Category

1999

1999, مقالات, نشرة رعيتي

بعد الظهور الإلهي/ الأحد 10 كانون الثاني 1999 / العدد 2

 أن كشف الثالوث الإلهي نفسه آبا وابنا وروحا قدسا على نهر الأردن بات علينا أن نسعى إلى ثمار العيد. بعض من هذا يأتينا من كلام الرسول أن الذي نزل إلى أسافل الأرض (في المعمودية وفي غلبته للجحيم) هو الذي “صعد فوق السماوات كلها ليملأ كل شيء بالروح القدس”. وقد تكلم بولس غير مرة عن مواهب الروح والفضائل. أما في رسالة اليوم فقد أكد على وجه من العطاء وهو أن الروح أعطى”أن يكون البعض رسلا والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين”.

المسيح نفسه هو الذي جعل بعضا في وظائف عضوية لخدمة جسده الذي هو الكنيسة. لذلك نتعامل مع أصحاب المسؤوليات على أنهم معيَّنون من فوق. ليس بشريّ أتى بهم. السماء أتت بهم. ليست الطائفة توظفهم. هم خدام لها من قبل من انتدبهم أي السيد, وله وليس للطائفة يقدمون حسابا. من احترمهم يحترم المسيح.

الرسل هنا ليسوا الاثني عشر. إنهم المنتدبون أن يكونوا وعاظا. الأنبياء لا يراد بهم أنبياء العهد القديم. إنهم الموهوبون أن يبلّغوا كلمة الله إزاء الأحداث الجارية. وهذه موهبة لا تنقطع إذ يرسل الله دائما من ينبّه ويوقظنا من خمولنا. المبشرون أراد بهم من يذهبون من منطقة إلى منطقة. “رعاة ومعلمون” يعني بذلك فئة واحدة أي أن الراعي هو المعلم. الراعي المعلم يراد به الأسقف. وهنا بولس قصد أن الوظيفة الأساسية للأسقف – ولو كانت له مسؤوليات إدارية- هو أن يكون معلّم الإنجيل.

لا شيء يدل أن “النبي” هو نفسه الأسقف. ولكن لا شيء يمنع أن يكون الأسقف حائزا موهبة النبوءة بحيث ينبّه الجماعة إلى ما يريده الله منها الآن. كذلك هو رسول. من حيث أنه معلّم جوّال. وبعد أن تنظمتِ الأبرشيات, رأت الكنيسة أنه يجب أن يستأذن أُسقف أبرشية أخرى ليعلّم فيها. وحتى إذا حصر تعليمه في أبرشيته فهو أسقف الكنيسة الجامعة, ويجلس في مجمع محلي أو مسكوني ليعلّم الكنيسة كلها.

فيما هو يمارس الرعاية يقوم “بعمل الخدمة” ومنها خدمة الفقراء. هو يوجّه ما نسميه اليوم العمل الاجتماعي وله أن يقرر بسلطان من هم المحتاجون الذين يجب مساعدتهم وعلى أي وجه تأتي المساعدة. وقد ينتدب في هذه الرعية أو تلك من يقوم بالعمل الاجتماعي, ويعيّن نهج التعاطي مع المحتاجين, ولا يقال له بوقاحة:”هذا مال آبائنا وأجدادنا” ولا علاقة لكَ بالمال الذي ننفقه محليا. هو المؤتمن على كل موجودات الكنيسة وهو مرجع الإنفاق.

والغاية من الرعاية “بنيان جسد المسيح” أي الكنيسة. تُبنى الكنيسة بتآزر الكل لأن للكل موهبة النعمة. تُبنى مع محبي يسوع بافتقاد الجميع بحيث لا يُهمَل أحد, بحيث نستمع إلى الكل بتواضع, ولكن نعلّم الكل, ولا يستبد نافذ بالرعية, ولا يكون أحد بديل الأسقف.

والغاية “أن ننتهي جميعا إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله, إلى إنسان كامل”. نحن في طريقنا إلى الإيمان الواحد المستقيم الرأي بحيث لا يبقى بيننا جاهل لقواعد الإيمان ومحتواه, ومن أدرك الإيمان هذا يعرف المسيح, يحبه. كل منا, إذ ذاك, إنسان كامل, والكنيسة تبدو إنسانا واحدا بكاملها. الكنيسة كلها في طريقها إلى الرب في اليوم الأخير وتبلغ قامته, “قامة ملء المسيح” لأنه يكون كل شيء فيها. عند ذاك يكتمل الظهور الإلهي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

