا وبين فريق من المسلمين يقوينا. المسلمون أمّة واحدة بالمعنى الديني يقول لها كتابها انها أمة وسط وهي لا ترحب بإظهار نفسنا اقرب الى التشيّع او أقرب الى اهل السنة والجماعة. ويل للمسيحيين اذا لعبوا لعبة الإغراء بحلف الأقليات في هذا الشرق لأنهم، اذ ذاك، يرون أنفسهم وحلفاءهم الأقلويين مرميين في أحضان الصهيونية. ما من سبيل الى مكافحة اسرائيل مثل اتحادنا المجتمعي والفكري والروحي (نعم الروحي) بالمسلمين جميعا باعتبارهم أمّة واحدة ولكن في حضن الوطنيّة اللبنانيّة.
لقد حذّر المغفور له الإمام مهدي شمس الدين في كتابه الوصايا اهل الشيعة من ان ينظروا سياسيا الى غير شيعة لبنان. السنّة قادرون بهذا المنطق الا يغازلوا سياسيا أهل مذهبهم خارج هذا الوطن. المسيحيون الذين غازلوا اسرائيل في الحرب قد يستفيق فيهم شيطان هذا الغزل اذا عزلوا أنفسهم عن الوحدة الوطنية مع المسلمين في وطن لا تسمح مساحته بتقسيمات إدارية داخل البلد على أساس طائفي. هذه محاولة تولَد سقطا اذا ولدت. مما يأكل سكان الجبل اللبناني؟ هذا حل انتحاري يقضي على الفاعلية المسيحية ان أرادت ان توجد . الداعون الى هذا الحل قال لهم رئيسهم الروحي البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي انهم مدعوون ان يحيوا مع المسلمين في العالم الإسلامي الذي هو قائم ومنه لبنان.
هذا جزء من دور الرئيس الماروني في لبنان. كل رؤساء الجمهوريّة الذين عاصرت اي منذ الرئيس بشارة الخوري كانوا فعليا وفي صدق كامل رؤساء للشعب اللبناني قاطبة. ربما اعتقد البعض حتى اليوم ان ثمّة ريادة مسيحيّة. على سبيل الافتراض أسلم بذلك. هذه ريادة الموارنة ان يكونوا في خدمة لبنان جامعا لكل طوائفه بلا امتياز لأحد.
عند ذاك، يؤمن الجميع بأن لبنان أعجوبة الله في الشرق.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الوطن / السبت 11 تموز 2009

لقد نحتت عصبة الأمم في جنيف لفظة apatride  اي الذي لا وطن له. وان لم تخني الذاكرة أظن ان هذا الوضع القانوني الغريب أعطي للروس الذين غادروا بلادهم بعد الثورة البلشفية ولجأ الكثيرون منهم الى باريس ولم يحصلوا على الجنسيّة الفرنسيّة او لم يطلبوها لاعتبار أنفسهم روسيين معنويا او ادبيا ولم يصيروا فرنسيين بالمعنى القانوني فاضطرت عصبة الأمم ان تنشئ هذا الوضع الجديد.

تاليا الوطن انتساب قانوني تريده وليس فقط الرقعة التي تولد عليها. لا يكفي ان تحب الأرض التي جئتها اذ يجب ان تختار دولتها. الدولة اذًا تشكّل انطلاقا من أناس يرتضونها ويؤلّفونها بمئة شكل وشكل. هي بنية يصنعها المواطنون فاذا أرادوها كانت وهم أمة في حدودها. فاذا ارادوها يعنون انهم منضوون تحت لوائها ولها عليهم حق الإخلاص بحيث لا يريدون انتظامهم في غيرها اذ لا يستطيعون الانتماء الى اوطان أخرى الا اذا خانوا. والدولة ضعيفة ان أرادوا لها الضعف وقادرة ان أرادوا لها القدرة. من هذه الزاوية كانت الدولة مرآة المجتمع وتصبح بآن أداة في خدمة هذا المجتمع بالدفاع عنه، بحمايته، بترقيته. فعلى قدر ما يخلص لها تخلص هي ايضا له وفي شدّتها تلازمه ويلازمها.

ولكن هذا يعني ان في المجتمع قدرا من تمسكه بدولته لتتمكن هذه من البقاء. وفي عقل الجماعة ان الوطن الذي يصنعه الناس بالحب والجهد نهائي في أمانيه على الأقل وان كانت النهائيّة المطلقة لله اذ تتغيّر الشعوب والأمم واذ ذاك تدول الدولة. الدولة في اللغة العربية تنتهي اذا اقترب شعبها من النهاية بالهجرة او الحروب او الكوارث المختلفة وتنفرط الأمة وتصبح قبائل وقد تبقى الأجهزة الحاكمة الى حين اكتمال التلاشي في القوم. وقد ماتت دول ونشأت دول وماتت أوطان وظهرت أوطان. في هذا الحقل ليس من أبديّة.

وينشأ وطن جديد صغير بعد انفراط وطن اكبر او بعد انقسامه وتترتب أوضاع جديدة في رقعة جديدة وفي هذه الدنيا ليس من مأساة على هذا الصعيد وان كانت هناك جراح وأحزان حتى ينمو فرح في التركيبة الجديدة اذا هذه صمدت.

ولا داعي إطلاقا الى رؤية الوطن متجذّرًا في التاريخ القديم لأن معظم البلدان الحالية مستحدثة بسبب من حروب يتم فيها استيلاء الأقوياء على الضعاف وتعبر فترات قصيرة نسبيا حتى تجد الدولة الجديدة حدودًا لها ويرتضيها من عاش ضمن هذه الحدود.
# #
#
والحب ينشأ بعد تصوّر الأوطان بسبب من التعايش المرتضى والفوائد المجنية من تشكلها على اقتصاد ما مزدهرا كان ام غير مزدهر وعلى السلام ما أمكن السلام.

لماذا الأوطان؟ لأن الإنسان لا يستطيع ان يعيش وحده، لأنه يحيا على رقعة من الدنيا وتنفع عياله ولأنه يجد فيها من يحبّه ولأنه لا يحصل على لقمة عيشه الا بالتعاون. غيز ان هذا التعايش يشترط حدا من اأخلاق معقولا لئلا يبتلع الكبير الصغير فيرد الإنسان الى وحشته ويرحل او يموت. الحد الأدنى من التعايش هو الا اقتلك ولا تقتلني وان نتعاون في المهن والعناية المتبادلة والنمو الصحي والدراسة والى كل ما يسند صمودنا معا. واذا غاب هذا الهمّ او ضعف كثيرا بالخصومات والحروب الأهليّة والعداء الذي يقضي على شرائح مختلفة يضيع الوطن وتاليا تسقط الدولة.

