Category

1999

1999, مقالات, نشرة رعيتي

والدة الإله والقديسون/ الأحد 15 آب 1999/العدد 33

قال القديس كيرلّس الإسكندري: «إذا كان ربنا يسوع المسيح إلهًا، كيف أن العذراء القديسة التي ولدته لا تكون والدة الإله». انعقد مجمع أفسس سنة 431 وأقرّ ذلك. المسيح في ألوهيته من جوهر واحد مع الآب، وفي بشريته من جوهر واحد معنا. ذاته واحدة، ولذلك يصحّ أن تُسمّى مريم والدة الإله.

          المجمع المسكوني الخامس المنعقد في القسطنطينية سنة 553 يعلن أن والدة الإله هي دائمة البتولية. والمعنى أن ميلادها ليسوع كان بلا مشاركة رجل، وأنها بعد هذا الميلاد لم تقترن برجل. في تأملنا في سر مريم نتحرك بين هذين الحدّين.

          بعد هذا غنّينا مريم، دعوناها، خاطبناها، أقمنا لها الأعياد ولم نتجاوز في عباداتنا هذا الذي تسلّمناه من آبائنا. رقاد والدة الإله أي موتها وانتقالها إلى السماء لم نحوّله إلى عقيدة في قرار مجمعيّ رسمي. بقي احتفالا وقناعة عامة أن التي أعطت المسيح جسده وإن كانت مُعدّة للموت وماتت إلا أنها مثل ابنها لا ترى فسادا وقد صارت بتجسده أكرم من الملائكة أي أعلى مرتبة من المخلوقات المنظورة وغير المنظورة.

          لقد أَمرَنا الإنجيل أن نكلّمها إذ كيف ننفّذ كلمتها «ها منذ الآن تطوّبني سائر الأجيال» (لوقا 1: 48) إنْ لم نتوجّه إليها لنقول لها إنّ الطوبى (أو الهناء) لها. الذين مع الله في الملكوت أحياء لأن «الله إله أحياء وليس إله أموات». كيف يُظهرون حياتهم إن لم يكونوا في حوار صلاة مع ربهم من جهة ومعنا من جهة أخرى؟ عندما يقول بولس إنه يتمنّى أن يموت ليكون مع المسيح، ماذا تعني هذه المعيّة سوى أنه قادر أن يكلّم المسيح؟ هل الذين تقدّسوا وانتصروا هم مع السيد بلا وعي؟

          «لقد أتت الساعة وهي الآن حاضرة حين يسمع الأموات صوت ابن الله». هي الآن حاضرة لأن قيامة المخلّص فاعلة في النفوس منذ الآن وإلا كانت حياة المسيح فينا قد انطفأت أو انقطعت. استمرارية حياة المسيح في أتباعه بعد موتهم هي التي تجعلنا نقول إنهم منتصبون أمام وجهه وإننا نحن الذين استبقانا على الأرض أمام وجه القديسين كما أن وجوههم إلينا.

          هنا لا بد لنا أن نجيب عن اعتراض نسمعه عند بعض، وهو لماذا لا نتوجّه إلى المسيح مباشرة في الصلاة؟ من سمع طقوسنا يلاحظ أننا في معظم صلواتنا نتوجّه إما إلى الثالوث المقدس أو إلى الابن، وأن القداس يتوجّه إلى الآب. هذا هو توجُه العبادة. أما القديسون ومنهم والدة الإله فلا عبادة لهم، وتوجُّهُنا إليهم توجُّه تكريم وتوسُّل أو مديح ضمن علاقة التكريم.

          أما لماذا لا نكلّم المسيح وحده فاعتراض نُجيب عنه أن المسيح ليس وحده في السماء ولكن يحيط به أحباؤه. «أنا الكرمة وأنتم الأغصان». الكنيسة المنتصرة في السماء، كما الكنيسة المجاهدة على الأرض، هي «جسد المسيح»، امتداده، حضوره فوق أو هنا. المسيح يُسَرّ بالذين هم له. هؤلاء لا يقللون من مجده. إنهم سطوع مجده. في الدنيا إذا كرَّمتَ صديقًا فتكرّم أيضا زوجته وأولاده. ليس في السماء مَن كان غريبا عن السيد. كلهم حول السيد.

          القديسون ليسوا طريقنا إلى الرب. هم معنا حوله. يبقى وحده مركز الدائرة ونحن أهل السماء والأرض معا مركَّزون عليه، فإذا خاطبْنا أهلَ السماء نكون مخاطبين حبيبهم الأوحد بآن معا. ذلك أنه في القديسين.

          كذلك هنا نطلب من كل تقيّ أن يصلّي من أجلنا. ذلك لإيماننا بأن المسيح فيه وبأنه قادر أن يكون لنا رفيقا أمامه. فإذا كان لأهل الأرض قوة في السماء، فبالحري الذين تحرروا من وطأة الجسد لهم عزة ومكانة عند الرب من أجل أهل الأرض.

          المهم أن نؤمن أن ليس أحد له قوة إلا تلك التي استمدَّها من الله. فنحن نلتمس الله في العذراء وبقيّة القديسين. مَن توقف عند القديسين ولم يذهب إلى الرب الذي يعبّرون هم عنه فهذا قد جعل في المخلوق قدرة منعزلة عن قدرة الخالق. وأما من لم يكن له حديث مع والدة الإله والقديسين فقد عزل المخلّص عن أحبائه. هكذا يكون قد بتر المسيح.

