Category

2009

2009, جريدة النهار, مقالات

أحد الصليب / السبت في 21 آذار 2009

غدًا يكون صومنا على وشك الانتصاف ولكون بعض منا يبدو متضجرا من الجهاد تضع امامه الكنيسة صورة الصليب وفق رتبة ملهمة من الأسبوع الذي نسميه العظيم السابق للفصح. نغرس صليبا في وسط رياحين أو أزاهير تحيط به ثلاث شموع للدلالة على ان المسيح شاهده ابوه ذبيحا قبل انشاء العالم اي مهيأ لإعطاء العالمين الحياة بالحب.

يمشي المؤمن الى وسط الكنيسة حيث الصليب منتصب فيقبّله وبعد القبلة يدفع اليه الكاهن ريحانة أو وردة موحيا بذلك ان الجلجلة المرتضاة كانت طريقنا الي الفردوس المستعاد.

ولكن خشية ان يفهم المؤمن ان فرحه يجيئه من يسر كثير وانتعاش رخيص تجيء التلاوة الإنجيلية مستهلة بقول المعلم: «من اراد ان يتبعني فلينكر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني».

من اراد ان يتبعني اذ ليس من سيف مصلت عليك لتسعى الى المسيح او ان تلازمه. فالحرية مملكتك وتذهب منها الى الخلاص أو الهلاك ويسر الله بحريتك وان كان لا يشاءهلاكك. ولكن لا تستطيع ان تكون على صورته هو ان لم تكن على صورة حريته فالله لم يخلق بشرا آلات ليتسلى بحركاتها. الإنسان الحر غير المجبر على شيء هو وحده الذي يذهب الى الله ويكفر به اذا شاء ويلازمه اذا شاء.

«من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه». فليعتبر ان ليس له «أنا» يملكها أو تملكه. اذ ذاك يكون عبدا وقد قال يسوع: «لن ادعوكم عبيدا فيا بعد». في الخطيئة فقط نظام الرق. لقد ألغى الله عبوديتنا له بعد ان اعترف بنا ابناء بحبيبه. انا اعرف خطر البنوة اذ يمكن ان تتحول الى غنج اي الى استرخاء نظام البنوة. مع ذلك كله ارتضى الله علاقة الأبّوة بعد ان رفع غضبه عنا بالحبيب مع كل ما فيها من مغامرة اذ ليس من بديل عن البنوة الا الرق.

ترمي أناك بعد ان قال الرسول: «لست أنا احيا بل المسيح يحيا فيّ». أنت هو في الحب وهو أنت على اختلاف الجوهرين واستقلال الكيانين. لا تسلني عن الكيف فأنا اعرف تمايز الكيانين واعرف اتحادهما بآن واحد.
# #
#
«فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني». هنا يتحدث الإنجيلي عن الصلبان التي تعترضك في مسرى حياتك. الصليب اصلا، في العهد القديم كريه عملا بالآية: «ملعون كل من عُلق على خشبة». المسيحية واقعية اذ تراك مصلوبا، معذبا على مدى الوجود. ليست المسيحية بستان ورود. هي تصير كذلك اذا ارتضيت آلامك اليومية جسدية كانت أم نفسية سبيلا الى رؤية النور. نحن نعاني الألم ولا نقول ان الله قضى به ليمتحنك أو يطهرك. ليس الله مستبدا ولا مزاجيا ولا شرطيا في دولة عربية. أنت ابتداء مما أنت فيه وكما أنت فيه ترمي نفسك في حضن الله ثم على صدره كما فعل يوحنا في العشاء السري وهو يأخذ عنك صليبك كأنه يسمر نفسه عليه وان كان لا يستلذه ولكنك اسكرته بك على ما فيك من شقاء ويريد ان تجالسه لتذوق بهاءه.

انهى السيد دعوته بقوله: «ويتبعني» أي ان يكون فيك فكر المسيح بحيث ترغب في ان تتبعه الى منتهى مسراه الأرضي اي الى الجلجلة. فاذا جثوت على قدميه تأخذ كل وجودك منه.
# #
#
يؤكد يسوع هذه المسيرة بقوله: «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه». اذا قبلت مصلوبيتك عنيت ان يجردك المخلص من كل ما عندك أو ما تظنه لك أو ما تحسبه فيك. الفراغ الكامل فيك بحيث لا يزينك شيء ولا يفرحك مال أو نفوذ أو سلطة ولا يغريك جمال وبحيث لا تستحيي بفقرك ولا بحدود فكرك أو ضعف ثقافتك وتكون ايضا مستعدا للجوع والهزء والشتائم والقمع وسوء الظن والتصنيف السيء لك الذي مصدره الحسد واذا عيّرك معيرو الله واخذوا عليك ضعفات لست أنت فيها، اذا احتملت كل هذا وأحببت الذل الذي أنت فيه من أجل اخوة يسوع الصغار تكون خاسرا العالم كله ورابحا نفسك في الوجود الحق الذي هو وجود المسيح.

تكون انتقلت من الدهر الحاضر الى الدهر الآتي ولو بقي جسدك هنا. فليس المهم عندهم ان يقتلوك ولكن المهم ان يقهروك ظانين انهم يمحونك، غير عارفين انك ما حيهم.

كل خسارة الإنسان ظنه ان ما في بطنه أو في جيبه يجعل منه انسانا سويا أو يزيد على قيمته شبرا واحدا. كل من اعتقد ان الإنسان يزاد عليه من خارجه أمسى في ضلال مبين. عندما يقول يسوع: «ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه» يكون كمن قال لا شيء يعادل وجودك الداخلي أو فرحك الحقيقي أو الجلال الإلهي الذي انسكب عليك. الخيار هو بين الكيان والكسب. والكيان اذا كونك الله به لا يتسربل بشيء آخر ولا يكسب شيئا آخر عن نفسه.

عجيب هو قول القديسين ان الفقر هو الغنى. لعل هذا هو معنى بولس اذ قال: «يا جميع الذين بالمسيح اصطبغتم المسيح لبستم». ونقول للمعمدين هذا إثر معموديتهم وهم عراة. من يكون هؤلاء المسيحيون الذين يعتقدون ان عليهم حلة ذهبية وهم غير متسربلين بشيء.

من تكلم على الصليب سلبا أو ايجابا يجب ان يفهم هذا القول لئلا يكون خارج الصحن.

نحن هكذا وليس عندنا شيء آخر. فاذا بشرنا بالمسيح مصلوبا نكون مبشرين به قائما من بين الأموات. هذا شيء واحد عندنا عملا بقول يسوع: «الآن قد تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه» أو بقوله الآخر: «مجدني يا أبت بالمجد الذي كان لي عندك قبل انشاء العالم». ومعنى القولين ان مجدي هو بالحب الذي اظهرته بتطوعي للموت. في اللحظة الاولى من التطوع بت ظافرا. وترائياتي للتلاميذ بعد ذلك ما هي الا اخراج لهذا الظفر وتبليغه والدلالة عليه. ان نخبر بموته كما أمرنا الكتاب على لسان بولس هو ان نعلن قيامته وان نحيا بها احرارا من الموت.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

تأمل في «شرعة العمل السياسي» / السبت في 14 آذار 2009

هذه الشرعة المنبثقة عن الفكر الماروني الكنسي والمجتمعي-السياسي قد تكون أشمل وثيقة كاثوليكية لبنانية في العصر الحديث. تحمل رؤية عن لبنان ورسالة الى لبنان. أعلنتها ما سمي «اللجنة المشتركة للكنائس في لبنان». ولا بد لي هنا أن أعترف ان ليس عندي علم بهذه اللجنة واللجان تقترح ولا تقرر. وما من شك ان الكنائس ذات قيادات روحية كل منها يلزم ابناءه. والكنيسة لا لجانها تدعونا. الى هنا فعبارة «كنائس لبنان» قد تعني عند المنظمين تلك القائمة جغرافيا على ارض لبنان ولكن ليس لها كيانية لبنانية لكون كل كنيسة قديمة تنعت نفسها بأنطاكية وعندئذ لا مطمع لها ان تنحصر في الهاجس اللبناني.

حضر عدد من الأحبار من عدة كنائس التجمع الشعبي الذي أعلنت فيه الشرعة. هل كان هذا من قبل الحاضرين مرافقة او موافقة؟ هل كانت هناك آلية لاعتماد النص؟ هل سترفع الشرعة الي السلطات الروحية في الكنائس لتتم آلية لما يسمّى في اللاهوت الحديث قبولا. Reception طرحت هذه الأسئلة لأفهم بكل تواضع ويفهم سواي مكانة هذا النص في حياة المؤمنين.

المسيرة التي كمنت وراء النص ان لا هوتيين من الكنيسة المارونية وضعوا من الناحية اللاهوتية نصا كاثوليكيا في الجانب الأول من الشرعة الذي هو الجانب التنظيري، نصا يستند كثيرا الى المصادر الباباوية والمرجعية المارونية ليأتوا بموقف تعليمي يُعرَض على المشاركين من الكنائس غير الكاثوليكية معتبرين أن الكنيسة الكاثوليكية عندها تعليم اجتماعي. أي لم يأتِ هذا الفريق بفرقاء مسيحيين آخرين عندهم في تراثهم القديم تعليم اجتماعي وبعض منهم في تراثهم الحديث بحيث نُسب هذا النص الى لجنة متعددة الأطراف لم تأت بمساهمة ولا تستطيع ان تأتي بمساهمة مستقاة كلها من الفكر الكاثوليكي الحديث. التصرف كان أن هناك من ينشئ وهناك من يقرأ ويبدي رأيه بما وضعه سواه.

منهجيا ما همّ أرباب هذا الفكر هو -حسب عنوان ما أتوا به- ان يضعوا شرعة العمل السياسي في بلدنا وكان لا بد لها من فكر تأسيسي بعد ان قرروا من يكون المؤلفون. ولكن التصاق هذين القسمين لا يفرض نفسه. القسم الثاني اذا لم أغالِ »مطروحة معانيه في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقرويّ والمدنيّ كما يقول الجاحظ وقد عبّر عنها غير فريق الى اي مذهب ذهب، مسلما كان ام مسيحيا اذ لا يخالف احد الديموقراطية والنظام البرلماني والاستقلالية. لكل منا ركن يركن فيه وتمر امامه الطرقات المرمية المعاني عليها ومرمية تاليا عليه المفردات. تصطف حيث تشاء وتقول القول عينه ولكنك تذهب حيث تشاء حيث ينتظرك الأصدقاء الذين اختاروك حليفًا.