هناك مقدار من قبول الغير على مستوى معقول حتى لا ينفجر البلد من الداخل. قد يضرب البلد من الخارج والأخلاق وحدها تنقذه بطول الأناة والعمل والشجاعة والروح المعطاء. ان الخطر الخارجي أقل أذى من انهيار روح الوحدة الداخليّة. واذا سمح لي باستعمال تعبير ديني ينهض البلد من بعد انهيار اذا كان فيه ابرار ينتعش بهم الناس ويرجون الخلاص. اما اذا قلّ الأبرار فيذوي البلد ويذبل ويفتش باطلا عن حلول خارج البر. بلد يكثر فيه السرّاقون والمحتالون والكسالى والشتامون والمتذاكون باطلا بلد يدعوه الفناء اليه ويهلك آجلا ام عاجلا. ليس من بلد عنده امتياز البقاء من الله. الله لا يحب بلدًا بصورة خاصة ويزكيه ويعلي شأنه لأنه اختاره منذ الأزل. ليس لبلد واحد من سرمديّة. البلدان تموت كعشب الصحراء وتختنق وتقرأ عنها في كتب التاريخ. ويكون أهلها قد قتلوها عمدًا او غفلة. وخطيئة الغفلة عند علماء الأخلاق كالخطيئة الطوعيّة.

ولا عذر لأحد ان تدهور بلده. فكلنا قاتل او غافل. ومعصية أولي الأمر أقسى من معاصي العامة لأن أولي الأمر تسلّموا من الناس القدرة ويستعملونها للاقتصاص من المجرمين وتلك هي مسؤوليّتهم الأولى على ما قاله بولس في رسالته الى أهل رومية. اما اذا كانت الدولة مغناجة مع المجرمين فلا عذر لها لأن حماية هؤلاء تعدِّ على الأبرياء وانتقاص من حريّتهم حتى تزول الحريّة فيزول الانسان.

# #
#
ماذا يقول الكتاب عن المتسلمين الشأن العام؟ يقول: «يا أيها الملوك تعقّلوا واتعظوا يا حكام الأرض» (مزمور 2: 10). عندما يقول تعقّلوا يفترض ان لهم عقلا راجحا يرجعون اليه واذا قال اتعظوا يثق ان لهم قدرة على الحكمة. ماذا يقول الكتاب لصلاح الحكم؟ أشعياء يكتب: «حكامك قوم متمرّدون وشركاء لقطاع الطريق. كلّهم يحب الرشوة» (1: 22). ازاء ذلك يقول النبي نفسه: «اما الرافضون مكاسب الظلم، النافضون أيديهم من الرشوة…فهم يسكنون في الأعالي» (33: 15 و16).
وأقوال أخرى في الرشوة لا مجال هنا لذكرها جميعا حتى لا تقع لعنة الأنبياء علينا. ان استمرار هذه الأمة يعني ان البلد الذي يصاب به طولا وعرضا يجلب عليه غضب الله ومعنى ذلك ان لعنه الله نازلة على كلّ من رشا او ارتشى وان لا ضمانة لبلد يرتكب هذه الفحشاء بمقدار كبير فيكون هذا الإثم لدمار الوطن والأمة والدولة جميعا.

في دغدغة اللذات فقط تحسبون ان بركات الله نازلة على لبنان منذ الأزل. هذه هي الكذبة الكبرى. البركة تشمل فقط الإنسان الطاهر ولا تميز بلدا. الى جانب تعظيم التوراة أرز لبنان يقول الكتاب: «افتح يا لبنان أبوابك فتأكل النيران أرزك. ولوِل ايها السرو على سقوط أرز لبنان» (زكريا 11: 1 و2). كفّوا عن التغني بلبنان ان لم تتوبوا. لا يقوم لبنان بلا طهارة تكلله، بلا ناس أنقياء، بلا حكم صالح. ليس من نهائية لبلد لم يضع اساسا لنهائيّته. الذين لا يستوطنون عند الرب لا وطن لهم هنا. والذين لا يسعون الي بلد يجعلونه مقرا لله سيموت بلدهم آجلا ام عاجلا.

إن أحببتم حقيقة الله تجدون حقيقة الانسان والناس جميعا. الوطن هو في هذه الحقيقة او يبقى بحرا وجبلا واشجارا وبيوتا وطرقات اي لا شيء. هل تريدون لبنان مسجلا في السماء اي بعضا من الوطن السماوي ام تريدونه مالا في جيوبكم وسلطة تمارسونها. يريد الله لنا بلدا جميلا. لا تقبحوه انتم طوعا او غفلة لئلا يهرب منكم. أوجدوه بالحق تجدوا أنفسكم في الخلاص.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

لبنان الإلهي / السبت 4 تموز 2009

أنا حزين لأن لبنان الأرض أجمل من اللبنانيين وكنت قد اشتهيت ان يكون أبناء بلدي أجمل من طبيعة بلدهم. أخذت اليوم القلم ليس لأبدي حزنا لا يهمّ أحدًا ولكن لأدعو أبناء هذه الرقعة من الدنيا الى أن يكونوا عظاما.

ملّ الجميع من أن أتكلّم على أهل السياسة. سأحيد عنهم لأخاطب ضميركم ليصبح شامخًا كالأرز. من أنا لأعتب. غير اني أحسست ان خطابي اليكم واجب عليّ لئلا أموت من صمت كاذب. ويأخذني الخفر قبل الكلام حتى لا أقع تحت الدينونة وحتى لا أسوق احدًا الى دينونة الله وحده يقوم بها. ولكني متعب من الكثيرين، من الأكثرين. وحتى لا أموت يجب أن أتكلّم.

البلد، يا أحبة، هو أنتم. فيه شجر وجبال وأودية وبحر ولكنه قبل كل شيء أنتم. ورجائي أن يصبح أبهى مما هو الآن ان أردتم ان يرمي كلّ قباحة عنكم. نحن الآن مقيمون في قباحات جارحة. انا لست عالم إناسة لأصفكم بدقة وما أكملت هدوئي لأتحدّث عنكم بصفاء ولكن البشاعات جلية. ورثناها من عصور غابرة وليس المجال لنتقصى عن الذين زرعوها فينا. المهم اننا نقيم في خطيئات أمست أهواء تتأكلنا من الداخل ولعلّنا ارتضيناها نمط عيش. ولا يقنعني أحد اننا هببنا لإقصائها. لا يعوزك ذكاء كبير او تنقيب دقيق لتلحظ ان الكذب كثير الانتشار. من يصدّق من في لبنان؟

قلت هذا لراهب كبير عندي متوجعا. علّق على كلامي قائلا اننا في الأمس ظُلمنا (بضمّ الظاء) فقُهرنا (بضم القاف) وهذا رسخ فينا الباطنيّة لنعيش. انا لست عالم تاريخ. هاجسي ان أشخص المرض وان أدعو الى الاستشفاء لنصبح راسخين في الحق، متلألئين مثل كواكب السماء. الكذب خوف. كيف نبعد الخوف عن النفس اي كيف يؤمن الإنسان انه كامل القوة وان القوّة تعطيه الشجاعة ليواجه الأكبرين.