السلام في الرعية/ الأحد 31 كانون الثاني 1999 / العدد 5

في هذه الأبرشية حاولنا أن نسترضي المسيح كلنا بعضنا مع بعض. والفضل في ذلك لله وحده الذي أَلهمَنا جميعاً محبته. ويشهد الله, على رغم تقصيري, أن المحبة هي رباطنا وأن روحاً آخر لم يحرّك راعيكم. وما من شك عندي أن إخوتي الكهنة لم يستسلموا لحزازات محلية أو ردّات فعل. طبعاً قد لا يكون مخلوق حراً من النزوة. غير أننا حاولنا أنا وأنتم أن نعمّق المحبة لنفتش عما يداوي ويبلسم الجراح. ذلك أننا تعلّمنا معاً أن يصبر أحدنا على الآخر وأن يُسكت في نفسه صرخة الغيظ. لم نهزم أحدنا – أنا وأنتم ورعاتكم – أمام ضيق الصدر وأمام الغضب.

لقد حاولت أن أبيّن لكم أن خير سلوك في الرعية أن نُحْسن الظن بالإخوة وأن نصدّقهم في ما يقولون وألا نسيء الظن إلا إذا ثبت بصورة قاطعة. مَشَينا معاً على الثقة وعلى الغفران. وعلّمنا وتعلمنا أن كلا منكم ضروري في موقعه لأنه بنّاء في رعيته والأبرشية بمنصب كان أو بلا منصب. فإن المسؤولية ليست في مناصب الإدارة ولكنها في التواضع والوداعة ودراسة الكلمة إلهية وافتقاد المساكين. وفي هذا كله كان بينكم مبرزون. ومن الطبيعي أن يأتي تعاوني مع الذي يبدو على هذه المزايا وألا أُبعد عن قلبي المهملين أو الفاترين ولو ذكّرتهم أن حرارة القلب هي التي اللهُ طالبُها.

تسلمتُ من قيادة الكنيسة العليا أبرشيتكم منذ ما يقرب 29 عاماً. عمّّرناها معا بالروح القدس. ما بنيتُها وحدي لو لم تستجيبوا, و عمّرها كل كاهن في قريته على قدر ما وهبه الله من نعمة وعلم وحكمة. والحكمة نعمة من نِعَم الروح. ولكنها فضيلة نادرة تتطلب أولا أن ندرك كلمةَ الله بمعانيها وامتدادها, ولكنها فيها جانب بشري وهي معرفة الناس والبيئة والظروف. من هنا أنها لا تكمل في أحد على هذه الأرض. ولذلك هناك محل للغفران, ومن الغفران النسيان وأن نسير كل يوم بقوى متجددة ومجددة. فكما أن الخطأ هو في اعتبار كلمة الله وحدها مرشدة, كذلك الخطأ أن يتذاكى الناس ويظنوا أن الحكمة البشرية وحدها كافية وأن الدنيا تسويات.

هناك مواقف مبدئية لا نستطيع إهمالها لئلا نقع في خيانة الرب. ومن هذه المواقف أن نحترم بعضنا بعضا تعبيرا عن محبتنا بعضنا بعضاً. لعل على الأرثوذكسيين أن يقتنعوا أكثر مما سبق أن الأسقف والكاهن شخصان قال الله فيهما: “لا تَمسّوا مُسَحائي” (مزمور 105: 15) . من هنا أن لا مكانة للنميمة والانتقاد في المجالس والكيد, وإن من كان له مأخذ عليه أن يعبّر عنه للشخص المسؤول. الخوف من أن يكون في نفسك نتوء لأن النتوء يولد العداوة. وما أسهل من انتشار العداء أو الغيظ والراعي لا يعرف عنهما شيئاً. يجب نكء الدملة طلبا للصراحة, والمصارحة طريق إلى المصالحة. هل تذكرون في أول إفشين من أفاشين التوبة أننا نستغفر الله عمن “وقعوا تحت لعنة كاهن”؟ واللعنة لا تعني شيئاً لسانيا بالضرورة ولكنها تعني دائما أن يبعدك الكاهن (أو الأسقف) عن قلبه لكونك أحزنته. قد يكون الرئيس الروحي ظالما فيستبعدك عن داخله. ولكن ربما أنت ظلمته فأحزنته. 