          للرب مكانة ولصحبه مكانة. والمكانتان في المدى الروحي الواحد. طوبى لمن استطاع أن يرى المسيح وحيدًا وأن يراه مع إخوته الصغار الذين اصطفاهم ليُشركهم في حبه إلى الأبد.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

رابطة الحركات الأرثوذكسية/ الأحد 8 آب 1999/ العدد 32

قبيل انقضاء الأربعينات، اجتمع الأب ألكسندر شميمان (الروسي) ونيكوس نيسيوتيس (اليوناني) وكاتب هذه الأسطر في أوروبا لإحساسنا بأن حركات الشباب الأرثوذكسي في العالم في حاجة إلى زيادة في التوحّد والتنسيق. أطلقنا الفكرة في لقاء أوسع في ضواحي جنيف. أسمينا الحركة هذه سِنْدِسموس, وتعني الرباط, آخذين التسمية من عبارة «رباط السلام» التي استعملها بولس في أفسس 4: 3.

تضم الآن 120 حركة شباب إلى جانب معاهد لاهوت منتشرة في خمسين بلدا. باركها رؤساء كنائسنا جميعا. أحيت الرابطة حركة التبشير في الشعوب الوثنية. دعمت الوحدة الأرثوذكسية. شجّعت مناولة المؤمنين. اهتمت بشؤون البيئة. تنعقد جمعيتها العامة كل أربع سنوات لانتخاب الهيئة الإدارية واختيار المواضيع التي تُقترح على الحركات لدرسها.

الجمعية العامة الأخيرة انعقدت بين الـ15 والـ25 من تموز الماضي في دير التجلّي, فالامو(فنلندة). جاء ما يقارب 250 مندوبا من شرقنا هذا وأوروبا وأميركا وأفريقيا إلى جانب موفدين من الكنائس الشرقية (غير الخلقيدونية) وتوزّعوا في حلقات تَدارست ما يُسمّى الدهرية أو العلمانية secularism, التقليد الكنسي والعادات, اللغة الطقسية, الحوار بين المسيحيين, الخدمة الاجتماعية, العلمانيين في الكنيسة, القِيَم الأخلاقية, معاهد اللاهوت, الأرثوذكسية والبيئة. كنا حوالى عشرة من الكرسي الانطاكي. انتُخب رئيس وأمين عام مع الهيئة المعاونة, وذهب فريق حاجًا إلى روسيا حيث دير فالامو القديم القائم على بحيرة لادوغا القريبة من بطرسبرج.

كان جو الدير رائعا وهو قائم على مساحة 300 هكتار من الأرض. يقصده حجاج كثيرون من كنيسة فنلندا الأرثوذكسية التي تعدّ حوالى ستين ألف فنلنديّ إلى جانب ما يناهز 150 ألفًا من الأجانب (يونانيين, بلغاريين, رومان…). كنيسة نشيطة جدا تتمتع بحكم ذاتيّ ضمن بطريركية القسطنطينية (أي توافق البطريركية المسكونية على انتخاب رئيس الأساقفة)، والمجمع المحلي ينتخب مطارنة الأبرشيات ويدير شؤون الكنيسة دون الرجوع إلى القسطنطينية. اللاهوت الأرثوذكسي يدرَّس في كلية مستقلة تابعة لجامعة الدولة. الكهنة مثقّفون جميعا. الخشوع واضح. النمط الطقوسي بالأداء والتلحين هو النمط الروسي لكون الأرثوذكس الفنلنديين كانوا جزءا من كنيسة موسكو قبل الثورة الروسية. حيوية كبيرة وليس من عقدة أَقلّوية (نحن هناك 1% من الشعب الفنلندي).

كان جميلا هذا الانصهار بين شبان من مختلف أنحاء العالم. استعملنا لغات عديدة بسبب القوميات العديدة. طبعا هناك وفود منفتحة, مرنة كالوفد الانطاكي, وتجلّت إزاءه نزعات محافظة حتى التشدد. ومع ذلك كانت الوحدة الأرثوذكسية واضحة.

أهمية الرابطة أنها أداة إحياء في الكنائس, تبسط فكرها في العالم الأرثوذكسي الواحد ضمن وحدات مناطقية. عندنا هنا وحدة جغرافية تضم الحركات الشبابية العربية الجامعة بين كراسي الإسكندرية وأنطاكية وأورشليم. ما نرجوه أن يقوى تأثير سندسموس في كنائسنا المختلفة، وأن تكون مسموعة لدى السلطات الروحية. لعل السنوات الأربع القادمة تزيد كراسينا جميعا نفحات من الروح الإلهي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الاستعداد للمناولة/ الأحد أول آب 1999 / العدد 31

ما من شك أن المناولة ليست فقط حقا للمؤمن في كل ذبيحة ولكنها أيضا واجب. وصار الإقبال عليها عظيما بعد أن فهم المؤمنون أنهم لا يكتملون إلا بها. إنها خبزهم السماوي ومصدر حياتهم الأبدية. غير أن اللقاء بيسوع لقاء مسؤول يقوم على حبّنا له والتزامنا إياه. عمل يتطلب وعيًا لعظمة اللقاء وعمق المحبة التي فيه. وبكلام أبسط شرط هذه المشاركة التوبة والتصميم على ترك الخطيئة والشوق إلى أن نبقى مع السيد دائما أبدا.