مرّة كنت أستمع الى اعتراف فتى فسألته ان كان يكذب. قال نعم ولكني لا أوذي أحدًا . قلت بل تؤذي نفسك لأنك تتقزّم أمام الأقوياء ولا ينبغي ان يهمّك الأقوياء. مجتمع فيه فقراء كثيرون معرض لاجتناب الحقيقة. مجتمع ليس كله وفاء او تسوده ذهنية السماسرة والمستقوون بمالهم او نفوذهم يضرب الحقيقة بقوّة استضعافه. كيف نكافح اسباب الخوف في الفرد والجماعات ذلك كان السؤال ان ابتغينا حقا الحرية الداخلية التي تمكّننا من الشهادة؟
# #
#

لست أعلم على وجه الدقّة ان كانت غايات الكذب احيانا اقتناء المال. ولكن تحصيل المال كثيرا ما اختلط بالكذب لا ريب في ذلك. الأغنياء والفقراء معا يشتهون المال. الفقراء من أجل يسر معقول والأغنياء اشتهاءً منهم للسلطة ونحن نعلم ان «كلّ سلطة مفسدة والسلطة المطلقة تفسد كليا» لأنها حتما استعباد اي إقصاء. اعرف ان كل ّشعوب الأرض واقعة في شهوة الاقتناء. اما نحن فتقوى الشهوة فينا لنحمي أنفسنا من الجوع الذي ذقناه في الحرب العالمية الأولى وقضى على ربع شعبنا ولنحمي أنفسنا من عدم الاستقرار ونقيها شر تقلبات الحكم المرتقبة ابدًا. هل تمكين الحكم يضعف فينا هذا الشبق؟ هل نستعيد القناعة المنقولة التي عرفناها في أجيال سابقة؟ هل يقبل الثري ان يعيش باحتشام ليؤهّله ربّه للعطاء؟

الترف خوف ايضا وأول ما في هذا الخوف ان الاستعلاء والذي تطلبه الغواية يقيمنا في ذلك المجد الباطل الذي يفرّقنا عن العامة. نحتاج الى أشياء نظنّها تزيّن شخصيّتنا او تصبح جزءًا منها ان لم نحس اننا بتنا نحن جزءًا من قصورنا ومما نملك. هل يوقن الكثير انه مع الله يملك الأرض وهو لا يختزن شيئا منها او لا يتعاطى سياسة. من يطمح الى وجود ليس فيه تفه؟

اذا أدركت لحظة ان المال ليس بحاسم خياراتك واقتنعت انه لا ينبغي ان يحسم خيار احد تجعل المال لمحتاجيه في دولة مليئة كما يقولون اليوم وتاليا قادرة. انت تحول القدرة الى السلطة التي لا تخشى أحدًا وتقيم العدل.

# #
#
هل عدل السلطات يجعلنا ننسى القبائل ونصير شعب لبنان فقط. كيف ننتقل من تعدد الشعوب الى رؤية أمة واحدة لا تنسى التمايزات ولكن تتجاوزها لإقرار وحدة كياننا؟ كل طائفة فريدة لكونها تحمل مواهب بادية في فعلها، في مشاركتها ولا تهمل فرادتها ان توحّدت بلا ذوبان. نحن لوحة تفترض عدّة ألوان تتلاقى ولا تتمازج. لست أظنّ ان جماعة دينيّة بما هي قوم تحسب نفسها الأولى. كلّنا من تراب اي من أخطاء يغطيها جمال وتبقى أخطاء. والأجمل في هذا الاتحاد ان تعترف للمتحدين معك ان فيهم حقيقة ومواهب من السماء ومن التاريخ. كل فريق ديني عندنا عنده دواعي افتخار. ونحن نصل الى الوحدة ان افتخرنا بالآخرين وضممناهم ليس الى قلوبنا وحسب ولكن الى عقولنا ايضًا.

وحدتنا كل منا مع لبنان يفترض ان يعتزل كلّ منا فرديّته التي هي مرض الكثرة فينا. والمرض هذا في أقصى حدته ان يحسب المرء انه وحده في الوجود وانه قادر ان يكمل نفسه بلا الآخرين. الوجود مشاركة وهذه تعني انك موجود اذا ضممت الكلّ اليك وانك شاعر بأن موجوديّتك هي بهم. وهذا يعني انك ان لم تكن مبذولا فلست بشيء. هذا يعني بتعبير فلسفي انّك تخلي نفسك من انطوائها على ذاتها لتعرف انها تنمو من ملء صار فيها ان هي أحبّت. وان أحبّت تقوم من الموت الذي هو تعظيم الأنا الفقيرة، الفارغة. ان تستغني وحدك والناس جياع، ان تسود وحدك والجماعة حولك تفنى في فقرها، في جهلها فهذا موت فيك. ان لم يحيَ الجميع فليس من حي. ان ترى الناس كلّهم لك وأنت عبد للذة التقوقع هذا امحاء كامل لوجودك الفاعل. ان لم تشعر انك تأتي من الآخرين فأنت مرمي في صحراء لست تعلم انك تعطش فيها.

# #
#
لبنان لن يصير شيئا ما لم يكن شعبه قد صار عظيما بتحرر الكثيرين من الكذب ومن عبادة المال والسلطة والأنا المقيت العدوة للشراكة. بلدنا يتحقق في كلّ أفراده، في سموّ يتعالى في رؤيته للحق والتعالي هو التواضع والافتقار الى الكمالات الروحية التي لبست من هذا التراب ولا الزمان الشرير.

السياسة تقوم من صنعنا الحياة العليا الكامنة في النفس. لبنان الرسمي يصنعه شعبنا المغتذي من الحقيقة والطهارة والبرّ والذكاء الذي يجيء منها. بلدنا يصير جميلا من سطوع الحقيقة فيه وهي وحدها بهاؤها. كيف نصير الى هذه الحقيقة يبدأ بقيام كلّ واحد منا على الكفر بالذات اي على الكفر بما كنّا، في جهالاتنا، نعتبره الذات من شهوات المال والسلطة والكذب والانطواء على الأنا الفارغة القاتلة للآخرين . لبنان هو شعبه العظيم ليس امجاد زائفة تقوم على الادّعاء ولكن في المجد الإلهي القائم في قلب الإنسان الذي يذوق قيم الله.



Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الكون الجديد / السبت 27 حزيران 2009

خوف المرء على نفسه او ماله او مصيره او عائلته او عشيرته او طائفته يلقيه في القلق والرعب او الاكتئاب اذ يحس ان هذه المخاوف تهدّد كيانه، تقبضه او تقزّمه او تشتّته حتى التلاشي. في الحقيقة اذا أحسّ أحدنا أنه لا يخاف يدرك انه موجود. ولكن انّى له ان يشعر بالهناء وهو وجه من وجوه السلامة اذا لم يصبح كائنا مستقلا عن المرمي في الزمان وعن الزمان نفسه في تقادمه، حرًا من الحرب، من السياسة، من الجنس، من أعدائه ومن أصدقائه، حرا من زوجته وأولاده ولو معهم، من كل من يلوذ به او من لاذ هو بهم، مؤسسًا على ما لا يزول.