لا يكن أحدكم وطأة على الراعي أية كانت مرتبته. إنه يخدمكم بفرح الرب وتفويضه. نحن نقبل بعضنا بعضا في سلام المسيح, ولا يحجب أحدنا الآخر ولا يحاول أن يزيحه لأن لكل منا مقاما في جسد المسيح. فإذا كنا نَموت بعضنا عن بعض فالأولى أن نُفرح بعضنا بعضا.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

معنى مجلس الرعية/ الأحد 3 كانون الثاني 1999/ العدد 1

تشريع له قصد وله منفعة وله روح, وإذا مورس بلا قصد وبلا روح يصير أداة موت. هكذا “نظام المجالس في الكرسي الانطاكي”. غايته انه “هيئة تُعاوِن الكاهن بالتربية الكنسية وإنماء الحياة الروحية وتنمية موارد الرعية المالية”. لا بحث إذاً بإقصاء كاهن أكان من مواليد الضيعة أم من ضيعة أخرى. الكاهن خادم الله ولا شأن له بانتساب جغرافي. من أي شيء يخاف الذي لا يريد هذه الرئاسة؟ من بيع الأوقاف؟ هو لا سلطة له على ذلك, وليس لكل الرعية مجتمعة سلطان على ذلك. الغاية من المجلس أولاً التربية الدينية, وثانيا المال وجبايته. وهذا ما لم نصل إليه إلا قليلا وفي بعض الأماكن فقط.

سؤال آخر كيف يتم تشكيل هذا المجلس؟ جواب المادة 4 “بالتفاهم بين راعي الأبرشية المعينة”. كلا لا يحدد ما إذا كان على المطران أن يسأل عددا محددا من المؤمنين. يعود المطران إلى تقديره وحكمته. أي نحن أمام استمزاج ولسنا في انتخاب المؤمنين جميعا. اقترحنا في مقال سابق انتخابا ديمقراطيا وجاءنا الرفض من أمكنة عديدة. التشكيل إذاً تعيين يحمل مسؤوليته راعي الأبرشية. الخيار أن ينتخب الشعب كله أو أن يعيِّن المطران. إذاً يأتي كما يأتي. ويراقب مسيرته المطران والرعية  معا. فهناك شكوى من الناس وتنبيه من الراعي أو لوم. وعند الخطأ الكبير حلّ. لا شيء يمنعه, كما أن لا شيء يمنع إضافة أعضاء جدد. الحياة متحركة ولا سيما إذا الرعية راقبت وسألت عن سير الأعمال. بلا التلاقي الدائم بين المجلس والرعية لا تستقيم الأمور.

أما لماذا جيء بهذا ولم يؤتَ بذاك فلا يمكن أن يحشر الناس كلهم معا. ويمكن ألا يبرز هذا أو ذاك بين المصلّين (وهذا شرط) فلا ينتبه إليه الناس ولا يذكر اسمه. لا يمكننا أن نعرف, حقيقة, جميع المؤمنين. المهم أن يتم إجراء ما, تتشكّل بعده هيئة المجلس. التجديد هو روح القانون. ولذلك أحسنت المادة 10 القديمة بقولها: “تنتهي كل سنتين عضوية ثلث المجلس”. هذه المادة حتى بعد تعديلها (إذا صارت المدة 4 سنوات) تحمل فكر المجمع الذي لا يريد أن يبقى أحد مدة طويلة. السبب هو الآتي:

– إن يُشرك العدد الأكبر من الناس في الخدمة لتصبح المسؤولية متداولة. انطلاقنا أن السلطة تغري وتقود إلى الاستئثار بالرأي والتصلب. الوجوه الجديدة يمكن أن تحمل فكرا جديدا. والهيئة الجديدة بسبب تدقيق افضل يمكن أن تكون اكثر تنوعا. مجلس الرعية مكان للفهم والتدرب معا. لذلك لا بد فيه من عنصر الشباب بما فيه من حماسة.

لا يمكن أن تتجدد ألا بالاستغناء عن القدامى أو معظم القدامى. المشاركة الأكبر تقضي بذلك. قد يرى العضو نفسه مفيدا جدا وقد نراه كذلك. ولكن كل رعية صالحة فيها أخيار قادرون على الخدمة. وهذه ليست محصورة بهيئة المجلس. المجلس الفهيم الحي هو في حالة تشاور مع كل الفاهمين.

السؤال الأخير هو هل من تمثيل عائلات. المادة 5 تقول: “يتألف المجلس من ثلاثة أعضاء إلى 15 عضوا حسب النسبة العددية للرعية, ويحدد راعي الأبرشية عدد الأعضاء بقرار”. فإذا تعيّن فقط 3 أعضاء في قرية تعدد 5 أو 6 عائلات, يعني ذلك أن ليس عندك تمثيل عائلي. وإذا كان عندك 20 عائلة مع فروعها ولا تقدر أن تتجاوز 15 عضوا, معنى ذلك أن ليس عندك تمثيل عائلي. ثم لماذا لا يؤخذ 2 أو 3 من بيت واحد إذا كانوا عظاما؟ في العهد الجديد: “انتم جسد المسيح وأعضاؤه أفراداً” (بولس الرسول). ذِكْرُ العائلة أساسا للرعية لم يرد مرة في الإنجيل.

إذا لم نَبْْنِ على هذا الإنجيل نكون قد بَنَينا على الرمل.

Continue reading