ومن تعابير التهيؤ الإمساك عن الطعام منذ السَحَر. التهيؤ تهيُّب. «بخوفِ الله تَقدَّموا». فمَن لم يصمم على أنه سيكون بعد القداس أفضل مما كان، فعليه أن يمتنع من أكْل جسد الرب. من يبيِّت مشروع خطيئة أو من أراد أن يبقى على حقده وعلى معاشرة رديئة وأن يستمر في كذبه فهذا غير معنيّ بدعوة الكاهن: «بخوفِ اللهِ وإيمانٍ ومحبةٍ تَقدَّموا».

إنْ لم يتحرك قلبك إلى المسيح ولم تطلب صداقته والإلفة معه، فلا تقف في صفّ المتناولين. منذ الليلة السابقة للقداس تختلي مع الرب بالصلاة والقراءة المقدسة. ومن الصلاة «المطالبسي» وهي مجموعة صلوات تلي صلاة النوم الصغرى وتتضمن معاني التوبة والخشوع والاستغفار. وقبل ذهابك إلى الكنيسة لا بد من صلاة مهما كانت قصيرة (ألِّفها أنت) تقول فيها للسيد أنك ذاهب إليه.

وإذا وصلت إلى القداس متأخرا جدا، فهذا يعني أنك غير مهتم له. عند ذاك أَحجمْ عن الناولة. الخدمة الإلهية تحضرها كلها منذ «مباركة مملكة الآب…»، والأفضل أن تشارك في صلاة السَحَر لتقف على معاني القيامة فترتفع نفسك بالأناشيد القيامية. قبل أن تكون فصحيّا بذوقك غلبةَ المسيح كيف تُقبِل إلى دمه الإلهي؟

المناولة ليست عادة أحدية. نحن ليس لنا أشياء نعتاد عليها. نحن دائما مع يسوع في محبة تتجدد. نأخذه يوم الأحد كأننا للمرة الأولى. لا يمكن أن تصبح إنسانا جديدا ما لم تتقبله كأنه فجر جديد، كأنك معمَّد اليوم. إذا مررت بالقداس كأنه قِطَع تتوالى وتحسن عندك مِن لحنٍ فيها، إن كنت سطحيّا إلى هذا الحد، كيف تدنو من طعام رهيب كهذا.

لك الدلال مع يسوع، ولكن لا يحق لك الدلال إلا من بعد تعب. إذا لم يدمع قلبك ولم تصطبغ بدموعك فأنت جافّ. والجافّون لا يقبلون المسيح في طراوته. إذا لم تدرك أن السيد هو كل الحياة فامتنع.

هل قلبك التَحفَ الصمت وتجلل بالرحمة، هل انقطعت عن ضجيج الشهوة فيك واحتدامها، هل تنكرت لكل وسوسات الشيطان ودفعْتَه عنك، هل عشقت الحبيب الإلهي؟ اقترب، إذ ذاك، خائفا على خلاصك ومسترحما ربك، منكسرا حتى الامحاء عند قدمي السيد. إن لم تكُن على هذه الحال، فأنت تبدو مقتربا ولكنك لا تكون قد دنوت من قلب السيد، لا تكون قد ارتميت على صدره. خَفْ ثم اطمئن وتعال.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أنتم نور العالم/ الأحد 25 تموز 1999/ العدد 30

يقولها يسوع في عظة الجبل لتلاميذه (متّى 5: 14)، ثم يحضّهم هكذا: «فليضئ نوركم قدام الناس لكي يروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات». يأتي هذا الكلام بعد التطويبات وكأنه يوحي أنكم إذا كنتم مساكين بالروح، رحماء، أنقياء… فهذا نور فيكم، وهذا لا بد له أن يبدو أمام الناس. ولكن حذار أن تتمجّدوا به. المجد يعود فقط إلى الآب لكونه هو مصدر هذا النور. ما عدا ذلك انتفاخ وادعاء، والفضل كله إذا استنرتم هو الله.

          ويؤكد يسوع في موضع آخر أنه هو نور العالم (يوحنا 8: 12). وكان يوحنا الإنجيلي قد أعلن في مطلع إنجيله أن السيد هو «النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتٍ إلى العالم» (يوحنا 1: 9). الإنسان ليس فيه نور مستقلٌّ عن هذا الذي ينبثق من يسوع.

          كان العهد القديم قد أوضح أن الرب يلبس النور مثل الثوب وأن المسيح سيأتي نورا للأمم. في الأنبياء الله نور ويرسل نوره إلى الصِدّيقين. النور، الله مصدره، ومصبّه المؤمنون به، وإذا هم أخذوا يعاينون به النور الإلهي.

          غير أن ثمّة موضعا في عظة الجبل يقول الرب فيه: «إن كان النور الذي فيك ظلاما، فالظلام كم يكون» (متى 6: 23). هناك إذًا ناس مظلمون يدّعون أنهم مُستَنيرون لأنهم ليسوا في اتصال حقيقي مع الرب، ليسوا على عمق اتصال. لذلك قال بولس: «فليكن فيكم الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا» (فيليبي 2: 5). إن مطابقة أفكارنا أو طاعة أفكارنا لفكر المسيح هو الدليل على أن فينا نوره. وبعد قول الرسول هذا، نادانا إلى التواضع. الذي يرانا على التواضع يمكن أن يتبيّن أن لنا فكر المسيح. قياسا على هذا، من رآنا على فضائل أخرى يمكن أن يسترشد بها على النور الذي فينا. الفضيلة نور.