أنت طبعا تعيش في الخارج ولكن هل انت من الخارج؟ من أوضح ما قاله يسوع في هذا السياق عندما صلّى من أجل تلاميذه في خطبة الوداع قوله: «لا أطلب اليك أن تخرجهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير. ما هم من العالم وما أنا من العالم. قدّسهم في الحق» (يوحنا 17: 15-17). العالم هنا هو الكون التاريخي والتلاميذ موضوعون فيه ولا يسعهم ان يخرجوا منه اذ ليس من عالم آخر او تاريخ آخر. يدعو المسيح أباه لا لينقذهم من الوجود ولكن من الشرّ المحيط بالوجود او المشكّل له.

الى هذا، الحق لا ينبثق من التاريخ ولو حلّ فيه اذ لا بدّ للحق من مدى. انه شيء آخر نازل من فوق على بعض القلوب وينتشر منها الى القلوب الأخرى المتعطّشة الى الحق. الذين يلامسون الحق او يستقرّ فيهم نازلون من السماء حسب تعبير يوحنا الإنجيلي. عندنا اذًا، هذا الوجود الملموس، الزمني، العاصف احيانا، المتخبّط دائما في سيلانه، المتقبل قراره مما يهبط عليه. هذا الوجود بما ينسكب عليه يهدأ احيانا أفي الفرد كان هذا ام في الجماعة. يسلم الإنسان حينا بعد حين، ويسلم كثيرا ومرارا عند عظماء المجد الإلهي ولو سقطوا حينا بعد حين. ينكسر الكبار اذا أغفلوا عن رؤية ما يجب التماسه ليحلّ فيهم حتى تصدق الكلمة عن الأكثرين: «اتخذوا الباطل بدلا من الحق الإلهي وعبدوا المخلوق وخدموه من دون الخالق» (رومية 1: 25) حتى صاروا «بلا فهم ولا وفاء ولا حنان ولا رحمة».

# #
#
نحن الذين نتكلّم على الخطيئة لا نستخدم التحليل النفسي وان كان مفيدا لفهم نفسك والناس. ان كنت مصابا بعصاب ومعظمنا كذلك لا يعفيك شيء من مسؤولية الخطيئة المتحكّمة فيك او العائدة اليك طوعا او في غفلة منك. أضخم حيلة للشيطان ان يُقنعك بأن ليس ثمّة من خطيئة. هذا يريح إقامتك فيها وتبقى جميلا في عينيك وتلبس الخطيئة ثوب الفضيلة. كلّ الذين سقطوا في الهيستيريا الجماعية في الانتخابات الأخيرة وما يلحق بها من حقد قد اعتبروا انفسهم متجندين للحق. وسرعان ما تنطلق من موقفك السياسي المعتدل احيانا حتى الطراوة الى عداء شخصي. وفي الحقيقة ان البغض يكون كامنا فيك فتستعير قضية سياسية قد تكون مجيدة لتضرب الآخر. تكون قد تحزبت (ونصف اللبنانيين لا يعرفون لماذا تحزّبوا) وليس عندك قوّة جدل فتشتم حتى الضرب وقد تزول في ذلك صداقات. اما الأطهار فينقسمون ولا تخرب قلوبهم.

كان أبي رجلا بسيطا. رافقته منذ سبع وأربعين سنة لننتخب في قلم واحد وأحسست دون سؤال مني او منه عن خيارنا ان كلّا منّا وضع قائمة تختلف عن الآخر، ثم صاحبته الى الغداء في بيت العائلة وبقينا على الود. لماذا لا يسلم الود في لبنان؟ أليس هو أهم من همروجة الانتخابات؟

في العالم لا من العالم ولكن من الله تلك هي قاعدة الخلاص. الله فيك او معك هو ما يحررك ويجعلك قريبا الى الحق فلا تصبح معوقا على الصعيد الروحي وتصبح إطلالة الله في هذا العالم.

إقامة الله معك او فيك هذا هو خلاصك من هذا العالم الذي فيه تعيش.

دونكم مثلا عن هذا عند صديق لي كبير كان من نخبة المثقّفين ما كنت أعرف معطوبيّته في بدء مودّتنا. صارت له خيبتان في حياته في المجال الوطني او القومي لن أذكرهما. خياران له أعرف عظمتهما انهارا انهيارًا شبه كامل في الراهن. هبط في الحزن هبوطا عظيما. هبط حتى الإحباط ولم يقم. قلت له: أعظم القضايا تفنى وهذه هي وطأة الزمان. التاريخ مقبرة القضايا العظيمة.

الى هذا الناس المخيبون الآمال، أقرب الناس اليك المعروفون بالمحبة والصدق. فجأة بعد سنين من المعاشرة طوال ترى انهم خانوا الوفاء او سقطوا في آثام ما كنت تتوقعها او تنكشف لك فيهم سيئات او نزعات خفية ما كنت تعرفها. ان كنت معلقا بهم حتى تجيء منهم عاطفيا فكان هذا او ذاك معتمدك او متوكّلك يصيبك غمّ شديد قد لا تخرج منه.

# #
#
في الإنجيل مقولة الترك أساسيّة لاقتناء الخلاص. في دعوة السيد لمتى يقول السيد لهذا: «اتبعني! فقام وترك كل شيء وتبعه» (متى 5: 27 و28). وقد تحدث الرب في غير موضع عن ترك الأقربين (الأب، الأخ، الأخت ومن اليهم). من الواضح ان المخلّص لا يدعو الى الانفصال الجسدي او المجتمعي عن العيلة والأنسباء، ولكنه يريد ألا تجعل احدا من الناس مركزا لحياتك او مصدرا لها. المحبة المسيحية عطاء ولا أسر فيها لأحد. العشق الذي سمّاه اليونانيون القدامى إيروسEros  هو عاطفة استيلاء فتستولي ويُستولى عليك. اما في المحبة الإنجيليّة فتمحو الأنا فيك وتبيدها كليا لتصير للآخر. واذا انت محوتها يسكن الله فيك ويقيم فيك أنا طاهرة فيصير الرب وجهك اذ لم يبقَ فيك شيء من الأرض.

اذ ذاك، تخدم ولا تملك ولا تطلب جزاءً ولا شكورا ولا أن يعترف بك أحد او ان يكون وفيا. انت أحببته ليعرف انه حبيب الله ويحسّ في ذاته بلطف الله ورأفاته. انت بتّ فقيرا الى كلّ الناس، الى الأنقياء والخبثاء الذين كانوا يظهرون لك المودّات. انت تحزن من اجل نجاتهم لا لكونهم مرمروك. تدعو لهم بطهارة الفكر والعيش ولا ينفصل داخلك عنهم ولو أبعدوك عن معشرهم.