الى هذا اذا كانت هذه الكتابة في القسم الأول عملا مسيحيا واضحا وحيا وبناء وصياغة ما دخل المسلمين بها ولا سيما انكم اوضحتم ان هذا عمل نسقت به كل الكنائس فكرها. واتضح فرح المسلمين بكم على ان تطرحوا جانبا ما له علاقة حصرية بالعقيدة. عندئذ يبطل المشروع كله وتنحصرون في الجزء الوطني والسياسي الذي لا يحتاج الى لاهوت. شكرا للمسلمين الذين محضوكم الثقة او بالأقل بينوا رجاءهم على ان يندمجوا بالشرعة وهم لا يريدون طبعا ان يندمجوا باللاهوت. هذا التماهي بينكم وبين المسلمين كان قائما قبل بيانكم وسيبقى على أسس تجمعكم بلا لاهوت، انطلاقا من معطيات الوطن.


# #
#

اول ملاحظة لي هو قول الشرعة ان من اهدافها »ان توفر للشعب اللبناني ثقافة سياسية«. استغربت ان ترغب الكنيسة المارونية في تثقيف كل الشعب اللبناني سياسيا.

الملاحظة الثانية قول الشرعة «بشريعة طبيعية هي بمثابة النور للعقل البشري». هذا ليس بقول مسيحي عام بعد ان نزلت النعمة التي رفعت الطبيعة البشرية الى طبيعة مفتداة بالدم الكريم والتي تراقب العقل من نافذة الوحي. هذا التأكيد المفرط على العقل والطبيعة البشريّة كما هي يعود الى توما الاكويني والى ابن رشد ونحن لا علاقة لنا بهذا التيّار العقلاني الأرسطوي.

من بعد كلام جميل عن رسالة الكنيسة ووظيفة الدولة تأتي الشرعة الى بحث العلاقة بينهما (استقلالية الكيانين احدهما عن الآخر بلا تخالط وتقارب من دون تصارع) حتى تصل الى استقلالية المجتمع المدني وتوفيره للكنيسة «الظروف والشروط اللازمة لتأدية رسالتها». غير ان الشرعة تقول ان الكنيسة لا تقبل «بعلمنة الدولة اذا كانت تعني عقيدة فلسفية تحتوي على مفهوم مادي وملحد للحياة البشرية والمجتمع».

سؤالي لماذا اذا الشرطية بقول النص «اذا كانت تعني عقيدة فلسفية تحتوي على مفهوم مادي وملحد». اذا ذهبنا الى الخبرة الفرنسية وصرفنا النظر عن بعض الفلسفات التي كانت ممهّدة للعلمنة لا نجد في قانون السنة 1905 في فرنسا القاضي بفصل الكنيسة عن الدولة اية اشارة الى مادية او إلحاد. هذا القانون لا يفرض على المواطن إيمانا ولا إلحادا ولا يجيز التعرض الى عقيدة التلاميذ في المدرسة كما لا يتقبل عقيدة ملحدة في التعليم. فاذا وجدنا علمنة لا تحتوي على إلحاد ومادية ماذا يفرقها، اذ ذاك، عن المجتمع المدني؟

ترضى الشرعة بالمجتمع المدني ولا تحدده حتى تصل الى القول بفصل الدين عن الدولة. الفرنسيون ما قالوا هذا. قالوا بفصل الكنيسة (وعنوا بذلك فصل المؤسسة الدينية عن الدولة لا الدين من حيث هو إيمان). ماذا تعني الكنيسة المارونية صاحبة المشروع بفصل الدين عن الدولة وهي رافضة العلمنة؟

يأتي بعد هذا كلام ممتازعلى ممارسة المسيحي للسلطة السياسية وعلى أسس المشاركة الواجبة على المسيحيين في الشأن العام وعلى روح الخدمة والالتزام بقضية السلام ثم يأتي التوضيح لطبيعة العمل السياسي. هناك فقرات عديدة علينا ان نعتمدها جميعا وهي مستوحاة من الكلام الإلهي.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن ويتناول كل النص هو كيف يفهم اصحاب الشرعة ان فصل الدين عن الدولة يسمح لهم بكلام سياسي عن لبنان. تساؤلي هو كيف يدخل لبنان كأمة ودولة وكيان في تأمل صادر عن الكنيسة المارونية بعد حديث مطول في الإلهيات. أين فصل الدين عن الدولة؟ هل لأصحاب الشرعة وهم حفظة الإنجيل والقيمون عليه رأي في ما يقوم عليه وطننا هذا؟ كيف نصل الى لبنان من مواقف لاهوتية واضحة وعميقة؟ لماذا للكنيسة المارونيّة من حيث هي كنيسة رأي في الشأن اللبناني؟

في كل حال أصحاب الكلام على لبنان هم أصحاب القول المدني الذي لا علاقة له بمذهب. معالجة الشأن اللبناني اجتماعيا ومدنيا كلام اللبنانيين مجتمعين في كل باب من ابواب العيش الواحد. اذا كان الهدف الأساسي من هذه الورقة مواجهة مشاكل بلدنا فما نفع القسم الأول من الشرعة؟ كل هذا البناء الفلسفي اللاهوتي العظيم لا يبدو لي مفتاحا للبحث عن طبيعة لبنان ومصيره.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن معلّمًا / الاحد 10 آذار 2009 / العدد 9

الى جانب الوعظ التعليم الذي يتمّ في الكنيسة او خارج الكنيسة. لقد ألفنا في كل الأبرشيات السهرات الإنجيليّة حيث يؤخذ مقطع من الكتاب ليفسّر سواء أكان هذا مقطوعًا من العهد الجديد او كان قراءة موصولة بحيث تأخذ مثلا كل إنجيل من الأناجيل الأربعة وتتابعه أسبوعا بعد اسبوع في هذا الحي او ذاك او في هذه المجموعة من العائلات او تلك. وهذا يحتاج الى استعداد جدي في الكتب التفسيريّة أُصدرت من كاتب أرثوذكسي او كاثوليكي. واليوم في تفسير النصوص ليس من اختلاف كبير بين المذاهب. غير ان السهرة الإنجيليّة تختلف عن صف في معهد اللاهوت بحيث توجّه الحاضرين الى مواقف أخلاقيّة، الى التوبة والى معرفة العبادات وتحثّ الحاضرين على أن يطالعوا الكتاب كلّ يوم في بيوتهم اذ المهم ان يعرف المؤمن العهد الجديد معرفة حقيقيّة ولا يتّكل فقط على المرشد.

المجال الثاني هو تربية الأحداث والأطفال على التعليم المسيحي. فهناك مدارس لا تعليم مسيحيًا فيها او هناك مدارس لا تنتمي الى كنيستنا. لذلك لا بد للراعي ان يـرعى رعيّـته. هـذا لا يـعني ان يـحتـكر الكاهن التعليم بل يقضي واجبه ان يُنشئ مسؤولين ومسؤولات من شبيبة الكنيسة ويدرّبهم على التعليم او يفوّض شبابا يعرف الكاهن انهم تروّضوا على المعرفة في حركة الشبيبة او مؤسسات أخرى.

وهذا يُحوجه ان يعرف كتب التعليم المسيحي المتداوَلة عندنا وان يجعل التلاميذ يقرأونها بحيث يكون التعليم متدرّجًا. واذا عرف الكاهن بكل تواضع انه غير مؤهّل لإعطاء التعليم او التدريب عليه، فليأتِ بأحد شبابنا المتقن التعليم ليتولّاه. تعليم الصغار موهبة ليست معطاة لكل واحد. لا بد في اكثر الأحيان من شخص علماني او شماس متدرّب يتولى المسؤوليّة.

الى هذا لا بدّ من تأسيس مكتبة في الرعايا لإعارة الكتب للمؤمنين. يحتاج هذا الى شيء من التنظيم. وعندنا في الكنيسة الأنطاكيّة ما لا يقلّ عن 400 كتاب بالعربيّة، فيها مواضيع مختلفة، كما عندنا للذين يُتقنون اللغات كتب لعلماء أرثوذكسيين بالفرنسيّة والإنكليزيّة. لم نبقَ فقراء في موضوع الكتاب. نتبنّى اذًا نظام إعارة الكتب. لا يحقّ لأحد أن يبقى جاهلًا. الكتب على مستويات مختلفة. والبسطاء لهم أن يفهموا كما المثقّفون.

الى هذا ايضا عندنا كهنة من كنيستنا يظهرون على شاشة التلفزيون. فتّشوا عنهم وقولوا للمؤمنين. إزاءهم نحافظ على قدرتنا على مناقشتهم.

الشيء الأخير أن عندنا من الكهنة من يُدعى الى إلقاء محاضرات هنا وهناك. المحاضرة غير العظة القصيرة. لها أسلوبها الخاص في الكتابة وتتطلّب استعدادًا كبيرًا في الكتب التي تعالج موضوعها. عظمة فنها انها تبسط معلومات لاهوتيّة او تاريخيّة او طقوسيّة كبيرة ومعرفة للديانات الأخرى. طبعا تقتضي معرفة اللغة الفصحى. ويمكن الكاهن ان يقوم بسلسلة مواضيع لا سيّما في الصيام الكبير ولا تكون عظة ولكن تعليما متناسقًا. له مثلا ان يتحدّث عن الأسرار فيتكلّم مطوّلا عن المعموديّة والمناولة بحيث يتناول سرًا وراء سرّ. كذلك يمكنه مثلا أن يتحدّث عن لاهوت بولس من خلال كلّ رسائله او عن لاهوت يوحنا في إنجيله والرسائل او عن تاريخ الكتابة للعهد الجديد او عن أهم المجامع المـسكونـيـّة تـعليـمًا عـقـائـديّـا متـجنّـبًا التـعـقيد ومتـجنّبًا السطحيّة بآن. وهذا كلام دقيق ومشبع ومطوّل.

للكاهن أن يأخذ موضوعًا واحدًا في الصيام او في يوم من الأسبوع طوال موسم او فترة طويلة من السنة اذا كان عنده مادة يُشبع بها المؤمنين.

