Category

1999

1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/ الأحد 6 حزيران 1999 / العدد 23

نقيم هذه الذكرى الأحد الذي يلي العنصرة لأن الروح القدس الذي تجلّى فيها إنما دوره الأساسي أن ينشئ القداسة في الكنيسة. إيماننا أن القداسة نعمة من الله يمنّ علينا بها مجانا بدافع من رحمته وأن الإنسان لا يستطيع بجهده وحده أن يصعد إلى الله. لا شك أنه لا بد لنا من جهود جبارة لنحفظ قداسة الله فينا, ولكن التعليم الأساسي “أنكم بالنعمة مخلَّصون” (افسس 2: 8). القداسة هبة من فوق.

في إنجيل اليوم –وفي لقاء النعمة والجهد البشري- نرى أن السيد يطلب الاعتراف به قدام الناس. نعلن إيماننا بالمسيح قدام البشر جميعا. أقله ألا نقبل عقيدة مخالفة وألا نرضي أحدا بنكراننا جزءا من العقيدة. وقد يضطرنا إيماننا, في أزمنة الضيق, أن نعترف بالمسيح حتى الشهادة الكبرى بالموت الطوعي من أجله. ففي بلاد تعددت فيها الأديان, الاعتراف بالمسيح يسوع باللسان شرط أساسي لإخلاصنا له. إخفاء إيماننا أو التقليل من خصوصيته وفرادته وقيمته نوع من أنواع الخيانة.

الخط الثاني في القداسة يوضحه قول السيد: “مَن أحبَّ أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني”. المسيح فوق كل واحد وكل شيء في محبتنا. عاطفة تصطدم مع إخلاصنا للمسيح تكون سيئة. أنْ توافق أعزّ الناس عليك في ما يقولونه أو يفعلونه بحيث تعاكس قول الرب ووصاياه, وذلك لكونك تستحي منهم أو لكونك تنتفع منهم أو لكونك ضعيفا أمامهم, كل هذا خطيئة ونكران. أما المحبات الصادقة والشرعية والموافقة لشريعة الله فهي امتداد لمحبتك للسيد. هي مضمونة في طاعتك للرب.

هذا يقود إلى قوله المبارك: “من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني”. فإذا أردت أن تحب يسوع فحياتك مليئة بالصعوبات. أكثر الناس لا يحبون يسوع. يريدون أن يردوك عن هذه المحبة. ثم حولك في بيتك وفي عملك ومجتمعك ناس يعذبونك أو يشتمونك أو يعرقلون مسيرك. بعضهم صليبك اليومي. قد تحسب مثلا فتاة أنها تحب شابا وتتزوجه ويتبين أنه غير صالح. هو صليبها. أن تتقبله بوداعة وصبر يعني أنها أخذت على عاتقها صليب المعلّم. رئيسك في العمل قد يكرهك ويحاول أن يستبدّ بك. رفيقك في العمل قد ينافسك بصورة شنيعة. أنت لا تقدر أن تغيره من بعد نصيحة أو لوم. أنت مصلوب على هذا وذاك. هؤلاء الأعداء طريقك إلى المسيح. الدنيا مليئة بالحساد والظالمين. وقد يكون هؤلاء الأقرب إليك, وربما تكون ساعدتهم وأحسنت إليهم بمال أو خدمة. جاحدوك طريقك إلى المسيح.

والخط الأخير في هذا الإنجيل قوله المبارك: “كل من ترك بيوتا أو اخوة أو أخوات… يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية”. القداسة قبل كل شيء ترك, انسلاخ عن أحب الناس إليك, انسلاخ عما اشتهاه قلبك عن غير وجه حق. الالتصاق ببعض الناس ومجاملتهم كثيرا ما كان فيه انعزال عن المسيح. أنت لا تستطيع أن تماشي أقرب الناس إليك في الباطل. المسايرة قد تكون خوفا طمعا بمال أو مجد أو أية شهوة أخرى.

قد تحس كلما تركت شيئا أو شخصا أنك في صحراء. السيْر في  الصحراء شرط لوصولك إلى الواحة. والواحة هي المسيح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الطاعة/ الأحد 23 أيار 1999 / العدد 21

في زمن التفلت وتمرد الأولاد على الأهل، في بيئة تسمع فيها عن حرية الزوج والزوجة أحدهما من الآخر يأتي الكلام في الطاعة أمرا عتيقا. أجل أعرف أن بين المؤمنين شورى، ولكن الشورى لا تقوم إلا إذا قصد المتشاور أن يطيع الحقيقة إذا أتته من آخر. الغلبة للحق، والشورى ليست أن نسجّل مواقف مختلفة ولكن أن تنتهي المشاورة إلى موقف، لا موقف الأكثرية العددية بل ذاك الذي يرتضيه الله.

الكتاب الإلهي يتحدث عن الطاعة لله، وطاعتنا للبشر محددة بكونهم يقولون كلمة الله، بكونهم يذكّروننا بها. فلا طاعة لمخلوق بسببٍ من مقامه ولكن بسبب من كونه يحمل الكلمة الإلهية. هي إذًا من خلاله طاعة للخالق. أنت تطيع في الكنيسة مدبريك لأنهم يسهرون على خلاصك. إنه، مبدئيا، جيء بهم إلى حيث هم لأنهم قبل اتخاذهم المسؤولية تعلّموا أن يسهروا على خلاصك.

مرة كنت أعظ أحد الناس فقال لي: أنت تتكلم هكذا لأنك أسقف (أراد بذلك أني أردد كلمات تفرضها عليّ وظيفتي). قلت له لا، أنا لا أتكلم هكذا لكوني أسقفا بل أتوا بي أسقفا لأني كنت أتكلم هكذا.

