Category

1999

1999, مقالات, نشرة رعيتي

أمّنا البارة مريم المصرية /الأحد 28 آذار 1999 / العدد 13

ما من سيرة تحرّكني مثل سيرة هذه المرأة التي نقيم اليوم ذكراها. هي صورة التوبة الكبرى حتى إذا بلغناها وتسمّرنا عليها نقدر على ولوج الأسبوع العظيم. السيرة كما رواها صفررونيوس الاورشليمي تُبرز لنا فتاة عاصفة  في فسق بلا حدود تتحول فجأة إلى تائبة بلا حدود. فسق من النوع الذي لا يشبع. لم تكن لتتعاطى هذا من أجل المال. كان هذا في الإسكندرية, مدينة الترف العظيم. الصبية مسيحية المولد, وتدل السيرة إنها لم تكن منقطعة عن الكنيسة إذ أَحبت أن تحجّ إلى أورشليم. نفسها خليط عجيب بين انتمائها “المسيحي” وشقاء سلوكها.

لم تفكر وهي في مصر أن تًُنهي الفصام هذا الذي كانت تعانيه. ترتّب في عقلها أنه يمكنها أن تحج إلى الديار المقدسة وأن تبيع جسدها في السفينة (مع الحجّاج) لتدفع ثمن السفر. لا تحسّ فقط بالفصام. تنفذّه.

عند بلوغها المدينة المقدسة, سارت مع الجماهير إلى كنيسة القيامة. عند بلوغها عتبة الكنيسة, لم تتمكن من الدخول. حاولت هذا مرّات ولم تستطع. أدركت أن دنَس حياتها حال بينها وبين تقبيلها خشبة الصليب الذي كان المؤمنون يقبّلونه. إذ ذاك صلّت لوالدة الإله ووعدتها, إذا قدرت على الدخول, أن تترك العالم وملذاته.

عند خروجها من الكنيسة, استدلّت على الطريق المؤدية إلى الأردن, ووصلت عند المساء إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان. اغتسلت في الأردن. تناولت جسد الرب. وفي اليوم التالي عبرت النهر, وعاشت في الصحراء 47 سنة لا ترى فيها أحدا.

طبعا سقطت عنها ثيابها. ذاقت الحرّ في النهار والبرد في الليل. أكلت ما تيسّر من الأعشاب وشروش الشجر. كانت تعاودها صُوَر من حياتها الماضية. ضربتها جميعا, وحوّلت نار الرغبات الجسدية إلى نار الحب الإلهي. صارت قامة من نور.

بعد سنين, كان شيخ يدعى زوسيما يجول في البرية لقضاء الصوم الكبير فيها. تراءى له شبح من بعيد اسودّ جسده من الشمس وابيضّ شعره. اخذ يسير إلى القديسة التي تراءت له وهي تهرب, فطلب منها البركة وكلام خلاص. ولما أَدركها قالت له إنها امرأة, ورَجَتْهُ أن يرمي عليها رداءه لتستر به عريها.

طلبت إليه أن يعود السنة القادمة يوم الخميس العظيم مع الأسرار المقدسة. تناولت في الموعد, وأطلقت زوسيما ليعود إليها في السنة التي بعدها.

عند عودته رأى القديسة ملقاة على الأرض مكتوفة الذراعين ووجهها إلى الشرق. كانت قد توفيت في الليل التي تناولت من الراهب جسد الرب. لها عيد خاص في أول نيسان إلى جانب هذه الذكرى.

من بعد إنخطاف قلبها إلى يسوع في كنيسة القيامة لم ترَ وجه خطاياها. صارت عيناها إلى السيد فقط. صارت أيقونته, ضياءه.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

القديس يوحنا السلَّمي/ الأحد 21 آذار 1999/العدد 12

الآحاد الثلاثة الأولى من الصوم ركزت على العقيدة (أحد استقامة الرأي, أحد غريغوريوس بالاماس, أحد الصليب).  في المرحلة الثانية تركيز على النسك. الأحد الأول فيها نقيم ذكرى القديس يوحنا المدعو السلَّمي لأنه وضع كتابا في النسك عنوانه “سلَّم الفضائل”. وُلد غالبا بعد منتصف القرن السادس وعاش في سيناء راهبا ثم رئيسا لديره.

مثّل الطريق َإلى الله سلَّما صاعدة مؤلفة من درجات يعلو المؤمن إحداها فوق الأخرى حتى يصل إلى حضرة المسيح. الأيقونات الكثيرة التي ترسم هذه السَّلم تبيِّن أن بعضا يتسلقون بعض درجات, ويصل آخرون تقريبا إلى فوق ولكنهم يسقطون. يحس كل قارئ لهذا الكتاب – وهو منشور بالعربية – أن الكاتب يتكلم عن فضائل مارسَها. إنه إذاً لمن الواصلين. الجهاد, كما يقول, نتابعه “يوما بعد يوم، نارا على نار, ورعا على ورع, رغبة على رغبة وغيرة على غيرة”. لا يقول كلمات كهذه إلا مَن أحسها.

صلى أربعين عاما متواصلة تتأكله المحبة الإلهية محاولا أن يحصر – كما يقول – “ما كان غير جسديّ في الجسد” كان يعرف – وهذا في كتابه – أن من كسر ختم طهارته واغترب عن التعزيات الإلهية وخالف عهده مع الله وحزن عن كل ذلك قادر أن يُميت نفسه تَقويا بالنسك لو بقيت له شرارة من المحبة ومخافة الرب.

