Category

2009

2009, جريدة النهار, مقالات

الجسد / السبت 17 كانون الثاني 2009

الجسد يحمل بهاء مخلوقيّته. كل الخلائق جميلة ويكشف في تكونها يد الله. غير ان الطابع العضوي لما في الجسم البشري يوضح لك عقل الله. منذ بضع من سنوات لفتني ما كنت دارسه ولم يحركني في شبابي. انا الآن دهشة امام الترابط المذهل بين أعضائنا. كيف يصبح طعامك بعد الهضم جزءًا من شعرك، من عينيك، من صدرك. كيف تأتي من أب عادي وأم عادية لتصبح أفلاطون او أينشتين. هذا اللحم البادي منا وبه نتواصل لم يكن ليكون كامل المعقولية لو لم يعقله احد. هو اذًا موضع رؤية لهذا الذي عقله. عن المخلوقات في سفر التكوين «ورأى الله انه حسن». اما عن الإنسان فيقول: «فخلق الله الإنسان على صورته». ان نظر الله الى الانسان يقول الله: «ونظر الله الى كل ما صنعه، فرأى انه حسن جدا». لماذا لم ينبهر الله الا بالانسان كأنه دون كل الخليقة محاوره.

هذا الجسد على سحره تراب، والترابية تضغط على كل ما فيه حتى تمنع النور عنه والنور كان في البدء ونحن اليه مثلما نحن على التراب ويتلاعبان حينا ويتناقضان احيانا ما دام الإنسان. على ركيزة جسده يبصر الانسان قوة الله وجلاله وحنانه وتنكشف أسرار الله لنا اذا كنا اليها بكل ما فينا من قوى ونتواصل والآخرين بكل ما فينا من قوى ايضا اذا لا ترى ربك ما لم ترَ عباده الطيبين. هذا لا يجري فقط بالفكر فالعين تفرح واليد تصافح اي تصير عضوًا واحدًا مع يد الآخر لأننا موصولون بخيوط من ذهب مخفية الى ان تتجلى وحدة البشر عند هبوط ملكوت السموات علينا.

الجمال وما يبدو لنا قبيحا كلاهما من الله وكلاهما لغة، والقبيح لا ينفر اذا اجدت لغته اي اذا تجاوزته الى الكلمة التي تتضمنها تعابيره ومخاطبته الله. فليس الإنسان في سحر وجهه ولكن في سحر وحدته مع الآخرين وفي حريته على صورة الله. وما هو أسمى من ذلك الانسان المحب البشر اي في وحدته مع الآخرين وفي حريته على صورة الله. انه لسرٌ عظيم الا تكون انت اياك في ذاتيتك ومسؤوليتك وانت تحيا في إناسة الآخرين معا. ان نكون واحدا ومتمايزين معا هذا وحده يلغي العبودية القائمة إما على الانغلاق او الانصهار الكامل. انسان واحد في ذاته وموحد بالجماعة في آن . حتى في الملكوت يبقى الانسان ذاته ولكنه متحد لتظهر محبة الله.


#      #

#

بين يدي الله مفاتيح الحياة والموت. «كل نفس ذائقة الموت» (عمران، 185 وغيرها من السور). الجسد مهيأ للموت في تركيبته. الخلايا لا تعيش الى الأبد. وعندنا نحن ان «الذي مات قد تبرأ من الخطيئة» (رومية 6: 7). بهذا المعنى الموت رحمة، وفي الايمان المسيحي انه لقاء مع الرب. والنفوس في قبضة الله وهي ترجو القيامة. والموت اول مواجهة مع الله في ما نسمّيه الفردوس او الملكوت على رجاء رؤية النور الإلهي في السماء عند انتهاء الزمن.

في الزمان الأخير تُستدعى الأجساد الى القيامة ومنذ موت صاحبها يحنو عليها الروح القدس بنعمته بحيث ان الروح الالهي يرعى النفوس والأجساد معا حتى يجمعها في اليوم الأخير . اذ ذاك أمكن القول ان الجسد بعد الموت قائم ولو ذهبت عنه الحركة التي كانت في كيانه.