وعندما يتحدثون في الرهبانية عن الطاعة للأب الروحي، عن المرشد الذي يرشد الرهبان فليس السبب إنه كاهن مستمع إلى الاعترافات. مَن سميناه أبًا روحيا هو الذي بلغ قامةً عليا في معرفة المسيح وتاليا في معرفة القلب البشري من جهة ومعرفة الكلمة الإلهية من جهة. لكونه لا يتسلط وليس عنده غرض يرشدك إلى ما ينفعك. الطاعة أساسها الثقة في هذا المجال وإيمانك بأن أباك الروحي مطرح الله.

كل هذا يبدأ بطاعة الابن للآب إذ “أخْلى ذاته متخذًا صورة َ عبدٍ لمّا صار في شبه الناس، وظهر في مظهر إنسان، واضعَ ذاته، وصار مطيعا حتى الموت” (فيليبي 2: 6-8). هذه الطاعة كانت طريق السيد إلى القيامة.

نزولا من عند الرب، إذا نظرنا إلى علاقتنا الأخوية، نرى أن الله يطلب إلينا أن نكون “خاضعين بعضنا لبعض بمخافة المسيح” (افسس 5: 21). في هذه الدعوة نرى أن الشيخ يمكن أن يخضع للفتى والفتى للشيخ والمرأة للرجل والرجل للمرأة. ليس من طبقة خاضعة وطبقة أخرى مخضوع لها. تخضع لمن يقول الحقيقة الآن أيًا كان رأيك فيه. تخضع لمن كان عنده روح الرب دائما. فإذا لمست عند أحد روح الرب تطوّع إرادتك له.

قبل كل شيء لا ترَّد طلبا عادلا ولا تغلق قلبك عن طالب. واستمع بعدل لكل من حاججك. انفتح للناس حسب قول يسوع:”من سخَّرك ميلاً فأمشِ معه ميلين” (متى5: 41). بهذا يتمجد الآب.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

كوسوفو/ الأحد 16 أيار 1999/ العدد 20

لم أكن أكتب في نشرة رعائية عن آلام صربيا لو لم يوجَّه من بعض المرجعيات انتقاد على كنيستنا في هذا المجال كأن الأرثوذكسية هي التي أشعلت نيران الحرب, أو كأنها هي التي هجّرت الألبان المسلمين. الألبان الذين تركوا إقليم كوسوفو من بعد بدء العمليات الحربية كانوا في الأقل ضعفي الذين غادروا قبل القصف. ثم الحكم اليوغسلافي شيء, والشعب الصربي الأرثوذكسي شيء آخر. والبطريرك والمجمع المقدس الصربي شجبوا غير مرة موقف الرئيس اليوغسلافي. هذا شأن الكنيسة الأرثوذكسية في بلاده. وهي تستطيع أن تراقب الوضع هناك أكثر منا.

ليس من تقاليد كنيستنا وهي غير مسيَّسة أن تتخذ موقفا سياسيا لا في بلدنا ولا خارج بلدنا. التفويض الذي لنا من المسيح لا يسمح بذلك. وعمليا لا نستطيع أن ننشئ مرقبا لكل أحوال العالم. نحن لسنا مفكرين سياسيين. ولكنا نقدر أن نكون ويجب أن نكون مع المقهورين أيا كان دينهم. والصرب مقهورون مثل الألبان وتدمَّر بيوتهم وجسورهم والمدنيون الأبرياء منهم والمؤسسات المدنية ويحلّ الخراب الشامل في بلادهم. وإذا كان التعاطف يذهب إلى كل مظلوم, فنحن مع الصرب والمدنيين الألبان, ونحن مع كل قتيل وجريح وشريد أيا كان عرقه وأية كانت ديانته.

يحق لنا بل واجبنا الأخوي أن نصلي من أجل الأرثوذكسيين الصرب, وقد عمَّمتُ ذلك على كنائس هذه الأبرشية. غير إني في كل قداس إلهي أصلي جهازا من أجل الألبان المسلمين الذين تألموا من هذه الحالة. وقد قامت الكنيسة اليونانية بأعمال خيرية هناك وتبرعت الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية – وهي فقيرة – بالطعام ومواد الإغاثة للمسلمين الألبان.

نحن نفهم, لكوننا عانينا في بلدنا أخطار التقسيم, أن يرفض الصرب انسلاخ إقليم كوسوفو عن صربيا. هذا من شأنه أن يؤجج الصراعات الدينية في تلك البلاد. وما يجعلنا أكثر فهما لهذا الموقف أن في الإقليم 135 كنيسة ودير أرثوذكسي لا يمكن أن تُترك لحراسة غير الأرثوذكسيين. إن التعايش الإسلامي – الأرثوذكسي في يوغسلافيا هو الموقف السلمي الوحيد الذي يضمن استمرار كل فريق على معتقده ولغته وتقاليده. وما يحكى الآن إن حكما ذاتيا للإقليم سوف تعترف به يوغسلافيا ويضمن هذا الحكم الذاتي وجود قوات دولية مختارة من الدول التي لم تشترك بقصف يوغسلافيا. فمن الطبيعي أن الدول التي آذت صربيا ودمرتها لن تكون   حيادية هناك.