          غير أن هذا لا يكفي. هناك استقامة الرأي التي نترجم بها كلمة «أرثوذكسية» اليونانية. من لم يكن على الرأي المستقيم الذي انتقل إلينا من الإنجيل عبر الرسل والآباء والشهداء كان في الظلام ولو ادّعى أنه موافق للإنجيل. ولهذا كانت قناعتنا أن الذي انحرف عن استقامة الرأي يكون مدّعيا أو متكبّرا غير مذعنٍ لما «تَسلَّمَه القديسون مرة». الذين أسسوا الهرطقات هم كذلك. جاؤوا من العناد. لا أقول الشيء نفسه عن الأجيال التي لحقت بهم. هذه وُلدت على الخطأ واستمرّ الخطأ. تشبُّثهم بالغلط ولو بيّنتَ لهم الحق دليل على أنهم يحجزون الحق بالباطل، وإذا بقوا على هذه الحال فهم مجدِّفون على الروح القدس وهؤلاء لا خلاص لهم.

          في أية حال نكون عليها في شذوذ الفكر أو شذوذ السلوك، المهم أن نعرض نفوسنا على نور المسيح، أن نسأل الكنيسة عن فكرها. المحزن أن الكثيرين ممن ينتقدون تعاليمنا أو بعضها –ومنهم الأرثوذكسيّ المولد– لم يقرأوا في حياتهم شيئا ولم يكونوا على اتصال بما نقوله حقيقةً وما نعنيه.

          غير أن دفاعك عن الإيمان لا يبلغ السامع بالكلام وحده. عليك أن تكون جميلا روحيا، محبا لله، متواضع القلب، حادًا صارما ولكن غير مخاصم ولا شتاما، غير مبغض للمخطئ ولكن مبغض للخطأ الذي فيه. إن كنت مستنيرا سلوكيا فالنور الذي في عقلك وداخل قلبك يصل إلى سامعيك. أنت لا تدحض الهرطقة بالكلام فقط، ولكنك تدحضها بالضياء الذي فيك.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

قديسو العهد القديم/ الأحد 18 تموز 1999/العدد 29

إذا سألت الكثير من البسطاء: متى عاش مار الياس؟ لا يخطر على بال بعض أنه من أنبياء العهد القديم. كذلك قد يجهل بعضهم أن من سُمّي مار شعيا ليس سوى إشعياء النبي. كذلك موسى النبي قديس عندنا. كذلك أيضا إبراهيم وإسحق ويعقوب (هؤلاء الثلاثة شهد لهم يسوع أنهم في الملكوت). لكل من الأنبياء القدامى، وهم 16، عيد.

          السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تعترف الكنيسة بقداسة مَن جاء قبل المسيح؟ السيد وحده هو المخلّص. عند انفصال روحه عن جسده بالموت، ذهب روحه إلى الجحيم أي إلى مثوى الأموات حيث أبرار العهد القديم. فقد ذهب «يبشر الأرواح التي في السجن» (1بطرس 3: 19) بمعنى أنه وَهب قوة القيامة الذين انتظروه ببرّهم. في العهد الجديد كلام على أن داود «رأى مِن قبلُ قيامةَ المسيح وتكلم عليها» (أعمال 2: 31). نقول في القداس الإلهي: «لقد كنتَ في القبر بالجسد، وفي الجحيم بالروح (أي بروحك البشري المملوء بالروح القدس)، وعلى العرش مع الآب والروح (القدس)». قيامة المخلّص بكامل نصرها هي التي تَبلَّغها الأموات السابقون لموت السيد. وهذا ما تشير إليه أيقونة النزول إلى الجحيم –وهي عندنا أيقونة القيامة– إذ ترسم المخلّص منتشلا بيديه آدم وحواء من الجحيم. الذين ماتوا قبل السيد ذاقوا قيامته. إن السيد المبارك غير الخاضع لزمان أضاء الذين قبله والذين بعده فصاروا جميعا له.

          إن الكنيسة لمّا نظرت إلى الأنبياء لم تر شخصيتهم مفصولة عن الروح القدس الذي نطق بهم. كيف يكون عقلهم محرَّكا بالروح ولا يكون كيانهم ممتلئا بالروح. إنها تخاطب حجِّي النبي بقولها إنك صرت «مسكنا إلهيا… أصبحت مشمولا بشعاع النعمة الإلهية…. ممتلئا من الاستنارة التي لا يعروها فساد». كذلك ترى أن دانيال النبي «متلألئ بإشراقات الفضائل ببهاء». هذه كلها مصطلحات تدل على أن الأنبياء نالوا مواهب الروح كما نالها قديسو العهد الجديد. استنارة، إشراقات وما إليهما من مفردات دقيقة من فكر الآباء القديسين تدل على أن الذين سبقوا المخلّص من رجالات العهد القديم عاشوا في المسيح يسوع قبل ظهوره الأرضي. لذلك لهم في الكنيسة أيقونات وكنائس وأعياد ونُسمّى بأسمائهم.

