من استكبر فرأى نفسه ذا شأن، من أحس نفسه ذا مقام في السياسة، في الأكاديميّة، في رئاسة كنيسة او إمامة مسجد فهذا وقع في المجد الباطل. من افتخر بعائلته واستعظمها وفاضل بينها وبين سواها يكتسب بذا تفاهة تخرجه في العمق عن اي بهاء ولا يُكسبه علوا. الذي يعرف انما يعرف من اجل الحقيقة وخدمة الناس وليس ليتباهى بما يعرف. الصالح تسحره الحقيقة وتشدّه اليها لأنها بذاتها تهذبنا فما تصير ملكا لأحد. من سكر بما اقتناه وقال انه صاحب ما بين يديه أليس يعلم اننا لسنا مالكين لشيء واننا فقط مؤتمَنون (بفتح الميم الثانية)؟ مَن رأى انه قريب الى الله يرميه الله في الجحيم منذ الآن اذ رأى نفسه أهلا لسكنى الفردوس. وهذه الأهلية ليست عند أحد. من طلب الولاية تهرب منه الولاية اذ حسب نفسه يستحقها فرفع نفسه الى مقاماتها فتأذى بخياله.

لما كنت في السادسة عشرة من عمري وكنت قد تخرجت عرفت ان في احدى الشركات الكبرى وظيفة دنيا تساعدني على العيش. وذهلت اني ما نلت ذلك المنصب الا بعد مروري بمسابقة. تعجبت لأن هذا العمل لم يكن ليتطلّب كل ما كنت حصلته ولكني فرحت بأن القيّمين على هذه الشركة كانوا يسعون الى كفاءة من يعيّنون.

جاءني واحد منذ ايام يطلب مني انتخاب احد القسس أسقفًا على إحدى المدن. طبعا انا أليف لهؤلاء الذين يحسبون انفسهم مؤهَلين لمقام عظيم كهذا. كيف يحسّ هذا الأخ ان روحانيّة المسيح نازلة عليه او انه حصّل علمًا يُدرجه في مصف العارفين وانه محبّ حتى سكب نفسه في سبيل الإخوة وغسل أرجلهم وتاليا محو نفسه في الوجود المشترك؟

من يدفع مواطنين الى التماس مسؤولية نائب الا يعرف ان المتنطح هذا ليس عنده لسان يناقش فيه مشروع قانون؟ دائما أفكر بالمديرية العامة لوزارة النفط ان أنشأناها اذ المدير العام هو التقني. من من شبابنا يحمل دكتوراه في العلوم النفطية من هيوستن مثلا؟ هل كل طالب زواج يعرف نفسه مهيأ للحياة المشتركة ام انه عاجز ان يواجه وضعا اثنينيا؟ هل عرف ملتمس الرهبانية نفسه قادرا على الانعتاق من وطأة الجسد عليه؟ هل كل منا هو في المكان المناسب كما أراد ذلك أفلاطون؟

هذه دنيا مريضة بالمجد الباطل.

# #

#

كتب أحد أمراء مولدافيا لوليّ عهده في القرن الرابع عشر لمّا كانت مولدافيا مستقلة: يا ابني لا تشته ان تصبح أسقفًا ولا رئيس دير ولا أميرًا (هذه الوظيفة كان معدًا ان يشغلها عند وفاة أبيه) لأن كل هذا من مجد العالم. نظريا لك ان تصبح أميرا او ملكا وتبقى على تواضعك. على غرار هذا لا أفهم ان يتمنى بعض الكهنة ان يصبحوا أساقفة لاحتسابهم انهم يكسبون بذا نفوذا وسلطة وهم لم يختبروا مشقّة هذه الرسالة والمظلومية التي يكونون فيها احيانا كثيرا. لماذا هذا التنافس بينهم وبين رفاقهم؟ الا تخفي المنافسة أنهم أفضل من الآخرين؟ من قال لهم هذا؟ انت، راهبا، تبقى قابعا في زاوية من ديرك حتى يبرق لك البطريرك أن المجمع المقدس انتخبك وتلتحق بمكان عملك بنعمة الطاعة اذا نزلت عليك.

