هذه الشرعة المنبثقة عن الفكر الماروني الكنسي والمجتمعي-السياسي قد تكون أشمل وثيقة كاثوليكية لبنانية في العصر الحديث. تحمل رؤية عن لبنان ورسالة الى لبنان. أعلنتها ما سمي «اللجنة المشتركة للكنائس في لبنان». ولا بد لي هنا أن أعترف ان ليس عندي علم بهذه اللجنة واللجان تقترح ولا تقرر. وما من شك ان الكنائس ذات قيادات روحية كل منها يلزم ابناءه. والكنيسة لا لجانها تدعونا. الى هنا فعبارة «كنائس لبنان» قد تعني عند المنظمين تلك القائمة جغرافيا على ارض لبنان ولكن ليس لها كيانية لبنانية لكون كل كنيسة قديمة تنعت نفسها بأنطاكية وعندئذ لا مطمع لها ان تنحصر في الهاجس اللبناني.

حضر عدد من الأحبار من عدة كنائس التجمع الشعبي الذي أعلنت فيه الشرعة. هل كان هذا من قبل الحاضرين مرافقة او موافقة؟ هل كانت هناك آلية لاعتماد النص؟ هل سترفع الشرعة الي السلطات الروحية في الكنائس لتتم آلية لما يسمّى في اللاهوت الحديث قبولا. Reception طرحت هذه الأسئلة لأفهم بكل تواضع ويفهم سواي مكانة هذا النص في حياة المؤمنين.

المسيرة التي كمنت وراء النص ان لا هوتيين من الكنيسة المارونية وضعوا من الناحية اللاهوتية نصا كاثوليكيا في الجانب الأول من الشرعة الذي هو الجانب التنظيري، نصا يستند كثيرا الى المصادر الباباوية والمرجعية المارونية ليأتوا بموقف تعليمي يُعرَض على المشاركين من الكنائس غير الكاثوليكية معتبرين أن الكنيسة الكاثوليكية عندها تعليم اجتماعي. أي لم يأتِ هذا الفريق بفرقاء مسيحيين آخرين عندهم في تراثهم القديم تعليم اجتماعي وبعض منهم في تراثهم الحديث بحيث نُسب هذا النص الى لجنة متعددة الأطراف لم تأت بمساهمة ولا تستطيع ان تأتي بمساهمة مستقاة كلها من الفكر الكاثوليكي الحديث. التصرف كان أن هناك من ينشئ وهناك من يقرأ ويبدي رأيه بما وضعه سواه.

منهجيا ما همّ أرباب هذا الفكر هو -حسب عنوان ما أتوا به- ان يضعوا شرعة العمل السياسي في بلدنا وكان لا بد لها من فكر تأسيسي بعد ان قرروا من يكون المؤلفون. ولكن التصاق هذين القسمين لا يفرض نفسه. القسم الثاني اذا لم أغالِ »مطروحة معانيه في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقرويّ والمدنيّ كما يقول الجاحظ وقد عبّر عنها غير فريق الى اي مذهب ذهب، مسلما كان ام مسيحيا اذ لا يخالف احد الديموقراطية والنظام البرلماني والاستقلالية. لكل منا ركن يركن فيه وتمر امامه الطرقات المرمية المعاني عليها ومرمية تاليا عليه المفردات. تصطف حيث تشاء وتقول القول عينه ولكنك تذهب حيث تشاء حيث ينتظرك الأصدقاء الذين اختاروك حليفًا.

الى هذا اذا كانت هذه الكتابة في القسم الأول عملا مسيحيا واضحا وحيا وبناء وصياغة ما دخل المسلمين بها ولا سيما انكم اوضحتم ان هذا عمل نسقت به كل الكنائس فكرها. واتضح فرح المسلمين بكم على ان تطرحوا جانبا ما له علاقة حصرية بالعقيدة. عندئذ يبطل المشروع كله وتنحصرون في الجزء الوطني والسياسي الذي لا يحتاج الى لاهوت. شكرا للمسلمين الذين محضوكم الثقة او بالأقل بينوا رجاءهم على ان يندمجوا بالشرعة وهم لا يريدون طبعا ان يندمجوا باللاهوت. هذا التماهي بينكم وبين المسلمين كان قائما قبل بيانكم وسيبقى على أسس تجمعكم بلا لاهوت، انطلاقا من معطيات الوطن.


