Category

2009

2009, جريدة النهار, مقالات

استعدادًا للانتخابات / السبت 30 أيار 2009

البلد مسيّس على درجة من الكثافة لم أرَ لها مثيلا. وفي هذه الحمى نحن سائرون الى الصناديق على رجاء ان نطهّر أنفسنا من كل حقد. فشهوة النصر الحليفة لكل ناخب مشروعة روحيا ولكن يبقى المسلك رياضيا اي ان القلوب تبقى على سماحتها وايّة كانت النتيجة فليست الحصيلة آخر الدنيا. من هذه الزاوية أقول ان الخوف مقصي في البدء بمعنى ان ليس في المعارك السياسيّة من أمر مفصليّ اذا آمنّا أن البلد حيّ وانه قادر ان يفرز ما يشفي الأمراض التي تعتريه. لبنان باقٍ والتمزيق في جسده ليس فيه جديد. هذا شأن السياسة في العالم كلّه وسنعود واحدًا في العمق. كلّ الازمات التي رافقتها منذ السنة الـ 1936 انتهت على مصالحة او تناغم وهذا ما عنى مرّة وحدة الرأي. بولس الرسول كتب مرّة الى إحدى كنائسه: «لا بدّ من الانشقاقات». يحق لك ان تقدّر النيّات بانتظار محاكمة لها أخيرة. ولك أن تصارع في جدّ من السلام الداخلي لنفسك وان ترجو لها وللبلد جميعا سلام الله. الهدوء العميق هو الدواء.

في مبرات البركات الإلهيّة علينا أرجو أن نكون صادقين، طاهرين. هذه ليست مثالية مضحكة. فإن الذين اعتزلوا الصدق والنقاوة لا ينبغي ان يشتركوا في العمليّة الانتخابيّة. هذا موسم توبة ممكنة ومرجوّة عند من لم يبع نفسه للشيطان. انا أراه على طرقات الصناديق وربما ينزل فيها مع ورقة الاقتراع احيانا. ليس هذا دائما لأنّ ثمّة مواطنين أوادم يحملون روح الرب الذي يترجم في هذه الحالة فهمًا وصدقًا. الفهم والتحليل يلازمان الخيار ولكن لا فهم خارج التنقية التي نمارسها قبل السابع من حزيران.

تتولّد الشياطين بعضها من بعض كتلك الدمية الروسيّة التي هي كناية عن علبة ضمنها علب كثيرة. العملية الكبيرة التي تتضمّن مفاسد عديدة هي المال الذي يهدر للتحكّم بالضمائر. المرشّح الراشي مفسد كبير ليس لأنه يضعف الناخب او يعطّل حكمه وحسب بل لكونه يحتقره ويذلّه ويعتبره خاليا من الحكمة التي يحتاج اليها في عمليّة الانتخاب.

# #
#
الأسبوع الماضي على شاشة احدى المحطات رأيت امرأة يسألها موظّف في هذه الإذاعة ان كانت تقبل الرشوة. قالت: «نعم، بدنا نعيش».
هذا الذي يحيا فقيرًا يتوسّل العطاء فيتسوّل. خطيئة جذورها في من أغراه فيغرى. ولكن ان حللنا جيّدًا جواب هذه المرأة فهي لا تعرف شيئا عن وظيفة النائب. هو واحد من الذين يجتمعون ويتكلّمون. عندها الكلام هو لغو فهي لا تفهم شيئا عن التشريع ووظيفة مراقبة الحكومة. الطهارة التي نطلبها من الناخب ندعمها بتثقيف وطنيّ منذ الصغر فاذا أدرك الطالب بأن معيشته تحتاج الى إقامة قيّمين على شؤون العباد وهم أهل الحكم وناقدوهم، اذا أدرك ان حياته على الأرض تتطلّب قوانين يسنّها البرلمان وتطبّقها الحومة لمنفعته ومنفعة عياله لا يسقط في إغراء المال ولكنه ينتخب الأصلح.

من هذا أذهب الى القول ان المرتشي لم يقع فقط في الفساد ولكن في جهل أهميّة النائب. وما يجمع بين الراشي والموتشي ان كليهما لا يثق بالدولة. وعندي ان الدولة العادلة الرشيدة النزيهة تفرض هيبتها ويبدأ الناس رؤية مصالحهم في رعاية الدولة لهم.

قبل أن يتمّ هذا الترويض الطويل الأمد لا بدّ لكلّ منّا ان يمتحن قلبه ليرى ان كان قلبه عاشقًآ للمال ورافضًا تاليا الصالح الاجتماعي فيفهم في حركة ثانية من التأمّل ان هذا هو ايضا صالح الفرد وعائلته. والخطر الأساسي الناجم عن الفساد ان المواطن الذي يرى الفساد في القيمين او بعضهم ليس عنده رجاء الى الوطن وقد يتعرّض لخسارة إيمانه بالقيم كلّها. ذلك ان أهل الفضائل القائمة في الذات قلّة. معظمنا يحتاج الى ان يحيط به فاضلون لئلا تخور عزيمته.

# #
#
هنا السؤال الذي يطرح نفسه على المرشّح هو لماذا انت تترشّح؟ هل لإيمانك بأنك حامل رسالة او برنامج؟ حتى الآن ما أقرأه في الصحف وأسمعه في ارذاعات ان المرشحين يقدّمون لك عناوين. ما لفتني عشيّة انتخاب فرنسوا ميتران في مناظرة له مع فاليري جيسكان داستان d’Estaing  انهما تناقشا في شأن كل وزارة ولا أذكر التفاصيل ولكن أذكر انطباعًا. قال احدهم جيشنا يحتاج الى زيادة ألف دبابة وقال آخر بل ألفان. وتباحثا تفصيليا في وزارة الخارجية. كيف نرسم العلاقة مع المانيا ومع الولايات المتحدة. وكل من الفرنسيين رأى نفسه مائلا الى طروحات هذا او ذاك من الطرفين اذ الفرنسيون ينتخبون رئيسهم مباشرة.

كنت أحلم ان يتناظر مرشحان على دائرة من دوائرنا ويبسط كل منهما موقفه من زراعة البطاطا وتسويقها او تخطيطا له يتعلّق بمعالجة السير. لا يكفي ان تقول نريد سيرا منتظمًا. السياسة تبدأ بالكلام على أرقام ومناهج.

هل يؤمن كل مرشح عندنا حقا بأنه حامل تصاميم لهذه الأمة. في أحسن حال يبدو لي انه يعطي نفسه شهادة حسن سلوك واذا فاز يدخل البرلمان مرتجلا مداخلاته. السياسة فيها علم ولا تقوم حصرا على الأخلاق. ولكنها معرفة بأمور البلد والشؤون الدولية. كيف تدحض علميا موقف الخصم والخصومة لا تبنى على المزاج ولكن على القناعات التي أعددت نفسك للدفاع عنها وإقناع الآخرين بها.

لذلك لا يكفيني ان نعد أنفسنا لسنّ قانون انتخابات جديدة ولكن ان نشكل كتلا قد يكون الكثير من مضمونها جديدا ومنها الخيارات الدولية.

انا اعرف ان المجلس ليس كلية العلوم السياسة ولكن الأفضل ان يتزيّن قسم من نواب بعلوم سياسية وحقوقيّة والا يأتي سؤال للحكومة او استجواب جله خطب حماسية. المناهج من شأنها ان تضعف المزاجية والاصطفاف الانفعالي او التعاضد الكيفي مع هذا وذاك من الزملاء إعدادا لولاية لاحقة للمجلس.

يشكو ناسنا والمراقبون الأجانب ان هذا البلد ليس فيه استقرار. هذا من ميراث الانفعالية الشرقية والتشنّجات المتأصلة في تنوّع الأطياف او المذهبية وربما من أسباب أخرى.

ولكن اذا اعتبرنا ان المجلس هو المقام الدستوري الأساس لعرض الفكر السياسي وتحليله فيجب الوصول الى معرفة الأساليب التي تأتينا بأفضل مجلس ممكن على صعيد إعداد المرشحين وإعداد الأمة كلها طلبا لنضجها وفهمها.

انا اعرف ان القانون وحده لا يهذب الشعب ولكنه جزء من تهذيبنا. ولكن عدل الفكر الشخصي والقلب يتجلى بالقانون والقانون يصقله. هناك ما كان قبل المؤسسات وهو الله. اي مقدار من الإلهية في حياتنا السياسة. الطوائف لا تأتي آليا بالله. هو يأتي بها اذا كان العمال والفلاحون مثلا يستندون الى عدل إلهي وفي كلاهم حنان يكون الرب قد نزل الى الحياة السياسية في لبنان. يحق لي ان أحلم بأن يظهر مجلس النواب مثل كنيسة او مسجد اي مكانا إلهيا.

يحلو لي ان يكون ممثلو الأمة متوشحين بالله حسب التعبير الأرثوذكسي. هل لنا ان نرجو ان تتجلى لنا جلسة نيابية مثل قداس. السياسة في أصلها موضع من مواضع سيادة الله في الكون.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

القانون والمؤسسات / السبت 23 أيار 2009

لفظتان متعاقدتان في زمن الإفلاس على رجاء تواصلهما في زمن النهوض المرجو. ولكن لنبدأ باللغة. في لغات الغرب لفظة Canon  تدلّ على القاعدة اذا جعلوها مشتقة من اليونانيّة وهي ذات مدلول كنسي. ولكن من ألمّ بالعربية يرى ان هذه الكلمة اليونانيّة مشتقة من العربية وهي الرمح او كل عصا مستوية. فالدعوة الى القانون دعوة الى المستوي كالعصا غير المعوجّة التي لا تشتريها انت ان لم تكن سويّة لئلا تعثر بحجر رجلك.

الكلام او السلوك المجتمعي يأتي وفق القانون أي وفق الاستقامة وتتعلمه ممن سمت أخلاقهم وتتحول الكلمة القويمة الى قانون يحيا به من يحفظه لأنك لا تحيا الا بالشريعة. هذا ما تقوله الكتب المقدّسة ذلك ان الله يقوّمك عند الاعوجاج. ولكن التقويم لا يحصل الا اذا سعيت اليه. وهناك ألوف مؤلّفة يحبون الإعوجاج الذي اسمه اللاهوتي الخطيئة.

ولكن اذا ترجمت الشريعة قانونًا وضعيًا وبينهما علاقة في الأصل فالجماعة التي أصدرت القانون تجعله إلزاميًا. العقل يرشدك الى ان الكثرة من القوانين الوضعيّة ملزمة للضمير. ألاّ تسرع في قيادة السيارة يدخل الى عالم الوجدان لأن القتل ضد الوجدان. القانون الجزائي في كثير من الأحوال قائمة احكامه في الضمير (الا تقتل، الا تسرق، الا ترتش).