اذا استقللت عن كل البشر والمنافع التي كنت تستدرّ واذا منعتهم عن مديحك، اذا أقمت في الله لا تستكبر، واذا كان هو كلّ شيء فيك تكون موجودًا به وهو يكون موجودًا فيك ولا تفصل، اذ ذاك، أناك عن حضرته لأنك لا ترى الى وجهك كما في مرآة. هذا يعمله الغاوون. والعاشق وجه الله لا يعرف الغواية إذ يعتبر نفسه لا شيء، ويجعله ربّه شيئا ولكنه لا يعلم. ولو استطاع يحجب هيأته الخارجية والداخلية حتى لا تبدو منه الا الكلمة، ويبقى الله وحده متجلّيا حتى يستحيل العالم «أرضًا جديدة وسماءً جديدة».


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الحالة اللبنانية / السبت 20 حزيران 2009

سأحاول أن أقرأ فلسفيا الحالة اللبنانية. لعلّ من أبرز ما فيها قول الرئيس باراك أوباما أنه يعطف على موارنة لبنان وأقباط مصر وكنت قد سمعت منذ صباي قول زعماء موارنة انهم لا يرضون ان يصير «المسيحيون» في لبنان مثل أقباط مصر الذين يعتبرونهم غير مشاركين في قيادة بلادهم على الصعيد السياسي. ثم في مراحل متأخرة من حياتنا الوطنيّة احسوا بالتهميش او الإحباط. لا بد ان شيئا من هذا اوحى للرئيس الأميركي الذي قال هذا القول في خطاب مليء بالإعجاب بالإسلام وبوعود دعم لمسلمي العالم. هذا ما يجعلني أفهم أن السيّد أوباما أبدى هذا العطف على الموارنة إزاء المسلمين.

السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا ميّز السيّد الرئيس الموارنة عن غيرهم من مسيحيي لبنان. هل عنده لوبي ماروني مميّز عن اللوبي اللبناني الذي بات معروفًا في الولايات المتحدة؟ لا شيء يدلّ في خطاب القاهرة أن الموارنة يرون أنفسهم محورا في الجماعة المسيحيّة. ولكن هذا التفريق ضمن جماعة المسيح له دلالاته في السياسة الأميركية. هذا يعني في الأقل ان الولايات المتحدة لا ترى كلّ مسيحيي لبنان يحتاجون الى عطفها او حمايتها ولا سيّما ان ما يشغل السيّد اوباما هو بالدرجة الأولى المسلمون ولا سيّما أنهم باتوا حسب كل ترجيح عددي سائدين في لبنان. هذا يعني أيضا ان المسلمين لا يعقدهم المسيحيون مثلما كانت الحالة قبل السنة الـ 1975.

وما يقوّي يقيني هذا أن المسلمين معا هم في كل فريق من فريقي آذار وكأنهم جميعا اكتسبوا مقاربة الوضع اللبناني من منظار سياسي مدني. نحن اذًا على مشارفة المجتمع اللبناني على انه مجتمع مدني او يكاد يكون. هذا لا يبطل خلافات داخلية قد تظهر في الزمان الآتي بسبب من استمرار الذهنية الطائفيّة حتى لو أقررنا إلغاء الطائفيّة السياسيّة.

غير ان ما يلفتك ايضا ان المجتمع اللبناني بات مسيّسا بعمق، ضعيفًا في طلب الحياة الروحية واستدخالها الحياة السياسيّة. الحياة الروحية مرجع العقول السياسيّة بمعناها العملي، التطبيقي. انا لم أسمع في السنوات القليلة الماضية اي خطاب سياسي يرنو من بعيد او قريب الى مقولات روحية مستمدة من المسيحية او الإسلام وكأن كلامنا يحصر روحانيّة الديانتين في المجال الشخصي البحت ولا يرى إسقاطًا دينيا على الإلتزام السياسي. العبارة التي اقتبسها الدستور وكل متعاطي الشأن الوطني هي عبارة العيش المشترك. ولكن ما عناصر العيش المشترك، ما إلهامه، ما قوّته في تسيير الشأن العام كأن هناك مساحات فكر او مساحات تحرك في النفس يجب إغفالها في العقل العام. هناك دائما المسكوت عنه مع ان كل مطّلع يعرف ان في الإسلام والمسيحية ما يمكن استثماره في العمل المشترك.

# #
#

هل اللبنانيون مؤمنون في العمق ان التعبير القانوني لحياتهم المجتمعيّة الواحدة هي الدولة القائمة والتي يجب ان نسعى الى قدرتها؟ هذا يتطلّب اهتداء من القبيلة الحالية الى متّحد يضم عناصر مختلفة موقنة بأن الوحدة – المسعى تُقرّ بها القبائل التي تريد ان تجتمع في ما يفوقها منفردة ولو حافظت كل فئة على ميزات لها تسمى الآن ثقافية ولو كان الأصدق أن تبقى معروفة بالدينيّة او المذهبيّة. كيف نواجه جدليّة التعدّد والوحدة؟ هذا سوآل لا يُطرح في البلدان التي تكون فيها الأحزاب سياسية – عقائديّة اذ تكون، اذ ذاك، علمانية-وضعيّة كالدولة وتعلوها الدولة. اما اذا كانت الأحزاب طائفية والدولة كما عندنا لا طائفيّة فثمّة تناقض في الطبيعة بين الدولة والجزئيات الحزبيّة.

إلغاء الطائفيّة الساسيّة عندي شرط لتجاوز طائفية الأحزاب. اذ ذاك، لا يتكلّم جزء عن الكل وتلاقي الأجزاء من منطق الدولة يجعلها متعاونة في تكوين دولة للمجتمع ومجتمع واحد تشرف عليه الدولة وتصير الدولة الجسم القانوني الواحد وسقف السياسة الداخليّة وسقف السياسة الخارجية ولو بقي تنازع الأحزاب وهدف التنازع التوافق لأنك إن لم تختلف لا يصح الكلام على توافق.

اما التوافق فلا إكراه في الدين ومن باب أولى لا إكراه في القرار السياسي لأن هذا مقولة عددية لا نصل اليها الا بقانون انتخابي على أساس النسبيّة المتضمّن الغالب والمغلوب ولكن بسبب من تقارب الأعداد لا تكون الأكثرية اقتحاما للآخر او دوسا ولا تكون طائفيّة بسبب من المناصفة التي اعتمدناها. فما في النفوس ان هذا البلد اسلامي-مسيحي في الوطنية اللبنانية والانتماء العربي وقد اقتنع كبارنا الأموات منهم والأحياء ان أحدًا منا لا يستغني عن الآخر.