الكنيسة عارفة, في وضعها هذا النموذج النسكي نَصب أعيننا, أن الرهبان قلة نادرة. نحن قادرون أن نتشبه بيوحنا السلّمي, كل منّا في داره وأعماله. فالجمالات الروحية ليست مرتبطة برتبة أو سلك. عندنا أن العلمانيّ, في حياته العائلية وتجارته وكل أعمال الدنيا, قادر على كل قداسة. الجهادات الأساسية الرامية إلى الطهارة في كل تعابيرها وعلى العفة والوداعة واللطف والتواضع يمكن أن يقوم بها الإنسان أيا كان شكله أو جنسه أو درجة تحصيله. ويجاهد في تعبه وراحته, في السلم والحرب والفقر والغنى لأن المسيح واحد يوحي لهذا ويوحي لذاك ويُعنى بالكل ويعطي كلا منا النعمة حسب الحاجة لأنه يريد الكل أن يَخلصوا وأن يُقبلوا إلى معرفة الحق. لذلك ليس لأحد عذر.

لا يمكنه أن يتخذ من كثرة ماله ذريعة للكبرياء وقسوة القلب, أو من جاهه ذريعة للاستعلاء واحتقار الاخوة. لذلك يلح علينا يوحنا السلَّمي أن نضرب رذيلة بعد رذيلة, وأن نقتني فضيلة على فضيلة ونحن في الفرح. نلتهب بنار فوق نار وحماسة تلو حماسة. لعل الفرح العلامة المثلى لحلول الله في القلب. وأما من فقد الحماسة في سبيل يسوع وإنجيله, أو من فتر عند لقائه الفقير, فهذا قد انطفأت النار فيه وصار رمادا باردا.

لذلك قيل لنا في إنجيل اليوم: “إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن”. أن تؤمن هو أن تجعل كل قلبك مدى للرب فلا تُشْرِك به أحدا. ولئلا تظن أن هذا أمر سهل، قال السيد المبارك:”إن هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم”. حركة الله إليك الإيمان فإنه نازل من عنده. حركتك إلى الله الصلاة تحفظ فيك الإيمان وأمام عينيك طريقك إلى المصلوب الذي تعانقه في آخر الصوم بأشد حرارة.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الثالث من الصوم/ الأحد 14 آذار 1999 / العدد 11

يوم الأربعاء بعد هذا الأحد يكون الصوم قد وصل إلى انتصافه (الأسبوع العظيم يُعتبر طقسا صياما آخر). الخدمة في هذا اليوم للصليب إذ أحسّت الكنيسة باختبار الكثيرين أن قوة الصائمين قد تخور وأن الملل من الجهاد قد يعتريهم.

يُعتبر هذا العيد تكملة لعيد ارتفاع الصليب. وربما جاء هذا التكريم بمناسبة نقل جزء من الصليب الكريم من أورشليم إلى أَفاميا.ما يميز الخدمة هو الطواف بالصليب موضوعا على الرياحين وسط شموع ثلاث للدلالة على أن آلام ابن الله كانت في مقاصد الثالوث منذ الأَزل, وعند الوصول إلى وسط الكنيسة في آخر السَحَر نرتل: “لصليبكَ يا سيدنا نجسد, ولقيامتك المقدسة نمجد”. العيد يدل إذاً على آلام السيد واحدة مع القيامة. العيد هذا بعض من الفصح.

الصليب هو الأيقونة بامتياز إذ يتجلى فيها حب المسيح لنا. عندما نعلّقه في أعناقنا, نحن لا نعتقد أن في هذا الرمز قوة تحرسنا, ولكنّا نريد – كلما نظرنا إليه أو أحسسنا به – إننا نؤمن بالخلاص الذي أتمّه يسوع من أجلنا هذا ما عناه بولس عندما قال: “حاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح”.

كذلك, إذا ذُكر اسم “الآب والابن والروح القدس”, نرسم الصليب على وجوهنا لأننا فهمنا أن “المسيح ذبيحة قبل إنشاء العالم”. نحن لا نقوم بهذه الإيشارة آليا, ولكنا نقرنها بذكر الثالوث المقدس. هي إيماننا مرسوما علينا.

هذا الإيمان يقودنا إلى قول السيد في إنجيل اليوم: “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. أنت مدعو إلى اتباع السيد. هو وحده قائدك إلى الآب. أنت لست قائدا لنفسك بعقلك ومجرد جهادك. شرط سيرك وراءه أنْ تتجرد من حب الذات, أنْ ترمي كل شهوة ضارة. هذا هو الحمْل الحقيقي للصليب. حولك وفيك مشقات وموانع تَحولُ دون لرؤيتك يسوع.

إذا تخليت عن كل عائق بينك وبينه ترى نفسك متكئا على صدره وتسير إلى حيث يشاء. تسير إلى جراحه, إلى حبه. بدون هذا لا قيامة لك من الخطيئة.

عند ذاك تربح نفسك. “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” إذا كسبت كل أموال الدنيا وبعت نفسك للشيطان, يبقى بين يديك مال وتكون قد أهدرت نفسك. بعد المال يمكن أن تتسلط على ناس كثيرين. تستعبدهم ويعرفون أنك تحتقرهم وتذلّهم. في الظاهر هم لك, وفي الحقيقة أنك وحدك. في الواقع لا تكون محبا لأحد ولا تكون محبوبا. تكون قد خسرت نفسك.