غير ان ثمّة شعوبا لأسباب قاهرة في تاريخها (الظلم، الفقر، الجشع) تتحول او يتحوّل قسم كبير منها الى ناس غير أخلاقيين. هذه الحال تأتي من طغيان الشهوة على شرائح قليلة او كثيرة. يأتي القانون هنا ليحدّ من وطأة الأشرار والجناة ويغريهم بالاستقامة التي أساسها في وجدان المواطن وتنفيذها في وحدة المجتمع ونموّه وصلابته بحيث أمكن القول ان الاستقامة تجارة رابحة اذا قام معظم المجتمع على كره الانحراف عن القانون.
مجتمع لا يقوم على أساس الأخلاق يخلو من سلامة العلاقات بين الناس ويدمّرهم جميعا. والأصل في القانون المساواة امامه بحيث يكون لك ما للمواطنين جميعا ويكون عليك ما عليهم جميعا.

# #
#

تحديدا ليس في القانون محاباة للوجوه اي ليس فيه تفريق بالتعامل اذ لا يعترف واضع القانون على صفة فيك غير صفة المواطَنة ولا يسأل موظف الدولة الذي يتسلّم معاملتك عن جنسك او دينك او منطقتك او ميولك الانتخابية ولا يسأل عن ثروتك. حسبه ان تدفع الرسوم المفروضة. لا يهم هذا الموظف ان تأتيه شخصيا لتعرب له عن تقديرك اياه ولا ينبغي ان يهمّه إقامة علاقات شخصية. في الادارات ليس ما اعتدنا ان نسمّيه شخصنة العلاقة. في المعاملات فقط الموظف يلبي السائل عن خدمة له الحق فيها.

كلّ انسان حرّ يدفع ضرائبه ولا يتعدّى على أحد له الحق في كلّ ما نصّ القانون عليه واذا أُنصف يزداد تقديره للدولة وتاليا يعمق حبه للوطن. من هذه الزاوية الدولة مربيتنا على معانقة لبنان. ما خلا التعامل الموضوعي انت حرّ بعواطفك. ولكن اعلم انك بالعدل تخدم نفسك وجارك والخزينة فإنّ كل مخالفة من هذا النوع سرقة للخزينة التي انت مثل اهل الحكم مؤتمن عليها. ان مال الدولة مال الناس جميعا. فإن لم تدفع الضريبة كاملة تكون هادرا للمال العام اي سارقًا كل مواطن بمقدار.

اما المؤسسات فهي مجموعة الكيانات الإدارية الخادمة للصالح العام فإنها مُنشأة على القوانين الأساسيّة في البلد. فمجلس النواب مؤسسة، كذلك الحكومة ورئاسة الجمهورية ومديريّة كل وزارة والمحافظة والقائمقاميّة والشرطة والدرك والجيش. المؤسسة تقوم على قواعد يستخرجها التراث القانوني والتشريع والمصطلح الحضاري.

هي تحديدًا قائمة من اجل الجماعة الوطنيّة. لا تتحكّم فيها المشاعر الشخصيّة وان كان الإخلاص وهو عاطفة أساسي في سيرها. فيها شعور من اجل البنيان الجماعي وتقوية التنسيق بين القائمين على المؤسسة. المؤسسة ليست متحجّرة ولكنها ثابتة كالأعضاء في الجسد لكون القيّمين عليها عادلين.

بسبب من ذلك العلاقات سليمة. انها مجرّدة اي من طبيعة الفكر التجريدي. يقوم العدل اذا لم تنظر الى وجه احد فلا يهمك جماله او قباحته او ميول قلبه. طبعا محبّة الوطن مفترضة عند كل من تعاطى الشأن العام. هذه المحبّة مبتغاة عند صاحب السلطان الكبير وصاحب السلطان الصغير. المرفوض هو التحيّز.
# #
#
المشكلة عندنا هو كيف ننتقل من حضارة «عاطفيّة» وطائفيّة ومناطقيّة الى حضارة الوطن الكل الوطني وبتعبير آخر كيف نرتقي الى المجتمع الوطني. في الحقيقة ان الانسان لا يدرَّب على حبّ الوطن. هو تنزل عليه المحبة من الله ويتروّض عليها بالعمل. ربما اذا أوتينا رئيسا وأعضاء عظماء بنعمة من ربّكم نتذوّق الاستقامة ونعمل بها. بكلام آخر نحتاج الى دعوة روحيّة والى ذوي خلق كريم نضعهم في المقامات العلى ويعمّرون لنا وطنًا جديدًا. اما العمل السياسي اليومي عمن ننتخب ومن نوظّف فنتاجه عظيم اذا المواطنون سعوا.

من هنا حسن استعداد أهلنا لانتخاب ناس قيّمين. ولا يستهنْ أحد بالواجب الانتخابي. ربما دعم النهضة اللبنانيّة العامة. هذا يفترض ان يستعفّ المرشح والناخب معا وان يفهم هذا الأخير ما أمكنه فهمه. لذلك يجب ان نقرأ السياسة قراءة جيّدة وان نعمل فيها على قدر طاقتنا. والسياسة عقل او فيها عقل كثير حتى لا تتأكلنا المحسوبيات والعودة الانفعالية الى اي مرشّح.

بعد 7 حزيران سننتخب حكومة تعمل معها او تعمل ضدّها حسب تحليلك للآن السياسي، ولكن هذا يتطلّب متابعة كبيرة عسى نخرج من هذا العالم الثالث المؤذي الى أعلى الوجود السياسي. يسحرني بعض القادة الأفارقة الذين أسمعهم ويبدو انهم أخذوا من الثقافة الأوربيّة اكثر مما أخذنا. كذلك إخوتنا اهل المغرب أرقى منا في معرفة الحضارة فتشبّهوا بهم.

كم تمنيت قبيل كتابتي هذه الأسطر فيما كنت أمر بقرى الجبل ابتغاء وصولي الى البلدة التي أنا قاطنها، كم تمنيّت أن يكون شعب لبنان جميلا كهذه الاشجار او هذه القصور التي أراها. لماذا تبني بيتك ولا تبني نفسك؟ أجل لا بدّ لنا من الرجاء ولكن لنبدأ العمل والتطهّر واقتحام المستحيل. بعد هذا الاقتحام ستبدو العجائب.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

المسيح والمسيحيون / السبت 16 أيار 2009

قال نيتشه: «آخر مسيحي هو الذي مات على الصليب». لا أخطئه كليّا ولو لم يُصِب لكونه لم يعرف بهاء الشهداء والقديسين او لم يشأ أن يعرف. غير أن الصحيح عنده هو أنك لا تستطيع أن تكون مسيحًا ولو تشبّهت بالمخلّص الى حدّ بعيد. ما لم يقدر عليه بشر هو ان يكون قلبه ولسانه وفعله واحدًا. هذا حققه الناصري وحده. انت ليس في وسعك أن تكون المطلق كما كان هو. غير أنه هو لا يرضى الا تشتهي المطلق. لعلّ هذه هي ميزة المسيحيّة انها تشدّك الى المسيح السيّد في كل ما يتطلّبه. لذلك لا تضع المسيحيّة فوق رأسك سقفًا وتريدك أن تتوخّاه حتى اذا ارتفعت كثيرًا تحسّ بأنّ النعمة النازلة عليك تشدّك دائمًا الى فوق ولا تقبل أن تقف تحت العرش الإلهي بل اليه.

ما نسمّيه صعود المسيح الى السماء من بعد قيامته هو أنه جعل البشريّة التي لبسها تجالس الألوهية. هذا حصل فيه لأنّ بشرته اكتملت بالألوهة التي كانت فيه ولكن بطاعته الكاملة للآب وطاعته ما كانت اغتصاب ألوهته لبشرته بسبب من عدم الاختلاط بين الطبيعتين. كان في حريّته يعمل في كل حين ما يرضي الآب. ويتمنّى هو عليك ان ترضي بحريّتك انت الآب دائمًا.

هو لا يعاهدك على أن تبقى ترابيًا بل يعاهدك على ان تتخطى على قدر استطاعتك نزواتك ويأبى أن تجد فيك أيّة خطيئة مأوى او مسكنًا في ثناياك. هو يبتهل في السماء الى أبيه ليجعلك كاملًا. وأن تكون كاملا في بشريّتك هو أن تسعى باستمرار الى الكمال المؤهلة له طبيعتك. وان لم تدركه تكون خاطئا اذا لم تشتهه. المسيحيّة هي هذا التوثب الكامل والحزن الدائم انك لم تصل. وما لم يكن عندك هذا الحزن تكون قد اخترت ان تعقد مساومة بينك وبين المعصية كبيرة كانت ام كثيرة. أية لوثة فيك قبلها وعيك هي تعاقد بينك وبين مملكة الشرير. وقد لا يكون قبلها وعيك ولكنك أهملت نفسك حتى لا تعي وهذه هي خطيئة.

أنا أفهم أن يكون الإصلاح البروتستنتي قال إن المرجع الوحيد للإيمان هو الكتاب المقدّس. هو عنى انه لا يقيم وزنًا للتراث عظيمًا لأنه رأى فيه جهدًا بشريًا. ولكن ما أقبله في حدس البروتستنتيّة هو أنها اشتهت أن يكون كلّ انسان واحدًا مع كلمة الله.
# #
#
نحن نفهم ان الكلمة ممدودة في التراث وان بعضا من تفاصيله يمكن إسقاطها لأن زينة الكلام لا مفرّ منها في الأديان. ولكن المسيحيّة تريد نفسها كلمة الله فقط وليس من الصعب الا تميّز بين ما هو إلهيّ في ميراث الكنيسة وما هو بشرة ساقطة.

يحزنني فقط أن أرى مسؤولين في كنيسة الأرض لا تهمّهم كثيرًا كلمة الله الحاكمة لكل قول او فعل او تنظيم عندنا بعد ان تأقلموا مع الزينة وأبدلوا حكمة الله بحكمة هذا العالم.

هذا يذكّرني بأقصوصة في الأدب النسكي تحدّثنا عمّن نسمّيه مبتدئا في الحياة الرهبانيّة اي دخيلا فتيًا. وفي تقليدنا القديم ان هذا يعيش في صومعة شيخ يحدّثه ويربّيه. وتقول هذه القصّة ان هذا الفتى مات سنة بعد دخوله الدير ورآه شيخه في منامه والنار واصلة الى ركبتيه فقال الراهب القديم لهذا الشاب: انا ربيتك سنة كاملة على التقوى. ماذا فعلت بنفسك حتى صرت في النار؟ فأجاب الفتى: اطمئن يا أبتِ أنا واقف على كتفَي مطران. لا تعليق.

أعرف أن الفضيلة ليست حكرًا على أحد وأعرف أن لا علاقة لها بالرتب ولكنّي متعب لأني أعرف تاريخ الكنيسة جيدًا وأن فيه غير الشهداء والأبرار. انا قرأت غاندي جيدا وفهمت أنه كان يحبّ كثيرا العظة على الجبل واعترف أن عدم اعتناقه المسيحيّة عائد الى أنه لم يلتقِ مسيحيًا كان يأخذ بالموعظة جديًّا.