          فعلى سبيل المثال لا الحصر إذا عظّمت الكنيسة النبي الياس غدًا وبعد غد تشهد إلى أنه خصيص المسيح، والإنجيل لا يظهره مع الرب المتجلي في جبل ثابور إلا لأنه كان في حياته على الأرض ملتصقا بالمسيح بصورة سرية. وبهذا تؤكد الكنيسة أنها لا تفصل العهد الجديد عن العهد القديم، وأن المسيح هو إياه في العهدين ولو بدا في القديم أكثر احتجابا. ففي دستور الإيمان نقول عن الروح القدس إنه «الناطق بالأنبياء». تقرأ الكنيسة فصولا كثيرة من العهد العتيق في صلاة الغروب والصوم الكبير وفي العصور الأولى في القداس الإلهي لتوحي بذلك أن الأنبياء القدامى حاضرون بكلامهم في الذبيحة الإلهية وأن هذا الكلام يحيينا.

          نحن ليس عندنا إلهان. الإله الواحد الذي تكلم قبل التجسد «بأنواع وطرق شتّى» هو نفسه الذي تكلم بحبيبه في الأيام الأخيرة. المسيح ما جاء لينقض ولكن ليكمل. جذور تعليمه في الكتاب الذي كان يقرأه منذ طفولته. قرأ في مجمع الناصرة سفر النبي إشعياء كما جاء في بشارة لوقا أي إن يسوع اعتبر هذا الكتاب مُلهَما من الله، وبعد أن تلا المقطع قال: «اليوم تمَّتْ هذه الآية». كل ما قاله الأنبياء هو لنا، وهم معنا في كنيسة المسيح الواحدة.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

المسيح في العائلة/ الأحد 11 تموز 1999/العدد 28

لماذا نقرأ في حفل الإكليل ذلك الفصل الإنجيلي الذي يتحدث عن عرس قانا الجليل؟ فالحديث عن العريس وارد في أكثر من موضع. السبب الرئيسي هو أنه جاء في هذا المقطع: «ودُعي يسوع وتلاميذه إلى العرس» (يوحنا 2: 2). الزواج الذي يريده السيد هو الذي يسكن هو فيه. فهل كل عائلة من عائلاتنا مسكن للمسيح؟

          كيف لا تكون العائلة مجرد تراكم بين الرجل والمرأة والأولاد؟ كيف تكون حية ومرضية للرب؟ متى لا يكون البيت خاليا من الروح، حرا من أنانية الزوج أو أنانية الزوجة أو مجتمع أنانيتين؟ الحكي الذي نسمعه أن كل واحد من الشخصين يجب أن يتنازل عن شيء من حقوقه أو بعض متطلباته وأن يغضّ النظر عن الأخطاء، يعني أن تقوم الحياة على تسوية. أجل هناك تفاصيل تافهة لا ينبغي التمسك بها. هناك إرضاء للآخر حسب قول الرسول: «ليس للمرأة تسلُّط على جسدها بل للرجل، وكذلك الرجل أيضا ليس له تسلُّط على جسده بل للمرأة» (1كورنثوس 7: 4). ما عدا هذا السلطان المتبادل في العلاقات الحميمية، يبقى لكل من الاثنين أن يصلح الآخر. لا يمكن أن تغضّ النظر عن خطأ أو خطر أو انحراف أو معصية. هنا يجب اللوم أو النصيحة لأنها تأديب في الحق، والتأديب المتبادل ممكن بالوداعة ولكن الحزم واجب فيه.

          إنه واجب عليك ألا تدع رفيق حياتك يزلّ. وأنت تثور ليس أنه أخطأ  إليك ولكن لأنه أخطأ إلى نفسه وأفسد نفسه. تثور من غيرتك عليه، من رغبتك في كماله. إذا كنت عاشقا للحقيقة وللكمال فأول مشتهاك أن تدعو قرينك إلى الحقيقة والكمال، وأن تريد أولادك فيهما. فالطهارة هي الجامع بينكم جميعا. أنتم لستم معا إذا قبلتم بأية رذيلة تسود عليكم.

          أن تكون أنت وامرأتك جسدا واحدا –وإلى ذلك دعتكما رسالة الإكليل– هو ألا يبقى فيك نتوء يخدش الآخر وألا يبقى فيك ما يجعلك شاردا عن البيت، ملتهيا عنه بملذاتك. أن تظل لك صديقات تستحيي بأن تعرّف امرأتك عليهن أو تحتفظ أنت بصداقتهن هو كسر لوحدة العائلة. أن تحتفظ المرأة بصديق لا ترغب أن تعرّف زوجها عليه فهذا إنذار خطر. العاطفة الحارة جدا خارج البيت ولا سيما إذا كانت لكائن من الجنس الآخر هي تشريد لأهل البيت جميعا. الثنائي يعيش معا صداقة للآخرين رجالا كانوا أم نساء. الصداقة الحق هي التي لا تُلهي عن المودة الأساسية القائمة بين زوج وزوجته.