قدسيّة الأجساد تمنع عندنا إحراقها. نريد استمرار جسد ما لكيانية ما ولو بدت مفكوكة. الجسد ممسوح بالميرون بعد المعمودية. لذلك كان للكنيسة مدافن كانت تبنى الى زمن قريب حول الكنيسة بحيث يشعر المؤمنون الأحياء انهم واحد مع الراقدين على رجاء القيامة.

من هذه الزاوية ليست الكنيسة مشدودة الى انفصال النفس والجسد، ولكنها تشدها جميعا الى رحمة الله. الانحلال الذي يصيب الجسد فرصة لقائه مع الرب اي انعطاف الرب عليه. هناك من يخشى الموت، وهناك من لا يخشى. المهم ان يتهيأ كل منا لفراق هذا الوجود وارتقاء الى وجود السلام. نحن نعد من يرحل عنا بالصلاة وتعزية الكتب كما يقول الرسول. وانشئت مؤخرا في اوربا مؤسسات تُعنى بإعداد المرضى في مراحلهم الأخيرة للموت وهي مختلفة عن المستشفيات. حبذا لو كان في كل عائلة مؤمنة من كان أقرب الى العناية بالمريض في ايامه بالكلام الطيب. اجل ممكن للكاهن القيام بهذا الواجب اذا درس ما يجب ان يقوله ويعمله بما يتجاوز مجرد الصلاة.

هذه الرعاية تفترض ضمنا اننا في الموت نصير الى المرحلة الأخيرة من الحياة الدنيا، وان هذا الجسد كريم وانه في حال الوعي يتناول بالزيت ما نسميه سر المسحة الذي يفترض ان الإنسان كيان واحد قبل الموت وبعده ما يحول دون التأكيد اننا مؤلفون من مادة تزول ونفس لا تزول. الجسد عندنا شيء من الكيان البشري ليس أدنى من الروح في حقيقة الوجود وحقيقة المصير.

# #
#

فيما أتأمل في هذه الرؤية اللاهوتية أحمل غزة في ضلوعي. كل من سقط فيها هو عند الله وفي تاريخ القداسة. لماذا يقطفون الأطفال- الزهور؟ ان يموت المحاربون امر طبيعي. ولكن كيف يحتمل شعب له انبياء دعوا الى العدل موت النساء والشيوخ وليس فيهم مسلح؟ لماذا هذا الدمار الذي يشبه آخرة العالم؟ ما الفائدة من إبادة مئات من اهل غزة. هؤلاء كلّهم أجساد مقدسة جعلها الظلم قرابين لله.

ليس الوقت الآن للصلح. المبتغى ان تتوقف إماتة ناس عزّل. واذا جاءت التهدئة يبدأ منطق السلم. المهم ان تبقى هذه الأرض فلسطينيّة ولا توزّع بين العرب. لقد أثبت التاريخ منذ ستين سنة ان الفلسطينيين متمسّكون بحريّتهم على أرض لهم. كيف تكون حال الشرق الأدنى في المستقبل القريب؟ هذا موضوع بحث أساسه ان يتجمع اهل فلسطين على أرض يحبونها حول الزيتون والبرتقال ومياههم، وان ينصرفوا الى بنيان مجتمعهم كما يشاؤون مشاركة منهم في الحضارة.

اوقفوا حمام الدم وهو زكيّ. هم لم يكونوا من الأمة الألمانية لما أحرق قائدها اليهود بشكل وحشي. لماذا الذي كان أبوه ضحيّة النازي في اوشفيتس ينبغي ان يحوّل كل مدينة في قطاع غزّة الى اوشفيتس أخرى. سلام على أجساد أحبائنا المطهّرة في فلسطين كلها. إخواننا هناك مدعوّون الى المجد. وسنناضل مما أوتينا من وسائل لتحقيق هذا المجد.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الانسان الجديد / السبت 10 كانون الثاني 2009

تسآل أساسي وهو أي لبنان نريد لا يقود، ضرورة، الى تطويع الإرادات ليظهر هذا الكيان السياسي المتجدد لأن لبنان الجديد او المأمول بجدته بنية يكون اي ان السؤال مطروح على مستوى البنى وليس على مستوى العمق الروحي الذي نرجو ان يكون عليه الأشخاص لتنبثق الدولة من «الخلائق الجديدة» او المتجدّدة. تقول نريد البلد حرا، مستقلا ويبقى هذا على صعيد القول لأن المواطنين لا يتصرّفون وكأنهم طالبون هذه الحرية وهذا الاستقلال. ان تعبّر عمّا تريده للبلد لا يحوّل رغبتك بالضرورة الى فعل. ان تطالب بالتعبير لسانيا وفي نضال منظّم لا يخرج من جعبة الساحر وطنا حقيقيا.