ما من سبيل إلى ربح نفسك إلا إذا تخلى قلبك عن كل شيء. تحب الناس بلا تسلط. تستعمل الأشياء استعمالا ولا تشتهيها كما يشتهيها المحروم. لأنك عبد لما تشتهي. كل شهوةٍ دوار (أي دوخة). عقلك لا يمكن أن يسود الأشياء إذا لم يَسُدْهُ المسيح. المحبة مصلوبية, وفي المصلوبية الحرية.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة والصوم/ الأحد 7 آذار 1999 / العدد 10

بعد أن يذكر كتاب الرسل «أنبياء ومعلّمين» في كنيسة أنطاكية قال: «وبينما كان هؤلاء يقيمون الخدمة للرب (أي القداس الإلهي) ويصومون، قال الروح القدس: أفردوا (بمعنى خصِّصوا) لي برنابا وشاول، فلمهمةٍ ندبتُهما. فصاموا، وصلّوا، ووضعوا الأيدي عليهما، وصرفوهما» (13: 2 و3). ماذا في النص؟

الروح القدس يلهم الكنيسة مجتمعة، وهي، مجتمعة، تصوم وتصلي وتتهيأ إلى أن يلهمها الله. عندنا هنا أساس إلى أن الصوم صوم الجماعة، والصلاة صلاة الجماعة. وعندنا أيضا أن الصوم غايته الوحيدة روحية أي أن يتقدس المؤمن الفرد وأن تتقدس الكنيسة أيضا. الصوم والصلاة مترافقان إذاً بمعنى أن الصوم لا يمكن أن يكون مجرد نظام طعاميّ. إذا بقي هكذا لا يهتم الله له ولا ينفع صاحبه. إنه رياضة تصير فيها الصلاة مكثفة. ولهذا ليس من حديث عندنا عن منافع الصوم معزولا عن الدعاء. «الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة». (بولس).

أجل هناك فائدة من الحرب التي تشنّها لذة اللسان وعلى التخمة. وهناك ترويض للنفس في الخروج على حضارة الاستهلاك. غير أن هذا لا ينفع إلا إذا عشنا معزولين عن اللهو والاسترخاء. هذا ضده قبض الحواس بحيث لا تكون منفلشة. رقابة على العين، على ما نسمع، على ما نقول، قمع للنميمة والشتم. رياضات إمساك ورياضة على الفضائل متماسكة. في الممارسة الطويلة للصيام نفهم أن عقل اللسان والفم ضروري للصلاة العميقة، الموصولة، والقراءة الإلهية. هذه أشياء لا تنفكّ بعضها عن بعض. وإذا لم تبلغك هذه الخبرة فاسلُكْ سلوك الأجيال السابقة التي عملت هكذا وفهمت. في الكنيسة أشياء كثيرة لا يفهمها كل فرد إذ كثيرا ما تعوزه الممارسة والدراسة. يفهم من سواه. وهذا سر الكنيسة أننا جسد واحد يتكامل أحدنا بالآخر فيعطي العالِمُ الجاهِلَ والأعظمُ في التقوى مَن كان دونه تقوى.

الكنيسة لا ندرك شؤونها فقط بالفهم العقلي. القلب المؤمن هو الذي يدرك، وأنت تأخذ بكل ما في الكنيسة لأن هذا كله من الروح الإلهي الذي تكلم بالروحانيين الكبار فأمَدّونا بما ذاقوه من حلاوة يسوع. فبعد أن تتروّض أنت على ما تروّضوا عليه، تفهم ما فهموه. وإذا أصغيت َ إلى هذه الفِرَق الغريبة التي تحاول أن تضرب كنيستنا بجانبٍ منها كالصوم، ترى نفسك مجرورا إلى ترك أشياء أخرى فتحسّ أن حبك لكنيستك بطلَ وأنك انتقلتَ إلى الأعداء.

فإنْ لم تبدأ صومك، فهوذا الآن وقت مقبول. وإنْ بدأته ولم تحضر الخِدَم المقامة في كنيسة رعيتك، ومعظمها يقام في المساء، وليس عندك عذر، فتابع الصلاة شديدةً لئلا تحسّ بفراغ الصيام من معناه. تكون ضعيفا للغاية إن قلت في نفسك: لا أستطيع الاستغناء عن هذا الطعام أو ذاك. «إني أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوّيني» (بولس). معذور أنت فقط إن كنتَ طفلا أو فتى صغيرا أو أوجبَ عليك الطبيب نظاما معيّنا من الأكل. أنت لا تستطيع وحدك أن تستهين القواعد الروحية الموضوعة منذ القديم.

هذا كله مرتَّب لكي تستقبل الفصح. المسيح القائم من بين الأموات يجب أن تستعدّ للقائه. إن كنتَ لاهيا أو كسلان أو مسترخيا أو فاقد الذاكرة الروحية أو كان فمك مكموما عن مخاطبة المسيح بأدعية موصولة أو غير منكبّ على الكتاب الإلهي، فليس فيك ما يستقبل المسيح. كيف تقول: «المسيح قام»؟ أين يقوم إن لم يقم فيك؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 28 شباط 1999 / العدد 9

هذا الأحد الأول من الصوم وصلنا أليه بعد أسبوع كان من المفروض أن يكون أسبوع تقشف شديد حتى إذا تطهَّرنا من شهواتنا نقدر أن نعلن إيماننا بالأرثوذكسية. الأرثوذكسية كلمة يونانية تعني استقامة الرأي أي استقامة العقيدة واستقامة التمجيد. إيمانك يجعل صلاتك وعبادتك مستقيمة, وحسن العبادة يقوي فيك الإيمان. فإذا أقمنا اليوم عيد “انتصار الأرثوذكسية” فنحن لا ننحصر بذكرى المجمع المسكوني السابع وهو النيقاوي الثاني, إنما نعلن تمسكنا بكل العقيدة.