انا يكفيني القديسون وأعرف سيرة الكثيرين منهم ويكفونني لأعرف قدرة المسيح فيهم وبهاءه في أولئك الذين فاقت شهادة الدم عندهم كل عقل ووصف ولكن صدماتي الكثيرة انك أحيانًا إذا ما ذهبت في منطق إنجيليّ ترى من لا يتحسس هذا المنطق وينعتك بالغبي. أليس الإنجيل سياسة الله؟ من القوم من يؤثر عليه سياسة هذا العالم بما فيها من لغو وكذب. انا لست أجهل ان سياسة الدنيا أدنى الى النجاح في حالات كثيرة ولكن في مقاييسها. انا لا آخذ على كثرة من المسيحيين خطاياهم فأنا من هذه الفئة. مأخذي الوحيد عليهم أنهم إمّا ضمنًا او وعيًا يهزأون بمقاييس الإنجيل.

لا يواجهني أحد بقول المعلّم: «لا تدينوا لئلا تُدانوا». اعرف جيّدًا ان الله احتفظ لنفسه بالدينونة. مأخذي الوحيد ان الكثيرين من المعمّدين اذا آمنوا بأنّ الإنجيل هو المرجعيّة لا يريدونها في مجال التطبيق.

# #
#
سيبقى هذا المشهد الى أبد الآبدين. سيخطئ الناس. هذه ليست مشكلتي والكتاب قالها مرات. وكان يسوع يعرف انه سيظل الكثيرون في الكنيسة غرقى أوحالهم.

ولكن مشهد الدنس لا يقنعني بأنه يجب علينا ان نقدّم للناس مسيحيّة معدلة بمتناول المعطوبين في الأرض لتصبح ممكنة. غير أن هذه التركيبة المرتبة للناس في وسطيّتهم الأخلاقيّة لن يتعرّف عليها يسوع الناصري أنها كلمته وما خرج عن كلمته لا يؤتيك خلاصًا.

أعرف أني أبقى مسيحيًا إن جاهدت لأصير مثل المعلّم في حدود ضعفاتي. ولكني أكون قد أكملت سعيي وحفظت الإيمان بأن المسيح مطلق واذا بعته بفذلكات فأنا خائن وأكون بحبل يهوذا او بغير حبل قد شنقت نفسي.

لماذا لا نقول للخاطئ انه فعليا جاحد؟ ميزة الجاحد على المؤمن الخاطئ أن عقل ذاك لا يقبل المسيح وعقل هذا يقبله نظريا فقط ولا يحالفه. الذين لا يرتضون السيّد حاكمًا على نفوسهم يكونون معمّدين بالماء فقط لا بالروح القدس. وهؤلاء كانت دينونتهم أعظم.

تاريخ الكنيسة خيانات؟ نعم. هذا التاريخ فيه عشّاق لله كثيرون؟ نعم ايضًا. اخرجوا اذًا ايضًا من الخيانة حتى لا يبقى نيتشه على حق. اقبل انت ايضًا أن تكون مصلوبًا. هذا خيارك الوحيد إن شئت لنفسك خلاصًا.

العشّاق الملتهبون كانوا دائما قلّة عزيزة. قال لنا هذا أندره جيد منذ نصف قرن هنا في بيروت: المخلَّصون دائما قلّة.

سنكمل الطريق. كلّ منكم قادر على ذلك اذا قبِل الإنجيل حاكمًا فيه. واذا اقتنع قلبه بهذا فيكبر نصيبه بأن تتقلّص خطاياه ويعظم حظّه في أن يرى المسيح مخلِّصًا له لا قبل ألفَي سنة ولكن في اليوميّات التي يعيش.

المسيح وحده؟ نعم ولكن ليست هذه أمنيته. «الله يريد الكلّ أن يخلصوا». يريدهم جميعا ان يصطبغوا بصبغته وان يلبسوه. ما أراد نفسه صوتا صارخًا في البريّة. مات لكي لا تخطر لك خاطرة ضد كلمته وألاّ ينثني في لحمك وعظامك غير روحه.

هناك من يحبّ يسوع حبّ الهوى ويرفعه وهو يتخطّر على الأرض الى مستوى العرش الإلهي ويجلسه معه عن يمين الآب.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

ما الوطن؟ / السبت ٩ أيار ٢٠٠٩

الوطن رقعة من الارض صنعها التاريخ واصطلحتم على قبولها والناس عليها. قلت صنعها التاريخ إذ ليس من وطن منزل من عند الله. حوادث الزمان الأخير سلّمته إليك. ولذلك كل النقاش لنعته بما هو غير نفسه نقاش باطل يخفي نزاعات أخرى. هو يرث كل شيء قبله بمقدار. فأهل مذهب الفينيقيين كانوا على حق لأن الكثير من الشاطئ الفينيقي ورثناه مواهب، وان تقول إنه عربي صحيح أيضا بعد أن تعرب لساننا وأحسسنا بمشاعر العرب في طلبهم الاستقلال. أما الآن فهو ما هو وقد قبله أبناؤه في الآن الذي هم فيه. ولكن يجب أن تقنع الآخرين بـذلك اذا قدرت أن تبيّن لهم أنك قادر أن تعيش بقواك أي أن تقتنع وجوديا بذلك.

                      قل اذًا الوطن رقعة مع ناسها. قل أيضا ان هذه الكتلة البشرية منظورا إليها واحدة لا إقصائية فيها ولا استعلاء ولا تمييز بالمعاملة هي الاساسية في الانتماء الوطني. الوحدة والتوحد والتلاقي ليست في نقاش.أما أولية كل طائفة أو قدرتها النوعية أو سيادتها فتحت النقاش لأن هذا جزئية تهدد الوحدة وباطل تنكر به الحقيقة. هنا وعلى سبيل المثال المرجو أن يفهم الموارنة أنهم ولو كان لهم الفضل الاكبر في تكوين لبنان الحديث فليس ليجعلوه في حضنهم ولكن ليورثوه الآخرين لأن الآخرين إن لم يرثوا يرتمون في حضن آخر ويكون التاريخ التأسيسي ضد النمو التاريخي. وهنا يجب أن يفهم المسلمون أنهم مدنيا ليسوا خير أمّة أُخرجت للناس ولكن غيرهم أيضا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، كما ينبغي أن يفهم العروبيون ان العروبة ذوق وميراث ولكنها لا تذيب قطرا في ذاتها. نحن على هذه الرقعة والرقعة بنا، لذلك لا تخترعوا سجالات أكاديميّة بينكم اذ الدعوة الى التاريخ في حقيقتها قتال حول الحاضر.

#                     #

#

                      الرؤية هي الى لبنان لا الى أجزائه ومناطقه وجماعاته الدينيّة. انت لبنانيّ اذا قادك شعورك التلقائي الى خدمة البلد لا الى التميز فيه. الطائفيّة اذًا حالة قبل ان تكون سياسة. ومن حيث هي حالة صافية طاهرة وفهيمة فهي غنى. لا احد يحق له مثلا ان يقول ان الكنيسة الأرثوذكسيّة ليست شيئا عظيمًا في المسيحيّة كلّها. يبدأ الفساد من الكراهيّة والرؤية الدونيّة الى ميراث الغير. ولا معنى او فائدة من اللامذهبيّة في حياة الجماعة لأن المسيحيين والمسلمين اذا لم يقدّموا للبلد كله ما عندهم من خيرات يرتمي البلد في هزالة الفكر. الانتساب الى تراث روحيّ عظيم غنى للناس جميعا. فاذا أزلت حبك لله ولكلمته ماذا يبقى لك؟ ما مضمون الوطنيّة او القوميّة عند ذاك؟

                      المصيبة عندنا ليست في الطوائف بل في تحويلك اياها الى مجموعات تستفيد انت منها دنيويا، واذا استفدت انت تجيّر ذلك كلاميا الى طائفتك. عندما أرى هذه المجموعة الدينيّة تتحسّر لفقدانها منصب مديريّة عامة اتساءل عما تدور حسرتها، والنتيجة عندي ان عائلة واحدة من هذه المجموعة لم تكسب. الطائفة تكون في خسارة خيالية. الا تنتفع الطائفة المحتجة من مدير عام يعمل في التساوي لخدمة الجميع فتخسر الطائفة معنويا وتربح في الحقيقة. الطائفة بمعناها الروحي والوجداني كمحركة للنفس الى الله والناس هي تاليا ربح.

                      الصراع ليس بين الطوائف. انه بين استعلاء واستعلاد او بين انتفاخ وانتفاخ، وهو التعامي عن الوحدة الانسانية التي تربط بيننا. تعقيد آخر، اضافي ظهر في الحرب هو الميليشيات التي كوّنت وحدات اخرى غير متطابقة كليا بالطوائف بدليل تنكّر الكثيرين في كل طائفة للميليشيا التي كانت تدّعي تمثيلها. الجزئية اللبنانية ولدت جزئيات أخرى.

                      ما يؤذي لبنان ان الكثيرين من ابنائه لا ينظرون اليه في وحدته العضوية. التحزب بهذا المعنى نغطّيه بالبلاغة الخطابية التي نتقنها. من هنا السؤال كيف نشفى، كيف نقوم من هذا الموت. استعمل مؤخرا احد الفرنسيين عبارة الديموقراطية من تحت بالتقابل مع ديموقراطية النواب والوزراء. انا وددت ان أقول ببساطة ان الحياة الروحيّة او الأخلاق تنجّي المواطن من الربح الطوائفي اي المجزئ  لكيان الوطن. هذه الحياة الروحية هي وحدها منطلق الإنقاذ. الوطن في ناسه والناس في سموّهم والسياسة تركب هذا.

                      الا ترتشي مثلا يعني ان تؤمن بأن ضميرك يملي عليك انتخاب هذا او ذاك لأن ضميرك سكنى الله فيك. هذا لا يعني آليا ان المجلس سيؤلفه عظام ولكنه يعني على الأقل ان يستبعد المدموغين بالسوء.

                      عندنا اليوم نوع جديد من الرشوة تحت ستار العمل الخيري. هذه الكنيسة او تلك من رعيتي قبضت بدون استشارتي مبلغا من المال لإكمال بنائها. هذا  لا يعني انها تنتخب الجهة التي تحديدا عملت خيرا ولكن في ذلك إضعافا للضمائر. اعترف ان هذا الأسلوب ليس سمجا كالقديم ولعله لا يخلو من بعض حب للخير ولكن لماذا لم يقم به قبل هذه الفترة؟

                      طبعا لا تكفي الأخلاق للقيام بالبلد. نحتاج الى علم بشؤون الوطن وهذا يقتضي تعليما موجها لهذا الشأن وتأسيس حلقات فكر وجماعات ضاغطة تحمل هذا الفكر. واذا سلكنا هذا السلوك وصرنا بلدا عظيما (في حجمنا) نكون قد قبضنا على وسائل الحرية والازدهار في كل مجالاتها.