لبنان يصنعه ناس صاروا في دواخلهم كيانات عميقة، إلهيّة، تتسامى دائما لتقيم لله بيتا على الأرض. الوطن، عند ذاك، يتشكّل بنيويا، يتصوّر جسد له سياسي من هذه الروح. يبنى الوطن من خارج الإطار السياسي من خارج الحكي السياسي. تقوم أسسه على حياة روحية تنزل عليه من فوق.

على الصعيد السياسي فقط لك ان تصرّ على ان الوطن يتجاوز الطوائف، ولكن لفظة طائفة مزدوجة وتعني عندنا الله الذي يحلّ على الطائفة ومكوث السياسيين فيه او تملك السياسة عليها فتتحوّل الى كتلة جامدة وقاتلة بانكماشها على نفسها وزميلاتها. الطائفة بمعنى الجثة المنتنة، المفسدة للكيان الوطني تضرب الله في ذاته. نحن لا نستطيع ان نتجاوز الطائفة الى وطن الا بمعونة الله الذي يكون قد كشف كليّته لا كليّة الطائفة.

اذا حلّت النعمة في قلب كل لبناني، لا مشكلة في انتمائه الى احدى الطوائف الثمانية عشرة، ولا حرج عليه اذا افتخر بتاريخ هذه الجماعة بلا عنصريّة او عصبيّة. غير ان المرتجى منا ان ندين بدين الحب ليس انه دين آخر او مغاير ولكنه التركيز على يقيننا بأننا نحيا روحيا بالآخر وحريّته واعترافه بحريّتنا على ان نؤثر ما يجمع على ما يخلف ونصطف صفا واحدا في ما يجمع فلا نثقل عقولنا بقباحات التاريخ ولا نرمي بشاعاته الى قلوبنا حتى تصفو القلوب وتتحرّر الرؤية وتطهر الأفئدة.

وهذا يعني ان نغفر لمن أساء الينا في الأزمنة الغابرة ولا نحمّل ذاكرتنا وزر الظالمين ولا نجعل مشاركينا في الوجود اليوم مسؤولين عن مغبات الأعمال التي انطوت، فالوجوه التي تواجهنا اليوم قد تكون على كثير من النور، وقد تصبح طيبات القلوب عند من اعتبرناهم خصوما طعاما لنا. أجل يجب ان نقرأ التاريخ عسانا به نتّعظ، ولست أدعو الى أن ننساه ولكن الا نصير أسراه. واذا كانت جودة المسجّلين أخصاما كثيرة فنخلع عنّا الخصومة لنحسّ اننا متحاورون في الحق وطالبون اياه وسائرون على صراطه.

#    #  #

انا لا أنكر على أهل البحث صدقهم وسعيهم الى أن يعرفوا عند الآخر كل شيء، ولا أنكر عليهم نقدا او تحفّظًا فالحقيقة لا تلوي لاسترضاء الآخر. ولست أطلب من العلماء توحيد الأديان فهذا يناقض ايّة معرفة جدية صارمة. فالانسانيّة متعدّدة المشارب والقناعات. والأشياء هي اياها كما تراها. ولكن الحوار يفرض نفسه إجلاء للحقيقة ودفعا للهوى وطلبا للقربى وليس في ذلك سجال ولكن في هذا ايضاح واستيضاح حتى تعرف موقع فكرنا وموقع الفكر عند الآخر.