# #
#

اول ملاحظة لي هو قول الشرعة ان من اهدافها »ان توفر للشعب اللبناني ثقافة سياسية«. استغربت ان ترغب الكنيسة المارونية في تثقيف كل الشعب اللبناني سياسيا.

الملاحظة الثانية قول الشرعة «بشريعة طبيعية هي بمثابة النور للعقل البشري». هذا ليس بقول مسيحي عام بعد ان نزلت النعمة التي رفعت الطبيعة البشرية الى طبيعة مفتداة بالدم الكريم والتي تراقب العقل من نافذة الوحي. هذا التأكيد المفرط على العقل والطبيعة البشريّة كما هي يعود الى توما الاكويني والى ابن رشد ونحن لا علاقة لنا بهذا التيّار العقلاني الأرسطوي.

من بعد كلام جميل عن رسالة الكنيسة ووظيفة الدولة تأتي الشرعة الى بحث العلاقة بينهما (استقلالية الكيانين احدهما عن الآخر بلا تخالط وتقارب من دون تصارع) حتى تصل الى استقلالية المجتمع المدني وتوفيره للكنيسة «الظروف والشروط اللازمة لتأدية رسالتها». غير ان الشرعة تقول ان الكنيسة لا تقبل «بعلمنة الدولة اذا كانت تعني عقيدة فلسفية تحتوي على مفهوم مادي وملحد للحياة البشرية والمجتمع».

سؤالي لماذا اذا الشرطية بقول النص «اذا كانت تعني عقيدة فلسفية تحتوي على مفهوم مادي وملحد». اذا ذهبنا الى الخبرة الفرنسية وصرفنا النظر عن بعض الفلسفات التي كانت ممهّدة للعلمنة لا نجد في قانون السنة 1905 في فرنسا القاضي بفصل الكنيسة عن الدولة اية اشارة الى مادية او إلحاد. هذا القانون لا يفرض على المواطن إيمانا ولا إلحادا ولا يجيز التعرض الى عقيدة التلاميذ في المدرسة كما لا يتقبل عقيدة ملحدة في التعليم. فاذا وجدنا علمنة لا تحتوي على إلحاد ومادية ماذا يفرقها، اذ ذاك، عن المجتمع المدني؟

ترضى الشرعة بالمجتمع المدني ولا تحدده حتى تصل الى القول بفصل الدين عن الدولة. الفرنسيون ما قالوا هذا. قالوا بفصل الكنيسة (وعنوا بذلك فصل المؤسسة الدينية عن الدولة لا الدين من حيث هو إيمان). ماذا تعني الكنيسة المارونية صاحبة المشروع بفصل الدين عن الدولة وهي رافضة العلمنة؟

يأتي بعد هذا كلام ممتازعلى ممارسة المسيحي للسلطة السياسية وعلى أسس المشاركة الواجبة على المسيحيين في الشأن العام وعلى روح الخدمة والالتزام بقضية السلام ثم يأتي التوضيح لطبيعة العمل السياسي. هناك فقرات عديدة علينا ان نعتمدها جميعا وهي مستوحاة من الكلام الإلهي.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن ويتناول كل النص هو كيف يفهم اصحاب الشرعة ان فصل الدين عن الدولة يسمح لهم بكلام سياسي عن لبنان. تساؤلي هو كيف يدخل لبنان كأمة ودولة وكيان في تأمل صادر عن الكنيسة المارونية بعد حديث مطول في الإلهيات. أين فصل الدين عن الدولة؟ هل لأصحاب الشرعة وهم حفظة الإنجيل والقيمون عليه رأي في ما يقوم عليه وطننا هذا؟ كيف نصل الى لبنان من مواقف لاهوتية واضحة وعميقة؟ لماذا للكنيسة المارونيّة من حيث هي كنيسة رأي في الشأن اللبناني؟

في كل حال أصحاب الكلام على لبنان هم أصحاب القول المدني الذي لا علاقة له بمذهب. معالجة الشأن اللبناني اجتماعيا ومدنيا كلام اللبنانيين مجتمعين في كل باب من ابواب العيش الواحد. اذا كان الهدف الأساسي من هذه الورقة مواجهة مشاكل بلدنا فما نفع القسم الأول من الشرعة؟ كل هذا البناء الفلسفي اللاهوتي العظيم لا يبدو لي مفتاحا للبحث عن طبيعة لبنان ومصيره.