لا يريدون صربيا الكبرى ولكن لو انسلخ إقليم كوسوفو عن صربيا لا بد له أن ينضم إلى ألبانيا إذ ليس عنده مقومات الحياة. عند انضمامه إلى ألبانيا فتتشكل عند ذاك ألبانيا الكبرى. أن تحجيم صربيا وأن يُمنع عنها مصادر الحياة الاقتصادية في كوسوفو يعني إضعافها. حتى هذه الساعة أُضعفت صربيا كثيرا. هل هذا هو العدل في المنطقة, وهل هذا هو التوازن  بين المجموعات العرقية المختلفة؟ ثم ألا يعني استمرار الحرب محاولة لاحتواء روسيا وشرذمة الشعوب السلافية. من حقنا أن ندعو الله أن يساعد الشعوب الأرثوذكسية لكي تخرج من فقرها وتنهض لتسهم في بناء إنسانية واحدة حرة غير مستسلمة للأجنبي الذي يؤكد أن له مصالح هناك.

أطلب إليكم أن ترفعوا الدعاء ليُحلّ الله رضاه على تلك المنطقة وشعوبها لكي ترقى وتشبع وتقرر حياتها بالاستقلال عن القوى الجبارة المستكبرة, حتى إذا قويَتْ هذه الشعوب تتمكن من مدّ غيرها الأنوار الصاعدة من كنيستنا التي تتمنى شيئا واحدا وهي أن يعيش فقراؤها في الحرية وتاليا في مساواة الأمم الأخرى.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

مشاركة المواهب/ الأحد 9 أيار 1999/ العدد 19

لا تُفهم المواهب المتنوعة التي لنا في الكنيسة إلا لكون كل واحد منا له شركة مع الروح القدس (2كورنثوس 13: 14). فالروح الإلهي الذي فيّ وفيك معاً يجعلنا واحدا. لهذا يقول يوحنا الحبيب أن لنا شركة بعضنا مع بعض (1يوحنا 1: 7). هذه ثمرة لشركتنا “مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح” (1يوحنا 1: 3), فالذين يسيرون في درب القداسة يعيش الثالوث فيهم ويوحدهم.

هذه هي الوحدة, وضمن الوحدة هذا أسقف أو كاهن وذاك علماني أي عضو كامل في شعب الله. الإكليريكي له خدمة, وللعلماني خدمة. النعمة توحدهما ولو اختلفت الوظائف في جسد المسيح. ليس أحد فوق أو تحت أو على الجنبات. كلنا في قلب الله والفرق بيننا الجدية في طلب النعمة.

ضمن الجسد الواحد تتنوع المواهب بصرف النظر عن الوظائف. أما من اجتمعت فيه موهبة التعليم وموهبة الوعظ والرعاية فيدعوه ربه إلى الخدمة الرعائية. ومن كانت له موهبة التعليم وحدها فيصير معلما أو أستاذ لاهوت كما نقول اليوم ولكنه لا يصير كاهنا بالضرورة إذ قد تعوزه موهبة الوعظ والقدرة على افتقاد الاخوة. قد لا يكون الكاهن مؤهلا للعمل الاجتماعي كما هو ممارَس في العصر الحديث. العامل الاجتماعي,إذ ذاك, يعاون الكاهن ويكمله.

بين الكهنة أنفسهم من كان قويا في معرفة اللاهوت أو لامعا في الوعظ أو اقل التماعا. إذ ذاك لا بد من أن يتعاون الكاهن مع زميل أقوى منه. أما الأسقف فتتوافر فيه أصلا معظم المواهب. ولكن ليس من الضروري أن يكون إداريا كبيرا. فالإدارة علم قائم في نفسه. عند ذاك لا بد له من أعوان. من هنا أن القوانين المقدسة تلزمه فور استلامه المسؤولية أن يعين مدبرا وهو ما يقال له اليوم رئيس ديوان أو مجموعة معاونين هم أقدر منه في معرفة المال والاقتصاد وما إليهما. غير أن الأسقف والكاهن لا بد لهما من الحكمة فإنها نعمة إلهية تؤهله أن يتدبر شأن الناس بمحبة ووداعة ولا ينتظر منه أحد أن يكون أخصائيا في شؤون هذه الأرض.

كيف يوظَّف المال أو كيف تدار العقارات هذا ليس من شأن الأسقف مباشرة. يجب أن يعرف الأسقف أن يتقن فن الإصغاء إلى الكهنة وإلى العلمانيين الذين لهم كلٌّ في مجاله معرفة لم يُحصلّها هو. والمحبة هي التي تلهمنا بمن نستعين وتلهمنا أن ننتدب آخرين. ولكل أخصائي مكانته. غير أن أصحاب المعرفة يجب أن يتشاوروا وأن يقدّموا معلوماتهم للأسقف الذي يتخذ مسؤولية القرار الأخير في الحكمة الإلهية التي فيه. هو يتخذ القرار الذي يراه صالحا لمجد الله ولبنيان مَن يمسّهم القرار ويتوخى في ذلك أولا وحدة الرعية. فقد يكون القرار نافعا ماليا ولكن قد تتصدع وحدة الرعية. الأولية هي دائما للنمو الروحي في هذه الرعية أو تلك أو في الأبرشية ككل.

مع من نتشاور؟ مع أي إنسان عارف بالموضوع الذي نبحث فيه, ولكننا قبل كل شيء نتشاور مع الذي عنده روح الرب. ولهذا فرضت القوانين أن يكون مجلس الرعية مؤلفا من الذين يحبون ربنا يسوع المسيح, الخالين من الغرَض والأنانية, الذين يمارسون حياة التقوى ويخضعون لكلمة الله. مجلس الرعية ليس فقط جمعية خبراء ولكنه اجتماع عقلاء. إنه لمفيد أن يعرفوا مسائل هذه الدنيا, ولكن الأهم أن يعرفوا حقيقة المسيح وأن يسعوا إلى وحدة الرعية, وأن يتحرّروا من العشائرية, وأن يكرّموا كاهنهم, وأن يكونوا كرماء النفس واليد.