في صلاة السَحَر اليوم كان من المفروض – لو لم نختصر الخدمة – أن نقرأ نصّا نبارك فيه الذين دافعوا عن الإيمان المستقيم, ونبسل (أي نحرم) الذين خالفوه, ونسمّي هؤلاء وأولئك. على سبيل المثال نحرم الذين لا يؤمنون بقيامة الأجساد. نحرم المعتقدات السيئة السابقة للمجمع والمعتقدات المغلوطة اللاحقة له.

نؤكد ضرورة الإيمان المستقيم لعلمنا أن الحياة الروحية الصحيحة غير ممكنة بلا هذا الإيمان. فالاعتراف بالإيمان الحقيقي هو تقديس للعقل وتقديس للسان. لهذا نرى أن القول بأنه يمكنني أن أكون طيبا “آدميا” وألا أهتم بتحصيل المعتقد الأرثوذكسي قول باطل. ولهذا نخشى كثيرا وضع إنسان يدّعي إنه يكفيه أن يحفظ الوصايا ولا يأبه لاستقامة الرأي. ونخشى كثيرا قول القائل أن المهم هو المعاملة بصرف النظر عن الإيمان. نحن نعرف أن الإنسان بالإيمان يتبرر, وأن الإيمان الصالح يقود إلى العمل الصالح.

نتيجة لذلك نكفّر بالدرجة الأولى شهود يهوه الناكرين لألوهية السيد ولا نتعامل وإياهم ولا نستقبلهم. فالبدعة الكبرى هي نكران الثالوث المقدس ومساواة الابن للآب. هناك فِرَق هدامة كثيرة كالسبتيين والمعمدانيين. السبتيون يَنكرون يوم الأحد. والمعمدانيون ينكرون معمودية الأطفال. ولا مجال هنا للردّ عليه. ولكن ينبغي أن نتنبه للاقتناص الذي يُحْدِثونه في صفوفنا وصفوف اخوتنا المسيحيين الآخرين.

لا يكفي ألا نخالطهم وألا نذهب إلى اجتماعاتهم. الدفاع الإيجابي عن نفوسنا هو في مشاركتنا حياتنا الكنيسة حتى تكفينا عباداتنا فنتعلم منها إذا أَصغينا إصغاء شديدا. الأمر الثاني, وهو في الأهمية نفسها, أن نزداد علما بالإنجيل والكتب الأرثوذكسية. الإنسان لا يولد مسيحيا مستقيم الرأي. يصير كذلك بصلاة الجماعة والمطالعة وحياة مطهّرة. سَلْ كاهنا ومَن حوله من الناشطين بالرعية, أو تلفنْ لنا نَقُلْ لك من أين تحصل على الكتب. لا يكفي شعورك بأنك متمسك بأرثوذكسيتك. فبعضٌ مِن الذين كانوا يقولون هذا وقعوا في حيل أعدائنا وذهبوا ليسمعوا كلمة الله. ولكنها كانت مفسَّرة بصورة خاطئة وفي مخاصمة لإيماننا. الكتب يجب أن يعوّض عن تقصيرنا في تعليمك. نحن ليس عندنا عدد كافٍ من الكهنة ومن المعلمين, وتنقصنا, هنا وهناك, حلقات تفسير أو سهرات روحية. اتصلْ بنا نحاولْ أن نلبّيك ما استطعنا. وإذا لم نتمكن من ذلك, اقرأ, اقرأ كثيرا لتردّ هجمات الأعداء وتبقى أرثوذكسيا على عمق كبير.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

روح الصيام /الأحد 21 شباط 1999 / العدد 8

غدًا إذا رضي الله عنا نستهل هذا الموسم المبارك الذي تعرفون انه زمان الزهد بالدنيا وزمن الإمساك والتروُّض على الخيرات. وحتى لا نحوّله إلى مسألة طعام، نقرأ اليوم فصلا من متى يدور الحديث فيه عن الغفران وعن كنز يجب أن نفتش عنه، كما يكلّمنا عن فرح الصائمين.

“إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضا لا يغفر لكم زلاتكم”. الصوم إذًا وقت التلاقي، موسم نعيش فيه الأخوّة. تغفر لكل خاطئ إذا كنت قادرًا أن تراه بتوبته محضونَ الله. حتى الذين ظننتهم كاملين ووقعوا في زلة تتخطى سيئاتهم لأن الرب يقبلهم. الأهم أن تغفر لمن آذاك، لمن صمم أن يؤذيك، أن يهينك، أن يذلّك. تغفر بدءا من العائلة إذا كانت مطرح الإهمال. إذا أهمل الرجل امرأته أو هي أهملته، إنْ قسا عليها أو مرمرته، إذا كان الولد غير مطيع، كل هذا لا يشفى إلا بالصفح ومتابعة الحياة عطاءً غير مشروط. أنت تحب أهل بيتك في صدق لتنعشهم، ليتحملوا العيش الصعب. أنت مسؤول عن إصعاد ذويك إلى رحاب الله وذلك في دقائق الأمور، في اليوميات.

وإذا غفرتَ، يعرفون الله أكثر مما كانوا يعرفونه. سر المحبة أنها لا تنتظر مردودا ولكن يبقى للمحبة ثمار قد تأتيك اليوم أو تأتيك غدا.