وجه الكرازة وأساليبها ومراجعها وإلقاؤها تغني الحياة الروحيّة والفكر اللاهوتي في أيّة رعيّة، فلا يكتفي الكاهن بالموعظة على الإنجيل في كل قداس او خدمة، ولكن يتّخذ كل صناعة الكلمة اذا استطاع. واذا لم يقدر في البدء على إعطاء كل هذه الأنواع من الكلام فليكتفِ اولاً بما يستطيع، وليدرس باستمرار ليتمكّن من كل شيء لأنه خادم الكلمة.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

المعلّم / السبت 7 آذار 2009

بعد يومين تعيّد الأمّة للمعلّم الذي أنقذنا من الجهل والأميّة ووضع فينا العطش الى النور. لن أتكلّم الآن على حقوقه والإهمال الذي يُهمَل به. البلد الحضاري لا ينسى حملة الفكر والقائمين بالتربية لاسيّما الذين استطاعوا أن ينشئوك على الحق بكتاب وسلوك، بالأسوة الحسنة وكنت من أبنائهم في عمق وجدانك وعقلك بعد أن ولدتك أمّك. هذه بنوّة ثانية لا يفوقها الا الحريّة الروحيّة التي تجعلك من أبناء الله.

من الخلابة التي كانت تنزل عليّ في هذا المجال هو تساؤلي عن حجم المعرفة عند المعلم حتى أدركت أنّ في هذا بذلًا كبيرًا، ومما كان يؤلمني بعد مرتبة من البلوغ فهمي أنّ الرجل مغبون الى حدّ كبير مع أنّه يكدّ. في مطلع شبابي كنت أنقل الى بيت أستاذ أخذت عنه العربيّة مسابقات رفاقي مكدّسة وكان أستاذي رقيق البنية تسكنه علّة في الجهاز الهضمي. كنت أكبّر جهده وما كان يرضى الّا أن أنقل اليه أنا الأوراق لحسبانه أنّي أفهم القواعد وأعرب إعرابًا صحيحًا وما كنت جاهلًا للأدب ويؤثرني على الذين كانت الفرنسيّة تستغرقهم وما كان لهم حس بجمال لغتنا او عبقريّتها. كنت أشعر بجهده وفقره معا وانكبابه الدائم على اللغة.

دائما كان يستوقفني صبر المعلّم على الكسالى وعلى أهل الضجّة والقليلي التهذيب وعلى أهل التصرّف بنكاية. هؤلاء كانوا يدّعون أنهم ضحايا وكانوا في الحقيقة جلّادين لأهل العقل من أقرانهم وعلى هذا كان يسكب علينا المعرفة. كان دائما بيننا قوم لا يستلذّون المعرفة ويتساءلون لماذا يحلّ بهم العقاب. في كثرة الأحوال كان العقاب تأديبيًا ورجاء التحسّن عند التلميذ، ولكن الجهلة بيننا كانوا يشعرون بأنه انتقام.

ربّما كان هذا هكذا في أحيان اذ يقول لنا علماء النفس أن من بين مَن يختارون مهنة التعليم ساديّون تطلب نفوسهم معاقبة التلميذ. أنا لست أخصائيا من علماء النفس لأناقش هذا الأمر ولكنك تشعر احيانا ان ما كان المعلّم يسمّيه تأديبًا كان ثأرًا. لذلك لست أقدر ان أجعل من كلّ معلّم قديسًا. غير ان المهنة بحدّ نفسها التماس للحقيقة وإعطاؤها، ويخطئ من يخطئ كما يعلو فيها من يعلو.
# #
#
كان ثمة مواد لا أحبها بدءًا من الحساب والرياضيات ووصولا الى العلوم الطبيعيّة . كل ما كان متصلا بالحواس ما كنت أفهمه. قيل لي، فيما بعد، انّ هناك من يميل الى الآداب وهناك من يميل الى الرياضيات حتى لاحظت ان بعضًا من رفاقي وبعضا من كبار العارفين ملمّون بكلّ شيء حتى درجة البراعة وكان الموهوبون للرياضيّات يفتخرون أمامنا بذكائهم حتى أدركت أنك إن كنت تعرف قواعد اللغة، أيّة لغة فأنت دقيق الفهم كما من أحبّ الحساب والفيزياء. أظنّ ببساطة أن هذا كلّه اختلاف مواهب وانّ الفطنة هي إيّاها في هذا الحقل وذاك. وفي كلّ هذا شيء من الجهد. لا إبداع يطغى عليك وعلى من تربّي بلا جهد كبير .

هذا يشبه لقاء النعمة والجهاد كما علّمت في الكنيسة عندما باشرنا الصوم الاثنين الماضي. انت لا تستطيع ان يكون صيامك عظيمًا، عميقًا بلا هبة تنزل عليك من فوق وبلا جهاد كبير لتثمر فيك النعمة. أظنّ أن كل معرفة تتكوّن هكذا وأن دور المعلّم قد يبعث فيك شغفًا بمادة كنت تتجاهل فعلها فيك وكذلك يبعث فيك المعلّم جهدًا تؤتاه من الشغف. ومن هذه الزاوية أمكن القول إنه يجعلك ذلك الإنسان الذي ما كنت تتصوّره.

الذكاء الفطري وحده لا ينفع. يسحرك احيانا ذكي مفرط جاهل. هذا يحفزك على الدراسة ولا يحفزه هو اذ ليس عنده وسائل التنقيب. لذلك كان الجهل قتالا. ولذلك كانت مسؤولية الموهوبين والدول عظيمة في نشر المعرفة. ماذا تنفع أرض غير مفلوحة؟
# #
#
أريد هنا ان آتي بخبرتي استاذًا في الجامعة. بدأ هذا في أواسط الستينات لما أسند لي عميد كليّة التربية في الجامعة اللبنانية مادة الحضارة العربيّة. كان عليّ ان أعدّ كلّ الدراسة خلقًا جديدًا اذ لم اعثر في اية لغة معروفة عندنا في لبنان على كتاب واحد يتبسط في هذه المادة. كان طبعا كتاب جرجي زيدان عن التمدّن الإسلامي ولكني وددت أن أعطي شيئًا جديدًا موافقًا لتذوّقي للعروبة والإسلام كما كنت أقرأهما، وهذا أرهقني كثيرًا اذ كنت أقضي سبع ساعات إعدادًا لحصّة واحدة.

كان حبّي يزداد لمضمون التعليم كلّما اكتشفته وكلّما كشفته اذ كنت أسعى أن يذوق طلّابي مواضيعي كما كنت أنا أذوقها. بدأت أنا الكاهن بما اعتبره طلّابي صدمة اذ أوّل ما كنت أقوله في كلّ صفّ في أوّل لحظة من التدريس: «سأطلب اليكم أوراقًا او دفترًا لتتلقنوا ما ألقيه. كذلك أطلب ان يحمل كلّ منكم مصحفًا صغير الحجم، الشاب في جيبه والصبيّة في حقيبتها لأنّ القرآن سوف يكون لكلّ منكم مصدرًا من مصادر الحياة العربيّة». كانوا يتعجّبون بذكري لأيّة آية وأقول رقمها ورقم السورة. دهشتهم، على ما أظنّ، كانت في أنّ هذا الكاهن قد درس ديانة ليست ديانته. وكانت دهشتهم تعظم كلّما أحسّوا أن كاهنًا محسوبًا آنذاك على لبنانيّة ضيّقة ومسيحيّة متعصبة يستطيع ان يتكلّم عن العرب والإسلام بحبّ ولا يحاول إطلاقًا أن يقارن بين الديانتين اذ لم يكن مجال للمقارنة. فالأستاذ لم يكن معلّما للمسيحيّة ولكنه كان معلّمًا للإسلام كما الإسلام يتحدّث عن نفسه.

لعلّ هذا الذي كان نادرًا في تقدير طلابي ما كان هو الأهمّ. الأهمّ أنّهم عرفوا أني كنت أحبّهم. فأخذني بعضهم مرشدًا روحيًا ورأوا ليس فقط ان التحيز الديني لا أثر له فيّ بل ذهلوا ان تقديرًا خاصًا احيانًا يظهر من هذا الإكليركي لطلاب مسلمين بدوا متفوّقين اذ ظهر منهم بعد الدراسة شعراء.

الأستاذ يكوّنه تلاميذه كما هو يكوّنهم. هذه مسيرة باتجاهين. شكرت لله هذه السنوات التي قضيتها مع هؤلاء الأحبّة اذ تابعت بعد أن غادرت الجامعة سعيي الى هذه الحضارة التي كنّا نكتشف جمالها أنا وتلاميذي.

أمنيتي بعدما مارست التعليم أن يؤمن المسؤولون في الدولة أنّ المعلّم كاد أن يكون رسولا وأنّ لبنان ليس في جباله وسهوله وحسب ولكنّه في عقله، فإن لم يصبح مملكة العقل في دنيا العرب وربّما إزاء العالم لا تجمّله الطبيعة فيه.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الصوم الطيّب / السبت 28 شباط 2009

صام قوم منا منذ بدء الأسبوع ونصوم نحن غدًا لنشترك بالفصح العظيم . عقل الإنسان يذهب الى الإمساك عن طعام وشراب – وهذا ما نمارسه- والكلمة تقول: «ليس ملكوت الله طعامًا وشرابًا». ان تمنع عن فمك طيبات هذا هو الحد الأدنى لمجاهدة الامتناع فيها رمز فقط، صورة عن الفقر او عن خطاب نقول فيه تصويريا ان احدًا منا بلا امتناع لن يكون رسولا او لا يكون محبا او ينسى انه من تراب. جميلة هذه الحركة التي يرسم بها الكاهن الماروني صليبًا من رماد على جبين المؤمنين ليذكّرهم بأنهم ان لم يتوحّدوا بالأرض ليسوا على شيء. وجميل كفاح جيل عرفته قبل سبعين سنة من اليوم حيث ابناء كنيستي كانوا يمسكون حتى صلاة الغروب واذا أدوها يأكلون وجبة في اليوم واحدة.