                      للمرة العاشرة ربما أردد ان مشكلتنا الحقيقيّة مشكلة العدالة والاهتمام بالفقراء والمرضى وتعليم الأطفال وهدفنا التنمية الاقتصادية التي نوزع فوائدها على المناطق بعدل. هذه هي الرقعة التي ورثناها بعطف من الله وانه لتكفيل شرعي (اذا سمح لي فقهاء الإسلام باستعمالها)، تكفيل شرعي ان نحب بعضنا بعضا الى درجة اعتبار ان الآخر أفضل منا. متى يتجنّد المميزون من المسيحيين لخدمة المسلمين؟ للمسلمين ان يقولوا هم قولهم في ما يشبه هذا.

                      نحن اللبنانيين -اذا سُمح لي بالاستشهاد بالقرآن واعتماده في سياق آخر- لنا ان نصبح خير أمّة أخرجت للناس في تعاوننا المرتضى لنعطي المشرق وربما العالم في تواضع أمثولة من أمثولات العطاء.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

هل الوطن آت؟ / السبت ٢ أيار ٢٠٠٩

لبنانيون كثيرون هم أبرار بعض منهم قديس. لذلك يعسر التعميم في الحديث عن شعبنا. ولكن كثرة منّا مصابة بانفصام لكونها تفرّق بين الأخلاق الفرديّة والمسلكيّة في الشأن العام. انا أميل الى سقراط، الى اعتبار الخطيئة جهلا ولو ارتكبت عمدًا. فأنا واقع في خوف شديد من ان الكثيرين لا يعتبرون الرشوة مخالفة لوصايا الله. ولعلّ أشدّ ما أخشاه ان تسلم انسانا لا يحترم ضميرك حضورًا سياسيا مميّزًا.

         للسبب نفسه أخشى الهدية على الصعيد الشخصي. انها تُضعف تجاهك من أهديت ما لم تحس انك بالهدية لا تسعى الى قربى ولكنك تقرض الله. اذا لم تتصل بالرب في اية حركة من حركاتك فأنت عبد للآخر. انت تحبّ الآخر بسبب من نفسه ومن نفسك ولا تتوقّع بعطائك منه شيئا ولا تريده أن يعطف عليك او يقدّم لك امتيازًا.

         كلّما تعاطيت مع الإنسان اللبناني تبرز أمامي مشوهة ديانته ومشوشة شخصيّته ومرتعه الاكتفاء بنفسه او اذا شئت الفردية مع انه يبدو انسان الجماعة أعائلة كانت ام قبيلة ام طائفة. هذا كلّه في الحقيقة تمويه. انه منضم الى هذه الوحدات ليس لأنّه جمعي او شوري ولكن لكونه منعزلا، مضطربا. وبدل ان يشفي نفسه بالوعي او بالله ليصبح صامدا في ذاته يلتصق بهذه الوحدات الجماعيّة ظانا انها تخرجه من وحدته وفي الحقيقة تغرقه فيها وتذيبه.

         لا نفهم ان الشورى او المحبّة ليست  في الاندماج او الاختلاط بالقوم ولكن في تلاقي الأقوياء وعلى تنوّع في الصفات وهذا ما يميّز القطيع عن المجتمع البشري القائم على التمايز فالتكامل في الحرية. هكذا تبدو الكنيسة عند بولس. هي مشاركة مواهب وتلازم مواهب وهي تؤلّف جسدًا بتنوّعها والجامع بينها مصدرها الواحد أعني المسيح. من هذا القبيل كانت الكنيسة نموذجا للمجتمع السليم. اتخذها صورة له.

         ومع أنّ الكنيسة أريد بها التحاب والانضمام بالتحاب يحدث بسبب الخوف اننا نتصرّف فيها كعبيد. فبدل ان تكون عضويّة الحب تصير مكان التفسخ والإقصاء. لم تنجح الكنيسة في لبنان ان تكون مقام الحب.

#                        #

#

         ظاهرة الزعيم هي بامتياز ظاهرة الاحتقار اذ يجعل نفسه إلهًا ولو لم تقلها شفتاه. والآخرون هم له ولتبجيله. هو الى درجة يؤلّه  نفسه. انه ليس في حاجة الى شورى والى اكتمال اذ لا يؤمن بجماعة أحرار يعطيها بقدر ما يأخذ منها فكرا وهوية.

         مرة استضافني كبير قوم لائقة ضيافته جدا وهذا طبعا جزء من سعيه الى الظهور. سألته لماذا عندك أجراء في فلاحة أراضيك هم تابعوك بالحقيقة وملتصقون بك وليست لهم اية مكانة مجتمعيّة. قال لي انا احميهم. فكرة الزعامة هي بالتحديد ان الله جعله قائدًا لمستضعفين وان كل دورهم ان يوافقوا رئيسهم على ما يقول ويعملوا بأوامره اذ البشريّة مؤلّفة ممن يأمر وممن يطيع.

         الأقوياء جعلوا أنفسهم أرستقراطيين وفي اللغة اليونانيّة الأرستقراطيّة تعني سلطة الأفضلين. وهم طبعا كذلك بسبب من القوة او العنف الذي مارسه آباؤهم فاستغنوا وقاتلوا وقتلوا. وتسجد انت للقهر غير مخيّر لأنك ضعيف او اقنعوك بأنك ضعيف وقد تحصل ثورة الضعفاء فيستعبدون من كانوا أقوياء. يتغيّر الأشخاص ولا تتغيّر قاعدة الحقد.

#              #

#

         امام الفراغ الذي يجد الإنسان نفسه فيه لا بدّ من الفساد في البلاد الموزع مواطنوها بين راشٍ ومرتشٍ. انه يمارس في اليقين ان المعوز بيمشيا وليس مطلوبا منه ان يقوم بعمل صادر عن قناعاته. المفسد لا يفتش عن كسب قناعتك ولكن ان تحقق له انت الغرض الذي اشتهاه.

         في هذا الإطار عند المسيحيين صورة الثالوث المقدّس. الآب والابن متقابلان لأن كل واحد يسكب نفسه في الآخر ولا يزول. وبفضل هذا الحب المسكوب يُثبت نفسه والآخر. هذا ايضًا نموذج فكريّ أعرضه كائنة ما كانت عقيدتنا. هذا ينفي القبيلة وينفي العائليّة من حيث هي عصبيّة وينفي الطائفيّة من حيث هي لون من العصبيّة آخر. فقد تكون ضدّ طائفتك سياسيًا ولو كنت عضوًا فيها روحيًا.

         اذا انتقلنا الآن الى الحركة الانتخابيّة مستندين الى التأمّل الروحي الذي خضنا فيه يبدو لي اننا امام حفلة إغراء تستصغر الناخب. لماذا هذه الصورة؟ هل يظن الناخب ان جمال طلعته يؤثر في المواطن؟ أليس يخزي إقدام الناخب على عمل الانتخاب منطلقا من هذا الإغراء؟

         ثم هناك ما ليس بإغراء وهو كتابة الشعارات تحت الصورة وكأن الناخب غبي تأخذه عناوين ليس تحتها ذلك الجهد الفكري الذي نسمّيه برنامجا. في البرنامج شيء من احترام عقل المواطن وفيه نقل من العلاقة العاطفية الى العلاقة الموضوعيّة. هذا فكر يواجه فكرًا. والخروج من العلاقات الطائفيّة والعائليّة او القبليّة لا يقوم الا بتكسير فكري للانفعالات البدائية. هذا البرنامج يرفعك الى الحوار اي الى مسألة الحق. كنت أتوقع ان تكشف الأحزاب عندنا برنامجها وان تحكي عنه بشيء من الإسهاب، وعند اكتفائها بالعناوين تبدو لي ان عقيدتها ليست للصراع وكأنها ترف فكري وقوة دعاوة تكسب بها الأنصار.

#                         #

#

         لا بد من المنافسة في كل متحد بشري فالحقيقة تخاصم، واذا لم يكن في الانتخابات مواجهة على أساس الاختلاف فلماذا تقدم عليها؟ اذا كنت موقنا ان الآخر أفضل منك في الدفاع عن نقاط وطنيّة لماذا تتقدّم؟ هل انت قادر ان ترى الآخر أفضل منك في موقعك وان تتمنع عن دخول معركة؟

         نائبا، انت قربان. عند ذاك يعترف الأبرار بزعامتك او بمؤهلاتك للقيادة.

         نحن في حاجة الى حملة تربويّة تغيّرنا كشعب وتؤهّلنا عند نجاحنا في امتحانات الفضيلة ان نبني دولة اذ ليس من دولة ممكنة بلا شعب بار. الشعوب تنشئ الدول وحكوماتها وليس العكس. انت لا تستطيع ان تصر على الاستقلال والأمة غير قادرة على تخطّي العائليّة والقبليّة والطائفيّة اي قوقعة الفرديّة والا كان هذا استقلالا شكليا، حقوقيا بلا مضمون خلقي. ثم ما هذه السيادة ولا قدرة لك ان تسود الشهوات الكبرى المدمّرة لكيانك الشخصي وكيانك المجتمعي اي تدمير الآخرين.

         وهنا يحزنني ان الأديان عندنا تعمل القليل القليل على هذا الخط، لعلها تظن ان إحياء العبادات ينشئ آليا الأخلاق ولعلها تحسب ايضا ان شد الأواصر بين أعضائها هو ربط هؤلاء بالله. مفاعيل التوحيد الذي نؤمن به جميعا هو توحيد الإنسان بالإنسان بما عند كل واحد من قوة روحية وكرامة إلهية وصدق وصبر وطهارة وخدمة للناس جميعا وائتلاف يقوم على البرّ.

         لبنان الجديد لم يظهر بعد. لا يستحق وجوده الا اذا جاء.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الإيمان والعقل / السبت 25 نيسان 2009

في اللغة العربيّة الإيمان هو التصديق والأمانة بمعنى ان لا إيمان لمن لا أمانة له. ونتيجة ذلك ان الإيمان ينهي عن ارتكاب الفاحشة والله هو المؤمن لأنه يؤمن عباده من عذابه. والإيمان الثقة.

وفي المسيحيّة «الإيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه» (عبرانيين11: 1). هذا تعريف وليس بتحديد. الإيمان في العهد الجديد هو الإيمان بالله وبابنه يسوع المسيح. الى هذا ان الإيمان فيه سرور وسلام وحياة ونمو. وله مضمون (أساسا وانطلاقا موت المسيح وقيامته) هو المحتوى الأساس عند بولس الرسول وتعطف عليه المحبة (والقداسة وفي ذروته هو رسوخ). كذلك يعطف الحق والرحمة كما يعطف عليه الرجاء والمحبة. وهو ايمان الجماعة المرتبطة بالمحبة. والملاحظ أن قوما يضلّون عنه اي انهم يحيدون عن «رئيس الايمان ومكمّله» الذي هو يسوع الناصري.