أجل إن المحافظة على الأوقاف وتنميتها أمر جليل, ولكنه ليس الأمر الأجلّ. فأهم شيء عندنا أن نجتنب الخصومات والعائلية البغيضة وأن نحث المؤمنين على أن يلتفّوا معا حول المسيح, ومن ترجمات ذلك أن نلتف حول الأسقف ولا نُقْدِم على عمل يكرهه ولا أن نتفرد عنه بقرار محلي. لا يجوز أن تلغي رئيس الكنيسة لأنك بذلك تكون ألغيت المسيح. إن رضاء الأسقف والكاهن من رضاء الله عليك, وأن تفتش عن أخيك ولا تبعد أحدا ولا تتسلط على أحد بركة من بركات الله عليك. المواهب متعددة كما يقول الرسول, ولها جميعا مكانتها في الجسد الواحد. ولا يحتقرن منا أحد الصغار فليس أحد منا صغيرا. رأي من تستصغره أنت قد يكون الأصح. كل منا فليقدّم الآخر عليه ويقبل رأيه إذا كان صالحا. هذه هي مسرّة الله.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة / الأحد 30 أيار 1999 / العدد 22

بعد أن صعد يسوع إلى السماء وجلس عن يمين الآب, أي بعد أن بدا سيدا على البشرية والكون, أرسل الروح القدس على الرسل وعلى الكنيسة ليكمل عمل الابن. أن الخلاص تم نهائيا بتعليم المسيح وموته وقيامته وصعوده إلى السماء وليس من خلاص آخر. غير أن الإنسانية مدعوة أن تعرف ما حصل من أجلها. ولهذا كان الإنجيل.

وكان لا بد أن تظهر الكنيسة أي جماعة الذين يحبون يسوع, وإذا ظهرت أن تأخذ هذا الإنجيل الذي دُفع إليها لتفهمه وترشد مؤمنيها والعالم به. ولكي تدخل الكنيسة في صميم الإنجيل كان لا بد لها من روح يسوع. ولكي يحيا المؤمنون بالمسيح ويذوقوه حقا كان لا بد لهم أن يتقدسوا بالحق ويتزيّنوا بالبرّ. وهذه الأعمال التي تنشئ فيهم القداسة وترفعهم إلى السيد هي أسرار الكنيسة من معمودية وميرون وتناول جسد الرب وبقية الأعمال التقديسية من تكريس الكنائس ونضح المنازل بماء الظهور الإلهي (الغطاس) وما إلى ذلك.

ثم كان لا بد للمصلّين أن يكون عندهم الروح الإلهي لكي يتمكنوا من صلاة حارة ومتواصلة، وكان لا بد لهم أن يحبوا بعضهم بعضا وأن يكافحوا روح الشر إذا أغراهم أو هاجمهم. وكان لا بد أيضا من معلمين وكهنة وأساقفة لينقلوا الإنجيل بفهم ويخدموا المؤمنين وحاجاتهم ويوحدوهم بالمسيح ويدفعوهم إلى التوبة.

كل هذا العمل الكنسي أراد الرب يسوع أن يقوم ويتدعم ويبقى بقوة الروح المنبثق من الآب قبل الأزل والمرسَل إلى العالم من بعد صعود السيد إلى السماء. فالروح القدس المستقر في المسيح كان ليجيء من المسيح إلينا ليفتقدنا ويبقى معنا إلى الأبد. فالكنيسة المؤسسة على المسيح وعلى دمه وانتصاره ينسكب عليها الروح القدس دائما وإلا تحولت إلى مجموعة بشرية عادية. فمعاني الإنجيل لا تنتقل إليك ما لم يلهمك الروح. والماء لا يعمدك ما لم يقدسه الروح. والخبز والخمر العاديان لا نفع لهما إلا إذا صارا باستدعاء الروح القدس عليهما جسد المسيح ودمه فلا تأكل أنت خبزا وتشرب خمرا ولكنك تتناول المسيح نفسه. هذا لا يتم إلا بمشيئة الآب وخلاص المسيح ونزول الروح الإلهي على الكنيسة.

ولهذا جاء في إنجيل يوحنا اليوم: “خذوا الروح القدس. من غَفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت”. فإذا نزل الروح عليكم تقدرون أن تغفروا.

وقد نزل الروح فعليا يوم العنصرة كما ورد في سفر أعمال الرسل وذلك خمسين يوما بعد القيامة. نزل على الرسل ووالدة الإله ومن معهم من المؤمنين الأوائل ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم ” بمعنى أن الروح نزل على الكنيسة الأولى المجتمعة بالمحبة وعلى كل واحد من أعضائها. وأخذوا يتكلمون بلغات مختلفة أي أن رسالة يسوع بقوة الروح أخذت تنتشر في العالم كله.

وتَقوّى الرسل ولم يعودوا خائفين من اليهود وأذاعوا الإنجيل في المسكونة كلها, وجذب الإنجيل الناس بجمال تعليمه, وفهمت الإنسانية أن يسوع الناصري هو ملك القلوب وأن تعليمه يشفي ويحرر من الخطيئة. وظل الروح القدس ينزل كل يوم, فكل قداس عنصرة جديدة. وأنشأ الروح القديسين الذين أَحبوا يسوع على أنفسهم. وهو الذي شجع المؤمنين في كل زمن اضطهاد أن يصمدوا, فكان الشهداء الذين كانت محبتهم للسيد أقوى من الموت.