كل القضيّة قضيّة هذه النفس. أين أنت منها واين هي من كيانك؟ وكيف تسير الى الله الكامن فيك ثم اذا أدركته تكون وراءه واذا وصلت اليه يأخذك معه او يأخذك فيه. ان لم تكن في الحضرة وترقص حولها كالدراويش لست ترى شيئا من صيامك وليس هو تكثيفا لهذه الحضرة في النفس. وهذا لا يتمّ الا بالفرح اذ يقول في الكتاب: «فاذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية. وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك علانيّة». انت ابن اذا جعت اليه وفي المصطلح المسيحي اذا أكلت جسد ابن الله اي اذا اتحدت بذاته فصعدت اليه او نزل اليك اذ بينك وبين السماء سلّم يصعد وينزل عليها ابن البشر وانت تلتحق به اذا صقلت نفسك ويلقاك عندما تحلو اليه او اذا اشتاقك ورآك تتروّض بتعب ولكن بحب.

مَن لم يعرف هذا الجهاد تفوقه رؤى والرؤية هي التي تتكلّم ومع انك تصوم لله وحده اذ معه هو القران غير ان الكتاب في مستهلّ إنجيل الغد يقول: «ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضًا. وان لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم ايضا لا يغفر لكم زلاتكم». انت لا تصوم للناس ولكن تصوم مع الناس. تضمهم اليك اي تلغي بالسماح عنهم خطاياهم لأنك ان لم تستدخلهم قلبك فليس الله في قلبك. تفريغ قلبك من التأذي الذي حصل فيه شرط سكنى الله فيك. عندنا اليوم مساء رتبة للغفران. فبعد انتهاء خدمة الغروب نركع حتى الأرض امام كل الحاضرين واحدا بعد واحد ونقول: «اغفر لي يا اخي انا الخاطئ» ثم ننتصب ونقبله وهو يعمل الشيء عينه والا لا نكون مؤهلين للولوج بالصوم. الصوم لا يحدث فيك طهارة آليّة. هو يذكّرك بالطهارة التي نزلت عليك لما استهللته.
# #
#

الصيام عمليّة مزدوجة: تفرغ نفسك من الطعام وتملأها بالصلاة وقراءة الكلمة. ليس هو مجرّد حمية. ما يحميك في الحقيقة ربّك ويحصنك. حاول ان تذهب كل يوم الى الكنيسة على الأقل مرة عند المساء لتنزل عليك معاني التوبة لتتحرّر من حب الرئاسة والكلام البطال كما يقول افرام البار وتكتسب «روح العفّة واتضاع الفكر والصبر والمحبّة». اتضاع الفكر محور هذه الطلبات. تدرب على الا تعتبر نفسك شيئا حتى يصبح الله في عينيك كل شيء فهو الذي أقامك من العدم الى الوجود. هل تستطيع ان تقول مع بولس: «جاء المسيح يسوع ليخلّص الخطأة الذين أولهم أنا».

المقطع الأخير من التلاوة الإنجيليّة غدا هو هذا: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والآكلة وينقب السارقون ويسرقون. لكن اكنزوا لكم كنوزا في السماء… لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم»

أبدأ بالمسؤولين في الكنيسة. في هذا يقول الأسقف بولس البوشي المصري المتوفى السنة الـ 1240: على الرسول ان يكون فقيرا. لا السيف ولا المال ولا النفوذ ولا العلم يبلّغ الرسالة. التبليغ يتم بالإله الذي فيك وهو ينطقك. وقد تنطق وتبلغ الرسالة بطهارتك وما عدا ذلك باطل. تجرّد من كل اقتناء لتقول والا يكون اقتناؤك هو المتكلّم. عندما سُئل سقراط كيف تزعم انك تقول الحقيقة. قال: فقري. كل كنيسة رئيسها قوي بقوة هذا العالم لا تستطيع ان تبلغ الرسالة. هذا الانسان غناه يجمّله. اذًا ليس عنده جمال في ذاته. ذاته المليئة من الله هي التي تصل الى الذوات الأخرى.

الكنيسة من حيث هي مؤسسة اتمناها غنية لتخدم الفقراء، لتكون كنيسة الفقراء الذين هم سادتها.

المال مفسد عادة لأنه سلطة و«كل سلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد مطلقًا». الجبابرة فقط يستطيعون ان يهربوا من هذه القاعدة. لذلك كان الفقر هو الأسهل لخلاص النفس. اعطِ تُعطَ احيانا هنا ليزيد امكانك على العطاء وتعطى دائما من فوق.

في القرن الاول من المسيحية في روما اذا لاحظ المؤمنون ان فيهم معوزين كانوا ينقطعون عن الطعام ليوزعوا ثمنه على المعوزين. كان هذا بدء مؤسسة الصوم عندهم حتى قال القديس يوحنا الذهبي الفم في آخر القرن الرابع: «ليس في روما من محتاج واحد مسيحيا كان ام وثنيا». الإحسان هو البعد الجماعي للصوم. بتعبير أبسط انت تمسك لتحب. ان انت اخترت الفقر تكون قد اخترت العطاء. تكون قد تحررت من فاعليّة أهل الدهر الحاضر لتحصل على فاعليّة أهل الملكوت اي انك تدخل الى نفسك الملكوت وتسكن فيه وتصبح بلا حاجة عملا بقول الكتاب: «اطلبوا اولا ملكوت الله وبرّه والباقي يُزاد لكم». تتدرّب ان فهمت هذا ان الله كنزك الوحيد وهو يطعمك كما يطعم العصافير ويزيّنك كما يزيّن زنابق الحقل ويضيئك كما يضيء النجوم فاذا رأيت نفسك عديم الملك يصبح الله مالكك وبه تستغني عن كل ما عداه.

فاذا كنت مصممًا هذا فادخل صومك مباركا. واذا رأيت نفسك غير راغب في هذا تكون قد قررت حمية وبقيت في موقع الطب وهذا ينفع قليلا. ولكن ان باشرت سعيك منذ هذا المساء بالغفران وروح التجرّد من كلّ وسائل الأرض ترى وسائل السماء قد نزلت عليك.

فلتلحظ نفسك متصاعدا الى السماء لحظة بعد لحظة. فاذا نظرت الى وجه الرب يحرّرك من كل رؤية أخرى ويقيمك امام وجهه ابنا حبيبًا.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الابن الشاطر / السبت 21 شباط 2009

لست أعرف قارئا للإنجيل الا مشدودًا لهذه الحكاية ربما لأنها حكايتنا جميعا. الذي ورد المثل عنده لوقا لا يسمي الذي ضل في سلوكه الابن الشاطر اي الذي طلب نصف مال أبيه ولا يسميه ضالا. والده ما نعته بهذا النعت عند عودته. هذا أخذ قسطه من الميراث سيولة وسافر الى بلاد بعيدة، وهناك بدد ماله في العيش بلا حساب او بعيش مسرف (في ترجمة أخرى) او في غيرها عند العرب والأجانب في الخلاعة. والمعنى السائد هنا وثمة في المجون.

تحت هذه المعاني المتقاربة ما أراده الكاتب تبديد المال الموروث الذي ما كان الا نتيجة الانفصال عن البيت الأبوي . ويؤكّد هنا أهمية الوالد عند رجوع الفتى وحنانه. ما يتضّح عند لوقا ان الخطيئة في طبيعتها هي من قبلنا رفض البنوة لله بمعنى انها ليست مجرّد ذنب قانوني منصوص عنه في الوصايا ولكنها رفض لأبوّة الله ومعايشته التي يعرف هو قوّتها ومداها وانت تدخلها وتذوقها.

الضال يريد نفسه وحده ، يقرّر ما يشاء هو اذ يعتقد ان الوجود هو في هذه الحريّة التي لا يقيّدها الفتى بقيد.

»فلمّا أنفق كل شيء، أصابت كل البلاد مجاعة قاسية، فوقع في ضيق». ليس حرا الآن ان يخطئ. لم تبقَ عنده وسائل للخطيئة. الخطيئة تكلّف مالا احيانا كثيرة. الخطيئة أمست بيت الشاب في الفترة الأخيرة من غربته حتى لم يبقَ له مأوى. الى أين المفر؟حاول العمل. وجد وظيفة في رعاية الخنازير. هرب من خطيئة الى خطيئة أخرى اذ أكل الخنزير تحرّمه الشريعة. لوقا البديع الوصف هل أراد ان يبيّن انك كثيرا ما تهرب من معصية الى معصية أخرى لأن المعاصي عالم متكامل؟

لم يعطه أحد طعام الخنازير «فرجع الى نفسه» ليجد فيها الفراغ. الخطيئة ليس لها كيان. انها العدم. انها المرارة لأنها المؤقت. لأنها الحزن. تلك هي حيلة إبليس اذ يصوّر لك بكذبه انها وجود اذا حلمت به يتحقق، وسرعان ما تحس انك قابض على الريح. واذا اغتربت عن الله كما فعل الابن الشاطر تقلّب لذّة على لذّة لشعورك بأن الثانية أطيب فتحس انك انتقلت من اللاشيء الى اللاشيء وانك لا تزال في الخواء.

كل الخطأة عرفوا الفراغ وندموا. ان يزيّن لك ان في يديك شيئًا ولا تراه كأنك عميت تصبح شاكًا في الوجود كله. لذلك كثيرا ما قادت كثافة الخطيئة الى الجحود. كنت تنتظر من المعصية سلوة ما، طربا، سكرة ما، فإذا لمست عدم كل هذا تظن ان الوجود كله عدم. المشكلة اقوى بكثير من ان نطيع الوصية او لا نطيع. المشكلة هي ان نكون في ظل الله او لا نكون، في حنانه او في غضبه. رأى الفتى كل هذا في نفسه لما عاد اليها. أحس انه لا بد ان يختار.

# #
#
لم يُظهر الكتاب انه كان في حيرة لأن الخيار كان بين ان يموت جوعا او الا يموت. هو قرار الحياة اولًا ثم قرار الاستمتاع بما هو منتشر عند أبيه. جاء القرار قاطعًا: «سأقوم وأرجع الى أبي». لم يبقَ شيء من كل ما اشتهيته في الغربة لما اغتربت. عند أبي اشياء، وانا بعت ابي، ظننت أنه يمكنني أن أمحوه ولو لفترة او ان اعوّض عنه بمتع، فأدركت ان الأب لا يقابله الا الجوع ومعاشرة الخنازير والتبدي الذي لا ينتهي.