غير اني اعتقد ان بيننا قربى في مطارح كثيرة من العقل وان ثمّة خلافا بين المفسّرين لسوء التدقيق في النصوص او ان نهجا تفسيريا عندي لا يوافق نهجا عندك. هنا تكمن صعوبة الحوار، ولكن لا تكمن هنا استحالة له.

الا ان همّي في هذه العجالة ليس الحوار بل لقاء الحب الممكن في هذا النص او ذاك. فاتخذ التماسا للحب نهج النحلة التي لا تذهب الى هذه الزهرة او تلك ومعروفة مصادر العسل عند النحالين. ولك انت دون ان تتنكر لمصادرك ان تختار فيها ما يدفع الى المحبة وليس ما يدفع الى الجدل. وهذا لأني لا أنكر على أحد حقه بالتمسك بكل ما في كتبه، ولكني ألتمس منه في فقري ان يسعى في مصادره الى كل ما يقرّبه مني وما يقرّبني منه.

لا أعرض عليكم دينا جديدا ولكني ارجو اليكم قراءة جديدة لأنكم قررتم ان تحبوني وقررت أن أحبكم. استخرجوا من تراثكم ما يدعم هذا الحب.

الوحدة من ايمانك وايماني. هي وحدة الانسان والانسان في ما نزل على كل منهما من الرحمة. الله الناطق سلوكا في هذا يخاطب نفسه فيّ. ممكن ان نكون ماكثين معا في خطاب الله. لست أحصر هذا في الوطن ولكن أهل وطني أقرب الى المعروف فأبني بلدي على لغة المتألهين وتعاطيهم. والتأله بمعنى التخلّق بأخلاق الله والدنو من الطاقات التي يمدّني بها وارد في المسيحية والإسلام.

تتكوّن، اذ ذاك، جماعة هي في نسيجها الحقيقي واحدة.

# #  #

أنا بذا لا أنكر السعي السياسي، ولكنّ هذا بلا حضور للأبرار الصادقين الأطهار ليس بشيء. لأن الحكام يسوسون المجتمع الخيّر ولا يسوسون مجتمعا طالحا لأن هذا الذي لا يخضع لله لا يخضع للقانون او للحكم او للمؤسسات. هذا حد أدنى من الصلاح المجتمعي تقوم عليه دولة. انها لا تقوم على عناصر فقدت فهمها الإنساني وإحساسها الانساني. والمجتمع لا ينتظم فقط بعلم الاجتماع ولا ينتظم بقوة العسكر. هذا يدفع الشر الذي يقع تحت قانون العقوبات ولكنه لا يدفع الى الخير القائم على طاعة الله بالحب.

أنا أفهم جيدا الساعين الى دولة القانون الرافضة في طبيعتها دولة القبائل. وأدرك أهميّة المؤسسات التي ينتظم فيها المواطن الصالح. ولكن المواطن الصالح ليس فقط ذلك الذي يخشى العقاب ولكن ذاك من شأن التعايش الحر واللائق. لولا الشر لما كان القانون ولما كانت الدولة. أعرف أن هناك ضرورة للقمع على ان يكون بلا استعداء للمخالفين أنفسهم.

أما اذا اعتبر اللبنانيون أنهم اذا أصدروا قانونا وسهروا على تنفيذه فهذا يكفي للعيش الهنيء الصالح فهم مخطئون. نحن لا نرتقي الى العلى بمواطنين صلاحهم انهم لا يذهبون إلى السجون. نحن نصعد الى العلى بأناس وضعوا السماء بقلوبهم ويسعون الى تحويل صحارى القلوب إلى جنات.

هنا دور دين الحب اين توجهت ركائبه. عندنا اذًا سعيان: سعي سياسي عصري فيه كل التمدّن، وسعي إلهي فيه الخلق الكريم والتماس وجه الله ووجه الآخر. ان نتروّض ان نرى الله في الآخر ونحب وجهه هذا ما يجعلنا نفهم ان الله نور السموات والأرض وان ملكوته يبدأ فينا وفي الأرض.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