الأمر الثاني في هذا الإنجيل: “أما أنت فإذا صمت فأدهن رأسك وأغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية”. ليس هكذا كان الفريسيون المراؤون. المسيحي لا يتظاهر بفضائله. هي تضيء بحد نفسها. يأبى المؤمن أن يقال في حضرته أنه تقيّ. يرفض المديح. لا يتبجح بذكاء أو مال أو حُسْن. يترك محاكمته للرب. يرى نفسه فقيرا في كل شيء. قلبه يتجه عموديا إلى المسيح، وبعين المسيح يعاين الأخوة.

الأمر الثالث: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. إن بُعدًا من أبعاد الصيام أن نعيش هذه الفترة من السنة كالفقراء لأنه يجب أن توفر من ثمن الأطعمة لتعطيه اخوتك المساكين. هذه المشاركة جزء من الصوم. هذا هو البعد الأفقي في رياضتنا هذه. فمن بعد أن انقطعت عن دنياك بالتوبة وارتفعت، تنزل إلى الناس وتأتيهم بالله الذي يكون قد صار فيك. وتراهم أهم من مالك الذي كنتَ عاشقه. تحسّ، إنْ آمنتَ برياضة الصوم، أنّ مالك الذي أردته لنفسك تلذذا صار للآخرين، لأنك إنْ أدركتَ العشق الإلهي لا تبقى متعلقا بما كان لدنياك. المال كارثة فيك إن استهلكته للبذخ، إذا ذهلت به وتوكلت عليه. ويصبح نعمة عندك ليَعْبُر بك إلى الاخوة المحتاجين.

شهوتك للمال يجب أن تزول إن رمتَ التعلق بأهداب الله. من كان عبدا لأية شهوة لا يقدر أن يصير عبدا للبِرّ. فإن أَبدتَ فيك هذا التشهيّ ترى نفسك عطشان إلى وجه الله الباقي وحده. فإن اهتديت إلى أن المال ليس كنزا، يمتلئ قلبك من الله. الله، إذ ذاك، مشتهاك.

لقد أُعطيتَ رياضة هذا الموسم لتَبْلغ بها الفرح بالمسيح. فإذا نزل عليك هذا الفرح، تكون قد وصلت إلى القيامة شيئا فشيئا. إنها قيامتك بالغفران وبالتعالي عن الغرور. عندما يصبح الروح القدس فيك خلال الصوم، تتربى أن تصبح كائنا فصحيا.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الدينونة/ الأحد 14 شباط 1999 / العدد 7

قبل الدخول في الصوم أرادت الكنيسة أن يحاكِمَ كلٌّ منا نفسَه حتى يصل إلى المحبة التي من أجل كسبِِها وفي روحها نصوم.  ذلك أننا نروّض الكيان البشري كلَّه في الصوم لنقترب من الرب ومن الأخوة. لذلك سُميَّ أحد مرفع اللحم الذي نحن فيه اليوم أحدَ الدينونة أيضا لأن من دان نفسَه لا يدينه الله.

علامَ نحاكم أنفسنا؟ على صورة المحاكمة التي سيحاكمنا بها المسيح. الكلمة التي يستعملها متى هو أنّ السيد يجمع كلَّ الأمم فيميّز بعضهم عن بعض. يُفرِّق الخراف عن الجداء. الخراف (الصالحون) يسمعون منه تعالوا يا مباركي أبي رِثوا المُلْك المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم”. كأن الملكوت لا يكتمل إلا إذا سكنه هؤلاء. إنهم مُساكنو الله.

“إني جعت فأَطعمتموني… وعريانا فكسوتموني” وبقية اللائحة من المحتاجين. ليس عندنا نص أقوى من هذا حيث يوحِّد يسوع نفسه بالجائعين والمرضى والمحبوسين. طبعا, المحبوسون مجرمون. مع ذلك هم في عزلتهم وحزنهم أحباء السيد, السيد أُوقِفَ أيضا عند بيلاطس. يسوع رفيق كل الذين وقعوا في الشقاء في كل ألوان الشقاء.

أنتَ, بعد أن ارتفع يسوع إلى السماء, أين تجده؟ مقرُّه في المعذَّبين. أنت لستَ تشفق في داخلك عليهم. أنت تذهب إليهم أولاً بالموآساة، بشعور المشاركة, باعتبارهم سادة عليك. أما العطاء الفوقي الذي يجرحهم فهو يرميك في جهنم. إذا لم تعتبر نفسك مديونا للفقراء لكونهم أتاحوا لك فرصة الحب, لا تكون فعلتَ خيرا. إعطاء القلب للقلب لا إعطاء المال هو الخير. الحركة التي لا تكون فيك من إلهام  السيد وتحركك إلى السيد تكون فقط مسيرة من أنانيتك إلى أنانيتك.

من هنا أنه إنْ كان هناك إحسان فهذا من باب اللغة لا من باب الحقيقة. المتسوِّل أو الفقير الذي تذهب إليه أو المريض الذي تدفع له ثمن دواء أو التلميذ الذي تمنحه قسطا مدرسيا هو المُحسن إليك. إذاً العملية ثنائية, مشاركة, الجائع أو الغريب فيها هو الأعظم.