في بلد كثيره ديني (لا متديّن عميقا بالضرورة) وبعض منه ينمو الى علمانية الدولة الحديثة مع استغراق بعض الاكليروس المسيحي في التزام سياسي. لماذا حصرت المسألة في المسؤولين الروحيين عندنا ولم أعمم؟ ذلك أن الإسلام ليس فيه رجال دين بل فيه علماء بمعنى ان الأئمة وخطباء المساجد لا يُلزمون الضمير اذ لا يتمتعون بسلطان إلهي. وفي هذا البلد لا يقفز معظمهم فوق الزعماء. أطرح سؤالي من حيث المبدأ وصياغته هكذا: كيف يستيطع الأسقف او الكاهن أن يتخذ موقفًا سياسيا من موقعه الإلهي؟ هذا سؤال لاهوتي. اما اذا قلنا واجبه إنقاذ الرعيّة من مواقع عقلانية فأي معيار عنده ليعتبر نفسه فهيما او غير متهوّر؟

وهو عديل كثيرين بالفهم والتحليل السياسي. هو إنسان له مخاوفه وعصبيّته وفي كل خيار بعض عصبيّة. كيف يرشد الى هذا الموقف او ذاك مرتديا الحلة الكهنوتية ويعتبر المؤمن قوله جزءًا من تفسير الإنجيل.

أنا أفهم غيرة هذا الرجل. هل يفهم هو انه بشر يتّخذ موقفا ليس من الباقيات الصالحات ولكنه من تخبطات هذا العالم. الا يدرك اذا أصاب او أخطأ ان الرعية جاءت الى الصلاة طالبة كلمة حياة تحيا بها وانه ما كان في اعلى تجلياته الدنيوية سوى بشر يحق لكلّ مواطن ان يشك في الخلفية الإلهية لكلامه.

أخذ زعماء الموارنة والمحلّلون يميّزون بين الطاعة لرؤسائهم الروحيين في الشأن الكنسي وبين انصياعهم السياسي لهم. هذا يعني ان الذوق العلماني يتفشّى في الطائفة المارونيّة وان التمرّد لا يتفشّى. الإكليريكي ليس بديلا عن القائد العلماني في نضال الدنيا. وهذا كله اوضحه الباباوات المتأخرون اذ قالوا ان الدعوة الأساسيّة للعوام (للعلمانيين) هي ان يحملوا مسؤولية هذا العالم، وقد شجب البابا الراحل – على ما أذكر- عمل كهنة في أميركا اللاتينيّة يتعاطون الشأن السياسي.

ايا كان تاريخ الكنيسة المارونيّة من حيث نسكيّتها والتفاف الأمّة حول البطريرك، وايا كان التحام الزمني والروحي انا أفهم التعاقد بين الزمنيات والروحيات في حياة البشر وانك لا تستطيع، مسؤولا روحيا، الا تطل على زمنيات الرعية، ولكن الإطلالة شيء والتخالط شيء آخر. العفّة صعبة جدًا في حقول الدنيا والزهد أولى ويجلس الكاهن اوالأسقف هيبته على آرائك النضج الروحي ليأتي الموقف الزمني عند طبقات الشعب من إلهام الروح.

»وأشياء أخرى كثيرة لم تُكتب» في هذا المقال. «ولكن هذه كُتبت» لتؤمنوا انكم قادرون على جعل لبنان عظيما. غير ان ارتفاع بلدنا يقتضي سموّ قلوبكم بتطهيرها وعمل عقولكم بجهدها. لبنان لا يعطاكم مجانا. الدم الذي بذله كباركم ليس وحده الثمن. التنقية الكبيرة في حب أهل كل الأديان واستبعاد الخوف في شجاعة دائمة وأجرؤ أن أقول ان قداستكم هي التي تنحت في أذهانكم لبنان الجديد قبل أن تنحتوه في الواقع مهما كانت مرارته والله يوفّق أحراركم والأنقياء.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

أحد جميع القديسين / السبت 13 حزيران 2009

غدًا تقيم كنيستي أحد جميع القديسين لتشدّ المؤمنين اليهم مجتمعين فمنهم مجهولة عندنا أسماؤهم ولو عيدنا كلّ يوم لواحد منهم أو أكثر. كنيسة الغرب عندها ايضا مثل هذه الذكرى في يوم آخر لأن الشرق والغرب المسيحيين مخطوفان الى «شركة الروح القدس» صانع معجزة القداسة.

ربّ سائل لماذا تكتب في هذا الموضوع والناس قيام قعود في أمر من دنياهم وانت تسطر سطورًا من غير هذه الدنيا او من فوقها. ربّما لا يعرف كلّ الناس العلاقة بين ما هو فوق وما هو تحت لكونهم اعتادوا ان يعزلوا التحتيات عن الفوقيات لإيمانهم بأن عالمنا هذا محكوم بالترتيب العقلي او القانوني، تلك الأمور على ما يحسبون لا علاقة للسماء بها. وظنّي انك لا تصعد من الأرض الى السماء ولكنك تنزل من السماء الى الأرض ثم تتصاعد على قدر النعمة وقدر الجهد.

لا أنكر على من حصر نفسه في الأرض بعض نجاح من ذكائه او من توافر ظروف الزمان او من مصادر العلم والقوّة. انت تستطيع أشياء معقولة، مرتّبة بلا إله اذا انتسبت الى إله تخترعه. الذين لا مرجع لهم فوق ادمغتهم او فوق قلوبهم يرسمون صورة دولة وتتحقق هذه وفق «حكمة هذا الدهر». ولكنها لن تكون المدينة الفاضلة التي حلم بها الفارابي او التي زينت لابن خلدون.

نحن الذين نرى الأشياء من خلال الله نخترق العازل الذي وضعه اولئك القوم بينهم وبين الله حاسبين ان عمارة الانسانية ممكنة دون الرجوع اليه. ان تتخيّل مدينة كلّّها إلهيّة لأمر مستحيل ولكن ان تتوهّم وجود مدينة بلا إله حلم مستحيل ايضًا. فبعد ان اوجد الله نظام النبوءة اي نظام مخاطبته الجنس البشري حلم هو بمدينة تسعى اليه تحمل روح النبوءة في قوامها وممارستها لتجعل من هذه الدنيا فردوسًا ما أمكنت الفردوسية هنا.

هذا ما يعيدني الى أحد جميع القديسين عندنا. عنندما يقول الله: «كونوا قديسين كما اني انا قدوس» (1بطرس 1: 16) بمعزل عن الظرف التاريخي للآية تبقى دعوة الى جميع الناس كائنا ما كان دينهم ولو استعارت ديانتهم تعابير أخرى. كل مذاهب التوحيد الى جانب ديانات الهند تعني الشيء الواحد. الإله القدوس هو المتعالي، المخصص لذاته، الغريب تاليا عن النجاسات، القائم في قوته المحبة غير المتسلّطة. وانت قدوس على شبهه ان شئت.