          اللاحم لهذه المودة الزوجية هو المسيح. بلا مسيح بينكما أنتما على مصلحة دنيوية أو عشق هدّام. بلا مسيح أنتما في لعبة السلطة، في شهوة التحكم التي يفتش فيها الرجل على السيادة الرعناء، على سيادة يركزها على المال الذي يجني، وتركزها المرأة على رفض السيادة إذ تحسها مفروضة عليها فتحاول بدورها أن تسود بالوسائل التي تخوّلها إياها طبيعتها الأنثوية. هذا صراع جهنمي قائم على التشنج. العائلة تكون انهارت أساساتها ولو بقيت صورة الاتحاد. فالاتحاد صادق أو لا يكون.

          أما إذا كان الاتحاد قائما على المسيح، فإذا سلّم كل منكم أمره للمسيح يكون متواضعا تجاه الآخر ورقيقا ونبيها وخادما له. ولهذا طلب الرسول في الآية التي تسبق مباشرة رسالة الإكليل أن نكون خاضعين بعضنا للبعض (أفسس 5: 21). إذ ذاك ليس من سؤال حول من يكون الرأس. كل حكيم هو الرأس.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

راعي نفوسكم العظيم (1 بطرس2: 25)/الأحد 4 تموز 1999/ العدد 27

الله وحده هو الراعي الكامل، ومن نسمّيه راعيا في الكنيسة ليس سوى مترجم عمليا -وفي حدود ضعفه- الرعاية الإلهية. ان اهتمام الله الكامل بالإنسان جعل صاحب المزامير يقول: «الرب راعيّ فما من شيء يعوزني» (مزمور23: 1). الراحة، الهدى، الاطمئنان، السكن في بيت الرب، أي في رعايته، كل هذا يجب على الرعاة القيام به إذا أرادوا التشبه بالله.

          في حزقيال يقول الله: «أنا أرعى خرافي وأنا أربضها» (34: 15)، ثم سرعان ما يقول عن الرعية: «وأًُقيمُ عليها راعيا آخر ليرعاها، عبدي داود» (الآية23). كيف تكلم النبي على أن داود يرعاها وكان قد مات؟ يجيب عن هذا السؤال المسيح نفسه بقول: «أنا الراعي الصالح» (يوحنا10: 11)، وكأنه يقول ان هذا الذي ارتجاه حزقيال إنما هو أنا (لا داود إذًا بل ابن داود). ويورد السيد الصفة الأساسية للراعي بقوله: «الراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف» في الجزء الثاني من الآية 11 نفسها، وكأنه يقول إني سأمارس هذه الرعاية بموتي على الصليب، بمعنى أن خرافي ستعرف آنذاك أنها محبوبة وأن رعايتي ليست سوى الخلاص الذي أتيتُها به.

          تؤكد هذا الرسالة إلى العبرانيين برؤيتها المسيح راعيا «بدمِ عهدٍ أبديّ» وبالقيامة (13: 20). وتستمر رعايته لنا في السماء: «لأن الحَمَل الذي في وسط العرش سيرعاهم» (رؤيا 7: 17). فالمسيح صار راعيا لكونه حَمَل اللهِ (بالموت على الخشبة).

          ينسحب هذا على وضع الكاهن الأرضيّ بحيث لا يستطيع أن يصبح راعيا الا إذا صار شبيهًا بحَمَل اللهِ الذبيح. بلا موت عن الرعية ليس من رعاية. أن نطالب الرعية بما نسمّيه حقوقنا حتى درجة الاحتدام والغضب فهذا ليس من الرعاية بشيء. أن نُصرّ على أن يحترمنا كل الناس بالكلام اللائق والتصرّف اللائق، أن نفرض هذا يعني في بعض الأحوال أن ليس عندنا هيبة ووقار تضطر الأكثرين على أن يقدموا لنا الاحترام.

          من خلال واجب التضحية في كل شيء، واستيضاحا عن صفات الراعي، لا بد لنا أن نقرأ الإصحاح الـ34 من حزقيال. «ويل لرعاة إسرائيل الذين يرعون أنفسهم… أنكم تأكلون الألبان وتلبسون الصوف… لكنكم لا ترعون الخراف… الضعاف لم تُقوّوها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردّوها والضالة لم تبحثوا عنها، وانما تسلطتم عليها بقسوة وقهر».

          فصل نبويّ يفحص به الأسقف والكاهن وكل مرشد نفسه ليرى إن كان يهتمّ بنفسه أم يهتم بأن يجعل شعبه «رعية الله»، الكاهن خادمها لتنتمي للراعي الواحد الذي هو المخلّص. كل تدبير أو إرادة أو تعامل بالمال أو بناء كنيسة وأوقاف، كل هذا غايته الوحيدة أن نصبح «رعية مع القديسين».

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 27 حزيران 1999/ العدد 26

إنجيل اليوم (متى 8: 5-13) يروي حادثة شفاءٍ لخادمِ ضابطٍ رومانيّ كان من قوى الأمن عند هيرودس أَنتيباس حاكم الجليل وابن هيرودس الكبير. هذا حسب رواية لوقا كان قد بنى مجمعا (كنيسًا) لليهود في كفرناحوم. أَظهرَتِ الحفريات في تل حوم (وهي غالبا كفرناحوم) مجمعا جميلا من القرن الثاني للميلاد لعلّه قام على أنقاض المجمع الذي بناه هذا الضابط.