واستمرت الكنيسة وستبقى إلى الأبد لأن المسيح معها إلى الأبد. وعلى كل الصعاب وعلى رغم خطايانا يرسل يسوع روحه لنحيا بقداسة الحق ونذلل كل صعوبة وننعتق من الخطيئة وننادي بأن المسيح هو فينا القيامة والحق والحياة.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

جسد واحد/ الأحد 2 أيار 1999 / العدد 18

خاطب السيد تلاميذه في خطبة الوداع بقوله لهم: “أنا الكرمة وانتم الأغصان” (يوحنا 15: 5) أي كل منا مع الآخر وكلّنا معًا نجيء من المسيح. وبعد القيامة “كان الجميع معًا” (أعمال 2: 1). كذلك “وجميع الذين آمنوا كانوا معًا” (أعمال 2: 44). ليس أحد منا وحده أو منفصلاً عن الآخرين. وفي العلية كان الإثنا عشر والنساء ومريم معًا لمّا حلّ الروح القدس عليهم.

فالمؤمن يسند المؤمن بالصلاة, ويعبّر المؤمنون عن وحدتهم في الصلاة المشتركة. المسيحية عرفت منذ البدء صلاة الجماعة يوم الأحد. وفي قداس يوم الأحد كان المؤمنون يصيرون جسد المسيح بمعنى أنه كان يجعلهم “أُمّة مقدّسة” (1 بطرس 2: 9). فإذا كانوا أمّة فليسوا منقسمين أو مفصولين أحدهم عن الآخر. الكنيسة هي الأمة المقدسة. وبعد أن يكون الفرد قد انضمّ إلى الكنيسة بالمعمودية لا يبقى وحده. إنه مع الجماعة كلها.

يؤكد هذا بولس بقوله: “لأننا جميعًا بروح واحد أيضا اعتمدنا إلى جسد واحد” (1 كورنثوس 12: 13), ويريد بذلك إننا ألفنا جسدًا واحدًا هو إيّاه جسد المسيح. ولكي يحررهم بولس من فكرة الواحد قائم بنفسه أو وحيدًا قال: “إن الجسد ليس عضوًا واحدًا بل أعضاء كثيرة”. ولكي يزداد فهمهم لهذا السر أوضح: “إن قالت الرِجْل لأني لستُ يدًا لستُ من الجسد, أفلَم تكن لذلك من الجسد؟”. أجل أعضاء كثيرة لكل منها كرامته. فالأعضاء تنتمي إلى الجسد الواحد “لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتمامًا واحدًا بعضها لبعض”.

وكي لا يبقى غموض في هذا التعليم أضاف الرسول: “إن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه… وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا”.

عاد بولس إلى هذه المعاني في رسالته إلى أهل أفسس وقال عن اليهود والأمم الذين آمنوا إنهم صاروا “إنسانًا واحدًا جديدًا” (2: 15). هنا أيضا نجد فكرة الجسد الواحد. ويخاطب الرسول جماعة أفسس هكذا: “أنتم متاصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تُدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو” (3: 18). وقصده في ذلك أنكم إذا بلغتم المحبة تبلغون الفهم ولكن ليس كل منكم منفردًا ولكن إذا كنتم بعضكم مع بعض. وتجد صدى هذا التعليم في قول القداس الإلهي: “لنحب بعضنا بعضا لكيما بعزم واحد نعترف مُقِرّين بآبٍ وابنٍ وروحٍ قدسٍ ثالوثًا متساويًا في الجوهر وغير منفصل”.

في الرسالة إلى أهل رومية يؤكد بولس تعليمه عن الكنيسة جسدًا للمسيح: “نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضًا لبعض كل واحد للآخر”. العنصر الجديد بالنسبة إلى الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس أن كل واحد منا عضو للآخر. ليس أن كل واحد عضو في الجسد المشترك ولا ارتباط لأحد منا مع الآخر ولكن الأعضاء مرتبط كل منها بالآخر والكل مرتبطون بالجسد الواحد.

هذا التعليم نجد صورته في بدن الإنسان. فنحن نعرف من علم الصحة أن الأعضاء الرئيسية إذا اختلّ أحدها فهذا يؤثر في أعضاء كثيرة. فهناك ضغوط ألم كما يقول الطب الصيني. والجهاز العصبي مترابط وكذلك الجهاز الهضمي وما إلى ذلك.

اجتماعيًا إذا ضعفت سلامة الوالد أو الوالدة أو الولد فهذا يؤثر في الحياة العائلية كلها.

وحدة الجسد لا تمنع مواهب كثيرة ومختلف. فهذا موهوب للتعليم لا ليفتخر بذلك ولكن لكي يقوي الجسد كله. كذلك من له هبة الوعظ أو هبة الخدمة أو هبة الرحمة فلكي يبني الجسد. ولكوننا ننتمي إلى جسد المسيح الواحد نقدر أن نقول جميعًا قولاً واحدًا وأن يكون لنا فكر واحد ورأي واحد وألا يكون بيننا انشقاق (راجع الرسالة الأولى إلى كورنثوس 1: 1 و11).