# #
#

هذا يعني ان هذه القداسة ممكنة لأن الإله الكامل منشئ إمكانات الكمالات فيك وأصل المكرمات عندك اي واهب تفعيلك للنعمة التي ينزلها عليك. في الله كلمة ومنه روح. لك انت ان تسمع الكلمة ولكنها تبقى مطبوعة على ورق ولا تصل اليك ان أغلقت قلبك دون الروح الذي تحمله. اذا اقتبلت هذا الوضع ليس لك حظ في القداسة او في البرّ ولن ترنو الى الإنسان الكامل الذي دعاك الرب ان تكونه.

الحق ان «ليس من انسان يحيا ولا يُخطئ» والإنسان الكامل هو من يخطئ مثلنا جميعا ولكنه يتوق الى الكمال اي ان شوقه الا يمس الدنس في كلامه ويديه وعقله لإيمانه بأن خلاصه ان يحقّق صورة الله فيه. سعيه الا ينسى ذلك ولا يحالف النجاسة التي تدق على بابه يوما فيوما. ان يخطئ طوعا او كرها هذا من ميول بشريّته ولكن ان يعود الى الاعتصام بحبل الله فهذا من الدعوة الإلهية الكائنة فيه. من الناس من لا يسكت صوت الله فيه ويستحب هذا الصوت. هذا هو القديس الذي يخطئ كل يوم ويتوب.

في التوبة جاذبيّة كما في الانغماس. «الإنسان لا يترك لذة الا نحو لذّة أخرى» (باسكال). ان تستلذّ الله فرحا فيك في هذا خطواتك الى البرارة. من بعد هذا تنزل الى الأرض انسانا سماويا وقدماك على الأرض ولكن لا تغرق فيها كما في رمال متحرّكة تبتلعك لأنك لست ذا قدمين فقط ولكنك ذو عينين واذا حولت عينيك الى الآفاق الإلهية فنصيبك الاختطاف.

هنا في غرائزك الجامحة تتحلق. لا تنكرها ان قيدتها بشرعيّتها. ليس الله ضدّ الغرائز المكوّنة لك ولكنه ضدّ جموحها المتفلّت. تقبضها بالعقل وتقبضها بالروح الآتي اليك من الكلمة. انت تعيش في الجسد. لست روحا ولكن روح الله منبث فيك. من هذا المنظار تروحن جسدك وتطلع به الى المواضع الذي يبسط الله فيها سيادته عليك.

# #
#
هنا يأتي الحديث عن السياسة. لقد فرحت عند سماعي بعض الناخبين الأحد الماضي الذين تحدّثوا عن حبّهم للوطن وجاء بعضهم من بعيد. حسنا تسيسوا والسياسة حكم الحقيقة لمدائن الأرض. وخارج الحقيقة حكم الأرض باطل اذ يكون حكم الدنس. واختار ابناء شعبنا من اختاروا اذا اختاروا بلا رجاسات هذه الدنيا وبلا انفعال اي اذا جعلوا انفسم في رئاسة العقل وبركات الإخلاص وكلّفوا من كلفوا ليكونوا على العقل وعلى الإخلاص. وحكام الأرض دعاهم ربهم الى خدمة الطهارة والمعرفة معا. لا طهارة بلا معرفة ولا معرفة بلا طهارة وليس صحيحا ان سائسي البلد مضطرون الى الكذب ومنافع لهم في الأرض. انهم يسوسون اذا باتوا في الحقيقة والصدق والعلم. الجهل لا يحكم والكذب لا يحكم. والماشي على طرق الحكم لا يعثر بالضرورة اذا ابتغى سياسة مدينة يريدها فاضلة اي في خدمة الناس وتعاونهم حتى التحاب. والتحاب ممكن مهما قال المشكّكون.

يجب أن نسوس مصالح البلد الحقيقية وان نتآلف لمعرفتها اي ينبغي ان ننظر اليها لتنميتها ليستقيم البلد ولا نيأس من البلد. وعلى قدر الخدمة عند المسؤولين تنتعش الجماعات بهم وتثق ويصبح الرقيب ومن نراقب واحدا في الخدمة المشتركة ويتألّف الوطن مما نبذل جميعا ومعا.

ابتغاء هذا لا بدّ من أن نحبّ كلّ خير يصدر عن هذا الفريق او ذاك فلا نرفض فكرة صالحة كائنا ما كان الآتي بها لأن لبنان يقوم على توافق الجيّدين والأشخاص يتكوّنون من جودتهم لا من تحالف احزابهم. ليس المهم ان نتصالح على أيّ شيء. المهم ان يجتمع أهل الخير من آفاقهم وتتشكّل كتل قائمة على المبرّات قد تكون كتلا جديدة. «سيذكرني قومي اذا جد جدهمُ/ وفي الليلة الظلماء يففتقد البدرُ».

ابنوا لبنان معا ولن تتفرّقوا اذا ابتغيتم الحقيقة الناصعة وخالص العمل والأعمال المدروسة. اجل لا بدّ من فقه سياسيّ ولكن لا بدّ من البرّ. عند ذاك تأتي الكلمة واحدة.

الى أهل الحكم أقول أحبونا نحبّكم. اعرفونا نعرفكم. انظروا الى الضيق الذي نحن فيه نرَ صدقكم. لا يكفي ان تقرّوا بجمال لبنان. هذا يحتاج الى مسحة من قداستنا وقداستكم ليصبح بلد الله.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

العنصرة والانتخابات / السبت 6 حزيران 2009

غدًا العنصرة، حسابًا شرقيًا. والعنصرة ذكرى حلول الروح القدس على التلاميذ مجتمعين في العليّة. رأوا أنه صار هو قوّتهم وباعثهم الى حياة جديدة. كان المعلّم قد قال لهم ان الماء الذي يعطيه يصير في المؤمن به «نبعًا يفيض بالحياة الأبديّة». ولكن هذا بقي عندهم كلاما حتى أفصح الله لهم بالروح عما قصده للمسيح فخرجوا بعد انصباب الروح عليهم الى العالم وصار العالم بهم شيئا جديدًا. قالت كتبنا تكلّموا باللغات بفضل انسكاب الروح على كلّ واحد منهم وفهم كلّ حاضر في ذاك المشهد ما سمعه بلسان غريب وفق ما قاله نبيّ قديم: «أفيض من روحي على جميع البشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاما وعلى عبيدي، رجالا ونساء، أفيض من روحي في تلك الأيام».

سيخرج الأرثوذكسيّون من كنائسهم غدًا الى صناديق الاقتراع. وسيأتي اليها كل مواطن ألهمه الروح أيا كان انتسابه ليسهم في بناء الوطن. هذا هو ما يبتغيه الوطن منه. سيكون هو مطيعا لنداء الروح او لن يكون. ستحلّ عليه عنصرة او لا تحلّ. اذا حرّكه ضميره وفهمه غير منفصلين وقد رجا هو ان كان صادقا الا يتحرّك بجهالة عقله او عتمات وجدانه لأن القضيّة عظيمة حتى الرهب. هو لن يقدّم حسابا لمن يخوض في هذا اليوم سياسة او رياضة سياسيّة. الله وحده يمتحن قلبه ويزكّيه او يغضب منه. لن يحاسبه اذا أخطأ عقله ولكنه يحاسبه اذا لطخ وجدانه باقترافه عملا مشينا.