غزة / السبت 3 كانون الثاني 2009

أرهقتني فلسطين وأرهقها العالم. ولكن بدء المعالجة ان اسرائيل لا توحي الثقة ولا تريد نهاية لقتل أهل فلسطين لأنها غير مقتنعة عميقا بأي حل وغير راغبة في الدولتين. هناك قليل من الواقعيّة اكتسبوها مؤخرا ولكنها بعد ترقب غير بطيء ترتاح اسرائيل الى شراستها لتدخل في عقلية الإبادة وتُطبّق على الناس ما طبّقه هتلر فيها. لا يذهلني أن دولة اسرائيل فقدت كل رحمة، ولكن ما يجرحني ان احدا لا يؤدّبها او يصرخ في وجهها لعلها ترتدع وتقتنع ان إلغاء شعب آخر سوف يرتدّ عليها. أمنية قلبي أن تدخل اسرائيل في ملكوت الفهم لئلا تتآكل ذاتها ولا يبقى فيها من يعقل حلولا فتخسر هي نفسها ونخسر بها.

في هذا الضيق الكبير ماذا يعمل الفلسطينيون؟ في البلدان التي تحترم نفسها يوضع حد للخلافات السياسية عند نشوب حرب، وتؤلّف حكومة وحدة وطنيّة. انا لا أملي شيئا على إخوتنا الفلسطينيين. لهم هم ان يجدوا صيغة حكم امام الوحش الهاجم عليهم. هناك غلبة مطلوبة وربما شراسة مطلوبة او سِلم محقَق. لا يجوز ان يموت أصدقاؤنا هناك كالعصافير. إراقة الدماء اذا كانت ضروريّة جدًا تصير شهادة. إيقاف شلال الدم يفرض نفسه في طريقنا الى الهدوء. بعد ذلك البحث في إنهاء الكيان الصهيوني وارد. ولكن هذا يتطلّب جهودًا كبيرة وقد ينتهي من نفسه داخليا. ولكن الوضع العالمي الآن لا يسمح به. ومن هنا ان تسويةً ما تفرض نفسها. انا لست مع الدولتين الى الأبد. لست مع الثنائية. مشتهى قلبي أن أرى فلسطين مستعادة ولكن قد يتطلّب هذا مراحل وجهودا شاقة وكلمة واحدة للعرب.

في أيار 1948 التقيت كمال جنبلاط في باريس. سألته عمّا حمله الينا. قال لي انا في طريقي الى انكلترة لأشتري سلاحا للبنان. لم يخطر على باله آنذاك ان كل جحافل العرب المجتمعين لمحاربة الميليشيات اليهودية لن تثبت بضعة ايام قبل تخاذلها. وحدة التخاذل اذا استمرّت لن تبقي فلسطين الا اذا تدهورت اسرائيل بسوس من داخلها. هل عندنا شروط نفرضها على باراك اوباما في حال الانحدار المالي العالمي؟ اذا لم تمت الخطابية العربيّة في مقولة التنفيذ فلسنا على شيء.

نحتاج الى قوّة روحية كبيرة وليس فقط الى استدلال سياسي ليجتمع المناضلون الفلسطينيون والمناضلون العرب فإن الطاقة الروحية العظيمة تعطيك قوة عقلية عظيمة تجعلك في صميم السياسة التي يجب ان تتدبرها، فالعالم تغيّره قلّة من الناس كما قال لنا اندره جيد في محاضرة ألقاها في بيروت في مطلع الخمسينات. والعقل يتنافى والصراخ. النعوش تحيي همم الأحباء ولكن لا حاجة الى النعوش اذا استطعنا غير ذلك. لا حاجة الى التنديد باسرائيل. يجب قهرها بالطرق الملائمة، المدروسة، الممحّصة بتدقيق.