»سأرجع الى ابي واقول له يا أبي». الكلمة ليست مجرّد تسمية. أقرّ بالأبوّة، أقرّ بالصلة تلك التي قطعها باغترابٍ ما كان له من ضرورة اذ كان العيش مؤمّنا. كان اغترابي قطيعة. ثم يقول في نفسه: «أخطأت الى السماء واليك، ولا أستحقّ بعد أن أدعى لك ابنًا فعاملني كأجير عندك». الخطيئة دائما خطيئة الى الله. ظنّ هذا الغلام انّ والده سيكون قاسيا، أقلّه انه سيعاتبه عتابا شديدا وانه سيبقى أقرب الى الأخ الأكبر الذي ما عصى لوالده أمرًا ولعلّه ظنّ بأنه ولو استرجعه ابنا لن يكون له دالة عليه او لا يكون بينهما حميميّة.

»فرآه أبوه آتيًا من بعيد». هذا يعني ان الأب كان في كثير من أوقاته واقفًا على سطح او شرفة يترقّب كل الأشباح لعلّ واحدًا منها يكون ابنه وانه لم ييأس من عودته. كان يخشى عليه الفقر والمرض.

»رآه أبوه من بعيد، فأشفق عليه وأسرع اليه يعانقه ويقبّله». في لوحة رمبرانت عن هذا المثل ترى الولد ضائعا في حضن أبيه وترى الوالد منكبًا عليه كأنّ اللقاء لصوق. هذا معنى «يعانقه». ظهر شوق الوالد بالقبلات. لا يقول الإنجيل ان الشيخ عاتب الفتى او لامه قليلا أو ان هناك. عودة الى ذكر الاغتراب. لا سؤال عن سوء السلوك المحتمل لشاب طائش. مُحيت كل سيئة بعدم التذكير بها.

بعد الرجوع كانت المسرات بالشاب الذي أبدى حبّه للبيت الوالدي اذ «قال الأب لخدمه، أسرعوا هاتوا أفخر ثوب وألبسوه، وضعوا خاتمًا في إصبعه وحذاء في رجليه. وقدّموا العجل المسمّن واذبحوه، فنأكل ونفرح، لأن ابني هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوُجد، فأخذوا يفرحون».

# #
#
التوبة الى الأب يقابلها الغفران والزينة الكاملة لذاك الذي جرّده تعاطي البغايا بهاء حشمته فعاد وتجمّل بالرضاء الأبوي. المثل يطول بذكر الغيرة عند الولد البكر الذي لم يحتمل ما اعتبره مكافأة عند أبيه لتعاطي أخيه الضلالة. ولكن الأب لم يأبه لذلك واعتبر توبة الصغير أسمى ما يمكن ان يرفعه ويعادل في ذا أخاه البكر الذي لم يرتكب خطيئة.

يقول بعض المفسرين ان الابن الضال يمثّل الأمم التي ضلّت والآن ترجع بالمسيح، وان الابن البكر يمثّل اليهود الذين لم يضلّوا في مجال العقيدة ولكن ليس عندهم امتياز، فالعائد بإيمانه كالباقي، ذلك اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان الذي كان ابراهيم متسلّحًا به قبل ان تنزل الشريعة على موسى حسب قول الكتاب: «آمَنَ ابراهيم بالله فحُسب له ايمانه برًا».
مهما يكن من أمرِ توبةِ الأمم الى الله في هذه الحكاية، نقرأ قبل مثل الابن الشاطر مثل الدرهم المفقود الذي يختتم بقوله: «هكذا يفرح ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب». القديسون كانوا يعتقدون ان الرجوع الكامل الى الله صعب جدا في هذه الحياة. في هذا حوار رهباني قديم يتكلّم على ما جرى مع القديس سيسوي (ساسين بالسريانيّة). هذا كان رئيس دير يحتضر وتحلّق حوله رهبانه وسألوه: «يا سيّدي، قل لنا كلمة حياة». فأجاب «أنّى لي ان اقول لكم كلمة حياة ولم أتب بعد».
يبدو ان المواجهة اليوميّة مع الله عند الراسخين في الحياة الروحيّة تعطيهم شعورا انهم لا يزالون خطأة. ان تصير من جنس الله لأمر نطلبه بحرارة ولا ندركه حقًا الى ان نَمْثل في حضرة الله.
ان الرب برأفته الواسعة يريد ان يجعل كلًا منّا ابنًا له شبيهًا بمسيحه واضعًا في اصبعه خاتم عهد الحب، والحب يردم كلّ هوّة بيننا وبين الإله الحق.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الهوية / السبت 14 شباط 2009

أود ان أعلو التمزق اللبناني وان اتفلسف حتى لا أقع في الحزن الذي يعترينا جميعا ولا ارى له منتهى الا بلطف الله اي بأعجوبة تغيّر كل معطياتنا. اليوم عزمت على ان احدثكم عن الهوية او الهويات التي بينها نتأرجح. كتاب امين معلوف عن «الهويات القاتلة» ان كل واحد منا ذو هويات كثيرة. انا كذا اي لست شيئا آخر ولكن على المستوى نفسه. انا ذكر اي لست انثى. انا من هذا الحي اي لست من ذاك. انا لبناني اي ما انا من بلد آخر. الهوية تفترض وجود الآخر. والآخر ليس انا الا بالحب. الآخر مقابلي. يحبني او لا يحبني. ولكن وجوده ثابت امامي. بيني وبينه مودة او بغض. ولكن في كل الاحوال هو آخر. احدد نفسي ازاءه والإزائية تعني الكثرة ولكن تنزع الى الوحدة. افراد متعددون، عائلات كثيرة، بلدان متواجهة، أديان متقابلة او متناقضة ولو نزعت الى التقارب. ولكنها لا تنصهر اذ تعطل عندئذ الهوية.

في البدء كانت القبيلة والفرد لم يكن. تجمّع القبيلة يلغي الفرد. وينشأ الفرد من مواجهته القبيلة. تصبح هذه ذات هوية اذا قابلت القبائل الاخرى. غير ان هويتها تقوى اذا بطل التبدّي واستقرت. عندئذ تنشأ المدينة. من هنا ان ابن خلدون صنّف الناس بين البداوة والحضر. في الحضر انا مرتبط بأرض ومتصل بالناس الذين يعيشون فيها افرادًا مستقلين ولو كانوا اعضاء في عائلات. والعائلات تتعايش على أساس هوية الاسم. وهي متعاونة او تسعى الى التعاون بسبب من تعدد المهن ومشاركة اهل المهن في الانتاج. تنتقل الهوية، اذ ذاك، من العيلة الى المدينة. عندنا هنا هويتان متكاملتان ولو سيطر زعيم على زعيم وتضاربَت الأسر او تقارعت. في المدينة اجتماع ولو على زغل احيانا او منافسة. وعند اجتماع المدن عندك وطن يقوم على وحدة وعلى خصومات معا الا اذا برز عدوّ فتشتد الهوية الوطنية وتظهر ايديولوجيات للتغطية ولكن لا تفنى خصوصية الافراد ولا خصوصية المدن. تجتمع الهويات او تتراكم وانت من هذه وتلك وتتأنسن العلاقات كما لم تتأنسن في العشيرة. الأنسنة تقوى اذا قويت روح المسؤولية.

داخل الوطن المدينة واحدة. كانت ذات سور لأنها تعيش حياة العداوة للذين هم خارجها. الموتى المسيحيون كانوا يُدفنون في العصر العثماني قبل أواخره خارج السور. الأعداء، المتوحشون، الغرباء ليسوا من المدينة ولو عاشوا ضمن السور. وهذا اخذ يضعف عندما ظهرت فكرة الوطن. اهل المدينة يسودهم القانون وخارجها ليس من قانون حتى يسود القانون العام ولا يبقى من غريب داخل السور او خارجه لأن القانون امسى القاعدة التي يعيش عليها كل الوطن.

# #
# وتتعقد الامور اذا حلّت الطائفة كقبيلة. الطائفة تهدد وحدة المدينة ووحدة الوطن لأنها أضحت في النفوس هي المجتمع ولم تترسخ في الأذهان وحدة الوطن.

في الحقيقة ان الصراع بين الطائفة والبلد لا يقوم الا اذا اعطيت الطائفة والبلد المضمون نفسه اي كانا كلاهما الوحدة الاجتماعية. الطائفة وحدة روحية اي الله يسودها ولا يقوم بين ابنائها مصالح في حين ان البلد يقوم على المصالح المشتركة بين ابنائه. فاذا اعتبرت طائفتك قوما اعضاؤه مرتبطون بمنافع الارض تكون قد خلطت بين ما كان قائما على الايمان وما كان قائما على منافع الدنيا اي تكون عائشا في هويتين متناقضتين. وبدل ان تكون في طائفتك عبدا لله تكون قد سخّرته ليكون في صالح قوم لهم ذاتيتهم المجتمعية وتكون قد جرّدت المجتمع المدني من طابعه المدني ليكون لا شيء. في الطائفة المعلمنة (القائمة عوض البلد) تكون استعملت الله ليلغي البلد اي تكون قد جعلته جزءا من طائفتك وهو ليس وقفا عليها لأنه رب العالمين. وتكون قد انتزعت من عقيدتك الدينية روحانيتها وكونها جسرا الى الآخرين وينبوع محبة.

انت مسيحي روحاني او مسلم روحاني ولست مسيحيا قوميا او مسلما قوميا. فاذا حل الروح الالهي فيك فهذا يدفعك الى ان تكون مواطنا اي قائما على الارض المشتركة التي هي الوطن وقلبك في الله وهو في قلبك، وللوطن مسعاك الأرضي في العمل وبذل الذات في سبيل الآخرين ويمسي حسّك بالآخرين الذين لهم هوية دينية اخرى خدمة للجميع. لست اقول ان بين الهويتين فاصلًا ولكن بينهما تمييز. فالوطن ليس مجموعة الطوائف لأنه من جوهر والطوائف من جوهر آخر. ومع هذا لك قلب واحد تحب به البلد وتحب ديانتك، ويدفعك دينك الى محبة الجماعة الوطنية وتحمي هذه قناعاتك الروحية.

لذلك لا معنى للقول ان الوطن هو فوق الطوائف ولكنه ليس الطوائف. وانت لا تمر بطائفتك لتتحد بالبلد ولا تنفي ايمانك الديني لتخدم البلد. نحن في مجالين مختلفين يلتقيان في قلبك ومسعاك ولكل منهما حقيقته وكيانه لأن الله -في اعتقادك- يكون لطائفتك ولبلدك معا. وانت تكون فيهما ولكن بهويتين. وتذهب من جماعتك الدينية الى بلدك ومن بلدك الى جماعتك الدينية لأن ربك جامع بينهما فيك.