ومرفوض، ان عمل هذا، ان يدّعي عدم اطّلاعه او ضعف اطّلاعه اذ كان عليه ان يتثقّف سياسيّا وكان عليه في فترة ولوقصيرة ان يعرف عن المرشّحين بعض الشيء لئلا يتهافت بضعف البصيرة اذ الإنسان مسؤول عن كسله ويوصله الى الحق جهده. المهم ان يدرك كلّ لبناني انه قائم يوم الأحد. بعمل خطير يسهم فيه ولو قليلا ببنيان الوطن او هدمه والوطن وديعة وكل منا مسؤول عن الودائع التي ائتمن عليه.

لم يفت أوان الصدق وأوان الأمانة. فأنت منذ صباح الغد محرّر من الوعود التي قطعتها للمرشّحين مخطئا او راغبا في المغريات. ما من إنسان مرتبطًا بوعد سيء ومسيء. انت فقط مرتبط بالحق. فاذا أحسست اليوم بخطأ عد عنه واكتب بيدك الأسماء التي تعتقد من صميم نفسك ان أصحابها هم الأكفاء.
# #
#

لن يبكتك ضميره ان لم تعرف حقيقة المرشحين. ولكنه يبكتك ان اخترت ضد قناعتك اذ تصبح بذا شاهد زور ونحن بالانتخاب في موقع شهادة. ما انت بمحزب لأحد انحزابا اعمى وبخاصة لست مرتبطا بلائحة. ما انت بمغذٍ شهوات المرشحين الذين ينصرون بعضهم بعضا لقناعة او منفعة. انت خارج قناعاتهم فقد يبقى بينهم التناصر او لا يبقى. بلغتهم مشوارهم انتخابي او سياسي. انت خارج هذا التمييز. وفي حمى المعركة يحسبون -ان كانوا صادقين- انهم سيتعاونون بدءًا من 8 حزيران. هذا كلّه يحتاج الى بحث وتدقيق. هل انت تطالبهم اذا لم يظلوا متعاونين؟ وما جرى عندنا ان النائب يؤدي حسابا لمن اختاره. جلّ ما يمكن ان تقوم به ان تتابع من تنتخب لتضعه تحت السؤال اذا استقبلك او تتركه بعد أربع سنوات. في هذه الحقبة هل ثبت وعوده ام يحضر جنازة نسيب لك ليقول لك انه ساندك.

السياسة شيء جدّي كثيرا لأنها متّصلة بمعاشك اليومي وتربية أولادك واستمرارك في هذا الوجود الزمني وأعني به بخاصة بقاء البلد وقوّته. من الواضح طبعا ان القيّمين على السياسة المباشرة أعني النواب والوزراء ليسوا كاملين. معنى ذلك انك تختار من اقترب من الكمال في النطاق الوطني وان تشطب من تعتبره سيئا. من كان قبيحا في عينيك لا يجوز ان يرد عندك وان أتى بتصويت آخرين فهذا شأنهم وانت لا تحمل خطايا هؤلاء.

اذكر ان الانتخاب سرّي فاذا تصرّف المندوبون بالتهديد او الابتزاز اذا فرضوا عليك قائمة صباح غد فيما انت ذاهب الى الاقتراع ودفعوا اليك الأسماء التي يريدون فتخلّص من وطأتهم واعمل حسبما يوحيه لك ضميرك. اذا خفت تنصاع والانصياع عبوديّة والوطن مصاب قليلا او كثيرا.

لا تتفرق عن أهلك وأصدقائك لاختلاف في الخيار. في بلاد الناس لا أحد يبوح لآخر عمّا قام به في العمليّة الانتخابيّة. مرّة سألت انكليزيا كنت معه على شيء من الصداقة عمن انتخب أفهمني بعبارة شبه مهذّّبة ان هذا لا حديث عنه في بلادهم. الكتمان في هذه الهمروجة أفضل من البوح.

# #
#
الخطيئة الكبرى في شعبنا ان نعتقد ان الأخلاق منحصرة في السلوك الفردي حسب الوصايا العشر او ما اليها ولا يتعلّق بالشأن العام. ما ينبغي ان نتعلّمه هو ان ليس من بون بين الحياة الفرديّة والحياة الجماعيّة وان من آذى الوطن كمن يؤذي شخصًا واحدًا. الخطيئة الأخرى الاعتقاد بأن البلد مسؤوليّة الحكام والمشرّعين وحدهم. آن لنا أن ندرك اننا نحن صنّاع الحكام والمشرّعين وأنّّنا نبدأ تنصيبهم بالعمليّة الانتخابيّة. الجماعة الوطنيّة هي المنشأ فلا تجعلوا المسوؤلين في الحكم هم المنشأ.

لا تتساهلوا بشيء. لا تضعفوا أهميّة ما تقومون به غدا. لا يقل أحد منكم: انا واحد من مليوني ناخب او كذا. صوت واحد قد يذهب بمرشّح او يأتي بمرشّح. لا تقل هذه التفاهة: هذا بي وبدوني آتٍ. هذا غير صحيح لأن النجاح او الرسوب هو في التعداد. انت فاعل واذا أدركت ذلك يبدأ لبنان بالنهوض.

# #
#
المهم الا تيأس من هذا البلد. انا وصلت الى درجة الحزن لا الى اليأس مع قناعتي ان نهضة بلدنا تحتاج الى أعجوبة. انا لا أقول ان تؤمن بلبنان. «الله ولبنان» عبارة جوفاء. لبنان من هذا الكون والله ليس من هذا الكون. ولكن قناعتي ان الرب يحب ان نعيش في هذا الوطن. لذلك يريد ان يستبقيه حتى نتعزّى به ونفرح. ولكن الله لا يقدّم لك لبنان على طبق من فضّة. يجب ان تستحقه. لا تطلب فقط ان تخدمك الدولة. اخدمها انت لأنها جزء من المكونات الكبرى للوطن. اذ ذاك تكون قد خرجت من جلدك ولا تبقى أسيرا لأناك. الوطن هو الأنت والنحن. بهذا تتحلق.

ايا كانت ديانتك او ايا كان مذهبك أقم معنويا اليوم العنصرة مع الروم اي ادعُ الله ليحلّ روحه عليك قبل وصولك الى صندوق الاقتراع واذهب الى هذا ليس فقط على قدميك ولكن بالروح. اذا كنت من المصلّين ادعُ ربّك ليلهمك الخير ومحبة لبنان ويزيدك. ورقة بسيطة، وحيدة تروّضك على الصدق وقد تنتج ثمرا. أقلّه تنتج فيك انسانًا طيبًا.


Continue reading