وهناك تأكيدات كثيرة على انه يشفي المرضى ويخلّص. واذا نقص فالرب يكمّله. وله ان يكون كاملا كما في قوله: «كل شيء مستطاع للمؤمن». ولكن نظرًا الى الضعف البشري يطلب الإيمان من الله. وتفصيلا او توضيحًا انت تؤمن بكل ما هو مكتوب. وله نموذج في القديم وهو ابراهيم. وقد يعتبر الإيمان عند الجاهلين حماقة.

في كل هذا تفهم ان الإيمان عطيّة الله والكيان كلّه يتقبّّله. ولا نجد في عشرات الآيات التي قرأتها جميعا كلاما عن علاقة الإيمان بالعقل ولا تقرأ شيئا عن هذه العلاقة عند آباء الكنيسة الشرقيّة. المستند الوحيد عندهم هو الكتب المقدسة وما شهدت به الكنيسة لهذه الكتب. والكنيسة نفسها موضوع ايمان كما ورد ذلك في دستور الإيمان النيقاوي: (أو من) «بكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسوليّة» التي أخذت «بالإيمان المسلّم مرّة للقديسين» (رسالة يهوذا 3).

التراث الإيماني الواحد هو هذا وليس يضاف عليه شيء وان كان لا بدّ من الشرح. دور المجامع المسكونيّة هو توضيح الإيمان وهذا التوضيح سمّي العقيدة ولكن المجامع كان شعورها بأنها لا تزيد حرفا واحدا عما استلمته ولكنها تضع في إطار الحضارة التي كانت سائدة في الألفيّة الأولى ما ورثناه من الأناجيل في صيغ الفلسفة اليونانيّة ولا تأتي بإنجيل آخر. طبعا انتقد أصحاب البدع ما جاء في المجامع وانعقدت هذه ردا على البدع مؤمنة انها تعرض الإنجيل الصافي بعبارات يفهمها الناس الذين عاشوا في الألفيّة الأولى تقوية لمحتوى ما ورثناه من الكتب المقدّسة ودفعا للضلال. ولو لم تظهر الهرطقات لما كنّا في حاجة الى المجامع.
# #
#
هناك مسألة كبيرة تقوم عليها الفلسفة الإسلاميّة لما ترجم المسيحيون في العصر العباسي بعضًا من الفلسفة اليونانيّة الى العربيّة وأحبّ المثقّفون المسلمون فلسفة الإغريق الى حدّ بعيد ودار كل فكرهم حول العلاقة بين الحكمة والشريعة. وبتعبير آخر بين علاقة العقل بالوحي وتوسّعوا جدا بما سمي البراهين على وجود الله وبلغ هذا السعي ذروته مع ابن رشد وأخذ توما الأكويني الكثير عنه ولا سيّما ان الإكويني اعتمد أرسطو أساسا لمباحثه اللاهوتيّة وكان يأخذ بالبراهين على وجود الله والتقى اللاهوت الكاثوليكي والإسلام على هذا الصعيد.

لم يكن للكنيسة الأرثوذكسيّة هذا الهاجس على الإطلاق ولعلنا نجد تعليل ذلك عند القديس باسيليوس الكبير القائل ان المعرفة معرفتان: الأولى معرفة الطبيعة التي يصل الإنسان اليها برؤيتها وفحصها والتبحّر في علومها ومعرفة الإنسان لله التي تأتي من الله نفسه اذ انكشف هو نفسه في الكتب المقدّسة. ولا علاقة بين هذين المجالين.

السؤال الذي يفرض نفسه هو ما هو المرجع المعصوم أمامنا. هل اذا جاءك الايمان تحتكم الى العقل ام تحتكم مع استخدام عقلك الى الإيمان: هناك ناس نسميهم باللغة الفلسفيّة عقلانييّن Rationalistes  لا يقتنعون بشيء الا اذا وجدوا له اساسا عقليا علما بأنهم يتصرّفون بالحدس وبالعاطفة في معاشهم اليومي خارج الدين. فلا احد منهم يتزوّج على أساس عقل بحت ولا أحد يحب الموسيقى العالية او الرسم او النحت او العمارة الا بناءً على الذوق اي على قوّة غير عقليّة ولا أحد يؤثر أكلة على أكلة الا بسبب من لسانه هو لا لسان غيره. ومع كلّ عقلانيّة يخضع لمزاجه او إحساسه الذاتي الذي لا يعبر بالفحص العقلي مع ذلك يصر هؤلاء على انّهم لا يؤمنون بالله الا اذا أثبت لهم بالأدلّة.

في مقاربة ايمانيّة ترى كنيستي ان الخطيئة الأولى زعزعت كلّ الكيان الإنساني. العقل اضطرب وأصابته المعطوبيّة التي أصابت كلّ ملكات الإنسان. وعندما تجعل العقل المرجعيّة الأولى فيك تفترض انّه سليم مطلقا وانت لا تجهل ان عقل فيلسوف أقوى من عقل بقّال. واذا عدت من الإيمان الذي قبلته ويحييك تفترض ان العقل أثبت منه وانه على صمدية كاملة وهذا مجرد افتراض.

ان سيادة العقل في معطوبيته الكيانيّة وفي اختلاف العقول على الإيمان لأمر خطير جدا. الوحي مطلق ونازل من السماء على كلّ العقول. لذلك نبدأ من الله على انه موجود ونبدأ من الوحي. ليس الله تحت السؤال. اما العقل فتحت السؤال.

هذا لا يمنع بعد استلامنا الإيمان ان نعمل العقل لفهمه. فبعد إقرارك به عندنا كل الوسائل لدعمه على انه غير مشروط بها. هناك أدوات عقليّة لبسط الإيمان وشرحه وهذا ما نسميه اللاهوت. واللاهوت علم ينسق معطيات الإيمان وقد يقويه. العقل بأدواته يأتي خادما للوحي.
# #
#
الإيمان امانة لكلام الله. وكلام الله يثبت فينا الإيمان. الإيمان بالاشتقاق اللغوي هو المأمن ويكمن في القلب. والقلب في المصطلح الإيماني في كنيسة المشرق ليس عواطف وانفعالات لأن هذا يسوقنا الى احتمال الأسطورة. والى القلب ينزل العقل واذا سكن فيه يعود الى الذكاء ليحييه. القلب في مفهوم الكتاب هو الفهم وليس مكان التأثرات العاطفية وهو مع العقل في تماس بحيث ينزل العقل الى مكان الفهم الكياني. والقلب بمعنى الإدراك اللدني يعيد الى العقل ما نزل منه الى القلب منورا بالنعمة. هذه هي الرؤية الأرثوذكسية للإنسان المؤمن بحيث ان العقل ليس مجردات جافة اذا استقبل ما يصعد اليه من القلب بعد ان مسته النعمة.

من هذا القبيل لا يبقى العقل المستنير بنور النعمة عقلا مجرّدًا على طريقة العقلانيين ويصير جزءًا من الكيان البشري الذي مسّه الروح القدس فاذا اكتمل العقل بالإنسان الداخلي لا يبقى مستقلا عن ايّة قوّة من قوّة الإنسان اذ تدعمه الإرادة المؤمنة والسيرة الحسنة. الفرق بيننا وبين العقلانيين اننا نقول بالإنسان الكامل الجامع لكل القوى البشريّة التي دعمتها النعمة التي بها يلطف ويحب. والمحبة هي القوّة الكبرى التي تسود العاطفة والذكاء البشري لأن «الله محبة» كما يقول يوحنا الإنجيلي في رسالته الأولى الجامعة.

والإيمان هو الذي يربّي الإنسان بالخدمة التي يبذلها في العمل الصالح ومن مجالات هذه التربية العبادات. يبقى عند العابد الكبير ان يرى الى شؤون الله متلاقية بلا اختلاط بين العقل والإيمان وهذا هو التأله اي صعود الإنسان بكل طاقاته الى الله. ليس اننا نخترق جوهره ولكننا نتلقى قواه الأزليّة التي تجعلنا في حالة تصاعد اليه فيلامسنا ونلامسه. وهذا ما نسمّيه التقديس ومن أدواته الأساسيّة الاستقلال عن المحسوس ليصير الله الكلّ فينا فننزل من هذا الكل الى شؤون العالم المنظور ولا نغرق فيها ولكنا في صعودنا نطهّرها ونقدّمها لله قربانا.

هذا ما قاله الفيلسوف في كنيستنا وما قاله كبار آبائنا الذين كانوا علماء الكلمة وخبيري القداسة بآن. وفي هذا نستند الى ما قالته المزامير: «آمنتُ ولذلك تكلّمتُ». وفي هذا نذوق حلاوة الله.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت ١٨ نيسان ٢٠٠٩

«ان الشمس الكائن قبل الشمس، غاب وقتًا ما في الرمس، سبقت نحو الصبح بنات حاملات طيوبا يبتغينه كابتغاء النهار». في موضع موته كان كثير من النساء (متى 27: 55) بينهن مريم المجدلية ومريم ام يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة، وهنّ اللواتي تبعن يسوع وخدمنه عندما كان في الجليل، وغيرهنّ كثيرات صَعِدن معه الى أورشليم (مرقس 15: 40-41) ويؤكد لوقا شهادة النساء. الذي حصل، حسب رواية يوحنا الانجيلي أن يسوع «حنى رأسه وأسلم الروح» وأنّ الجند لما وصلوا الى يسوع وجدوه ميتا فما كسروا ساقيه حتى ينهي الانجيل الرابع كلامه هكذا: «والذي رأى هذا يشهد به وشهادته صحيحة، ويعرف انه يقول الحق».

          متى ومرقس ويوحنا كاتبو اناجيل ثلاثة كانوا حول الموضع. حادثة قتل يسوع موثقة بالشهود العيان وبما رواه لوقا وبولس في ما أخذاه عن الشهود الأوائل في كنيسة اورشليم.

          حادثة القيامة مشروطة بحادثة الموت على الخشبة. والقيامة هي خروج الناصري من القبر ثم ترائيه عدّة مرات لتلاميذه وللإخوة. وهذه الأحداث مترابطة، متماسكة نشأ عنه العيد الذي نحن فيه وكان فيه اخوتنا الآخرون قبل اسبوع على المعاني ذاتها  والحب الواحد للمخلّص. الجمعة العظيمة والأحد هما في الحقيقة عيد واحد وكانت كنائس آسيا في القرنين الأوّلين تقيم الذكرى يوم الجمعة وكنيستا الإسكندريّة وروما تركّزان على يوم الأحد وفي التعييد الطقوسي لا انفصام.