هل نحن, بعد التنقل السكاني الذي جرى في بلدنا من جراء الحرب, نحب الوافد إلينا محبتنا للأصيل, أم أننا لا نُشرِكه في قرار أو رأي في رعايانا؟ والذريعة أن “أوقاف آبائنا وأجدادنا” ليس له أن يقول فيها شيئا. ما يجرحني جرحا بالغا في هذا الموقف أن الغريب غريب إلى الأبد وليس أخا حقيقيا, وذلك بناء على اعتبارات مادية محضة. ثم من قال أن ما تركه آباؤك وأجدادك أنت تديره؟ لمّا أَوقف أجدادك عقارا تخلّوا عنه وعن ملكه ولم يورثوك إياه. فإذا ً لستَ وريثه, فكيف تكون لك إدارته؟ يحزنني أن الغريب ليس له وجود على مستوى واحد في القلب مع مَن نسمّيه قريبا. “من هو قريبي؟” كان الجواب أنّ السامري الغريب الذي صنع الرحمة هو أمسى قريبا للجريح المرميّ على الطريق.

“إن لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. من انتقص الناس وجوده بالاحتقار, من جعلوه مهمَّشا غير محضون, من أهملوه إلى الجوع والمرض, من استعلوا عليه لكونه خاطئا, هؤلاء هم أحباء يسوع. فإن أهملتّهم أهملتَه, ومصيرك الجحيم التي عقوبتها الأساسية أن أحدا فيها لا يرى وجهك ولا ترى أنت وجه أحد. من عزل الناس عن قلبه هنا يعيش هناك عزلة كاملة لا افتقاد فيها.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

تأملات حول الابن الشاطر /الأحد 7 شباط 1999 / العدد 6

ما يركَّز عليه في هذا المثل الذي نقرأه اليوم توبة الابن الشاطر الذي عاد إلى أبيه بعد ضلال. عادةً ننسى أن المثل لا يكتمل إلا بموقف الابن البكر الذي رفض المعاملة الرؤوف التي عومل بها الضال العائد. في الحقيقة إن الجامع بين الولد التائب والولد الذي لازم البيت الأبوي أن الأب عامَلَ الأزعر المهتدي برحمة واسعة ولم يغضب على البكر الذي أبى أن يرحم أخاه العائد من بعد معصية. لامه فقط على انعدام سعة صدره لأخيه.

فيما نحن نتدرّج إلى الصوم, اختارت الكنيسة هذه القراءة لتوحي أن الأهم بين هؤلاء الرجال الثلاثة هو الوالد. هذا في الحقيقة مَثَلُ الأب الرحيم الذي ضَمّ إلى صدره ابنه المتمرد ولم يرذل مَن كان باراً في البدء لكنه سقط في عدم الترحاب بأخيه. الوحدة بين الولدين أقامها الوالد الذي ضم الاثنين في أحشاء رحمته. الغفران أُعطي للاثنين لأن مناخ البيت كان مناخ دفء. التوبة هي في رجوع الضال إلى البيت الواسع وهو من وراء الرموز بيت الآب السماوي الذي هو الألف والياء, البداءة والنهاية, هذا الذي يدفع له المسيح كل الخلائق في اليوم الأخير لتحسّ بأنها محضونة إلى الأبد.

هل نتصرف نحن في كنيسة اليوم, في كل رعية على أننا أبناء الله الواحد وأننا عائلته نغتذي جميعا من جسد المسيح, أم أننا نسلك في انقسام الغني والفقير, وفي انقسام بين المتعلم والجاهل, وبين المرأة والرجل, وبين البالغ الناضج الذي يظن أنه وحده يفكر والفتى الذي لا نعترف بنضجه, وبين العائلات العريقة والعائلات الشقية, وبين العائلات الكثيرة الفروع والعائلات الصغيرة؟ نسلك بتصنيف, بتمييز اجتماعي على أساس المال.

في هذا الجبل ينتمي كل إنسان إلى عائلته أوّلاً ومن خلال عائلته هو عضو في الكنيسة, أي أننا لا نعترف بأن الإنسان ملتصق بالمسيح أوّلاً. هناك من كان ألصق بالمسيح أياً كان عِلْمه وأية كانت ثروته وأية كانت أصالته (من هو الأصل ومن هو الأقل أصالة). ما هي المعايير التي نستند إليها لنقرر بأن هذا فوق وذاك تحت وأن الآخر جانبي؟ “ألعل المسيح قد انقسم؟” (بولس الرسول). الإنسان من طائفة المؤمنين, من كنيسة يسوع, ولا يهم يسوع شيء من اللحم والدم. يهمه معرفة من هم الذين وُلدوا من الله بروح القداسة. الكنيسة ليست تراكُمَ عائلات. إنها انسجام مؤمنين. ليس في الكنيسة فئات ولا يمثِّل أحد فيها إلا نفسه, فقيمته فيه وليست في الدم الذي يجري في عروقه.

الكنيسة ليس فيها إقصاء لأحد. تفرح بكل الذين يحبون دفء يسوع. الوجهاء فيها أحباؤه, والأعظم حبا فيها أوجه المؤمنين فيها. يبرز فيها من كان أعظم غيرة ًوأعمق معرفة للإنجيل. يبرز مَن ليس عنده ادعاء ولكن له مكانته في البيت الأبوي الواحد. أنت تأتي من قلب الله أو لا تأتي.

هذه هي القاعدة التي نبني عليها. والوحدة بيننا ليست وحدة من هذه الدنيا ومن أمجاد هذه الدنيا. نحن لا نعرف إلا جسد المسيح ومَن انضمَّ إليه بإخلاص.

إن من تأثر بأي اعتبار آخر يكون منضمًا إلى رغباته هو ولا يكون أخاً للآخرين. نحن لسنا طائفة من هذا العالم. نحن طائفة أهل الملكوت الذي فيه العرج والعميان والصم والبكم أي من اعتبرتهم الكبرياء على أنهم ذلك.

