استعدادًا للانتخابات / السبت 30 أيار 2009
البلد مسيّس على درجة من الكثافة لم أرَ لها مثيلا. وفي هذه الحمى نحن سائرون الى الصناديق على رجاء ان نطهّر أنفسنا من كل حقد. فشهوة النصر الحليفة لكل ناخب مشروعة روحيا ولكن يبقى المسلك رياضيا اي ان القلوب تبقى على سماحتها وايّة كانت النتيجة فليست الحصيلة آخر الدنيا. من هذه الزاوية أقول ان الخوف مقصي في البدء بمعنى ان ليس في المعارك السياسيّة من أمر مفصليّ اذا آمنّا أن البلد حيّ وانه قادر ان يفرز ما يشفي الأمراض التي تعتريه. لبنان باقٍ والتمزيق في جسده ليس فيه جديد. هذا شأن السياسة في العالم كلّه وسنعود واحدًا في العمق. كلّ الازمات التي رافقتها منذ السنة الـ 1936 انتهت على مصالحة او تناغم وهذا ما عنى مرّة وحدة الرأي. بولس الرسول كتب مرّة الى إحدى كنائسه: «لا بدّ من الانشقاقات». يحق لك ان تقدّر النيّات بانتظار محاكمة لها أخيرة. ولك أن تصارع في جدّ من السلام الداخلي لنفسك وان ترجو لها وللبلد جميعا سلام الله. الهدوء العميق هو الدواء.
في مبرات البركات الإلهيّة علينا أرجو أن نكون صادقين، طاهرين. هذه ليست مثالية مضحكة. فإن الذين اعتزلوا الصدق والنقاوة لا ينبغي ان يشتركوا في العمليّة الانتخابيّة. هذا موسم توبة ممكنة ومرجوّة عند من لم يبع نفسه للشيطان. انا أراه على طرقات الصناديق وربما ينزل فيها مع ورقة الاقتراع احيانا. ليس هذا دائما لأنّ ثمّة مواطنين أوادم يحملون روح الرب الذي يترجم في هذه الحالة فهمًا وصدقًا. الفهم والتحليل يلازمان الخيار ولكن لا فهم خارج التنقية التي نمارسها قبل السابع من حزيران.
تتولّد الشياطين بعضها من بعض كتلك الدمية الروسيّة التي هي كناية عن علبة ضمنها علب كثيرة. العملية الكبيرة التي تتضمّن مفاسد عديدة هي المال الذي يهدر للتحكّم بالضمائر. المرشّح الراشي مفسد كبير ليس لأنه يضعف الناخب او يعطّل حكمه وحسب بل لكونه يحتقره ويذلّه ويعتبره خاليا من الحكمة التي يحتاج اليها في عمليّة الانتخاب.
# #
#
الأسبوع الماضي على شاشة احدى المحطات رأيت امرأة يسألها موظّف في هذه الإذاعة ان كانت تقبل الرشوة. قالت: «نعم، بدنا نعيش».
هذا الذي يحيا فقيرًا يتوسّل العطاء فيتسوّل. خطيئة جذورها في من أغراه فيغرى. ولكن ان حللنا جيّدًا جواب هذه المرأة فهي لا تعرف شيئا عن وظيفة النائب. هو واحد من الذين يجتمعون ويتكلّمون. عندها الكلام هو لغو فهي لا تفهم شيئا عن التشريع ووظيفة مراقبة الحكومة. الطهارة التي نطلبها من الناخب ندعمها بتثقيف وطنيّ منذ الصغر فاذا أدرك الطالب بأن معيشته تحتاج الى إقامة قيّمين على شؤون العباد وهم أهل الحكم وناقدوهم، اذا أدرك ان حياته على الأرض تتطلّب قوانين يسنّها البرلمان وتطبّقها الحومة لمنفعته ومنفعة عياله لا يسقط في إغراء المال ولكنه ينتخب الأصلح.
من هذا أذهب الى القول ان المرتشي لم يقع فقط في الفساد ولكن في جهل أهميّة النائب. وما يجمع بين الراشي والموتشي ان كليهما لا يثق بالدولة. وعندي ان الدولة العادلة الرشيدة النزيهة تفرض هيبتها ويبدأ الناس رؤية مصالحهم في رعاية الدولة لهم.