          أهميّة موت المعلّم عندنا ان «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله» وان هذين يجب ان يموتا حتى يتمجّد ناسوت المسيح بالنور وتكون له القدرة على الارتفاع الى الآب. على هذا يركّز بولس في حديثه عن قيامة الأجساد بقوله: «ما تزرعه لا يحيا الا اذا مات» (١كورنثوس 15: 36). ولكون المسيح باكورة حسب تعليم الرسول ايضا فما قاله عن قيامة الأموات في اليوم الأخير يجب قوله عن قيامة المخلّص: بيُدفن الجسم مائتا ويقوم خالدًا. ثم يتوسّع بولس حتى يقول: «ومتى لبس هذا المائت ما لا يموت، ولبس هذا الفاني ما لا يفنى»، ثم قول الكتاب: «والموت ابتلعه النصر».

#                                #

#

          رأينا القيامة تابعة للموت نلمس بينهما علاقة جدليّة وهي علاقة التواصل وعلاقة الانفصال معا. التواصل هو ان الأساسي في جسد يسوع يستمرّ ليكون القائم هو نفسه الذي مات والانفصال او بالحري التمايز ليكون للقيامة تجاوز الموت الذي لحق ببشريّة المخلّص.

          واضح التواصل في ظهور السيّد للتلاميذ عشيّة الفصح وبعده بأسبوع كما ورد عند يوحنا. وفي الظهور الثاني أرى توما أثر المسامير في يديه وجنبه المطعون بعد ان شكّ توما بالترائي الأوّل. الأهميّة الكبرى لهذه الشهادة انها تبيّن انّ الذي بدا للرسل مجتمعين مرّتين هو ايّاه الذي عُلِّق على الخشبة وهذا من باب التواصل.

          اما من باب الارتقاء عن الجسد البشريّ في تجلّي القيامة فهو ان السيّد دخل عليهم والأبواب مغلقة اي انه في انبعاثه قد تخلّى عن كمدة الجسد الترابي او كثافة اللحم والدم ليلبس جسدًا روحانيًا وهذا لا يعني أثيريا او شكلا ضبابيّا اذ يطل يسوع بالنور الذي كان كامنا فيه ولكنّه كان مستورًا عن أعين الناس حتى يظهر بين الناس واحدًا منهم. كان ينبغي ان يلبس جسدًا سماويًّا ليتقبّله التلاميذ في نصره وفي تجاوزه الترتيب الأرضي ليفهموا انه الظافر. في هذا التجاوز الذي أدركه ما كان ممكنا ان يبدو لغير المتهيّئين ان يقبلوه.

          هذه الجدليّة الفصحيّة قائمة في إنجيل يوحنا حيث يستعمل السيّد جذر المجد ليتكلّم على آلامه. «الآن تمجّد ابن الانسان وتمجّد الله فيه» أو قوله: «مجّدني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم» (يوحنا 17: 24). موت السيّد في الإنجيل الرابع ليس ظلاما لأنّ المسيح ليس فيه ظل ولا شبه ظلّ. هو يتقبّل اوجاعنا طريقًا الى تعالي ناسوتيّته في ألوهيّته. القيامة، اذا شئتم، كانت قد انكشفت في الصليب. بلصليبك ايّها المسيح نسجد ولقيامتك المقدّسة نمجّدا هذا ما نقوله في سحر كل أحد وفي كل ذكرى للصليب. لذلك لا نخضع أنفسنا لألم جسدي تشبّهًا بآلام السيّد. السلوكيّة الوحيدة التي نستمدّها من الصليب هي القضاء على الشهوات. عندما مات المسيح في جسده أطلق فينا قوة القيامة من الموت الذي هو من الخطيئة. الجسد ليس ليتعذّب ولكن ليتمجّد. لا يقرّبنا أيّ وجع بحد ذاته من الله. لك انت ان تستعمله في الصبر. ولكن الفرح والسلامة ايضا يقرّبانك من الله. التشبّه بالمسيح هو التشبّه بفضائله. هكذا تصبح انت ايقونته اذا نزل المسيح فليس لتحلّ فيك الأمراض او الآلام ولكن ليرفعها عنك. انت في وسط الألم لك ان تسكن المجد.

          بسبب من هذا اللاهوت كان المسيحيون الأوائل يرتدون عند موت عزيز ثيابا بيضاء. اي ما كانوا يعرفون الحِداد. على هذا الأساس اخذ الكثيرون من أبناء كنيستي يهجرون في التعازي عبارة «العوض بسلامتك» ويقولون: المسيح قام والأخ المتعزي يقول: حقًا قام. وهي العبارة التي نستعملها كل الزمن الفصحي اي منذ يوم العيد حتى حلول خميس الصعود. وطوال هذا الزمان نقبّل بعضنا بعضا بقبلة فصحيّة.

#                      #

#

          ان تكون انسانا قياميا هو ان تؤمن بأن المسيح غلب العالم. الوجع الحقيقي ان تكون مقهور الخطيئة والكآبة وان يؤلمك دوس العالم لك. واذا آمنت ان المسيح «وطئ الموت بالموت» تتحرر من كل كابوس ومن كل مشقة لكونك مدعوا الى فرح مقيم.

          الانسان الفصحي هو الذي يعرف وسط كل انشغاله وفي همومه الدنيويّة وفي خسارته للدنيا، ان يركّز حياته على السيّد فلا تذهب به أقدار ويتخطى امتحان المصيبة حتى يعود الى نقطة ارتكازه أعني المسيح في شخصه وصليبه وقيامته.

          رجائي ان نعبر جميعا الأسبوع العظيم اليوم بالتوبة. فالعيد رؤية النور الذي يجعلنا نستقرّ في التوبة. غدًا يوم تهليل بدوس المسيح الموت الذي عشعش فينا وقهرنا الى حين العيد هو اليقين ان الخطيئة ليست مقرّنا الأخير. لذلك نقبّل بعضنا بعضًا في كلّ الزمن الفصحي متهلّلين بالترتيل. خوفي أن نسترخي بعد جهاد الصوم. في الفصح نستنير ولا نسترخي ونلاصق الحي الذي قام وأقامنا معه.

          فاذا انتهى الصوم نبدأ اليقظة الدائمة على طهارة نفوسنا طالبين المحبّة. ونشدّ آحقاءنا لنسير الى الإخوة الذين يعوزهم الفرح. بلا هذا المسلك لا طريق الى السماء.

          من أجل كلّ ذلك قال بولس: «افرحوا في كلّ حين وايضًا أقول افرحوا» (فيليبي 4: 4). وهذا ليس فقط بسبب حدث جرى وهو قيامة الرب ولكن بسبب من انتصارنا على الخطيئة والموت في عميق أعماقنا.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الانسان النازل من السماء / السبت 11 نيسان 2009

من زاوية تاريخية واذا نظرنا الينا جماعة نجيء جميعًا من لبنان، من أخطاء بنيه وحسناتهم، من تطلعاته، من دولته على عجرها وبجرها. بعضنا يجيء كثيرا من خطايا هذه الأمة وبعض يأتي قليلا. بعض منا يرزح تحت العبء وبعض يحاول ان ينتفض. لكن الجميع يرثون البلد قدرا غير ان قلة تعرف ان الأقدار غير محتومة وان الله إله التغيير كما هو إله المحافظة حتى لا يبقى أحد تحت نير.

المهم ان يحسّ الانسان ليس فقط انه يجيء من البلد ولكن ان يعطيه. المهم ان يؤمن ان التاريخ ليس أعمى او وليد عواصف لا رد لها ولكن أعظم ما فيه صنع أفراد عباقرة كانوا أم قديسين واذا كنت غير قادر ان توصّي على العبقريّة كما توصّي على بضاعة فأنت قادر ان تطمح بإشاعة النور من حولك لتحدث في قدر من الناس تغييرا. مسألة الدولة مسألة الإنسان وعمق روحانيّته واستقامة فكره وخُلقه. اجل الدولة بنية وفلسفة وقدرة وأنظمة وقوانين وآليات ووزارات. هذه كلّها يحرّكها الإنسان. صناعة الدولة ليست صناعة آليّة. انما يقوم بها بشر بحيث تختلف الدول باختلاف المستويات العلميّة والخلقيّة في شعوبها.

تختلف طبعا باختلاف مجتمعاتها لأن للمجتمع شخصيّته الأدبيّة وطبائعه وميراثه التاريخي. في هذه المنطقة إناسة (انثروبولوجيا) مسيحيّة وإناسة إسلاميّة. وفي بعض النواحي من الوجود والمسالك تختلف النماذج البشريّة أصلا ولو تقاربت اليوم الى حدّ بعيد. وقد لاحظ علماء الاجتماع الاختلاف القائم في اوربا بين المجتمع البروتستنتي والمجتمع الكاثوليكي ولاحظوا الى حد بعيد الاختلاف في الأخلاق بين هذين المجتمعين اذا كانا مستقلين، غير مختلطين.

ولكلّ مجتمع وسائله للرقي الروحي والأدبيّات التي تتأثّر به. ربما طمست الانحرافات الخلقيّة كل المجتمعات وجعلتها متقاربة بالسوء وربما حدث تحسّن في كلّ المجتمعات لأسباب حضاريّة استجدّت.

في الأخير اذًا الدولة بنت الناس الذين ترعاهم ويحتضنونها. فالسوال الذي طرحه هذا الفريق السياسي او ذاك «اي لبنان نريد» افتراض فقط. قضية التواصل الخارجي او ما وصف بأنه اتجاه حضاري مرتبط بسياسة الدولة الخارجيّة. لم يطرح على ما أذكر فريق من الفريقين هذا السؤال: ايّ لبنان نريد في وجهه الروحي لكي تحلّ كلّ مشاكلنا من نفحات روحيّة نازلة من فوق فالشكاوى الصادرة على هذه الشريحة ام تلك ليست من باب الحقوق او الإدارة او العمل السياسي وكأن أمورنا يُنظر اليها من زوايا تجريديّة مستقلّة عن الباطن الإنساني.
# #
#

اذا كان ممكنا ان نصوّر الشعب اللبناني مؤلّفًا من عدد من المواطنين يمارس الرشوة او يتقبّلها اي قانون انتخابي يأتي باطلا واذا كان قسم منّا يمارس الكذب فما الجدوى من معاملات وإفادات وشهادات امام المحاكم. إقامة الدولة لا تكون فقط على آليات مدروسة وترتيب وضع قانوني وحسب ولكن تقوم على تهذيب هذا الشعب من خارج أطر الدولة.

في الأخير يأتي السؤال هل انت مؤمن بالله؟ ان آمنت به لا تكذب ولا ترتشي ولا تغري طبيبا ليعطيك تقريرًا صحيا غير صحيح ولا تطلب الى كاهن شهادة مزوّرة عن تاريخ معموديّة ابنك ليستفيد منها ماليا في البلد الذي يقطنه في الخارج.