          هذا يدل أنه احترم الإيمان اليهودي أو أقَلّه أنه قد اقترب روحيا من اليهود. حنّ في كل حال على خادم ليس من دينه ولا من جنسه كان مفلوجا ومُقعدا أو مصابا بداء عصبيّ شديد. فلمّا أَعلم هذا الرجلُ السيدَ بالأمر، قال له يسوع: أنا آتي وأَشفيه. ولما كانت اللغة اليونانية لا يمكن أن يَرِدَ فيها كتابة علامة استفهام أو تعجُّب، يمكن فهم كلام السيد هكذا: أتريدني أن أذهب إليك لأشفيه؟ فأجابه: «يا رب لستُ مستحقا أن تَدخُل تحت سقفِ بيتي ولكن قُلْ كلمة لا غير فيَبرأ فتاي».

          «لستُ مستحقا أن تَدخُل تحت سقفِ بيتي» يمكن أن تدلّ على عِلْمه بأن اليهود لا يدخلون بيوت الوثنيين، ولذلك أَكمل: يمكنك أن تَشفيه من بعيد. كان مؤمنا بقدرة يسوع. فكما أن الضبّاط يأمرون العسكر، يقدر يسوع أن يأمر الطبيعة ليُشفى الغلام.

          أُعجب السيد بإيمان هذا الرجل وصرّح أنه لم يجد إيمانا مثل هذا بين اليهود، وتنبأ على أن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب ويَتّكئون في ملكوت السموات. هذا يشير إلى أن الأمم سترث الخلاص وتجلس إلى مائدة الملكوت. هذا ما سيُعلنه متى في آخر إنجيله عندما يقول: «اذهبوا وتلمِذوا جميعَ الأمم وعمِّدوهم…» (28: 19). خلاص الأمم الوثَنية إذا آمنَتْ بالمسيح سيكون تعليما أساسيا عند بولس. أما الذين يرفضون المسيح من اليهود (وكانوا أبناء الملكوت) فإنما يُلقَون في الظلمة البرّانية ويُقصد بها جهنّم.

          شُفي الغلام في تلك الساعة والسيدُ بعيد.

          التعلُّق بشخصِ يسوع والإيمان بقدرته ليس فقط على شفاء أمراضنا ولكن على شفائنا من خطايانا، هذا هو صميم الديانة المسيحية. أن نكون في حالة التواصل الدائم معه، هذا هو المبتغى وهو ليس ببعيد. يقول القديس نقولاوس كبازيلاس (بيزنطيّ من القرن الرابع عشر) إن المسيح أقرب إلينا من رأسنا لأن رأسنا يمكن أن يُقطع منا وعند ذاك يبقى المسيح معنا.

          نحن الذين عَرفْنا الحق وذُقنا كم طيّب هو الرب كيف نبقى غير منشَدّين إلى يسوع وغير حساسين لقرباه؟ كيف نعرف قدرتنا في العمل، في الفكر، في التجارة، في أبداننا ولم نتوصل إلى معرفة القوة التي في يسوع؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

العين الشريرة/ الأحد 20 حزيران 1999/ العدد 25

بدء إنجيل اليوم –وأقف عند البدء- قوله المبارك: «سراج الجسد العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله نيّر. وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلمًا». ما أراده الإنجيل بالعين ليس ذلك العضو الذي في الوجه ولكن الرؤية الداخلية، رؤية النفس. في هذا يقول شكسبير في مسرحيته يوليوس قيصر: «الخطأ، أيها العزيز بروتس ليس في النجوم. إنه في أنفسنا». البصيرة التي فيك ماذا تبصر؟ فإما أن تبصر الله أمامك في كل حين فأنت سليم (أو بسيط)، أو بصيرتك باتجاه الأرض فتكون كما العين التي أصابها السرطان أو «ميّ زرقا» وهو تكثُّف في عدسة العين يمنع الإبصار.

العين البسيطة أو الصحيحة مُحبة. العين الثانية حاسدة. كل شيء، إذ ذاك، مظلم. فالعالم جميل إن كنتَ جميل البصيرة. والدنيا سوداء إن كانت رؤيتك الداخلية سوداء. قال داود: «افتحْ عينيّ فأُبصر عجائب شريعتك» (مزمور 118: 18).

يقول الاعتقاد الشعبي أن العين الحاسدة تؤذي. الكنيسة لا تقرّ بأن إنسانا له أن يؤذي إنسانا آخر بمجرد الحسد. الحاسد يضرّ نفسه فقط. ولئن كان عندنا إفشين (أي صلاة) لدفع ضرر العين الحاسدة، فهذا ليس إقرارًا بحقيقة «العين المؤذية». ولكنه ملاحظة أن من ظن نفسه مصابا فيجب أن يتحرر من هذا الخوف، ولذا تستشهد الصلاة بما جاء في المزامير: «الرب مُعيني فلا أخاف ماذا يصنع بي الإنسان»، وأيضا: «لا أخشى الشر لأنك معي».

الحاسد يفسد نفسه لأنه مبغض. أذكر هنا أني فيما كنتُ أستمع إلى اعتراف شاب طلب إليّ أن أساعده في الاعتراف، بين أسئلَتي كان سؤال: هل عندك غيرة؟ فأجاب: نعم. قلت له: ماذا تخسر، لو ظننتَ أنك جميل، لو كان غيرك جميلا، وماذا تخسر لو حسبت أنك ذكي ورأيت أن الكثير من رفاقك عندهم ذكاء كبير؟ إذن لكان الجمال شائعا والذكاء شائعا. إذ ذاك يتمجد الله.

