الله وحده هو الراعي الكامل، ومن نسمّيه راعيا في الكنيسة ليس سوى مترجم عمليا -وفي حدود ضعفه- الرعاية الإلهية. ان اهتمام الله الكامل بالإنسان جعل صاحب المزامير يقول: «الرب راعيّ فما من شيء يعوزني» (مزمور23: 1). الراحة، الهدى، الاطمئنان، السكن في بيت الرب، أي في رعايته، كل هذا يجب على الرعاة القيام به إذا أرادوا التشبه بالله.
في حزقيال يقول الله: «أنا أرعى خرافي وأنا أربضها» (34: 15)، ثم سرعان ما يقول عن الرعية: «وأًُقيمُ عليها راعيا آخر ليرعاها، عبدي داود» (الآية23). كيف تكلم النبي على أن داود يرعاها وكان قد مات؟ يجيب عن هذا السؤال المسيح نفسه بقول: «أنا الراعي الصالح» (يوحنا10: 11)، وكأنه يقول ان هذا الذي ارتجاه حزقيال إنما هو أنا (لا داود إذًا بل ابن داود). ويورد السيد الصفة الأساسية للراعي بقوله: «الراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف» في الجزء الثاني من الآية 11 نفسها، وكأنه يقول إني سأمارس هذه الرعاية بموتي على الصليب، بمعنى أن خرافي ستعرف آنذاك أنها محبوبة وأن رعايتي ليست سوى الخلاص الذي أتيتُها به.
تؤكد هذا الرسالة إلى العبرانيين برؤيتها المسيح راعيا «بدمِ عهدٍ أبديّ» وبالقيامة (13: 20). وتستمر رعايته لنا في السماء: «لأن الحَمَل الذي في وسط العرش سيرعاهم» (رؤيا 7: 17). فالمسيح صار راعيا لكونه حَمَل اللهِ (بالموت على الخشبة).
ينسحب هذا على وضع الكاهن الأرضيّ بحيث لا يستطيع أن يصبح راعيا الا إذا صار شبيهًا بحَمَل اللهِ الذبيح. بلا موت عن الرعية ليس من رعاية. أن نطالب الرعية بما نسمّيه حقوقنا حتى درجة الاحتدام والغضب فهذا ليس من الرعاية بشيء. أن نُصرّ على أن يحترمنا كل الناس بالكلام اللائق والتصرّف اللائق، أن نفرض هذا يعني في بعض الأحوال أن ليس عندنا هيبة ووقار تضطر الأكثرين على أن يقدموا لنا الاحترام.
من خلال واجب التضحية في كل شيء، واستيضاحا عن صفات الراعي، لا بد لنا أن نقرأ الإصحاح الـ34 من حزقيال. «ويل لرعاة إسرائيل الذين يرعون أنفسهم… أنكم تأكلون الألبان وتلبسون الصوف… لكنكم لا ترعون الخراف… الضعاف لم تُقوّوها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردّوها والضالة لم تبحثوا عنها، وانما تسلطتم عليها بقسوة وقهر».
فصل نبويّ يفحص به الأسقف والكاهن وكل مرشد نفسه ليرى إن كان يهتمّ بنفسه أم يهتم بأن يجعل شعبه «رعية الله»، الكاهن خادمها لتنتمي للراعي الواحد الذي هو المخلّص. كل تدبير أو إرادة أو تعامل بالمال أو بناء كنيسة وأوقاف، كل هذا غايته الوحيدة أن نصبح «رعية مع القديسين».