في الحياة الدنيا انت تدرس كثيرا وتتفوّق وتلتمع فيدفعك ذووك الى منصب مسؤولية او تناديك الدولة او يعيّنك حزب او كتلة سياسية، ولكنك في لبنان تبرز نفسك اذ ليس فيه من آلية ترشيح تقدّمك بسبب المعرفة. كل تنافس على هذا الصعيد كبرياء. انا أحب في الجمعيات الرهبانية الكاثوليكيةordres  أن يصل الراهب الى الرئاسة العليا وان يُعاد الى أدنى موقع في الترتيب الهيكلي. ذلك لأن الرئاسة عندهم خدمة والموقع الأدنى خدمة. لا تدع المجد يقرع باب قلبك. اذ ذاك، تصبح عبدًا للمجد. اما اذا أفرغت نفسك من هذا الشغف فيأتي الله الى نفسك ويسكنها. كل الموضوع هو هذا هل الله سيّد حياتك أَم الأنا الصلبة، المتقوقعة.

كل قصتنا مع الذات هي هل نحن ندرك ان شيئا لا يُزاد عليها لأنها إن تواضعت فهي كل الوجود. هذا ما أراده الناصري لما قال انك لا تستطيع ان تزيد على قامتك ذراعا واحدا. بهذا السياق لا تقدر ان تملأ نفسك من غير عطائها فإن أعطيتها قويت وجودا.

من هنا أن المال لا يضاف عليك فإن بددته على المساكين كما تقول المزامير: «يدوم برّك الى الأبد». وإن اعتبرته ضروريا فإنك لا تعتبر نفسك الضرورة الوحيدة. القول انك والعالم شيء واحد يعني انك جزء من العالم في حين ان ما هو خارج عنك عبد لك. والعبد لا يسودك، انت تسوده لأنّك حر منه. افهمْ ما قاله آباؤنا الكبار في الكنيسة: انت مؤتمن على المال لأنه ليس ملكك. انت تتصرف به لتجعله في خدمة المحتاجين اليه. هؤلاء بعطائك يصيرون إخوة لك. ليس لك الا الحب لتشعر أنك أخ للآخرين. تحرر اذًا من كل شهوة لأن كل شهوة تفتّتك او تبعثرك.

# #

#

أشد فتكا من اشتهائك المال شغفك بالسلطة، فقد جاء على لسان روحانيّ كبير: «كل سلطة تُفسد والسلطة المطلقة تُفسد مطلقًا». بعض الأحوال تجعلك في موقع السلطة. اقبض عليها وانت حر منها. «فذكّر انّما انت مذكّر. لست عليهم بمسيطر» (الغاشية، 21. 22) وحقيقة الآية ان أمرك ان شئت الأمر هو بالتذكير لأنه يعطى بالمحبة. وأما إن سيطرت عليهم تفصل نفسك عنهم فيبغضونك. اذكر انك لست بإله وانك باللطف وحده تجذب الناس الى إلههم.

لك أن تواجه وتناقش وأن تبرز للناس الحقيقة التي لا بد أن يحسّوا بها نافعة لهم ومنجّية. بكشف الحقيقة يأتي التوافق بل الوفاق والتداخل البشري الصافي. اعتبر ان كل انسان يستحق الحق. قدهُ اليه لا ليكون لك ولكن ليكون للحق. لا تطلب ان ينضمّ أحد اليك. حرّره من نفسك يصرْ من محبّي الله. لا تسأل عن ان تكون محبوبا بل اسعَ فقط أن تحب. غالبا ما يُردّ الودّ اليك بودّ أعظم. مع ذلك لا تطلب التبادل. ادفع الآخر الى ان يسعى الى ربه فيُنعم عليه ربه بالبذل. حسبك انت أن تكون حياتك في حياة الآخرين فيكون مجدك في قلب الله.

تعلّم قول الكتاب: «باطل الأباطيل، كل شيء باطل» (جامعة 2:1). كل شيء باطل ما عداك وما عدا الإخوة في أعماق نفوسهم. الوجود تلا في الذات، والذات لا تصادم مسيطرين. تلاقي الذوات في فقرهم الى الله وفقر الواحد الى الآخر اذ لا شيء خارج القلب. الوجود ملكوت الله في القلوب واذ ذاك، هي واحدة فيه ويصبح كل منها عرشه. اذ ذاك، ينزل عليها المجد الحقيقي. هذا هو وجه الله اليها.