وظائف كثيرة في الكنيسة (رسل, أنبياء, معلّمون, صانعو عجائب) ولكن أعظم المواهب هي المحبة لأنها تقيم لحمة بين أصحاب المواهب كلها فتجمع الهبة إلى الهبة ويغتني هكذا جسد المسيح. ومن غنى هذا الجسد يصبح كل منا مليئا بالروح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

نقد وتوصيات / الأحد 25 نيسان 1999 / العدد 17

اعذروني لو كررت بقالب جديد ما كتبته إليكم قبل اليوم. ذلك أني أريد لكم أجمل تصرف وأن نتقوى بالمحبة التي هي رباط الكمال. وأنا لا أعاتب أو ألوم إلا لكون بعض الأخوة بلغوا غيرة ولكنها بلا معرفة.

1) يبلغني من وقت إلى آخر قول نفرٍ أخذ –والحمد لله- بالتضاؤل يقول: نحن ندير شؤوننا محليا ولا علاقة للمطران بنا. لست أردّ على هذا بقول غليظ ولكنه قانوني: إن من عينكم له لأن يفصلكم وأنتم فقط مستشارون.  المطران يترك لمجلس الرعية القرار لكونه لا يستطيع أن يكون في كل مكان. ولكن في الحقيقة لا يصدر عن مجلس الرعية سوى توصيات يمكن للمطران نقضها إذا علم بها ورآها غير صالحة أو غير حكيمة. ليس أحد في اللاهوت الأرثوذكسي منفصلا عن المطران وليس للرعية المحلية استقلال عن الأبرشية ككل. الكنيسة هي الأبرشية ويرعاها واحد في المشورة والفهم وبما آتاه الله من محبة. فالتصور أن أحدا يمكنه أن يستقل عن المطران ويبقى في الكنيسة مردود أرثوذكسيا.

2) في هذا الخط يبلغني المرة تلو المرة قول بعضهم: أوقافنا لنا. ما شأن المطران فيها؟ الجواب أوقافكم ليست لأحد.  بنظر الدولة هي ملك للكنيسة الأرثوذكسية. بنظر الله هي لله. أنتم تستفيدون منها محليا (الكاهن, الفقراء, الإعمار…) ولكن يقرر فيها قرارا نهائيا واحد, ما عدا البيع والشراء, يقرر في شانهما البطريرك. ولذلك يدقق المطران في الحسابات وهو يقرر نسبة المال التي تعود إلى الكاهن وتلك التي تعود إلى الفقراء وما إلى ذلك. ومجلس الرعية لكونه يعرف الوضع يقدّم المشورة.

3) لرعية كلمة أساسية في موضوع الكاهن. إذا أجمع رأيها على رفضه أو كانت الأكثرية رافضة له لا يستطيع المطران فرضه على رعية رافضة. هذا في القوانين. وإذا نشب خلاف حول شخص الكاهن فالكلام الأول في الرعية للحكماء والأتقياء, والمسعى مسعى الصلح. ولكن ينقصنا كهنة وأخذ الجميع يتطلبون مستوى عاليا من التقوى والعلم في الكاهن. والتراث الأرثوذكسي لا يعرف نظام انتقال الكاهن من رعية إلى رعية إلا في حالات استثنائية جدا.  نحن نلتمس الآن نظام الاستيداع إذا بلغ الكاهن شيخوخة تعطل عليه العمل. ولكن هذا لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاد مشروع مالي تساهمون فيه بسخاء كبير. والسخاء لم نبلغه إلا في رعايا قليلة جدا على رغم وجود بحبوحة هنا وهناك. يا ليتنا نصل إلى القناعة أن راتب الكاهن هو الأولية الأولى وأن المشاريع العمرانية تأتي بالدرجة الثانية بما في ذلك إقامة كنيسة جديدة. لا أحب أن أسمع كلاما كهذا:عندنا مشروع عمار, ولا نستطيع أن نزيد للكاهن راتبه. البناء الروحي ورعايتكم من قبل كاهن ورع أفضل من أي شيء آخر.

4) كثيرا ما يواجهنا سؤال حول تبديل الأشخاص في مجلس الرعية. الجواب هذا هو نص القانون الذي صدر عن المجمع لأن المجمع المقدس أراد أن يتمرن الجميع على إدارة شؤون الرعية. وليس أقرب إلى التواضع من أن يعرف أيّ مَن عمل في مجالس الرعايا أنه يمكن الاستغناء عنه. هذا من باب ترويضنا جميعا على أننا زائلون. فقد مات الرسل ومات الآباء الكبار الكبار ومات اللاهوتيون القدامى جميعا وبقيت الكنيسة. من يمنع أصحاب الخبرة والحنكة إسداء النصح للمجالس الجديدة؟

أما لماذا  لا يعيد المطران هذا وذاك إلى المجلس؟ هذا متعلق برؤيته للأمور. ثم كل مجلس خاضع للفحص. يمكن حله عند الضرورة بصورة كاملة أو جزئية ويمكن إضافة أعضاء جدد. هذه أشياء مرنة. نحن لا بيأس من رحمة الله ومن إمكان كل مؤمن على التحسن. “وطالب الولاية لا يُوَلّى”. نحن لا نهين إنسانا قلنا له أن انتدابه – بالمعنى الشكلي – انتهى. ذلك أن نصيحته مرحَّب بها دائما.

والأهم أن تتعاونوا بروح المحبة وأَلا تُغضبوا بعضكم بعضا وأَلا تشكّلوا كتلا ضمن كل مجلس لأنكم مجلس لكنيسة يسوع لا مجلس بلدي.