إن من كانت له غير هذه النظرة يعرقل المسيرة إلى الملكوت ويقسم الأخوة ويقيم بينهم سدودا. يحزنني أن أقول أننا في بدء الفهم وأننا أطفال في المسيح. نحن لا يهمّنا أن يرتضي الناس بعضهم بعضا على أساس دنياهم والمصالح التي بين بيوتهم أو فروع بيوتهم. هذا كله من العالم والكتاب يقول: “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (يوحنا الحبيب).

الوالد الحنون يقول لبكره المدّعي التقوى: “كان ينبغي أن نفرح ونُسرّ لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالاً فوُجِد”. الأخ الصغير الذي بيننا نحسبه خطأً أنه ليس بشيء, وقد نظن أنه ليس من الأفضلين ولا يكون الأمر كذلك. مَن اقتبله ربه في أحضانه ورضي عنه هو الأول بيننا. لم يعطَ أحد شهادة على أنه الأول. المعتّبر الأخير في أعين الناس قد يكون الأول في عيني ربكم إذا كنتم صائرين إلى توبة الصيام الآتي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

زكا العشار/ الأحد 24 كانون الثاني 1999 / العدد 4

جابي ضرائب بل رئيس جباة هذا الذي إنجيله اليوم. رجل غني اغتنى من أموال الناس, معظمهم فقير آنذاك. مع ذلك “كان يلتمس أن يرى يسوع”. حدَّثوه عن هذا الرجل الذي يصنع معجزات ويحب الفقراء ويعلّم تعليما يمسّ القلوب ويشفيها من حزنها. كيف يعرف السيد المحاط بالجماهير, المختلط بالجماهير وهو قصير القامة؟ فكّر أن يصعد إلى جمّيزة لينظر يسوع الذي لا بد أن يكون في الصف الأمامي. اشتاق أن يشاهد وجه هذا المعلّم الجديد لعله يجد فيه نورا يطمئن إليه.

انتهى يسوع إلى الموضوع ورفع طرْفه فرأى الجابي الظالم وكان يسوع يعاشر هؤلاء الجباة ليهديهم إلى ربهم. “فقال له يا زكا أَسرع انزل”. سمّاه باسمه, وفي فلسفة تلك الأيام بيَّن يسوع اهتماما شخصيا بالرجل. مدّ جسرا بينهما. نظر إليه وقال له “أسرع انزل فاليوم ينبغي لي أن أمكث في بيتك”. يريد بينهما لقاء حميميا. كيف قابل زكا هذه الدعوة؟ “أسرعَ ونزلَ وقبِله فرِحا”. كلام يسوع كان: “أسرع انزل”. فِعْل زكا كان أن أسرع ونزل و”قبله فرحا”. لماذا هذا الفَرح؟ لا شك إنه كان يرتجي أن يحصل شيء في هذه السهرة مع أن شيئا لا يدل أن زكا قد يذهب بعيدا في هذا الحوار.

تذمَّر الناس لكون السيد أبدى رغبته في الحلول عند رجل خاطئ. هذا من تأثير الفريسيين عليهم. على الطريق وقبل أن يصلا إلى البيت, زكا تاب فورا لمجرد لقائه يسوع وقال للسيد: “ها أنذا يا رب أعطي المساكين نصف أمواله أتت من المكلفين الذين قبض منهم جباية لا تستحق عليهم.

زكا قلبه انفتح لأن نعمة يسوع لمسته. لم يقل فقط من فمه إنه يتوب. هذا يبقى خيالا إن لم يكفّر عن ذنوبه الماضية, وهذا يتطلب شيئا عمليا. فمن لا يبذل من ماله للفقراء لا يمكن قد تاب. يكون فقط قد تغنى بالتوبة. زاد زكا: “وإنْ كنتُ قد غبنتُ أحدا في شيء أردّ أربعة أضعاف”. هذا يعني إن العشار يذكر بعضنا من الذين ظلمهم. يرد له أربعة أضعاف حتى لا يبقى ضميره مثقلا بشيء, ليكون قد تطهر تطهراً كاملا.

الرجل عاد إلى ربه عودة كاملة. صار إنسانا جديدا. هذا ما أكده له يسوع بقوله: “اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت”. هذا الرجل الذي كان هالكا أصبح الآن من أبناء الملكوت وسمّاه يسوع “ابن إبراهيم” أي ابن الإيمان. الهداية تأتي من الإيمان أي من تسليم الإنسان قلبه إلى الله. من انسكبت عليه نعمة الإيمان تحوّله إلى إنسان عامل وتفتح يديه ليعطي.

الكلمة الأخيرة للسيد: “إن ابن البشر إنما أتى لطلب ويخلص ما قد هلك”. المعنى أن الإنسان الذي تعتبره أنت هالكا, كامل الهلاك, يقدر الله أن يحوّله بحنانه. يطلبه كما طلب يسوع زكا. يطلبه فإذا استجاب يخلص. ينتهي ماضيه السيء, يُمحي. يصير خليقة جديدة لأنه يطلع الآن من قلب الله أو ينسكب قلب الله في قلبه.

الخطيئة ليس أذاها في أن نخالف ولكن أن نصرّ على المخالفة. الخطيئة أن نحب خطيئتنا. هي العناد. مع ذلك يمكن الله أن يحطم القلب الحجري الذي قسّى نفسه وأغلقها دون النعمة.