قبل أن يتمّ هذا الترويض الطويل الأمد لا بدّ لكلّ منّا ان يمتحن قلبه ليرى ان كان قلبه عاشقًآ للمال ورافضًا تاليا الصالح الاجتماعي فيفهم في حركة ثانية من التأمّل ان هذا هو ايضا صالح الفرد وعائلته. والخطر الأساسي الناجم عن الفساد ان المواطن الذي يرى الفساد في القيمين او بعضهم ليس عنده رجاء الى الوطن وقد يتعرّض لخسارة إيمانه بالقيم كلّها. ذلك ان أهل الفضائل القائمة في الذات قلّة. معظمنا يحتاج الى ان يحيط به فاضلون لئلا تخور عزيمته.
# #
#
هنا السؤال الذي يطرح نفسه على المرشّح هو لماذا انت تترشّح؟ هل لإيمانك بأنك حامل رسالة او برنامج؟ حتى الآن ما أقرأه في الصحف وأسمعه في ارذاعات ان المرشحين يقدّمون لك عناوين. ما لفتني عشيّة انتخاب فرنسوا ميتران في مناظرة له مع فاليري جيسكان داستان d’Estaing انهما تناقشا في شأن كل وزارة ولا أذكر التفاصيل ولكن أذكر انطباعًا. قال احدهم جيشنا يحتاج الى زيادة ألف دبابة وقال آخر بل ألفان. وتباحثا تفصيليا في وزارة الخارجية. كيف نرسم العلاقة مع المانيا ومع الولايات المتحدة. وكل من الفرنسيين رأى نفسه مائلا الى طروحات هذا او ذاك من الطرفين اذ الفرنسيون ينتخبون رئيسهم مباشرة.
كنت أحلم ان يتناظر مرشحان على دائرة من دوائرنا ويبسط كل منهما موقفه من زراعة البطاطا وتسويقها او تخطيطا له يتعلّق بمعالجة السير. لا يكفي ان تقول نريد سيرا منتظمًا. السياسة تبدأ بالكلام على أرقام ومناهج.
هل يؤمن كل مرشح عندنا حقا بأنه حامل تصاميم لهذه الأمة. في أحسن حال يبدو لي انه يعطي نفسه شهادة حسن سلوك واذا فاز يدخل البرلمان مرتجلا مداخلاته. السياسة فيها علم ولا تقوم حصرا على الأخلاق. ولكنها معرفة بأمور البلد والشؤون الدولية. كيف تدحض علميا موقف الخصم والخصومة لا تبنى على المزاج ولكن على القناعات التي أعددت نفسك للدفاع عنها وإقناع الآخرين بها.
لذلك لا يكفيني ان نعد أنفسنا لسنّ قانون انتخابات جديدة ولكن ان نشكل كتلا قد يكون الكثير من مضمونها جديدا ومنها الخيارات الدولية.
انا اعرف ان المجلس ليس كلية العلوم السياسة ولكن الأفضل ان يتزيّن قسم من نواب بعلوم سياسية وحقوقيّة والا يأتي سؤال للحكومة او استجواب جله خطب حماسية. المناهج من شأنها ان تضعف المزاجية والاصطفاف الانفعالي او التعاضد الكيفي مع هذا وذاك من الزملاء إعدادا لولاية لاحقة للمجلس.
يشكو ناسنا والمراقبون الأجانب ان هذا البلد ليس فيه استقرار. هذا من ميراث الانفعالية الشرقية والتشنّجات المتأصلة في تنوّع الأطياف او المذهبية وربما من أسباب أخرى.
ولكن اذا اعتبرنا ان المجلس هو المقام الدستوري الأساس لعرض الفكر السياسي وتحليله فيجب الوصول الى معرفة الأساليب التي تأتينا بأفضل مجلس ممكن على صعيد إعداد المرشحين وإعداد الأمة كلها طلبا لنضجها وفهمها.
انا اعرف ان القانون وحده لا يهذب الشعب ولكنه جزء من تهذيبنا. ولكن عدل الفكر الشخصي والقلب يتجلى بالقانون والقانون يصقله. هناك ما كان قبل المؤسسات وهو الله. اي مقدار من الإلهية في حياتنا السياسة. الطوائف لا تأتي آليا بالله. هو يأتي بها اذا كان العمال والفلاحون مثلا يستندون الى عدل إلهي وفي كلاهم حنان يكون الرب قد نزل الى الحياة السياسية في لبنان. يحق لي ان أحلم بأن يظهر مجلس النواب مثل كنيسة او مسجد اي مكانا إلهيا.
يحلو لي ان يكون ممثلو الأمة متوشحين بالله حسب التعبير الأرثوذكسي. هل لنا ان نرجو ان تتجلى لنا جلسة نيابية مثل قداس. السياسة في أصلها موضع من مواضع سيادة الله في الكون.