عندنا في لبنان تمايز بين الطوائف وتداخُل معا. في عيشنا المشترك تقابُل بين اهل الاديان وتناضُح معا بسبب من مشاركة الوجود وبسبب من تقارب القيم وكثيرا ما كانت واحدة على الصعيد الخلقي وفي حالات كثيرة على الصعيد العقدي أقلّه في التوحيد ولو كانت ثمة مباينات في هذا الموضوع او ذاك. ولذلك قيل ان عند المسلم اللبناني شيئا من المسيحية وعند المسيحي شيئا من الاسلام. ففي معانٍ كثيرة نحن متداخلون، متماسّون. ومن هذا القبيل تنفع الاديان في تكوين الوطن.

الخطر يبدأ في اعتبار هذه الطائفة نفسها كل الوطن. انا لست أقول ان هذا قائم عندنا ولكني أحذّر من قيامه لأننا نريد ان يكون مجتمعنا واحدا على الصعيد المدني. الخطر عندنا ان نُحوّل الطائفة الى كيان منغلق او مكتف بنفسه في حين ان الطائفة ينبغي ان تنفتح من حيث هي كتلة على كل الطوائف ما لا يُزعزِع ذاتيتها الروحية وإسهامها في بناء الحياة كلها.

الخطر ان تتحول الطائفة الى قبيلة تتبدّى وحدها في حين ان واجبها ان تتحد بالمجموعات الاخرى على صعيد التجمع الوطني. واذا فهمتْ ذلك تطرح الخوف خارجا. اذكر حديثا جرى في الحرب لما كان زعماؤنا المدنيون مجتمعين في مطرانية الروم الارثوذكس في بيروت. كان ذلك في عهد المثلث الرحمات المطران ايليا الصليبي. اذكر ان الشيخ بيار جميّل قال للمسلمين: نحن نخافكم. فأجابه المغفور له تقي الدين الصلح: الخوف عيب. لماذا تخافون. فردّ عليه الشيخ بيار: لماذا تخيفوننا. أليس هذا عيبًا؟

الصلاح في ألا نخاف وألا نخيف. وهذا يحصل لو اعتبر الفريقان ان لهما هوية واحدة دنيوية أعني الهوية اللبنانية.

بعد مرور كل هذه السنوات لا يشك فريق بالهوية اللبنانية عند الفريق الآخر. ولكن كيف نفعل كل هذا؟ في الوضع الحاضر لم يبق الخلاف، على ما اظن، خلاف طوائف بل خلاف حزبي اي خلاف خيارات على الصعيد السياسي حصرا. اعرف ان تأكيدي هذا يشك فيه الكثيرون. ولكن أدركنا الآن وقتا لا يشك احد في الخلافات السياسية بيننا. انا ليس عندي وصفة لحل هذا النزاع. وصفتي فقط ان يحب بعضنا بعضا بحيث ندعو الله ان يجمع بيننا واذا ما حل يكون اضعف الايمان الا نشتم بعضنا بعضا واقوى الايمان ان نتحابّ.

السياسة لا تحل كل عقدها. الله وحده هو حلاّل المشاكل. ودعوتنا هي اذًا اليه. وما لم نستنزل الله الى القلوب لن يتغير شيء في لبنان. لبنان بلا اله في نفوس الناس يبقى متفسخا، والانتخابات لا تحل عقدة ما لم تقترن بالغفران اي بالتلاقي الذي يمليه الله علينا. عند ذاك تكون لنا هوية روحية واحدة مع اختلاف الدين. نحن في حاجة الى توبة كل جماعة الى الجماعة الاخرى واعتبارها اساسية للمشاركة الوطنية.

هل تحصل الأعجوبة اذا سعينا الى الحرية الواحدة لكل ابناء البلد والى تنميته الواحدة لكل المناطق والى ازدهاره الاقتصادي والى الإبداع الفكري الذي هو في مصلحة الجميع. انا واثق ان هذا اذا حصل تأخذ الخلافات بالزوال ونمشي معا ليزول حكم القبائل وتنشأ المدينة الفاضلة. نحن عندنا معطيات وجمالات روحية لكي نبني حياتنا على العقل والقلب معا. ونحن قادرون ان نبقي بلدنا طيّبا بمواطنيه وسالكا دروب الحق ومعتَقا من كل سيئاته القديمة ليتجلى بالله الذي يريد ان ينزل عليه.


Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الاشياء العتيقة قد مضت / السبت 7 شباط 2009

الاثنين الماضي كنا في عيد دخول المسيح الى الهيكل ويقال له في اليونانية عيد اللقاء واني لمتخذه رمزًا لأقول ما وددت قوله. ولعلّ عمق المعنى ما استهلّ به لوقا هذا الفصل بقوله: «ولما حان يوم ظهورهما (اي مريم ويوسف) بحسب شريعة موسى، صعدا بالطفل يسوع الى أورشليم ليقدّماه للرب» كما هو مكتوب في شريعة الرب: «كل ذكر فاتح رحم هو نذر للرب».

لقاء مع الهيكل، لقاء الهيكل الجديد الحي بالهيكل القديم. وكان هناك رجل مدعوّ سمعان ما كان من الكهنة. هذا اقتبل الطفل وقال انه يحمل الخلاص لليهود وللأمم. أقف عند هذا لأقول اولا ان اليهوديّة زالت وهيكلها انقرض بإحراق الرومان له السنة السبعين وتاليا ان كل شيء عتيق قد مضى كما قال بولس وكما نشعر نحن ابناء العهد الجديد الذي أقامه الله مع الذين جدّد قلوبهم وسكنها. فبخلاف ما يظن الناس لم تبقَ ديانة العهد القديم حصرًا. انها في الوجدان اليهودي مكللة بالتلمود وفي الحياة اليوميّة يسودها التلمود الذي كتب خمسة قرون بعد المسيح. لقد اخذ يسوع الناصري اليهودية الى المقاصد الإلهيّة التي كان الكلام الظاهري يغلفها. الفرائض اذا بقيت حرفا ننفذه قاتلة للنفس، مستعبدة لها. وقمة التطوّر في هذا ان صار اليهود عابدين لأنفسهم، عابدين للأرض. كأنهم من حيث هم جماعة قائمة على «أرض الميعاد» مخلّص لأنفسهم وللعالم. هذا هو حال لاهوتهم من زمن بعيد، كأن الله يهمّه تراب الأرض، كأنه أمين سجل عقاري لمصلحتهم.

نحن المسيحيين الشرقيين نقول ان اليهوديّة زالت من حيث هي نواميس وهيكل (حتى لو لم تنقرض حجارته) وان الذهنيّة اليهوديّة من حيث هي حروف شرائع لم يبقَ لها مكانة عند الله وتاليا صراعنا مع الصهيونيّة القائمة على مفهوم الأرض المقدسة صراع لاهوتي. لذلك لا نفهم اللاهوت المسيحي الغربي القائل بأن اليهود لا يزالون شعب الله الحامل رسالته للعالم. فبعد ان صارت الكنيسة شعب الله ابتلع المسيح كل شيء قديم ليجعله جديدا. من أمات الأشياء القديمة في نفسه يحيا مع المسيح الذي هو الجدّة كلها.

لقد انهدمت الهيكليات القديمة التي تحمل بذرة الموت وحضارة الموت لتحمل بذرة الحياة وحضارة الحياة. كل واحد منّا فيه نزعة الى التحجّر اي الى تحويل الحياة الى هياكل مصنوعة بالأيدي بحيث ينقطع عن إحيائه الينبوع الذي كان يسيل فيه بعد ان تفجّر في جوف الله. وهكذا يفترض ان يعتبر العتيق فيه عتيقا كما الخلايا في الجسم تعتق وتسبب الموت. هيكليات العقل المعتق زائفة بطبيعتها وتتأكلنا من الداخل كالخلايا السرطانية ولا احياء ممكنا للجسم الا اذا أمست كل مكوناته جديدة.

كل انسان ميال الى العتاقة لأن الجديد مقلق لكونه يغترض المسؤولية اي إرادة التغيير كأننا مولودون جديدا وهذا في المصطلح الانجيلي يسمى الولادة من الروح.
# #
#

قصتنا مع الحياة هي كيف نكافح قوة الموت الروحي الذي فينا. كيف نواجه الاهتراء. ما يسمى السقوط في الكنيسة الشرقيّة ليس خطيئة ورثناها منذ البدء. انت لا ترث مسؤولية سواك، ذلك ان كل نفس تموت بموتها اي بسوئها الداخلي وتحتمل ذنبها لا ذنب سواها. غير ان الانسان يولد معطوبا. كل يوم من حياته يقرّبه من الموت ويدخل دائما الى كيانها ما يعرقله عن تحقيق دعوته الإلهيّة، ما يحول دون صعوده او يؤجّل صعوده. بهذا المعنى العميق «كل نفس ذائقة الموت». بالتعبير القديم هذه هي تجارب إبليس او هجمات الشهوة فاذا استغرقت في شهوات الأرض تفقد ميلك الى رغبة في السماء حيث تجديد الحياة.

كل خوف من الموت يجعلك تصطنع هيكليات، عادات تنكفئ اليها وتظن انها تحميك من مختلف تعابير السقوط. في الحقيقة الإنسان في هروب. يحس ان وجه الله اليه مطاردة او ان الله يطلب الكثير ويتطلب الجهد وهذا يهدد الهياكل التي اصطنعناها في داخل لنفس نلجأ اليها وسرعان ما نلحظ ان اللجوء اليها لا يشفينا.

سمعان الشيخ لما اقتبل الطفل يسوع تمنى الى الله ان يأخذه اليه. «ان عيني قد ابصرتا خلاصك» قال. والخلاص جدة الله اذ الله ما كان ابدا بعتيق -هذا الكلام- يخفي عند قائله قصده ان الهياكل العتيقة فيّ عندما واجهت طراوة المسيح لها ان تنقرض وانا اصير انسانا طريئا كهذا الطفل. واذا صرت كذلك اشتهي طراوة الله وأشفى.