مع إنجيل زكا نقترب من الصوم الكبير, نذكر أن العودة إلى الله تنتظرنا, حتى إذا ما جاء الصوم وتعهدناه نفهم أن التوبة يجب أن تكون جدية لرؤية الفصح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر مِن عيد اليوم / الأحد 17 كانون الثاني 1999 / العدد 3

أهمية القديس البار انطونيوس أنه منشئ الرهبنة. ليس أنه لم يكن قبله نساك تتلمذ عليهم في مصر. ولكن المعروف أن الرهبنة ظهرت أيضا في الحقبة التاريخية نفسها أي في القرن الثالث في المدى القائم بين غربي حلب وإنطاكية في ما هو معروف بالمدن الدارسة في شمال سوريا. وضع سيرته القديس أثناسيوس الكبير بطريرك الإسكندرية المشهور الذي كان له الفضل في ضم هذه الحركة الناشئة إلى الكنيسة. قلت أن الرهبانية كانت حركة إنجيلية أصرّت على عيش الإنجيل كاملا بعد أن لاحظ انطونيوس شيئا من الفساد يتسرب إلى جماهير المؤمنين.

أراد حياة مسيحية منفَّذة في الصحراء لا زغل فيها ولا مساومة تقتضي تقشفا وضبط نفس ومحاربة للأهواء, ولكنها قائمة على المحبة والطراوة. بعده جاء القديس باخوميوس ثم باسيليوس يؤسسان الحياة المشتركة أيْ جماعاتٍ تحيا معا بقيادة رئيس مرشد تجب له الطاعة. تحوّلت الحماسة الأولى الحرّة إلى نذور وانتشرت في كل الأقطار شرقا وغربا.

اجل لم تخترع الرهبانية الفضائل. هذه كلها في الإنجيل. غير أن الرهبان بيّنوا كيف نكافح الرذائل. درسوها وعرفوا أحابيل الروح الشرير وكيف ننجو من الرذائل. وضعوا قواعد التحرر من الأهواء الضاغطة والتقنية لبلوغ الفضائل والحفاظ عليها. وأخذ المؤمنون عنهم جدية الحرب الروحية وجدية العيش مع يسوع. من هذا القبيل صار المثال الرهباني مثالا لكل الأرثوذكسيين ليس بمعنى أنه يجب أن ينقطع الأفضلون عن الحياة الزوجية, ولكن بمعنى أننا مرتبطون جميعا بروح الفقر والعفة والطاعة  أكنّا  عائشين في الدنيا أم منقطعين في الأديرة.

إلى جانب هذا الأساس قام الرهبان بعمل جليل جدا وهو أنهم هم الذين نظموا العبادات ووضعوا أسسها وتنظيمها. كل ما نمارسه من صلاة الجماعة (الساعات, السَحَر, الغروب, الكتب الطقسية) رتبوه وجعلوا له هيكليات. القداس الإلهي وحده أساسه أقدم من الرهبانية. ولكن الذين أعطوه ترتيبه الأخير وأهمهم عندنا يوحنا الذهبي الفم و باسيليوس كانوا من الرهبان.

مع هذا كله وضعوا تراثا في الأدب النسكي عظيم (ذوروثيوس الغزّاوي, يوحنا السلَّمي, اسحق السرياني) إن ذكرنا فقط الأكبرين, تراثا  نغتذي منه لإصلاح النفس في سيئاتها وتجاربها. جوهره مفيد لكل الناس.

كذلك أسهم بعض منهم مثل يوحنا الدمشقي و صفرونيوس (كلاهما من دمشق) و مكسيموس المعترف بكتابة اللاهوت الصرف بحيث أمكن القول أن ما من حقل معرفيّ في الكنيسة لم يُسهم به الرهبان.

غير أن الحياة الروحية امتداد في حياة الناس. وهذا ظاهر بنوع خاص في روسيا والغرب حيث كل النشاط الثقافي كان يظهر في الأديرة ويمتد إلى الخارج. الصناعات والزراعة في روسيا نشأت في الأديرة. أنت تنصرف إلى وجه الله وتنتظر مجيء المسيح الثاني. هذا لا يفصلك عن العلمانيين ولكن يذهب بك إليهم لدعمهم في المحبة وحياتهم الاقتصادية.

ليس المجال هنا لتعداد النشاطات الكبرى التي قام بها الرهبان في بلادنا. خصوصيتنا نحن في الكرسي الانطاكي أنه كان لنا رهبنة تبشّر, تخرج إلى العالم. كانت الرهبانية الإنطاكية حية إلى القرن الثامن عشر ثم انطفأت عند الرجال حتى أعادها الله إلينا في مطالع الخمسينيات (دون أن تنقطع عند النساء في الأبرشية البطريركية في صيدنايا ومعلولا). عادت اليوم إلى دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي ودير السيدة في بلمّانا (أبرشية اللاذقية) وفي جبل لبنان. في هذه الأبرشية عندنا  اليوم خمسون راهبا وراهبة في كل أديرتنا (سيدة حماطورة, سيدة النورية, سيدة كفتون, مار ميخائيل بقعاتا, دير القديس جاورجيوس في قرية دير الحرف, دير القديس يوحنا ودير القديس سلوان في دوما ) تقوم كلها على النمط القديم.

باتت كل هذه الأديرة يقصدها المؤمنون للصلاة والتزود بالإرشاد. ولها منشورات نسكية ولاهوتية تسهم في بنياننا جميعا. كل هذا بدأ مع هذا الرجل العظيم انطونيوس.

Continue reading