اذا كانت هنا نمطية اخلاقية فاسدة كثيرة الانتشار تأتي الخلافات سياسيهة عندي في الدرجة الثانية من الأهميّة. هنا اسمحوا لي أن أعترف قليلا. لمّا عدت من دراستي من باريس السنة الـ 1952 شعرت أني لم أستطع أن أتأقلم بالبيئة بسبب من كثرة كذبها. وتفاقم اختناقي بخاصة لأن أحدًا في أقامتي الاوربيّة لم يكذب ولم أكذب انا.

عُيّنت معلّمًا في البلمند وكانت آنذاك ثانوية وروضنا التلاميذ على الصدق حتى كنا قادرين ان نتركهم بلا مراقب في الامتحانات الخطيّة. بعض من الفضيلة تربية. لم أجد في لبنان مراكز يتروّض فيها الإنسان على الصدق وعلى الاستقامة في التعامل المالي.

المشكلة ان الشرق يؤمن بالله ويقوم على صلاته ولكنه لا يعتبر بعامة ان هذا يقيّده بسلوك موافق لهذا الإيمان. بعض الناس في الغرب ملحدون ويسلكون سلوكًا موافقًا للإيملان.

مَن يستطيع في لبنان أن يربّينا لنصبح مجتمعا نظيفًا ثم دولة قادرة كما يقولون اليوم. انا بعيد عن الأحزاب كلّها فلا استطيع ان اعرف قدرتها على التثقيف الخلقي. ولكن يفترض انها تفصل بعضًا من أعضائها اذا ارتكبوا معصيّة كبيرة تمس بسمعة الجماعة. الى هذا أذكر أن ما كان يسمّى في طفولتي كتاب التربية المدنيّة يتضمّن مبادئ أخلاقيّة.

أما الأصل في التربية فالأديان. لست زعرف شيئا عن متابعة الأئمة المسلمين للمؤمنين على هذا الصعيد. ولكن خطبة الجمعة تستطيع كثيرا اذا خُصّص جزء منها لمكارم الأخلاق. والإسلام فيه عظماء يعرفون أكثر مني كيف يتدبّرون الأمّة من هذا الجانب.

ليس عندي دراسة كاملة عن تعليم الأخلاق للناشئة المسيحية وللبالغين. في لمحة اولى يزيّن لي أن الكلام اللاهوتي والطقوسي عليه تركيز كبير على حساب التعليم الأخلاقي. لست أنكر وجود عدد كبير من الطاهرين في الأوساط المسيحيّة. ولكني لست ألمس أن عند الوعاظ غضبًا على العنف وسفك الدماء وغضبًا شديدا على التعصّب وعلى غشّ سجلات المحاسبة ولم اسمع دعوة ملحّة على الصدق وطهارة التعامل التجاري وعفة اللسان في الحديث السياسي والمودّة للخصم والغفران للعدو.

اذكر لما كنّا صغارًا ان الكاهن الذي كنّا نعترف عنده كان يمنعنا من المناولة ان لم نسنغفر من أسأنا اليه ولم نغفر لمن أساء إلينا. كان يشترط المصالحة وليس فقط في النيّة للاقتراب من جسد الرب.

هناك شعوب عربيّة أعرفها لا تعرف السباب والشتم والكلام القبيح ولا تعرف التجديف خصوصًا. الله وأنبياؤه والمقدّسات يخلطها بعض من شعبنا بكلام دنس. كيف يكون لهؤلاء القوم انضباط في ايّ مجال كلاميّ او غير كلاميّ؟

ليس في الكنيسة مكان للغنج ولتليين كل الضوابط. هناك مكان للتأديب لأن الكنيسة أمّة مقدّسة كما يقول الكتاب. كانت كنيسة القرن الرابع تقصي من صفوفها المرتد الى الوثنيّة والقاتل والزاني. لست أدعو الى إعادة الإبسال (الحرم) لأصحاب هذه الخطايا. ولكن الكتلة البشريّة التي لا تعرف إطلاقًا فصل واحد عن صفوفها اذا أقرّ بمعصية كبيرة تحدّدها هي تراكم للصالحين والطالحين وبكلمة شعبيّة – اذا سمحتم لي – للأوادم والزعران. هذه ليست كنيسة.

اي لبنان نريد؟ الجواب البسيط نريد لبنان الأوادم على ان تكون الآدميّة النمطيّة الغالبة في شعبنا. كلّ التساؤلات الأخرى ذات الطابع السياسي او الاقتصادي الى حلّ اذا استطعنا خلال عشرين او ثلاثين سنة ان نخلق شعبا جديدا مطيعا لله. اذ ذاك، يصبح اللبنانيون شعبا نازلا من السماء.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الانتخابات القادمة / السبت 4 نيسان 2009

شهران يفصلاننا عن موعد الانتخابات. من يستطيع فيها ان يربّي الناخبين على الاختيار الأفضل؟ شاهدت منذ أيام على الشاشة استطلاع بعض من الناس سمّوا من ينتخبون ولكنّي لم أسمع شيئًا عمّا يدفعهم الى اختيارهم. ماذا يعرفون حقًا عمّن يختارون؟ بماذا اقتنعوا؟ التربية السياسيّة صعبة للغاية. تفترض الإحساس بالحاجة الاقتصادية والمجتمعيّة والمجال السياسي ومعرفة قناعة المرشّح بدقائق الأمور لحاجاتنا ومعرفة صدقه وتقنيّاته في المعالجة.

ما نفهمه أن الأحزاب هي المجال الأساسي التي يصقل فيها الفكر السياسي وتتمّ على ضوئه الخيارات الوطنيّة. في الأحزاب هيئات تتدارس باستمرار تطوّرات البلد والأخطار المحيطة به. لكنّنا مقصّرون في هذا الحقل او تتكوّن عندنا أندية سياسيّة وقوّة ضاغطة أكثر طراوة من الأحزاب اذ لا بدّ من نقد الأداء للأحزاب.

هل نستطيع شيئا فاعلا في شهرين للتوعية على رجاء الشروع بها لندخل جميعا في هذه التربية؟ لعلّ هذا يتطلّب تغييرا حضاريًا يجعلنا ننقلب من الطبائع الانفعاليّة الى الحكم الموضوعي في الناس وبرامجهم. والبرنامج ليس عناوين مثل أريد تحسين الماء والكهرباء والطرقات. لا بدّ من منتديات فيها ملفّات حول القضايا الرئيسيّة في البلد اي فيها اقتراح حلول ووصف للمسيرة الى هذه الحلول. مشروع بناء الوطن علم وديموقراطيّة ليست مجرّد سيادة الشعب للتشريع الا لأنّ البلد قادران يرسل الى الندوة البرلمانيّة مواطنين مؤهّلين للتشريع اي ذات مستوى جامعي وقادرين ان يفهموا مثلا مناقشة في المال والاقتصاد وآلات الحرب والبرامج المدرسيّة وتعديلها ومسألة الأدوية والطبابة وتفضيل الحياة على عقوبة الإعدام. واذا كان البحث هو هذا بالدرجة الأولى ننتقل من طابعه الشخصي والطائفي والفئوي الى التأمّل الموضوعي في الأشياء.

ما لم يكن هذا تدير كتلة صغيرة مناقشات المجلس. عند ذاك، يظهر السؤال ما نفع المئة الآخرين. هل جاؤوا لوجاهة المجالسة ودفء الحياة في الحكم. وجزء من هذا الدفء راتب النائب ثم راتب أرملته بحيث تبدو النيابة سكنا ورؤية في الحياة والموت.

# #
#
هذا كان على صعيد الناخب. اما على صعيد المرشّح فمنذ عشرات السنين كنت أتساءل لماذا هذا يترشّح وطالب الولاية لا يولّى اي لا يسوغ لأحد منّا أن يظن نفسه شيئًا لئلا يصير فورًا لا شيء. هناك من يرشح لأي منصب في الحياة. فاذا طلبت وظيفة في ايّ محلّ هناك من يقول انك صالح او غير صالح. هناك من يفحصك ويقدّمك. فاذا قلت لي الشعب يقدّمك أعيد عليك السؤال ما كفاءة الشعب. نحن نبني على ان الشعب يعرف كفاءته في عقل راشد. الثورة الفرنسيّة ظنّت أنّ سيادة الشعب في أنّه يطلب الحريّة والمساواة والأخوّة أي أنّ هناك معايير للفهم. هناك مَن يقول لك انك صالح لتمثيلنا وعلى هذا الادّعاء تقدّم امتحانًا وهو الانتخاب. ولكن أن تعظّم نفسك وتبدي نفسك مؤهّلا فهذا عندي قمّة الكبرياء. الانتخاب عندنا موضوعيًا مسابقة بين مستكبرين. هذا لا يعني أنّ من قدّم نفسه عندنا بعيد عن التقوى. أقول النظام. نظام ادّّعاء بلا أحزاب او منتديات او هيئات تقدّم المرشّّح.

عندما يتقدّم اثنان يختلفان في موضوع الإضاءة او انهاء الحرب مع العدو او التفاضل بين اللغات الأجنبيّة في برامجنا أو تأسيس هذه الكلية الجامعيّة أو تلك أفهم أنّهما دخلا في منافسة تتطلّب جهادا بينهما. واما الا يختلفا أو لم يخطر اي خلاف كهذا في بالهما فلا أفهم لماذا يكافح أحدهما الآخر. عند ذاك، تصبح القضيّة أنك تؤثر نفسك على الآخر بلا سبب تعرفه قد يكون فقط من باب تفاهة الوجهاء.

# #
#
من تنتخب؟ إذا كنت حزبيّا او مناصرًا لحزب سوف يطرح عليك الحزب لائحة في الدائرة التي أنت منها. وإن لم تكن فأنت حرّ أن تختار مَن تشاء وليس لك ولاء ولا يُملَى عليك أمر. ولكن ما الدوافع التي تندفع بها؟ بالتأكيد لن يكون هذا أمرًا عاطفيًا انفعاليًا كقولك هذا المرشّح عزّاني بوفاة فرد من عائلتي يجب ان أردّ له المعروف اذ العلاقة ليست مودّة شخصيّة بينك وبينه. واذا عرض عليك مال وقبلته فعيب عليك ان ترتشي وتدلّك الرشوة التي أتتك دليلاً على أنّ الذي رشاك إنسان سيء لا يستحقّ أن توليه مسؤوليّة وطنيّة لأن من احتقرك بهذه الطريقة يكون قد احتقر نفسه ولا يستحقّ أن يقيم في الدولة.

الشرط الذي لا حياد عنه ان يكون الذي يلتمس صوتك طاهرًا ما أمكن الطهارة في السياسة اذ هو مدعوّ الى التشريع وإلى مراقبة أهل الحكم وأن يكون ذا ضمير يؤهّله لكلّ ذلك. أمّا مَن تعرف أنّه يتعاطى ما شذّ عن مكارم الأخلاق فتنبذه نبذًا شديدًا. وهذا يفترض الا تضع اسمًا لا تعرف عن سلوك صاحبه. أنت تبدأ بدرس الحال الخلقيّة عند كل مرشّح بحيث يترتّب عليك أن تستقصي سيرته وأن تقتنع بنقاوتها.