أن نفرح بأن المواهب متنوعة وموزعة، هذا شأن المحب. الموهوبون يجعلوننا نسبح الله الذي أعطاهم ما فيهم من خير. ليس أحد منا يحتكر كل الحسنات. وإن أنت لمستها عند سواك فتجمل نفسك وترتقي. وأما إن حسدت فلا بد لك أن تحارب من تحسده. أنت، عند ذاك، تعيش في تمرمر دائم تجرح نفسك بنفسك.

إن رأيت الخير فيك فاشكر الله، وإذا رأيته في الآخرين فاشكر أيضا لأن الإله الواحد هو الذي أشرق عليك وعليهم. وإن رأيت السوء في الناس فاحزن على السوء، وادعُ للمصاب لعلّ الرب يتخذه برحمته. ألهم جميع الناس أن ينظروا إلى البهاء والجلال والطهر ليكونوا على بساطة المسيح. طبعا لا يمكن أن تحجب خصالك. إنها تضيء، وقد يزداد بسطوعها الحسود حسدا. ولكن لا تيأس من توبته. قد يرحمه ربه يوما ليرى جمالات الكون ويكتسب بساطة الرؤية ويتعلم الحمد. لعل الحسد قائم على الخوف، على عدم الاطمئنان. إنه بالتأكيد نوع من ضعف الإيمان. كثيرا ما ترى نفسك عاجزا عن بعث الحاسد إلى النور. لا حيلة لك أن تستمر في الصلاة من أجل مَن كرهك. هو لربه وربه إليه. في أوان الرضاء يشفيه. أما أنت فتعلم أن كل الناس أفضل منك واشكر.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر من إنجيل اليوم/ الأحد 13 حزيران 1999/ العدد 24

لقد رأى يسوع على ضفاف بحيرة طبرية (متى 4: 18-23) أن هناك من كان مؤهلا للسير وراءه. أن تمشي وراء المعلّم هو أن تفتح قلبك له، أن تُسلّمه قلبك ليسود عليه ويملأه. شدّ إليه اندراوس وبطرس فتركا ما كان يربطهما بمعيشتهما، أي الشِّباك، وتبعاه. في المشوار نفسه على البحيرة، جذب إليه يعقوب بن زبدى وأخاه. هذان لم يتركا فقط الشباك ولكن أباهما. انسلخا من أجله عن كل ما في العالم.

          ما يميزنا عن كل الأديان أن هذه تقوم على كتب ونحن نقوم على شخص المعلّم. نتعلم من حبه، من موته، من قداسة كلامه. ولاء شخصيّ له يتبعه طاعة. شخصه هو الحقيقة وفيض نور لا ينقطع. وإذا شاهدنا وجهه على أنه كل شيء فنتمكن من ترك كل حاجز بيننا وبين وجهه.

          هذه الصلة الحميمية بين يسوع والمؤمن هي التي تدفع هذا إلى تغذيتها بقراءة الكلمة وترويض نفسه على البِرّ وممارسة الخدمة الإلهية حتى يبقى السيد دائما أمام عينيه. فالنار تحتاج إلى إضرام دائم. حبه يحتاج إلى حبنا، وهذا لا يبقى إلا بجهد التعلّم عن سر المسيح وعمق المسيح وجمال المسيح. نحن لسنا ملتزمين فقط العمل الصالح، ولكنا ملتزمون الفهم وإذاعة الإنجيل بإيضاحه للمؤمنين وغير المؤمنين.

          يجب أن نتعلّم من أعدائنا الذين يقرعون أبواب الناس ويحاولون إقناعهم بالمبادئ التي يدينون بها. هؤلاء كل منهم فاهم لعقيدته، لا فرق عندهم بين رؤساء الهرطقة والأعضاء العاديين. كلهم يدرس ويتكلم. لماذا يلازم الأرثوذكسي الصمت؟ لأنه لا يقرأ. لا يمكن أن نترك الكنيسة على مجموعة قليلة من الكهنة المثقفين لاهوتيًا. إن كان عندهم مئات من العائلات كيف يجلسون إليها جلسات طويلة للتعليم؟ أرجو الله أن نقوم في بعض المواضع بحركة تبشيرية تؤهل العلمانيين ليبثّوا الدعوة ولا تبقى المعرفة محصورة.

          إلى هذا لا نزال في حاجة إلى كهنة أقوياء يحملون المسؤولية كاملة، كهنة قادرين أن يسهروا على الرعية وأن يهيئوا فيها عمّالا علمانيين في حقل الرب. عندنا رعايا شاغرة. مَن ألهب الله صدره وكان مستعدا لاستيعاب ما أمكنه من المعرفة، مَن أحبَّ حتى بذل نفسه في الخدمة فليتقدم ليحمل معنا أثقال الشعب ورسالة تعليمه وخلاصه.

          فبعد أن صعد يسوع إلى السماء ألقى علينا مسؤولية التبليغ لإنجيله، مسؤولية شفاء كل ضعف في الشعب وحفظ هذا الشعب بالكلمة والخدمة. إن المسيح حزين لأن بعضًا مِن حقله مهمَل. والفراغ يحتله دائما العدوّ. متى تُلهبهم يا رب بنار محبتك؟ متى نلتمع لتفرح أنت؟

Continue reading