هذه الملاحظات ليست للجميع. فالحمد لله أننا صرنا أفضل بكثير من الماضي وأن كثيرا من المجالس جيدة. كلامي هو تنبيه للبعض كيلا يقعوا في حبائل إبليس وأن يلازموا المسيح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد توما / الأحد 18 نيسان 1999 /العدد 16

في مساء الفصح ظهر الرب للتلاميذ ولم يكن معهم توما. فعند عودته إلى العلية قالوا له: “إننا قد رأينا الرب”. هذا هو الفرح الأعظم. ماذا ينتظر المؤمن بعد هذا: “فقال لهم إن لم أعاين أثر المسامير في يديه وأَجعل إصبعي في موضع المسامير وأَضع يدي في جنبه لا أومن”.

توما كان يريد أن يفهم. كان حديثه إلى الرسل وكأنه يقول لهم: من قال لكم إن هذه الرؤية التي حصلت لكم هذا اليوم هي رؤية العلم نفسه الذي صُلب؟ لذلك أَصرّ على أن يرى أثر المسامير في جسد الرب.

بعد ثمانية أيام من الظهور الأول دخل السيد عليهم “والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال السلام لكم. ثم قال لتوما هاتِ إصبعك إلى ههنا وعاين يدي, وهاتِ يدك وضعها في جنبي….”

توما هو الشاهد الأكبر إذ أثبت شيئا فريدا وهو أن الكائن الذي ظهر له ولرفاقه هو إياه الذي رُفع على الخشبة. كان الشك نافعا لنؤمن نحن. نحن إذاً أمام انبعاث حقيقي, أمام استمرارية بين الجسد المصلوب وإياه مُقاما.

إذا انتقلنا من هذا المشهد إلى فحص أنفسنا نرى أن الحياة خليط من الفرح والحزن, من الصحة والمرض. هذا في كل إنسان فرد. حياة الكنيسة في كل رعية, في كل أبرشية, في العالم. هناك نور وهناك ظلمة. هناك تعب شديد وهناك تعزيات. ترى ناسا ينمون أمامك بالمسيح, تتجدد قلوبهم, وترى غيرهم يسبّب لك الصدمات والخيبات. وتخرج من الخيبة بالرجاء ومن الشتيمة بالغفران ومن الضجر بمتابعة الجهد.

الإيمان يتطلب أن يتجاوز كل واحد عناده وانغلاقه على نفسه وتمسكه برأيه الخاص. لا شيء يقتل مثل الرأي الذي يتحجر به الإنسان ليرفض الآخرين. لا شيء أساسي فينا إلا الاعتقاد بأننا عابرون إلى الموت وإن كل واحد يُستغنى عنه في حياته ومماته وتبقى الأرض تدور حول الشمس والنبات ينبت والحيوان يعيش والإنسان يسمو.

لا شيء أساسي مثل قبولنا الآخر بجراحه, بنقائصه, ببهائه وسقوطه معا. لا شيء مهم مثل اعترافنا بحقه في الاختلاف. لا شيء مهم مثل المحبة. إنها هي القيامة الدائمة. المحبة وحدها تمكننا من تناول الرب كلمة وجسدا ودما وإن نتناول الأخ في سره.

أن تحب هو أن تمد المسيح في نفسك وفي نفس الآخرين. وإذا يسوع دخل إليهم – وأبواب النفس مغلقة – فإنه يكسر هذه الأبواب ويقيم هناك بالروح القدس.

الجهد الذي يطلبه إلينا السيد في موسم قيامته هو ألا تبقى بؤر بغض وحزازات وتشنجات هي خراب هذه الأبرشية حيثما هي خربة. هذه الأبرشية لم تقم بعد مع المسيح في كل مكان. مكسورة في كل رعية لأننا لا نقبل بعضنا بعضا. يُجبَر الكسر إذا نهض بعض بالمحبة. متى تأتي تعزيتنا بالمصالحة العامة لكون المسيح أحد أوصافه السلام؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الشعانين/ الأحد 4 نيسان 1999 / العدد 14

انتهي الصوم الأربعيني منذ يومين. مع سبت لعازر أمس دخلت أبعاد أخرى إلى جهادنا. انتقلنا من النسك والتعليم إلى سر الشكر, إلى القربان في انتظار العريس الإلهي. نزداد استعدادا للقاء العريس (“ها الخَتَن يأتي في نصف الليل…”, يجب تعريبها “ها العريس يأتي”). ويتم العرس سريا بموت الرب وقيامته لأن الموت هو اتحاد المخلّص بالكنيسة – العروس. طقسيا منذ يوم الجمعة الماضية لا يبقى ذكر للقديسين كما يخفف ذكر والدة الإله لنبقى متركزين على الآلام. يبقى شيء من ذكر التوبة في الأسبوع العظيم حتى يوم الأربعاء ولكن منذ الخميس العظيم ننخطف إلى سر المسيح كليا.

في آخر الصيام نجمع كل القوى التي كانت مبعثرة فينا. نكون قد وحّدنا الكيان بالصوم والتطهّر ونذهب للقاء المسيح حاملين صليبه ونمجّده بسعف الفضائل. “اليوم نعمة الروح القدس جَمَعَتْنا, وكلّنا نرفع صليبك ونقول: مبارك الآتي باسم الرب, أُوصَنّا في الأعالي”.

منذ اليوم ننتظر الصليب, هذا الذي من أجل اقتباله دخل يسوع إلى أورشليم. فرح الشعانين لا يختلف عن فرحنا بما سنرسمه بين الخميس العظيم وسبت النور. كذلك في صلوات الخَتَن الثلاث نرتجي العرس الذي سيعيشه المسيح معنا يوم الجمعة العظيمة بانتظار العرس المكمَّل في الملكوت.