الشرط الثاني أن يكون هذا الإنسان على مقدار من العلم لا يحدده القانون ولكن الأميّ او شبه الأميّ غالبًا ما كان جاهل التشريع وضعيف الفهم السياسي ويكون تاليًا مؤذيًا لنفسه ولك وللجماعة. ولكن اذا المتعلّم كثيرا ضعيف الأخلاق فلا ينبغي ان يرد عندك لأن الأخلاق أعظم من العلم، أما اذا جمع الشرطين فهذا «نور على نور».

لا تتأثّر بالعامل الطائفي وان كان لا بدّ من اختيار طائفي حسب قانون هذا البلد. يجب ان تطبّق القواعد الأخلاقيّة على كلّ مرشح وألّا تلحق أحدًا بآخر وأن يأتي مختاروك على رفعة من حسن السيرة. أنت تهتم للمسلم كما تهتمّ للمسيحي. ما يرضي الله ان يتألف المجلس من محبّي الله اي من محبّي وصاياه حتى يأتي الحكم صافيًا وبنّاء للأمّة كلها. القاعدة الموروثة من الشرع الروماني القديم ألا أخلاق بلا عدل ولا عدل بلا أخلاق.

واذا اجتمع هذان الشرطان فهذا دليل على ان المرشّح (او المرشحة) ممن يحبون الوطن. لا يكفي ان يكون قد صرّح هذا الإنسان على أنه ينتمي الى لبنان. ينبغي أن يكون قد أثبت ذلك في سيرته. واذا شككتَ في وطنيّة واحد وقرأت تصريحًا واحدًا يثبت فيك هذا الشك او علمت بمسلك عنده يثبت عندك الشك فهذا تشطبه من اللائحة او اللوائح المفروضة عليك. لأنك، ان لم تفعل تكون أنت قد خنت الوطن.

لا تيأس من أنّ الانتخابات القادمة قد تنهض ببلدنا. اعمل وكأنك ترجو هذا الخلاص أي تطهر ليأتي المجلس القادم حسب قلب الله لأن هذا ما يريده الرب للبنان.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الكنيسة والدولة / السبت 28 آذار 2009

هل الكنيسة بنيةً يمكن أن تكون بإزاء الدولة بنية حتى نجمعها بواو العطف للتمييز او للتفريق او المواجهة؟ في العهد الجديد السفر الوحيد الذي يتضمّن حكمًا إلهيًّا في الدولة الرومانية هو سفر الرؤيا. نيرون في هذا الكتاب هو الوحش. في الانجيل هيرودس هو ثعلب. كان هذا رأيا إلهيًا في حاكمين، ولكن في انتشار الإنجيل وفي مواجهة روما الوثنيّة بطرس وبولس يتكلّمان عن الخضوع للسلاطين ولا يتحدثان عن حقوق الكنيسة على الدولة ولا على علاقة عضويّة. هذه العلاقة لم تظهر الا مع قسطنطين في بدايات القرن الرابع وبخاصة مع سلالته. قسطنطين على تنصّره كان يعرف ان الكنيسة شيء آخر لأنها ترعى الأمور الداخليّة اي الروحيّة والأسرار والعقيدة وان الامبراطور «أسقف الأمور الخارجيّة».

كان همّ أباطرة الروم تدبير المملكة وهنا تؤخذ السجالات اللاهوتيّة في عين الاعتبار لأنها كانت تقسم البلاد ويحصل تدخّل الامبراطور لصالح ما كان يعتبره الأرثوذكسيّة ضدّ أهل البدع حتى ظهرت فكرة الـ Synergie  اي التناغم بين الكنيسة والدولة مع مراعاة استقلال كل منهما. الامبراطورية الرومانية الشرقية استمرار روما القديمة. لذلك ترى نفسها شيئا قائما بذاته ولو كان الناس أنفسهم رومانا شرقيين من جهة ومسيحيين ارثوذكسيين من جهة.

اتبعت روسيا هذا المنهاج حتى جاء بطرس الأكبر وأخضع الكنيسة للدولة. والآن بعد سقوط الحكم الشيوعي جاء البطريرك كيرلّس المنتخب جديدًا يتحدّث عن تناغم بين الدولة والكنيسة المستقلتين الواحدة عن الأخرى.

لن أتكلّم على الغرب الذي اتّبع بعامة العلمانيّة على أطيافها المختلفة التي لا تنظر الى انتماء المواطنين الديني ولكنها قد تسند الكنيسة هنا وثمّة خارج فرنسا. غير ان فلسفة التعاون في شرقي أوربا ما كان ممكنا الا لكون المواطنين من لون دينيّ واحد حتى تقوم لغة واحدة بين الكنيسة والدولة. اما اذا كان البلد متعدّد الدين فكيف يتمّ الخطاب بين الدولة والجماعات الدينيّة الأقلوية. اذ ذاك، ليس من خطاب ديني بين الطوائف والحكم، فاذا كان الحكم قائما على دين تبطل بعض مقولات الخطاب الديني بين المجموعات الدينيّة والحكم.

اذ ذاك نعود الى العهد الرسولي حيث لا تُخاطب الكنيسة الدولة بل يخضع كل المؤمنين لها ولو كانت وثنيّة مضطهدة.

هذا في التاريخ. ولكن في المنظار العقدي ليس من مواجهة نظريا بين الكنيسة القائمة في قلب الله والمتّجهة الى الحياة الأبدية والدولة التي تحكم أزمنة الناس او تحكمها أزمنة الناس. كيانان لا رباط بينهما بواو العطف.

اما المؤمن الفرد فينبث منه روح الرب الى الناس المجتمعين في دولة. هذه نفحات نبويّة. اذًا الكنيسة المهيكلة والدولة المهيكلة لا تلتقيان. الأنبياء اي الملهمون بالروح يغيّرون البشر وهؤلاء تنشأ منهم القوانين وينشأ منهم العمل السياسي. واذا كان البلد متعدد الدين تبدو نفحات مختلفة من اهل الأديان متقاربة حينا ومتباعدة أحيانا ويأتي النسيج الوطنيّ متعدّد اللون.

اذًا يستحيل المواجهة بين الحكم وكنيسة المسيح وصلا او انفصالا اذ لا مواجهة في المبدأ وان رأت بعض البلدان ان تتعامل والطوائف مما يجعل العلمانيّة فيها مبتورة او نسبية. مع ذلك يبدو ان فرنسا تظهر فيها ميول للتعامل مع الأديان اذ تحملها إثنيات غريبة الأصل لم يكتمل انصهارها بالمجتمع الفرنسي.

الجواب المسؤول عن العلاقة عند المسيحيين لن يرد الا اذا اعتبرت الكنيسة سائرة الى الحياة الأبديّة فقط فيما أبناؤها يستعملون هذا العالم ويشهدون فيه. والشهادة متروكة لكلّ واحد منهم في تحليله الخاص للوضع السياسيّ في بلده. لغيره من المؤمنين ان يقوم بتحليل آخر فيتّخذ موقفًا عمليًا آخر. التشرذم السياسي عند أبناء الكنيسة ليس فقط واردا ولكنّه سليم روحيا اذ يدلّ على النضج والنضج ثمرته الاختلاف. ولكن ان تسعى القيادة الكنسيّة لجمع أبنائها على غير الإنجيل والعقيدة والتطهّر الداخلي يعني انها نسيت طبيعة المسيحيّة الفريدة التي تحلّق فوق الزائل. الكنيسة قائمة في الزمن وفي هذا هي امتداد لحضور المسيح فيه ولكنها ليست من هذا العالم كما يقول انجيل يوحنا.

ما من شكّ ان الكنيسة تُراقب ما يجري في العالم ولكن بلا اختصاص فإن أعضاءها العاملين في المجتمع ذوو اختصاص. أصحاب الحكم وأصحاب التشريع درسوا السياسة وفروعها علما او يمارسونها كالذين درسوها. اما القيمون على خلاص النفوس فقد درسوا فن خلاص النفوس اذا جاز التعبير وما خلا العلم يأتي كلامهم تجريبيا او تقريبيا اي انهم في هذا لا يواجهون اهل الفن.

في هذا اذًا المرجعيّات الإكليروسيّة لا تعني لي شيئا. عملها قداسة نفسها وتقديس المؤمنين. واذا توغّلت في الخطاب السياسي تكون قد قالت او كأنها قالت انها لا تؤمن بفاعليّة الروح القدس التي هي مؤتمنة لإيصالها لأبنائها. لا تؤمن بفاعليّة الروح وتضيف عليها فاعليّة الخطاب السياسي.

كذلك لا يستطيع من يُسمَون علمانيين (اي غير كهنة) ان يفوّضوا رئيسهم الروحي بعمليّة ليست من الدعوة التي دعاه الله اليها. هذا لا يمنع ان يكون الأسقف او الكاهن ممّن يحملون الروح القدس. هذا ليس من الكهنوت الأسراري. هذا من النبوءة بالمعنى القائم في العهد الجديد اي انه قادر بالنعمة ان يخاطب الملوك والولاة والرؤساء باسم الرب لا باسم طائفته ولا باسم البلد وان يناصر المظلومين والضعفاء من كل دين ومذهب وان يدافع عن استمرار البلد ووحدته لأن هذا من باب المحبّة لكلّ أبناء البلد.

انت تعمل وتعلّم باسم المسيح اي بقوّة الإنجيل لا بقوّة عدد، ولا بالميثولوجيا التاريخيّة. ليس للمسيحيين امتياز في اي بلد ولا ينبغي ان يكون لأنهم بذا يكونون مستعلين وهم غسلة أرجل الفقراء والمستضعفين من كل دين ومذهب. المسيحيون ليسوا طائفة او مجموعة طوائف. هذا من سوسيولوجية لبنان. المسيحيون جسد المسيح فقط وليسوا ركامات التاريخ. ولهذا ليسوا إزاء أحد لأن المسيح ليس إزاء أحد. فاذا لم يكن فيهم قوّة من فوق يهدرون وقتهم وأوقات الآخرين اذا هم فتّشوا عن قوّة تؤتاهم من نسيج هذا العالم. عليهم ان يقرّروا اذا كانوا هم من الإنجيل ام لا. اما بقاؤهم على هذه الأرض فيتدبّرونه بحكمة قد تكون حكمة هذا العالم لأنّ البقاء شرط الشهادة ولكنّ الموت ايضا من الشهادة. المصلوب كان ملكًا وهو مرفوع على الخشبة نازفًا حتى النهاية. انا لا أدعو احدًا الى المصلوبيّة، ولكن القادرين عليها هم شركاء السيّد في خلق عالم جديد.


Continue reading