الخلاص ليس فقط يخلّصك. انه يجددك لأنك اذا أبصرت الله محييا تحيا. تحيا بحياته. «من جاء من فوق، فهو فوق الناس جميعا. ومن كان من الأرض فهو أرضي وبكلام اهل الأرض يتكلّم» (يوحنا 3: 11) وهذا لا علاقة له بالأعمار «لأن مولود الجسد يكون جسدا ومولود الروح يكون روحا» (يوحنا 3: 6).

اجل لكل انسان بدن ولكلٍّ عقلٌ. هذا من الطبيعة المخلوقة وقيمته عظيمة على هذا المستوى. ولكن لا يقاس بما نزل نعمة. عند ذاك لا ينظر الى الأبدان ولا الى العقول لأن جميعها لا تقارن بالنعمة فلا شبه بين ما جاء من الطبيعة وما جاء مما فوق الطبيعة. ما جاء من تحت محافظة وترويض بشري. ما نزل من فوق لا تنفع فيه الأجساد ولا العقول ولا الدولة ولا انظمة العالم ولا التنظيم الذي أقامه الانسان لنفسه ظانا انه يفيد من ترتيبات العلم وانه ينمو بها ويثبت بها.

# #
#

انت جديد اذا رأيت ملكوت الله حسب قوله: «ما من احد يمكنه ان يرى ملكوت الله الا اذا ولد ثانية». (يوحنا 3: 3). الولادة من امرأة هي من الطبيعة. الولادة من الله من مشيئة الله وقبول الإنسان لها ولكنها في حاجة دائمة الى تقوية بالطاعة. ليس من عهد ضمان يجعلك آليا لصيق الله. انت معرض للخطر الروحي. لذلك عليك ان تسهر. اليقظة الروحيّة تقتضي ان تحبها، ان تجد فرحا بمرافقة الله اياك. معايشتك الله لا تنشئ فيك هياكل لوجوده معك. انت دائما في حاجة الى ان يمدك الله بنعمته وتتقبله انت كما تقبّل سمعان الشيخ يسوع.

هذا السهر الدائم ينجيك من الخوف. اطلب الى الله ان يلازمك، ان يجعلك دائما خليقة جديدة قفزت فوق الموت. أخطر تجربة تعتريك هي الخوف. «المحبة تطرح الخوف الى الخارج». هذه صلابة ليست منك ولا تدوم من نفسها. تبقى بالصلاة غير المنقطعة، بذكر اسم يسوع الذي اذا ردده لسانك يصبح حضورا وعند الحضور يتلاشى الخوف. عندئذ تمضي الأشياء العتيقة. اذ ذاك تشعر ان ربك جعلك من ابناء الملكوت.



Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

هل المسيحية معقولة؟ / السبت 31 كانون الثاني 2009

لست في معرض المقارنات بين الأديان ولا المفاضلة ولا التحديد لطبيعة الدين. هل هو شرائع وفرائض وتنظيم ومحظورات. المسيحيّة ليست من كل هذا وان كان لا بد في أزمنة الناس ان ترتّب بعضا من شؤونهم. ولكن المسيحيّة في مطلقها شيء آخر فالمحبة التي هي كل المسيحيّة بما فيها عقائدها هي حركة إلهيّة في القلب وبالقلب وتحرّك الى الأخ ومن هنا انها لا تشبه شيئا آخر.

فاذا قلنا ان الله محبّة واضح انه لا يخفي وراءه عددا فمن عدّه كما يقول الإمام علي. فقد حده اي لا تنطبق عليه مقولة الرقم فإن جعلته واحدًا بمعنى النفي للاثنينيّة تكون قد عددته. واذا قلت ان فيه ثلاثة وجوه تكون قد عددته فأنت لا تعنيها حسابيا. وحدانية الله عندنا لا يجوز عليها المعنى الرقمي.ّ في إطارها فقط نستطيع ان نرى الله صفات تصفه ولكن جوهره بارز بأفعاله كلها التي تجمعها المحبة.

من تعابير هذه المحبة سرّ الشكر أي مناولتنا الكأس المشتركة يوم الأحد الذي كُتب عنه لاهوت ضخم ودارت حوله جدالات لم تنته مع هذا ليس هذا السر سوى انسكاب ذبيحة المسيح التي رفعها الى الآب وهي اياها التي نشارك فيها. الحياة التي انتشرت من الجلجلة على الكون نستدخلها لنحيا في اقتبال الحب الذي أحبنا الله به. نحيط هذا التناول بأناشيد وتلاوات. اما جوهر السرّ فنزول المحبة الإلهية علينا والاستجابة لها بالطاعة.

بيّنت في غير موضع ان «عيد الأعياد وموسم المواسم» الذي هو الفصح انّما هو عيدنا الوحيد لأنه غلبة المسيح الموت وكل عيد آخر ليس سوى توضيح لسر هذه الغلبة. عندنا في الأعياد فقط صور عن المحبة.

المسألة هي هذه ان المحب ينزل حبه كاملا على المحبوب اذا أدرك هذا محبوبيّته. الله يدعونا الى ان نعرف محبوبيّتنا وان نبشّر بها والمسيح كلّه في هذا. اجل انت في حاجة الى تعاليم ولكن هذه كلها ان هي الا لتفهم انك مدعو الى دخول الخدر الإلهي. لكل حديث بغير هذا اللقاء بينك وبين الله لغو.

هناك من كان غير قادر على هذه الرؤية لأن نفسه مدلهمة او قلبه ضعيف الحس حتى يقذف الله نوره فيه.

والنور من النور يقتبس. فمن شعر بمحبوبيّته ينقلها الى الآخرين. لذلك بعد ذكر المحبة لله كانت الوصية أحبب قريبك كنفسك. لماذا تستطيع ان تحب الآخر مع كونه آذاك؟ لعلمك بأنه حبيب الله ولا تستطيع انت الا ان تحبه بالمحبة التي ورثتها انت من ربك. كل ما ليس على مستوى هذه المحبة هو مقاضاة والمقاضاة تفترض ان على الأرض من يدين الآخر بقوانين وضعها البشر. ان أقاضيك تعني اني اراك دوني او ضدي واني اريد ان استردّ ما هو لي بقوّة القانون.

في ملكوت المحبة ليس من مقاضاة في عالم الخطيئة تلجأ الى المحاكم في حال انك مارست المحبة ورفضها الآخر. أجل في الدنيا مال وحقوق وأرزاق. هذه يسوسها أهل الدنيا ولا بد منهم في عالم الخطيئة. وقد لا تستطيع ان تهرب من الدهر الحاضر. ولكني في المسيح يسوع انا آخذك معي الى الدهر الآتي. اشدك اليه بكل جوارحي أصلي من أجل أن ترافقني اليه. قد تكره الدهر الآتي لأنه يهدد مصالحك. والصدام قائم ابدا في هذا العالم بين رغبتك في الله وانصبابك في شهواتك. الخيار لك.

دائما يواجهنا الناس بقولهم: كيف نحيا حسب الإنجيل فاذا لم نكذب في العمل الذي نحن فيه او نراوغ او نسرق فليس لنا عيش. ان هذا على صعيد الواقع ليس دائما صحيحا فليست كل المؤسسات قائمة على الخلل. هناك من كنت اعرفهم في الجسم القضائي من اكتفى بمعاشه ولكن اذا حصل تعارض بين الفكر الإلهي وانتظامك في عمل تختار الفكر الإلهي.

مرّة قالت لي فتاة ان رب العمل الذي انا فيه يراودني عن نفسي واذا لم ألبِّ يفصلني عن وظيفتي. قلت لها لا مانع ان تنفصلي. هناك قرارات في هذا العالم لا بد لها من حزم وعزم لتلازم الله ويلازمك، لتربطك به علاقة المحبة. هذا يفترض ان تفهم قول بولس: «لست انا احيا بل المسيح يحيا فيّ».

اذا ادركت هذا الطور من العلاقة لا تبقى لصيقا بالعالم الشرير. يزعجك تسرّب هذا العالم الى نفسك بعد ان روّضت هذه النفس على السلام الذي يعطيك السلوك الإلهي.

دائما الخطيئة خلابة وتتراءى لك مرات ساحرة. لست اعرف كذبا كالذي في الخطيئة. تتراقص امامك فيها ملذات سرعان ما تعرف انها موقتة من جهة وانها مريرة من جهة او هي مريرة لأنك قبل اقترافها كشفت لك أحلاما لم تحقق. المحبة الإلهيّة هي وحدها القوّة التي لا خيبة فيها لأن الله لا يقدّم لك الا في ما هو في صالحك.
اجل في الإنسان امام الإغراء معطوبيّة كبرى ويسعى ان يلجم نفسه بتطويع الإرادة. وعندنا في الأدب النسكي مطولات عن الأهواء المختلفة التي ترتاعنا ولكن قلّما نجد في الأدب الشرقي ما يفيد ترويض الإرادة. اجل هناك هروب من الخطايا ولكن ما يقف في وجهها ان تعرف مشيئة الله في هذا الشأن وذلك ان تعرف ما يقوله الله في كتابه حتى تتزوّد بالكلمة ترسًا وخوذة وسيفا كما يقول بولس. هناك رجاء الخير اذا أحببته واستولى عليك. هو يكون لك حصنا ويدفع عنك هجمات الشرير. ولكن كثرة من الناس لا يحبّون لأنفسهم ما يسمّيه الله خيرا ويرتضون ما يسمّيه الله شرا. هناك بشر محبب اليهم البخل والبغض والكذب واقتناص الفرص للارتكاب وعسير عندهم جدا ان يبدلوا حبا بحب لأن هذا يهدم كل البناء الذي أقاموه في أنفسهم للخطايا. واذا استغرقوا فيها حتى التحالف يسألونك عن طريق للخلاص.
بعد ألفة الشر الطويلة تصعب التوبة والثقة بإمكان الخلاص. وما ذلك الا لأنك حالفت الخطيئة وصارت بعضا منك. لا تعرف ان ألفة المحبّة الإلهيّة تنجّيك حقيقة وتسندك طويلا وربما على مدى حياتك.
في الموعظة على الجبل هذا الكلام: «ان كانت تقواكم لا تفوق تقوى معلّمي الشريعة الفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السموات» (متى5: 20). القضية كلها عند يسوع الناصري الا نكون ذوي تدين ظاهري قائم على الفرائض من صلاة وصوم وقراءة الكلمة الإلهيّة والعبادات ولكن ان نستقبل الله في القلب.
بعد هذا يقول: «سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. اما انا فأقول لكم: لا تقاوموا من يسيء اليكم. مَن لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر». العين بالعين كانت إحراز تقدم على الثأر الانتقامي. بقيت ماكثة في الحقوق. لا تريد ان تلغي الحقوق فأنت من أهل الحقوق، من الدولة. السوآل هو كيف تنتقل من عالم المقاضاة الى الملكوت الإلهي؟ الجواب: «احبّوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم فتكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات». والمعنى طبعا انكم وضعتم حدا للقصاص ودخلتم ملكوت التساوي بين أبناء الله الصالحين وابنائه الأشرار. يمكنك ان تفهم هذا اذا عرفت ان رحمة الرب مسكوبة على الناس جميعا.
المسيحية، مفهومة هكذا، معقولة.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