# #
# لن أدخل جدل الفصائل حول استعمال القوّة امام مشهد القتلى الكثيرين في غزة. هل من نقاش حول المسؤول الأول عن السلاح؟ هناك لحن في اسرائيل يقول: «العرب لا يفهمون الا القوّة». ماذا يفهم الاسرائيليّون اليوم غير القوة؟ وهذا الشغف بالقوة ناتج عن الخوف. هل يخاف اليهود حقا العرب وقد دحروهم مجتمعين في ايار 1948؟ هل نستطيع نحن واياهم ان نقضي على الخوف لنبدأ المساءلة الحقيقيّة عن فلسطين؟ بعد عذاب الفلسطينيين لم يبقَ من مجال للبحث التاريخي او البحث عن حقوق الانسان الفلسطيني وكنت خصصتُ صفحات طويلة لهذا السؤال. اليوم يجب ان نخرج من المأزق، ليس ان لي ثقة بالدولة العبرية اذا تكلّمت، ولكن لا بد من الكلام على رجاء التواصل.
اذا هدئت غزة قبل صدور هذه الأسطر او هدئت في الأيام المقبلة يجب ان نفهم انها مسيح جماعي. فاذا كانت فلسطين قلب العرب والبشرية المتمدنة تكون غزة قلب القلب بعد ان كانت في القرون الاولى للميلاد مركز روحانية ورهبانية عظيمتين، ويجب انطلاقا من اوجاعها ان نركز كل همومنا على فلسطين متلألئة ومنبعثة لصالح سكانها جميعا. نحن نريد خلاص الشعب اليهودي وتنقية نفسه من الكراهية التي تقتل كل انسان. نرجو ان يعود هذا الشعب الى كلام أنبيائه ليخلص بالحق.

والى ان يُحلّ هذا لا يجوز لأي حكم عربي ان ينطوي على نفسه وان يفتش عن سلامة قطره. في حضرة الله لا وجود لعربي لا يبالي بالقدس. ومن لا يبالي بالمقدسات لا قدسيّة فيه، والقدسيّة الأولى ليست للأماكن الدينيّة ولكن لشعب فلسطين. هو المَقدِس الحي لله. الهدف الأساسي لموقفنا الفلسطيني لا ينحصر في استعادة الأرض. نحن وراء استعادة الانسان وشرفه. كتب العالم والفيلسوف الاسرائيلي يشاياهو ليبوفيتس: «في اسرائيل الكبرى لن يكون عامل بناء يهودي ولا مزارع يهودي. سيكون العرب شعب العمال ونحن شعب الإداريين والمراقبين وموظفي الشرطة وبخاصة الشرطة السريّة. هذا البلد سيكون، ضرورة، دولة بوليسيّة. واهم دوائره ستكون دوائر استخبارات. وسيكون لهذا تأثير أكيد على الحياة الروحية وأخلاق البلد ويسمّ النظام التربوي… كل هذا سيكون في القطاع اليهودي في حين ان السلطة الاسرائيليّة في القطاع العربي تبني معتقلات ومشانق. ان دولة كهذه لا تستحق الوجود ولا تستحق ان تستمر».

ما يحزن القلب ان ليس من فريق دولي يبدو انه يهتم لفلسطين اهتمامًا جديّا. هل وضع فلسطينيي اسرائيل وضع مقبول ام انهم مهدّدون بالترحيل، بما سمّي الترانسفير Transfert؟ هناك أوطان عربية مختلفة، وكل منا يحب مسقطه وان يحيا فيه ويموت فيه. ليس من كيان عربي بديلا عن آخر. وهنا تبرز قضية المخيّمات ولا سيّما في هذا البلد. هناك حديث عن تحسين اوضاعهم الاجتماعية ولم نرَ شيئا حتى الآن من هذا. المخيم تحديدا مؤقت. المحجة اذًا فلسطين. اية دولة عربية تؤمن حقًا بذلك؟ كيف ينجو لبنان من التوطين حتى ينجو حقا؟ ليس من أفق عند الدول الكبرى لعدم التوطين.

أين لبنان من كل هذا؟ ما تأثير غزة عليه؟ هل سيحتفظ بكل مياهه؟ هل يُدمّر جنوبه ايضًا وايضًا لحل مشكلة ما؟ اذا كان قتل الفلسطينيين بيد اسرائيل وهم كبار في الاحتمال، ماذا يردّها عن اجتياحنا ايضا وايضا؟

لا يكفي ان أكون توجّعت بسبب من غزة. ما حصل فيّ اختلال عظيم. الانسان اليهودي يجعل نفسه مثل الله صاحب الحياة والموت. من يردع اسرائيل حتى لا نخاف؟ من يضمن الصغار؟


Continue reading