غير أن أحد الشعانين بالذات مع كونه بداءة للأسبوع العظيم متّسم بذكرى إقامة اليعازر. في اليومين ننشد: أيها المسيح الإله لمّا أقمتَ لعازر من بين الأموات قبل آلامك…” سبت لعازر تأكيد للقيامة العامة في اليوم الأخير. غير أن هذه لا يمكن أن تصير إلا لكون السيد قد قام.

ينتهي الصوم وغاية الفضائل التي نكون قد استقيناها فيه تصب في المسيح الآتي وبه ينكسر الزمان الرديء ويبدأ زمان الأبدية ونبدأ حياتنا الجديدة في الثلاثية الفصحية (من الخميس إلى السبت العظيم) التي تؤلف مع الفصح حقيقة واحدة.

في الدارج يقولون عندنا إن الشعانين عيد الأطفال كأن القصة في مظاهر البهجة, في ثياب الأطفال. غير أن الكتاب لا يقول إن الأولاد وحدهم استقبلوه. متى يذكر إن الصبيان كانوا يصيحون في الهيكل ويقولون “أوُصَنّا لابن داود…”. إنه تحجيم للعيد أن نجعله عيدا للصغار أو كأننا نحن البالغين نستقيل من استقبال المعلّم. أيضا فولكلور الأطفال يغزونا كما يغزونا في الميلاد.

تحية الشعب للسيد كانت “هوشَعْنا” أي يا الله أعطِ السلام (مأخوذة من المزامير). لانعدام بعض الحروف العربية في الأبجدية اليونانية صارت في العهد الجديد أُوصَنّا. ونلفظها هكذا في القداس نقلا عن اليونانية. كذلك “مبارك الأتي باسم الرب” مأخوذة من المزامير. الشعب أضاف “ملك إسرائيل” أي ماسيّا المرتجى في شعب اليهود منقذا سياسيا. نحن إذا قلناها اليوم نفهم إنه ليس كذلك, إنه المخلّص. أما قول الإنجيل: “لا تخافي يا ابنةَ صهيون” فمأخوذة من زكريا النبي (9: 9). هذا الدخول المتواضع كان صورة عن دخول السيد إلى ملكوته وإلى القلوب بتواضع الموت. ليس لنا طريق آخر.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الحب المذبوح / الأحد 11 نيسان 1999 / العدد 15

“روح أفواهنا مسيح الرب”, “الذبيح قبل إنشاء العالم” حبّا, الذي زاملنا في اللحم والدم وغدا عريس الكون, ساقه حبه وحده إلى الصليب كي لا يبقى محبّوه مسمَّرين على خطاياهم. فإذا أحبّوه انعتقوا من أنانيتهم وضيق صدرهم والأحقاد التي هي وكر الأفاعي التي تأكل قلوبهم.

هذا الموسم الطيب يقول لنا: “كل من يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد. أما الابن فيبقى إلى الأبد. فإنْ حرَّركم الابن بالحقيقة تكونون أحراراً” ( يوحنا 8: 34-36 ). الفصح الذي يكشف لنا نصر المسيح وتحرير المسيح إيانا تكمن كل معانيه بين الخميس العظيم وسبت النور. في هذه الثلاثية نلتمس القربى, والقربى يعطيها هو إذ يقول لنا دمُه المراق أننا بعد أن كنا عبيدا بتنا أبناء وإننا مدعوون إلى أن نجالس السيد عن يمين الآب ونحن في الأرض لأن أفكارنا صارت تنزل علينا من السماء.

هذا جعله الله الآب ممكنا لأن المسيح وهبنا مجانا, ونحن فجّار, أن نتكئ على صدره وأن نتناوله خبزاً سماويا وحياة دائمة فينا. لقد تمتم الله بالأنبياء قديما أنه معنا وأنه أبونا. ولكن لم نذق معيّة الرب حقا إلا لمّا رأينا المسيح يمشي على أرضنا ويشفي مرضانا ويحتضننا أية كانت معاصينا. الله لا نراه بعيدا أو فوقيا كالشعوب القديمة وليس فزاعة لأحد ولكنه بات في صميمنا, قلب كل قلب ونفحة كل حياة وتعزية لكل حزين ولحمة كل مكسور.

ونحن لم نستحق َ ذلك إذ لم نصنع شيئا حَسَنا على الأرض وليس في هذا الطين أي بر. غير أنه لما سيق إلى الذبح مثل شاةٍ, عَرَفْنا أنه قادر على إحيائنا من موت, وفهمنا أن سر الوجود هو المحبة التي أحبَّنا بها. هذه هي التي تبعثنا من القبور لأن من أحب َّ بالحب الذي وضعه فيه يسوع لن يموت إلى الأبد ولن يتسلط عليه الموت.

نحن صرنا فيه وبه فصحيين أي عابرين كل يوم الهوّة التي تفصلنا خطأةً عن الذي لا أثر فيه للعيب. هذا الذي ذاق من أجلنا مرارة خطيئة لم يرتكبها يذيقنا اليوم حلاوته ويجعلنا قائمين كل يوم وليس فقط في اليوم الأخير. ذلك أننا دُفنّا معه بالمعمودية لنصير إلى موته حتى كما أقُيم هو من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في حياة جديدة ( رومية 6: 4 ).

هذه دعوة النصر ودعوة الفرح. ولكنها أيضا دعوة اليقظة حتى لا نعود نُستعبَد للخطيئة. لا يبطل الجهد بالفصح ولا نضعف في محاربتنا للشيطان. الفرح لا يعني إهمال الوعي. الفصح عيد الوعي بامتياز. المسيح قام. رجاؤنا إليه أن يجعلنا في كل حين مغتسلين بضيائه.

Continue reading