ماذا بعد غزة؟ / السبت 24 كانون الثاني 2009

لا يمكن ان ترى الى ما بعد غزّة الا اذا قرأت اسرائيل دولة قاتلة مشبعة بالنازية. دماء الأطفال والنساء والحوامل منهنّ كانت تمرينا لقتل العرب، تمرين إبادة لمن يقف في وجه الدولة اليهودية التي تبرّع جورج بوش بنعتها كذلك. والمعنى البادي لهذا النعت ان المشتهى الا يكون في هذه الدولة قوم غير يهود. هذه العقيدة القوميّة – الدينيّة العنصرية حتى الشوفينية تقضي بإجلاء الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائلية او بقمعهم حتى يهاجروا او يرموا أنفسهم في صحارى العرب.

صواريخ حماس والفصائل ذريعة للهجرة الوحشية على غزة، هذا بغض عتيق لهاجر ولاسماعيل منذ تدوين سفر التكوين وصراعنا ليس مع هذا الكيان الهجين وحسب ولكن مع ما يحمله من بغض يؤدي منطقيا الى الإبادة. لست أود هنا أن أدخل في استجلاء معنى «الشعب المختار». هذا له معنى النعمة المجانية التي سكبها الله على ابراهيم وعنى الله بها خدمة التوحيد وليس فيها استعلاء ولكن الشعب المارق ابتدع الاستعلاء فعبد نفسه وادّعى حقّ الإبادة واعتقد انه تفويض إلهيّ وهكذا وضع هتلر على منطقة (زناد) كل جندي الماني العبارة الكتابية Gott mit uns  اي معنا هو الله..

وتعلمن المفهوم وتباعد عن الإيمان شطر كبير من مواطني اسرائيل او من معظم مواطنيه. ومع ذلك بقيت الدولة المتعلمنة كثيرا، بقيت يهوديّة بالمعنى المجتمعي. والذين ليسوا على اليهوديّة ليسوا، في الحقيقة، من هذا الكيان الذي يدّعي انه وحده ديموقراطية في الشرق.

عندما تقول الإدارة الأميركية ومن يقول قولها من الأوربيين انهم يريدون إنشاء دولتين متجاورتين على أرض فلسطين التاريخيّة ماذا يعنون؟ المبتغى ان يكون الفلسطينيون «عاقلين» ويرجوا دولة يهوديّة عاقلة ايضا. ولكن هل تعقل فلسطين بلا قدسها؟ هل تعني كل الأرض شيئا بلا القدس؟

الكلام عن دولتين يعني المسالمة بين واحدة لا تقيّدها ايديولوجيّة واخرى أسيرة الايديولوجيّة الصهيونيّة. قد يحلّ بينهما سلم ظاهر ولكن هذا ليس بتفاهم. هذا التباين يظهر شعبًا عربيًا يؤمن بأن الانسانية واحدة وشعبًا صهيونيًا تنفي فلسفته الاعتقاد بانسانيّة واحدة. ماذا يعني الجوار بين شعب لا جيش له وشعب كلّه عسكر يرتدي البزّة متى شاء لكونه مجتمعا حربيا. دولتان بلا توازن بينهما مشروع حرب كامنة في نيات الطرفين.

السؤال الذي يفرض نفسه نظريا هو هل نريد اسرائيل ان تبقى؟ هل صولِحنا مع هذا الكيان المغلوط الذي حُبل به بالإثم ووُلد في الخطيئة. مفروض علينا ان نشرعن ولادة زانية. مع هذا لست أدعو الى محو اسرائيل بالسلاح. أخشى الا يكون هذا ممكنا في المستقبل المنظور. والأهم من كل ذلك أخشى، تنفيذا لهذا، ان نقع في خطيئة الإبادة التي وقع فيها اليهود في غزة وقبل غزة. انا أريد ان نحافظ على اليهود مع رفض للدولة اليهوديّة. هذا يستتبع تساؤلات عديدة حول قوّة العرب اذا اجتمعوا. وعلامَ يجتمعون اذا أرادوا؟ ثم متى وكيف يلتقي الفلسطينيون ليُبدوا رأيًا في انتصار ما على اسرائيل؟ هل يعتقدون ان صاروخًا من هنا وصاروخًا من هناك من شأنه ان يُنهي الكيان العبري؟ هل أوافق حماس على قولها ان فلسطين كلّها وقف إسلامي؟

# #
# انت لا تقدر ان تلغي ايديولوجية يهودية بايديولوجية إسلامية. هما قول واحد. انا لا أفهم ان يرفض العرب دولة يهودية لكونها يهودية وكل دولهم ما عدا لبنان دول إسلامية في دستورها وواحدة منها رئيسها مسلم وجوبا. انت تحارب اسرائيل بفكر آخر او هي غالبة.

واذا افترضنا اننا ضربنا الغطرسة اليهودية بإسلام متسلّح ونتيجة ذلك اننا اقمنا حكمًا إسلاميًا في فلسطين موحّدة اين مكانتي أنا المسيحي العربي على أرض «فلسطين المستعادة»؟ عنوان مكافحتنا اسرائيل هو تاليا العروبة او الإجماع العربي.

لا تنتهي القضية بترتيب البيت العربي في فلسطين مصغّرة، خجولة، هزيلة. المسألة ليست في إنشاء هذا الكيان ولكن في اعتراف الفلسطينيين او عدم اعترافهم بالدولة اليهودية. اذا تضمن إنشاء الدولتين تبادلا ديبلوسيًا بينهما انتهت القضيّة الفلسطينيّة. لاسرائيل ان تبقى على مستوى الواقع لا على المستوى الحقوقي de jure .  ليس فقط لأننا نتمنى ان تتوحد كل أرض فلسطين التاريخية ولكن لأننا ننكر الايديولوجية الصهيونية. اذ نحب ان يتحرر اليهود من هذه الايديولوجية القاتلة كيانهم الروحي وانسانيتهم السليمة. نحن ليس عندنا رفض لشعب اليهود في العالم لأننا نحب خلاص نفوسهم ولأن عندهم على مدى العالم طاقات فكرية وعلمية عظيمة. من كان عدوًا للإنسان اليهودي لا يستطيع ان يخدم قضيتنا. نحن نبغي تحريره من عقائدية سلبية ورافضة للإنسان الآخر.

بمجيء السيد اوباما الى الرئاسة الاميركية قد تُمارَس ضغوط رهيبة على العرب حتى يعترفوا جميعا باسرائيل ويبادلوها البعثات الديبلوماسية ويطبعوا العلاقات معها. قد يضطر الفلسطينيون ان يُحشروا في بقعة صغيرة من بلادهم مع قبول بعض المؤسسات غير العسكرية. أخشى ان يجيء زمان مظلوميّتهم. لا ينبغي اذا هم قبِلوا بذلك ان يسترخي بقيّة العرب.

انا أدعو الى الرفض العربي، الى استمرار رفض الكيان الصهيوني. المقاومة العسكرية ستزول بإيجاد الدولة وبقبول ضمني او صريح عند العرب للدولتين. المقاومة العسكرية وجه من وجوه الرفض. الرفض هو المبدأ في مواجهتنا اسرائيل سياسيا وفكريا وهو ممكن مع السلام. غير ان تشكيل الدولتين يفترض قبول الفصائل به. كيف؟

ولكن من الآن لا بد من توحّد الفصائل وتوحيد الحكم الفلسطيني واستمرار المفكرين والأكاديميين والصحافيين في ذهنيّة الرفض وروحانية الرفض. هذا على رجاء ان يقف حمّام الدم في غزة وغير غزة. هذا يعني انسحاب الجيش الاسرائلي كليا منها وإعمارها او الشروع بإعمارها.

وهذا يعني ان تموت الصهيونية في العقول بما فيها العقول اليهودية. وعلى مدى طويل الا تبقى ايديولوجية الكيان الاسرائيلي. لا شيء يدلّ على ان اسرائيل باقية الى الأبد. قلّة من المحلّلين تعتقد ان فيها عناصر تفسّخ يزيل اللحمة بين مواطنيها. هذا ليس شأننا الآن. ان شأننا ان يتوحّد العرب. هذه المقاومة العقليّة تعني لي الوجه الجديد لعروبة مثقّفة ترتضي تعددًا للدول العربية والتفافها نضاليا بعضها حول بعض في حداثة تضاهي حداثة الغرب.

ولكن هذا يوحي ان يرفض العرب الإرهاب. ان هذا مسؤول جزئيًا عن إثارة الاسلاموفابيا في الغرب. الإرهاب خيار جنوني يُقنع الغربيين بتخلّف العرب. سلام النفس العربية وتخليها عن العنف كليا من شأنه ان يقنع الدول الأخرى ليس فقط بمخاطبتنا والتعامل الودي معنا ولكن بإشراكنا في السياسة العالمية. العرب اساسيون في المعايشة الانسانية الشاملة اذا تخلّوا عن العنف نهائيا في فكرهم ونشاطهم.

غزة بعد غزة هي العبارة الرمزيّة التي تدلّنا على نحت السلام العربي بصورة ان من أراد تمزيقه يكون ظالما، مجرما. آن الأوان لدخولنا الحياة الحضارية الكاملة التي روحها السلام. هذا وحده يمنع الأشرار من قتل العرب والغاء حياتهم الطيّبة التي قامت أمنة طويلة على العطاء الحضاري والمشاركة الانسانية المولّدة للحب.

Continue reading